فوضى الصناديق

في محاضرته الشهيرة “قصة عقلين” والتي يتحدث فيها مارك جونجر عن الاختلافات بين طريقة تفكير المرأة وطريقة تفكير الرجل، وبغض النظر عن صحة أفكاره تلك وصياغتها الكوميدية، إلا أن فكرة “الصناديق” المنفصلة استهوتني.

قمت بتسمية صناديق عقلي المتخيلة، وأصبحت أًخمن أحجامها وأشكالها، والقصص التي بداخلها. لا أستطيع أخذكم في جولة عبر كل الصناديق، لكن سأحاول الحديث عن بعضها.

سأتحدث أولاً عن صندوقي المفضل، وهو “الفراغ” وهو الذي تحدث عنه جونجر بشكل حرفي “Nothing Box”.

الفراغ صندوق متوسط الحجم (أفهم أن الفراغ لا يستلزم مساحة، ويمكن أن يكون الصندوق شديد الصغر، لكنه متوسط الحجم لسبب أجهله، كما أجهل أن يكون للفراغ حيز، صندوق). أقوم باستخدامه عدة مرات يومياً. في هذا الصندوق الفارغ أسرح أوقات طويلة، وعندما يسألني أحدهم: بماذا تفكر؟ وأجيبه “لا شيء” أكون صادقاً تماماً لحظتها، أو أظن ذلك على الأقل.

الصندوق الثاني كثير الاستخدام هو “قصص تنساها خلال 24 ساعة” وهو صندوق بمثابة سلة مهملات محددة الوقت، تبرمجت وفق شعار “المحتويات تحذف بعد 24 ساعة”. كل اللحظات الحرجة العابرة، هفوات اللسان المؤذية، الحماقات اليومية المعتادة، توضع في هذا الصندوق. بعضها يحذف فعلاً بعد 24 ساعة، لكن بعضها يبقى في الذاكرة بصورة غامضة، كجرثومة أو فايروس خامل، قد ينشط في أي لحظة، قد يتحول لصناديق أخرى رغم إرادتي، وهذا مزعج.

الصندوق الثالث  اكتشفته مؤخراً، يحمل عنوان “مشاريع ملعونة”. لا أعرف إن كان صندوقاً قديماً اختار أن يثور فجأة، أو صندوق جديد كلياً.

كانت المشاريع المؤجلة في السنوات السابقة تهيم على وجهها في عقلي دون مستقر. اتعثر بها أحياناً بين الصناديق، ويطويها النسيان غالباً. لكن بعد بلوغي الثلاثين غيرت “مشاريعي المؤجلة” من نمط تعاملها معي، وأصبحت أكثر قوة وتماسكاً، وتجمعت في صندوق بشع وثقيل، يقلق راحتي كل لحظة، أصبحت لعنة. لا أظن أنني قادر على تجاهلها بعد الآن. لن أقول أنه صندوق متعفن كجثة، لكنه معتم، ولا يشبه الشعارات المشرقة التي تطلق على المستقبل عادة، ذلك الذي لن نراه على الأرجح بسبب حرب نووية قريبة، مؤجلة، مثل مشاريع هذا الصندوق.

أكثر الصناديق إثارة للجدل في عقلي، صندوق “النسيان”. وهو يحوي كل ما لا أريد تذكره. عندما أقذف شيئاً في صندوق النسيان، يبدأ بمطاردتي. رائحته تصبح في كل خلاياي. أستطيع أن أراه في كل النواحي. صندوق النسيان هو أكثر صناديقي اضطراباً، وكلما ألقيته بعيداً في مخازن العقل، وجدته مرتزاً في صدارة الأشياء. صندوق النسيان ضد اسمه، وكأنه صندوق التذكر الأبدي.

للصناديق روح، ولها مادة تكونها. للصناديق رائحة، وسطح يمكن لمسه. للصناديق صوت تصدره عند ارتطامها بأرضية مكان، وبعضها يعزف كعلبة موسيقى، وأخرى تنشز وتزعج مثل التنك . للصناديق تاريخ صلاحية لا نعرفه. للصناديق لون، بل لها طعم يمكن تذوقه، يشبه طعم أشجار الغابات الاستوائية. للصناديق أنظمة سلامة، ومخارج طوارئ، لو أخفقنا في صيانتها قد نخسر كل شيء، فالصناديق في نهاية المطاف، قابلة للاشتعال. لكن، هل تعرفون الفوضى الهائلة التي تحيط بكل هذه الصناديق لحظات ما قبل النوم؟

عشرة أغاني عراقية عليك أن تسمعها قبل أن تموت

يمكن وضع قوائم تحوي مئات الأغاني العراقية الرائعة، لا 11 أو 12 أغنية كما فعلت في هذه التدوينة. لكن الاختيار هنا شخصي إلى حد كبير.

