أبوكاليبتو: الإنسان هو الإنسان.. لم يتطور بعد!

 “ميل جيبسون” من الأسماء المثيرة للجدل، وهو المخرج الأشهر والمثير للكثير من النقاشات حول أعماله ممثلاً ومخرجاً، والمسيحي المؤمن المحافظ، صنع العديد من الأفلام التي كانت دائماً محل تساؤل، ولا يعدو فيلمه الأخير (أبوكاليبتو-Apocalypto) إلا جزءاً من هذه السلسلة، فقد اتهم سابقاً بمعادة السامية بعد فلمه الرسالي أو التبشيري “آلام المسيح” لأنه يُحمّل اليهود وزر صلب المسيح، كما في الرواية التاريخية المسيحية، وانتقدت الكنيسة الفاتيكانية الكاثوليكية الفيلم على استحياء لأنه -ربما- كان تعبيراً دينياً وتبشيرياً عظيماً في نظرها.

في فيلمه (أبوكاليبتو) والذي عرض في أواخر عام 2006م لا يخرج “غيبسون” عن “ثيمته” المعتادة، هاجس الحرية الذي صبغ العديد من أفلامه، لكنه كان أقل مباشرة وأكثر رمزية، فلم يكن فيلماً رسالياً مباشراً أو نقداً صارخاً لممارسة سياسية، مما جعل قراءات الفيلم تتنوع من النظر إليه في سياق التبشير بالدين المسيحي وحضارة الرجل الأبيض بسبب آخر مشاهد الفيلم، حين جاءت السفن العملاقة بالحضارة لتوقف قتل أفراد قبائل المايا لبعضهم البعض، إلى قراءات أخرى متعددة سأحاول الخوض في إحداها هنا.

الفيلم يتحدث عن حضارة المايا البائدة، إحدى حضارات أمريكا الجنوبية، ويتمحور حول حكاية الآلهة المتعطشة للدماء، حيث يبدأ الفيلم من حياة القبيلة البسيطة الآمنة، وأفراد القبيلة يتحلقون حول النار، والعجائز يروين الحكايات والحكم للأطفال، ويأتي الحوار باللغة المحلية لقبائل المايا، ثم يتحول مسار الحدث بشكل دراماتيكي إلى غزوٍ دموي ومطاردات عنيفة للقبض على رجال هذه القبيلة من قبل قبيلة أخرى عدوه، ثم تأتي مرحلة قطع الرؤوس ودحرجتها على المذبح العظيم إرضاء للآلهة التي كسفت الشمس، في طقوس دينية بدائية، حيث الدماء تروي عطش الآلهة لترفع غضبها عن البشر وتعيد لهم الشمس. وهنا ومن خلال هذه المشاهد لا يمكن إلا أن نخرج بانطباعات عاصفة عن مدى وحشية ودموية وتخلف هذه الحضارة البائدة، وأخيراً تأتي الصدمة الحضارية الكبرى، حيث تطأ سفن الفاتحين، الرجال البيض أصحاب الديانة المسيحية، أرض بلاد المايا، لتكون شاهدة على هذه الحضارة المتوحشة وتُمدنهم أو تنقلهم نحو حياة أكثر نهذيباً ورقياً.

وقد تسببت هذه النهاية في تعدد القراءات واختلافها ما بين من يعتقد أنه نقد للفكر الاستعماري وبين نظرة أخرى ترى بأنه تمجيد لغزو الرجل المسيحي لبلاد الأنكا والمايا والإزتك. أما أنا فأرى بأن الفيلم جاء منتقداً للحضارة العالمية اليوم، الحضارة الأمريكية المهيمنة، أكثر منه فيلماً يبشر بعظمة الرجل الأبيض وتفوقه على الحضارة البائدة للشعوب المتوحشة والمتخلفة، فعلى العكس تماماً، جاء الفيلم بهذا التوقيت وهذه اللحظة العالمية ليصرخ بأن الإنسان لم يتغير، منذ شعوب المايا ودحرجة الرؤوس، وحتى اليوم والعالم يدعي العقلانية والتفوق والتمدن وربما نهاية التاريخ!، إلا أن منطق الإنسان لم يتغير، الإنسان الذي يُخضع نظيره الإنسان بالقوة والبطش متى امتلكها، أو كما يعبر المفكر اللبناني علي حرب “كلما قتل إنسان نظيره فزعت من نفسي” في إطار حديثه عن الحرب الأهلية اللبنانية، وكيف أن الدموية قد تنبع من الذات البشرية.

إن الفيلم ينتقد حضارة الرجل الأبيض، لا يمجدها أو يعلي من شأنها، الرجل الأبيض الذي كان شاهداً على هذه البدائية وعاش أخر أحقاب حضارة المايا وحضارات أخرى متوحشة، هو ذاته من يمارس الوحشية اليوم، وهو الذي يتصرف مثل تلك الشعوب البائدة. فالفيلم ككل يستلهم هذا الجزء القديم من التاريخ الإنساني، الجزء المختفي والذي لا يكاد يراه أحد، يستلهمه ويبرزه ليخلق مقارنة مع العالم اليوم، عالم الحروب، وتقطيع الرؤوس، والأسلحة النووية، هذا العالم الذي لا يختلف كثيراً عن عالم المايا، إلا أن أدوات القتل اليوم أصبحت أكثر جدوى وأشد فتكاً. إن الإنسان لم يتغير.. ولم يتطور.. ولا يزال هو ذلك الوحش القديم.

 

صحيفة ارياض – 15 نوفمبر 2007م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s