قد يتقاطع اختياري مع تفضيلات الفنان أو الجمهور، على الأرجح سيعتبر جمهور فؤاد سالم أغنية (مشكورة) أهم أغانيه، لكن هذا لا يحدث كثيراً في هذه القائمة، ولم اختار الأغاني وفق هذا المعيار. اخترت أغنية “مسافرين” لياس خضر، بينما جمهور ياس خضر قد يفضل “حن وأنا احن” وقد يفضل ياس أغنيته “اعزاز” كما يقول في مقابلاته. اخترت أغنية “البارحة” لسعدون جابر بينما الفنان قد يفضل “يا طيور الطايرة” وجمهوره قد يفضل “عشرين عام”.

اخترت أغنية فاضل عواد “حاسبينك” ليس لأنها أجمل من “لاخبر” فقط، ولكن لأن الأغنية الأخيرة مشهورة جداً، وأشعر أن “حاسبينك” لم تُسمع كما يليق بها أن تُسمع. وهذا ينطبق على ناظم الغزالي أيضاً، والذي لم أختر له أغنية رغم أنه واحداً من أهم الفنانين العراقيين في القرن العشرين، وهذا مرتبط بمحدودية القائمة وشهرة الغزالي الهائلة. وهذا ينطبق على سليمة مراد، ومحمد القبنجي، وغيرهم من الفنانين العراقيين الكبار الغائبين عن هذه التدوينة.

استبعدت مطربي الريف العراقي رغم روعة أغانيهم، حضيري بوعزيز وداخل حسن يستحقون أيضاً أن يكونوا في القائمة، ولكن هذا لم يحدث. ربما لأن المزاج العام الذي حكم هذه القائمة أن تكون مختصرة، وطربية، وبتسجيلات واضحة قدر الإمكان.

ترددت كثيراً في وضع أغنية ليوسف عمر في القائمة، رغم كونه أفضل فنان عراقي عندي مطلقاً. والسبب أن صوته وأسلوبه في الغناء قد لا يعجب الكثير، وتسجيلاته الواضحة قليلة، لكن هذه القائمة أيضاً لا تخضع لهذا المعيار.

لا يوجد معيار يتعلق بالزمن، أو نوع الأغاني. كما أن الترتيب “شبه” عشوائي.

كنت أود الكتابة عن كل أغنية بصورة محددة، لكنني تراجعت، الكتابة عن الأغاني صعبة جداً، خاصة تلك التي تتعلق بمشاعرك تجاه هذه الأغنية أو تلك، لذا تركت الأغاني “عارية” أدناه.

 

 

ياس خضر – مسافرين

https://soundcloud.com/ali-mansoury-1/sbcaewkisggd

 

فاضل عواد – حاسبينك

https://soundcloud.com/dayes-m/rgpowsjbvg63

 

رياض أحمد – مرة ومرة

https://soundcloud.com/maharezeq/vr2vlscsrtc4

 

حسين نعمة – شكَد صار أعرفك

https://soundcloud.com/ab_eer-1/p0sx7vz17plp

 

حسين الأعظمي – مقام نهاوند

https://soundcloud.com/shadymasood/maqam-nahawand-hussein-al-adhami

 

حميد منصور – سلامات

https://soundcloud.com/balrashed5/lpqvigvn63iz

 

فؤاد سالم – مشكورة

https://soundcloud.com/10planet/qrzqmviypgjf

 

سعدون جابر – البارحة

 

https://soundcloud.com/balrashed/i2atk8bmvyfo

 

طالب القرغولي – الخلخال

https://soundcloud.com/balrashed555/hkc6fjidytpi

 

 

قحطان العطار – على الميعاد

https://soundcloud.com/bassam-alkhalde/uxnf074uxo3z

 

يوسف عمر – مالي أرى القلب (مقام نهاوند)

https://soundcloud.com/balrashed55/ppo4jtdmuj0s

 

صالح الكويتي وداود الكويتي – وين العهد

https://soundcloud.com/saad_f/wain_al3had

 

 

وعود ميلان كونديرا في الرواية – الجهل

لم أشعر برغبة الكتابة عن رواية، مثل رواية ميلان كونديرا “الجهل”، العمل الذي شعرت به يطاردني لأسابيع، رغم قصره. لدي حب خاص لكونديرا رغم أنني لم أقرأ له – قبل الجهل – إلا عملاً واحداً، هو “كائن لا تحتمل خفته” أو “خفة الكائن التي لا تحتمل” باختلاف الترجمات التي فشلت غالباً في ترجمة عنوان الرواية الذي يتحدث عن “الكينونة” لا “الكائن” إن صحت ترجمة (Be) الإنجليزية إلى كينونة، لعدم وجود مرادف “مباشر” لها في اللغة العربية.
راودني السؤال التقليدي، الذي أظنه يصادف أي قارئ لكونديرا، ويتحدث عنه نقاده باستمرار، أعني ذلك المتعلق باستطراداته الفلسفية، وشخصياته التي تبدو غالباً بمستوى ثقافي واحد. وهنا أتذكر أن الروائي السعودي فهد العتيق، وهو بالمناسبة قد كتب إحدى أفضل الروايات السعودية رغم قصرها، أعني “كائن مؤجل”، تحدث مراراً عن تلك “المشكلة” عند كونديرا، مرة قبل سنتين أو ثلاثة إن لم تخني الذاكرة، ومرة قبل قرابة العشرة سنوات.
في رواية “الجهل” يبدو التنظير أكثر وضوحا، ومباشرة، من رواية “خفة الكائن التي لا تحتمل” بسبب الموضوع على الأرجح والذي يدور حول الغربة، وبسبب قصر الرواية. تداخل الأصوات في الرواية يصل لحدودة القصوى، تشعر هنا أن كونديرا يتكلم بنفسه، وهنا الراوي، وهنا الشخصية، لكن كل الأصوات لا تختلف عن كاتبها في طريقة التفكير، كما تشعر أن الشخصيات تتوافق ثقافيا، أو بتعبير أخر “كلهم فلاسفة” كما يعبر العتيق إن لم تخني الذاكرة. لكن السؤال فعلاً: ما المشكلة؟!
صحيح أن هناك نظرة كلاسيكية للرواية، تركز على تباين الشخصيات، وعمقها، وغياب الاستطرادات والتنظيرات المباشرة باعتبارها مملة، لصالح الحبكة والسرد والتنوع والعمق في القص والرواية، إلا أن وعود كونديرا تبدو مغايرة، فهو يقول لك أنه يكسر كل هذا، ويقدم تنظيراً محضاً تارة، وشخصيات متشابة تارة أخرى، واستطرادات فلسفية مطولة، ويستشهد بكتّاب وقواميس وكتب في روايته، إلا أن هذا لا يقلل من قيمة روايته!
وكأن وعود كونديرا أن يكتب بشكل يخالف القواعد، ليقول أنه لا توجد قواعد، وهذا صحيح. ربما يقوم كاتب بالكتابة بنفس الطريقة، لكننا نعتبر عمله تافهاً ومملاً، ومليئاً بالحشو والاستطرادات التي بلا قيمة، ثم نعود للحديث عن القواعد، وهذا يحدث أيضاً.
ربما نجد نفس هذه الملامح في روايات أخرى، إلا أننا لا نعتبرها سمة رئيسية كما نتحدث عنها في أعمال كونديرا. إن لم أكن واهماً، فقد قام بهذه الاستطرادات الفلسفية جوزية ساراماغو في رواية “قايين” وربما في “انقطاعات الموت”. في رواية “قايين” كان صوت ساراماغو صاخباً، وساخراً، وحاضراً بشكل مكثف في الرواية.
في رواية “الجهل” يتحدث كونديرا عن الغربة والوطن، والعودة بعد طول غياب. وتبدو استعارة الجهل لوصف الغربة ملفتاً ومثيراُ، يبدأ كونديرا روايته وكأنها كتاب لغوي، يتحدث فيه عن جذور كلمة غربة واستعارتها في لغات مختلفة، يكتب: “يبدو الحنين كأنه مكابدة الجهل. أنت بعيد ولا أعرف كيف أصبحت. بلدي بعيد ولا أعرف ما يحدث فيه”. ثم تأتي قصة مهاجرين من التشيك، هاجرا إلى فرنسا لعقدين من الزمن، ثم بعد انهيار النظام الشيوعي في براغ جاءت لحظة مواجهة أسئلة الوطن والغربة والعودة والمهجر من جديد. لحظة إعادة تعريف كل شيء.

 

تزفيتان تودوروف الذي تنبأ بكل شيء

 

 

ورحل الفيلسوف البلغاري – الفرنسي تزفيتان تودوروف، في الوقت الذي رأى، قبيل وفاته، كل مخاوفه التي قضى عمره في التحذير منها، تتجسّد أمامه في أكبر الديمقراطيات الغربية، الولايات المتحدة.
رُسمت توجهات تودوروف باكراً، عندما قضى سنواته الأربع والعشرين الأولى في ظل نظام شمولي، هو النظام الشيوعي البلغاري، قبل أن يغادر صوفيا، ليستقر في فرنسا، ويصبح أبرز مفكريها، أو أبرز “مؤرخ أفكار”، كما يصف تودوروف نفسه، وهو الذي انطلق من النقد والأدب، للدخول إلى تأريخ الأفكار والإيديولوجيات.
يمثل تودوروف حالة بارزة عالمياً، بتمسكّه بـ “قيم التنوير”، في الوقت الذي بدا الكثير بتجاوزها، إما رفضاً لـ “المركزية الأوروبية”، باعتبار التنوير حالة غربيةً لا تحمل أبعاداً خارج القارة القديمة، أو لأن التنوير أصبح سلطة أخرى، أو وهماً آخر، و”سردية كبرى” يجب أن تذوي، في وقتٍ بدأ البشر فيه بالتحرّر من أوهام كثيرة بعد الحرب العالمية الثانية، كما في “سرديات” ما بعد الحداثة.
إلا أن تودوروف نافح عن الأنوار، في مقابل تحريرها من سياقها الأوروبي، ومحاولة إعطائها بعداً عالمياً، فكانت رؤيته قائمة على “حضارةٍ” يمكن أن يشترك فيها جميع البشر، في الوقت الذي لا تنفي هذه الحضارة ثقافات البشر وهوياتهم وتعدّدها. يكتب تودوروف في “الخوف من البرابرة”: لا توجد إنسانية شاملة. .. لو حرمنا البشر من أية ثقافة خاصة، فإنهم بكل بساطة لن يعودوا بشراً.
رأى تودوروف مبكّراً مهدّدات الديمقراطية في عالم ما بعد انهيار جدار برلين. واعتبر في كتابه “أعداء الديمقراطية الحميمون” أن الديمقراطية مهدّدة من الداخل. صدرت الطبعة الفرنسية الأولى من الكتاب في 2012، والترجمة الإنجليزية في 2014، أما الطبعة العربية فكانت في 2016، ليظهر الكتاب وكأنه نبوءة “تفصيلية” للتحذير من انهيار الديمقراطية في أوروبا وأميركا تحت وطأة صعود اليمين المتطرف، والخطاب الشعبوي، إضافة إلى هيمنة “الرأسمالية المتوحشة”، باعتبارها أبرز مهدّدات الديمقراطية من وجهة نظر تودوروف الذي اعتبر أن “غطرسة” الديمقراطية العنوان العريض لنقاط ضعفها. فبعد انهيار جدار برلين، وسقوط الاتحاد السوفييتي، لم يعد هناك خطر خارجي كبير يهدّد الديمقراطية التي هزمت خلال قرابة نصف قرن أشد أعدائها قوةً وصلافةً: النازية والشيوعية.
حارب تودوروف على الجبهة التي ترفض اعتبار الإسلام العدو البديل للديمقراطية بعد نهاية الحرب الباردة، وعارض بشدة أفكار صامويل هنتغتون عن صراع الحضارات، وردّ ببساطة: الصراع بين دول، ومصالح سياسية، لا بين ثقافات وأديان.
يرى تودوروف أعداء عدة للديمقراطية، يتحدّث عن بعضها، أو عن التي يصفها بالأقرب إلى تجربة حياته في ظل نظام شمولي. يتحدّث عن “الشعبوية”، والتي يراها مضادّة للعقلانية، وساحقة للحريات الفردية. وكما يرى الخطر في الليبرالية القصوى أو الليبرالية المتطرّفة (Ultra Liberalism)، والتي جعلت الاقتصاد والرأسمالية المتوحشة محور كل شيء، في هيمنةٍ على السياسة والإعلام والقضاء، بدل أن تصبح هذه المجالات مفصولةً عن بعضها، كما يشير إلى خطر الأيديولوجيات الخلاصية (Messianism).
يأسف تودوروف على تغيّر مفهوم “الحرية” في أيامه، حتى أصبحت أحزابٌ أوروبيةٌ كثيرة تجعل الحرية شعاراً لها، تتبنّى سياساتٍ معاديةً للأجانب، أو ترسخ أجندة الإسلاموفوبيا، أو تتبنى أيديولوجية وطنية متطرّفة، بينما يرى الحرية مرحبةً بالتعدّدية وقائمة على القبول بالاختلاف. لكن التحول الأهم الذي شهده تودوروف، عطفاً على موضوعه، سيكون صعود اليمين المتطرف في أوروبا الغربية من جهة، وتربع الخطاب الشعبوي على سدة الحكم في أكبر الديمقراطيات الغربية، الولايات المتحدة، بعد دخول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.

 

نُشرت في  9 فبراير 2017

تزفيتان تودوروف يخوض الرعب والأمل في “الخوف من البرابرة”

 

 

 

لا يذهب تزفيتان تودوروف في كتابه “الخوف من البرابرة: ما وراء صدام الحضارات” إلى حد نفي البربرية كحالة كما يقول شتراوس “البربري هو من يؤمن بوجود البربرية” بل على العكس من هذا يرفض تودوروف عبارة شتراوس ويؤكد على وجود البربرية، لكنه يحددها بمحددات واضحة، فالبربرية حسب تودوروف هي حالة نفي إنسانية الآخر، وهي وصف لوضعيات وأعمال – كما الحضارة تماما – أي أنها لا تعطي توصيف ثابت للإنسان أو وصف جوهراني لهوية الشعوب.

في تلك المعمعة من المصطلحات المتشابكة والمتداخلة، يحاول تودروف أن يكون أكثر تحديدا، إذ يفرق بين الحضارة والهوية، باعتبار الحضارة تمثل ما هو مشترك إنساني قيمي، والهوية تمثل ما هو ثقافة محلية خاصة، ويؤكد أهمية الثقافة بقوله “لا يوجد إنسانية شاملة: لو حرمنا البشر من أية ثقافة خاصة، فإنهم بكل بساطة لن يعودوا بشرا” هنا يتم الحديث بالتوازي عن ما هو خاص بالإنسان كمكون ثقافي، وما هو مشترك إنساني كحضارة شاملة.

في ملاحظة طريفة تفسر الكثير من الأحداث حولنا، يشير تودوروف إلى أن “الخوف من البرابرة هو الذي يُخشى أن يحولنا إلى برابرة” حيث يحدد الخوف كمبرر لارتكاب أبشع الجرائم في حق البشرية، باسم حماية الإنسان لنفسه أو من يحب، من الآخرين، وكيف تحول هذا المبرر إلى أفعال قتل وتعذيب وجرائم ضد الإنسانية، ويشير هنا إلى التغيرات التي ضربت العالم الغربي بعد أحداث سبتمبر، وكيف أنه من أجل سياسات الحماية والنضال من أجل قيم الديمقراطية “نجد أنفسنا مدفوعين للتخلي عنها!” على حد تعبير تودوروف.

يحاول تودوروف تحليل الخوف من الإسلام في أوروبا، ويعيد المسألة إلى جذورها التاريخية لا يكتفي بتسطيح المسألة من خلال الحديث عن أحداث آنية. حيث يشير في معرض كلامه إلى الجذور القديمة لصراع الإسلام مع المسيحية، والحروب الصليبية، والاستعمار الأوروبي الحديث، والهجرة، وبالتأكيد تحكّم المسلمين والعرب بأهم سلعة في العالم اليوم “البترول” محددا معنى التحضر بأنه الإقرار بإنسانية الأخر، وذلك لا يتحقق إلا عبر مرحلتين “نكتشف بأن للأخرين أنماط عيش مختلفة عنا” والمرحلة الثانية “نتقبل بأنهم يتشاركون معنا بالإنسانية نفسها” وإذا تعريف تودوروف للتحضر قائم على الوعي بالاختلاف والتعدد والقبول به بل اعتباره جزء من إنسانيتنا. لذا يحدد الإنغلاق على الذات كمؤشر من مؤشرات البربرية، بل يحدد الانتقال من البربرية إلى الحضارة بأنه “الانفصال عن الذات للتمكن من معاينتها من الخارج كما بأعين الأخرين” أي أن التحضر قائم على تفهم الأخرين وتخيل أنفسنا محلهم لتفهم دوافعهم وأنماط عيشهم. ويؤكد هنا بأن الحروب لم تقم بسبب التعددية، بل بسبب عدم تسامح أصحاب النفوذ.

ينتقد تودوروف في معرض حديثه عن الحضارة والبربرية مفكري الأنوار الرافضين للنسبية الرافضين للتجديد في قيم الأنوار الأساسية ويصفهم بأنهم مجرد مدافعين عن الثقافة الغربية التي يرونها متفوقة. ويعتبر هؤلاء بأنهم يتنكرون لتراث الأنوار الحقيقي القائم على شمولية القيم وتعددها في آن.. ففي فصل الهويات الجماعية يكتب تودوروف مستنكرا تأسيس “وزارة الهوية الوطنية” في فرنسا، وتدخلها فيما يسمى “سياسة الذاكرة” من خلال الحديث عن من يستحق التمجيد في التاريخ الفرنسي ومن لا يستحق، وكيف أن هذه السياسة تناقض علمانية الدولة الفرنسية إذا تقوم سياسات تلك الوزارة على تحديد ما يجب على المواطنين أن يعتقدوه !

يؤكد تودوروف “ليست الهويات بحد ذاتها هي التي تتسبب بالنزاعات، وإنما النزاعات هي التي تجعل الهويات خطرة” وهنا يعود ليتحدث عن الإسلاميين والإسلام، ويشجب استخدام لفظة “مسلم معتدل” وكأن المسلم بأصله وجوهره متطرف! وهنا يشير تودوروف إلى أن المشكلة لا تقوم على أسس اختلاف في التأويل الفقهي داخل المجال الإسلامي بين تأويلات متطرفة ومعتدلة، بقدر ما تقوم على أساس الشعور بالقهر والإذلال، لذا يعتبر أن حل الخلاف مع المسلمين ليس دينيا ولا ثقافيا وإنما حل سياسي. وهنا يشير تودوروف إلى أزمة الضواحي في فرنسا وإندلاع العنف سنة 2006م وكيف أنها إلصقت في فرنسا بالإسلاميين رغم أن كل المؤشرات أكدت على أن الدوافع طبقية ولا يود أي حركات منظمة لذلك العنف، حتى أن أكثر الفرنسيين تطرفا جان ماري لوبين نفى أن تكون تلك الأعمال التخريبية قامت لأسباب دينية.

يشير تدوروف إلى حالة “فقدان الهوية الثقافية” خاصة بين أبناء المهاجرين من الجيل الثاني في فرنسا، فلا هم الذي ورثوا هويتهم الأم ولا اندمجوا واكتسبوا هوية المحيط الجديد الذي ينتمون إليه. وهذا ما يفسر صعوبات إندماجهم في المجتمع الفرنسي. وهنا يشير إشارة طريفة بقوله “إن الأجانب الذين يود هؤلاء الفتية تقليدهم ليسوا أئمة القاهرة وإنما مغنوا الراب في لوس أنجلس.”

يتداخل في كتاب تودوروف الحديث عن الهوية والثقافة والدين، مع الطبقة وصراع البروليتاريا ضد الرأسمالية، والخوض في تاريخ الاستشراق ومحاضرة رينان “ما هي الأمة؟ ” ثم يعود لأحداث سبتمبر واحتلال العراق وفضائح أبو غريب وجوانتنامو وسياسات التعذيب في الولايات المتحدة الأمريكية التي أقرتها الحكومة إبان انتخاب جورج بوش الابن.

يطرح تودوروف في حديثة عن “الحركات الإسلامية والتوتاليتارية” مقارنة طريفة بين الحركات الإسلامية والتنظيمات الشيوعية، فيعتبر كلاهما يشكوا من الظلم الاجتماعي والتفاوت الطبقي، وجميعهم يدعون الدفاع عن العالم الثالث في وجه الهجمة الإمبريالية الغربية، وأنهم لا يطمحون إلى مصالح خاصة، ويضحون بأنفسهم من أجل الصالح العام، وأنهم طليعيون وتقدميون ويقومون بتنظيم حركتهم هرميا من الخلايا حتى رأس المرشد. بالإضافة بالتأكيد إلى أفكارهم حول الأممية والوحدة الإيديولوجية وتخطي الحدود. ثم يبدأ بسرد الاختلافات بين الحركات الإسلامية والشيوعية، ابتداء بالموقف من الدين وانتهاء بالصراع على السلطة.

أما في حديثه عن الهوية الأوروبية يشير تودروف إشارة مثيرة إلى تعددية هذا التراث واختلاف بل تناقضه، فيقول على سبيل المثال ” إن فكرة المساواة بين الجميع وصلت إلينا من التاريخ الأوروبي، ومع ذلك فإن فكرة الاستعمار ليست غريبة أبدا عن هذا التاريخ”. كما يقول “إن الحماس الديني كالعلمانية ينتميان إليه (=التاريخ الأوروبي) بنفس القدر”.

يختم تودوروف الكتاب تحت لافتة “أبعد من الثنائيات” حيث يحاول الخروج من تلك الثنائيات الخير /الشر.. البربرية / الحضارة .. الإسلام / الغرب ..الخ باعتبارها غير حقيقية ولا تفيد تحليل الواقع، يقول تودوروف ” إن الانقسامات الثنائية السهلة بين الأنوار والظلمات، العالم الحر والظلامية، التسامح الرحب والعنف الأعمى تفيدنا عن غطرسة القائلين بها أكثر مما تفيدنا عن تعقيدات العالم الحالي” كما يشخص تودوروف في كتابة مسألة الهوية والحضارة والبربرية على عدة مستويات من خلال خمسة فصول وخاتمة، في الفصل الأول “البربرية والحضارة” يقدم صيغة لمحاولة الفهم بالحديث عن الحضارة والبربرية والأنوار والثقافات والهويات والاستعمار ..الخ. أما الفصل الثاني والذي جاء بعنوان “الهويات الجماعية” فيناقش تعدد الثقافات في عالمنا المعاصر ومسائل القيم والدولة والأمة. وفي فصل “حرب العوالم” يحاول تودروف تشخيص ما يحدث اليوم، صدام بين حضارات أم حروب دينية أو معارك سياسية، حيث يحاول مقاربة الحركات الإسلامية والحرب ضد الإرهاب. ويناقش خلال هذا الفصل عمليات التعذيب في أبو غريب وجوانتنامو وكيف كانت سلوكيات بربرية بامتياز رغم صدورها عن دول يفترض بأنها متحضرة.

ثم في فصل “الإبحار في قلب المخاطر” يواجه تودروف بالرصد والتحليل الساحة الأوروربية من الرسوم الكاريكاتورية ضد الرسول عليه الصلاة والسلام وحتى حادثة اغتيال أحد الهولنديين المعادين للإسلام. ثم يأتي الفصل الأخير بعنوان “الهوية الأوروبية” يتحدث عن الاتحاد الأوروربي سياسيا وثقافيا، ما يجمع هذه الدول وما يفرقها، وما هو مستقبلها.

كتاب الفيلسوف الفرنسي تزفيتان تودوروف “الخوف من البرابرة : ما وراء صدام الحضارات” من ترجمة الدكتور جان ماجد جبور وإصدار هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث ضمن مشروع كلمة للترجمة. صدرت الطبعة الأولى سنة 2009م ويقع الكتاب في 221 صفحة من القطع الكبير.

 

جريدة الرياض

27 – 10 -2012

http://www.alriyadh.com/779565

 

إجابة “أخلاقية” لسؤال العنف

اشتبك الباحثون والدارسون مع ظواهر العنف في حياتنا المعاصرة على عدة مستويات، في ظل طغيان الرؤى التي تربط العنف بالدوافع السياسية والاقتصادية، أو المشكلات الاجتماعية، والتركيز على المعالجات الأمنية والعسكرية للتعامل معه. ومع هذا، تفشّى العنف بصورة غير مسبوقة، وبدأ يعبر عن نفسه بطرقٍ أكثر دموية وقسوة، يمكن رؤية ذروتها بالعنف الاستعراضي لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
يبدو أن ميدان دراسات العنف انغلق على نفسه، فمن الصعب الكتابة عن رؤىً جديدة، أو مثيرة للاهتمام (ولا أقول صائبة)، خصوصاً فيما يتعلق بدراسات عنف الحركات التي تعرف على نطاق واسع بالحركات الجهادية. لكن، دائماً هناك مجال لأطروحات جديدة، وأزعم أن جواب طه عبد الرحمن على “سؤال العنف” يأتي برؤية مختلفة، تستحق الاهتمام، والاشتباك معها.
يشتبك طه عبد الرحمن مع مسألة العنف من خلال رؤيته التي ترتكز على الحوار والأخلاق. وذلك في كتابه الذي صدر أخيراً “سؤال العنف … بين الائتمانية والحوارية” عن المؤسسة العربية للفكر والإبداع، والذي يتكون من جزأين، الأول حوار معه حول العنف، والثاني دراسة له عن إيمانويل ليفيناس.
يقرّر عبد الرحمن، ابتداء، أننا نواجه العنف اليوم، بسبب “فقد الحوار وفقد الأخلاق، وعندما يُفقد الحوار وتُفقد الأخلاق في الوقت نفسه، فلا مفر من مواجهة أبشع صور العنف”. ويسلط الضوء على “العنيف”، أو الشخص المرتكب للعنف، في وقتٍ يحلل المشهد الديني الذي يؤدي إلى غرس “القابلية للعنف”، فيرى أن العنيف “متجبر” بالضرورة، وأنه “يأتي من الأفعال ما يوقعه في نسبة الكمالات الإلهية إلى نفسه؛ ذلك أنه يتماهى مع معتقداته الغالية واجتهاداته الشاذّة، فينفذ إلى لاشعوره الاعتقاد بأنه يمثل في الناس إرادة الله”. أما مظاهر هذا “التجبّر”، فيراها في الرغبة بالتسيد على الآخرين، والتكفير، والتقتيل، والتعذيب.
ربما لا توجد لحظة تلخص مظاهر التجبّر التي يتحدّث عنها طه عبد الرحمن، أكثر من فيديوهات الإعدامات التي ينفذها تنظيم الدولة الإسلامية، وكانت حاضرة من دون شك في ذهن عبد الرحمن، وهو يجيب على “سؤال العنف”، فهي تجمع التسيد والتكفير والتقتيل والتعذيب.
يرى أن “التشدّد الديني” و”الإيذاء المسرف” ناتجان عن أمرين، “فساد فهم النص” و”فساد فهم الواقع”، فيرى أن العنيف “تعامى عن مقاصد الشرع وأسراره”، في وقت استهتر فيه “بسنن التاريخ وقوانين الاجتماع وضرورات الواقع”.
وهنا يُعالج العنف، من خلال نموذج ديني وفقهي مختلف عن النموذج السائد، فإذا كان هذا يقوم على “النموذج الأمري” الذي يؤدي إلى “القابلية للعنف”، من خلال “التذكير بالأوامر وما فيها من المنافع، وبالنواهي وما فيها من المضار” فإن عبد الرحمن يقترح ما يسميه “النموذج الشاهدي”، والذي يذكّر بـ “القيم الأخلاقية التي تتضمنها هذه الأوامر والنواهي”، فيقدم رؤية لعلاج العنف، قائمة على الحوار مع العنيف، وترسيخ قيم أخلاقية، تعالج “قابليته للعنف”.
تنطلق معالجة طه عبد الرحمن للعنف من رؤية مختلفة للإنسان والله والكون، قائمة على “الفلسفة الائتمانية” التي يدور مشروعه الفلسفي حولها بالكامل. لكن شمولية مشروع طه لا تنفي إمكانية الاستفادة جزئياً منها، خصوصاً في معالجته سؤال العنف، ورؤيته للفقه الديني، فحديث عبد الرحمن عن النموذج الفقهي السائد “الأمري” الذي حوّل الدين إلى مجموعة أوامر ونواهٍ، وتجاهل القيم الأخلاقية التي تقف خلفها، يقول الكثير عن المأزق الأخلاقي الذي نعيشه اليوم، وامتد من نفي الأخلاق عن السياسة والاقتصاد، ليصل، في نهاية المطاف، إلى نفيها عن “الفقه الديني”، والمفترض أن يكون آخر حصون “الأخلاق”، إلا أنه لم يكن كذلك، بحسب عبد الرحمن. وهنا، نعود مرة أخرى إلى الرؤى التي تطرح مشروعاً دينياً وفكرياً أوسع لمعالجة العنف، تتجاوز السياسة والاقتصاد والمشكلات الاجتماعية.

.

.

الإسلاميون و”قيم المجتمع”

يشعر الإسلاميون عموما، وفي السعودية تحديدا، بأن المجتمعات الإسلامية تواجه أزمة كبيرة في القيم، ويحاولون، وبصورة متكرّرة، طرح جواب على السؤال: كيف يحافظ المجتمع المسلم على قيمه؟ وهذا السؤال يعد نكوصا عن سؤال شكيب أرسلان التاريخي: لماذا تأخر المسلمون وتقدّم غيرهم؟
يستبطن السؤال الأول تراجعا وانحدارا، ويطمح للوصول إلى الحد الأدنى، الحفاظ على قيم المجتمع. بينما ينظر سؤال النهضة إلى المستقبل، وإن أقر بالتأخر، فهو يدعو إلى النهضة والتغيير.
أجاب الإسلاميون تاريخيا على سؤال “قيم المجتمع” بطرق مختلفة، فهناك من اعتبر الجواب في التربية، أو الوصول إلى الحكم والهيمنة على الدولة، وهناك من جعله في العودة إلى الجذور والإصلاح العقدي.
سار الإسلاميون في طرق مختلفة، أدّت إلى نهاياتٍ متباينة، فمنهم من انتهى به المطاف محبطا من تغير اجتماعي كبير، لم يستطع صدّه (الإسلاميون في السعودية، إخوان وسرورية). آخرون تحولت أفكارهم نفسها، ورؤيتهم للمجتمع والقيم الإسلامية وعلاقتها بالغرب (راشد الغنوشي وحركة النهضة التونسية نموذجا)، آخرون ما زالوا في فترة تغييراتٍ كبرى (مُفترضة) بعد الكوارث التي حلت بهم (الإخوان المسلمون خصوصا في مصر)، بينما فقد إسلاميون الأمل في الدولة والمجتمع، فتحول إلى العنف ومواجهة الكل (التنظيمات الجهادية).
يعود الداعية السلفي السعودي، محمد السعيدي، إلى موضوع تغير القيم بصورة مفصلة، إلى حد ما، في كتيبٍ عنوانه “الممانعة المجتمعية”، يحاول أن يشخص مشكلات تغير القيم في المجتمعات المسلمة، وأن يضع الحلول لها مختصرة.
ومع أن مصطلح “الممانعة المجتمعية” يبدو جذّابا، إلا أن السعيدي لم يأت بجديد في النقاش القديم الذي يعصف الدوائر الإسلامية منذ عقود، عن التغيرات الاجتماعية والتأثر بالقيم الغربية ومواجهة الغزو الثقافي…إلخ. وعدم وجود جديد ليس اعتراضا بحد ذاته، وإنما الإشكال أن هذه المعالجة القديمة لم تنجح في أوقاتٍ سابقة، فلماذا يتوقع السعيدي أن تنجح اليوم؟
لا يطرح السعيدي مفهوم “الممانعة المجتمعية” بديلا عن ترسيخ الدولة للقيم، لكن ما يمكن استبطانه من طرح السعيدي، والذي يركّز على المجتمع حافظاً للقيم، أنه يرى أن الدول التي قامت في المجتمعات الإسلامية لم تقم بواجبها في حماية القيم، فأصبح التعويل على المجتمع بديلا عن تقاعس هذه الدول.
يحسب للسعيدي شجاعته (وإن كان مخطئا) في تقرير أن المجتمعات الإسلامية فقدت قيمها منذ ألف ومائتي عام، واعتبار الانحراف بدأ منذ الدولة الأموية، وهذه رؤيةٌ “شجاعةٌ” لأنها منسجمة مع الرؤية السلفية. لكن لا يصرح السلفيون بها عادة، باعتبار القرون الأولى كلها مثالية. ومكمن الخطأ هنا في رؤية المجتمع كتلة واحدة، ينفي التعدّد داخله.
مواجهة تغيرات قيم المجتمع، في نظر السعيدي، تكون بالرؤية السلفية التقليدية القائمة على مفاهيم الإصلاح العقدي، والولاء والبراء، ورفض “التشبه بالكفار”، والتأكيد على “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، وترسيخ فكرة “خيرية الأمة الإسلامية”…إلخ. هذه الأفكار التي يعيد الإسلاميون طرحها منذ عقود، من دون أن تغير المجتمع فعلا.
بل أصبحت الأوضاع اليوم، خصوصا في السعودية، أكثر تعقيدا، مع رؤية الأفراد المنتمين للحركات الإسلامية، والتي يًفترض أنها غرست في داخلهم كل هذه القيم والمفاهيم، أكثر المتأثرين بالتغيرات الاجتماعية التي يرفضها السعيدي الذي يؤكد، في كتابه، أن ما طرحه حول “الممانعة المجتمعية” نواة لنقاش أوسع، يساهم فيه العلماء والدعاة وغيرهم. وهذه دعوةٌ ممتازة، لكن النقاش يجب أن يبدأ بفحص مسلّمات السعيدي، والتشابك معها، لاختبار ما إذا كان “إعلاء شأن العلماء وحصر الإفتاء فيهم”، على سبيل المثال، أمرا ممكنا اليوم، أو العمل بـ “سد باب الذرائع” فقهيا، خيارا موفقا لمواجهة الجديد.
(العربي الجديد)