“سيجيء الموت .. وستكون له عيناكِ” لجمانة حداد.. رعشة الشعر انتحاراً!

 منذ اللحظة الأولى، لا يمكن أن تنزع عنك رهبة الموت وجبروته، وربما مراوغته، أمامك تجربة مختلفة تحاول مقاربتها، قد تتعمدها بعد أن وُلدت، القراءة لشعراء انتحاريون.

لم يكن الكتاب فقط كما كتب نقش عليه “كتاب أنطولوجي مستفز وعدواني بسبب هويته الانتحارية” بل كان أكثر من ذلك بكثير، حمل شيئاً من هيبة لهذا الموت المرتكب، هيبة انعكست على كل نص وعلى كل صورة، وعلى كل اسم نقش في عداد الشعراء المنتحرين، هؤلاء اختاروا الاستقالة من الحياة، وذهبوا فرادى يجرجرون الخطى نحو شيء مختلف، هذا الهاجس يتملك القارئ من البداية، ويجعله يعيش رعشته.

لم تعد الشاعرة والمترجمة جمانة حداد قائمة اعتباطية بشعرائنا، ولم تجنح للعشوائية في نثر رائحتهم، رائحة الموت الذي عاشوا، بل فتشت عن هذا الموت، بحثته عن تفاصيله، وجاءت بالكثير عنه، لذا يتجاوز الكتاب العمل البيوجرافي التوثيقي، ليكون بحثاً أعمق في هوية الكلمات الانتحارية، فجاء الكتاب محملاً ببعض التفاصيل عن حياة هؤلاء الشعراء -حسب توفرها- وأبراج مولدهم، وأبرز المحطات المفصلية في حياتهم، وشيء من إحباطاتهم، كما أضيفت ترجمة لبعض نصوصهم، قامت الشاعرة بترجمتها وانتقائها خصيصاً للكتاب من عدة لغات، مما يعني نكهة أخرى مركزة لكل نص، نكهة لنصوص هؤلاء كما صاغتها الشاعرة، المترجمة التي تشربت هذا الهاجس، فهنا لا تكتفي بتأمل الموت، بل تقتحمه من بوابة الشعر أو الروح، كما أرادت لك الكاتبة.

جاء اختيار هؤلاء أولاً وآخراً لأنهم شعراء، ولأنهم انتحروا، ولأن القرن العشرين كان لحظة موتهم، فجاءوا من جنسيات وأعراق وثقافات وأديان وطبقات اجتماعية مختلفة ومتباينة، فرقهم امتداد الأرض، ووحد بينهم الشعر والموت ولحظته، أو كما كتبت المؤلفة ” نعم. مئة وخمسون، في القرن العشرين، انتحروا. مئة وخمسون شاعراً وشاعرة، من ثمانية وأربعين بلداً، من جهات الأرض الأربع، احتقروا، بعشرين لغة مختلفة، وباثنتي عشرة طريقة مختلفة، هذه الحياة الإنتحارية”.

على مدى أربع سنوات خاضت جمانة حداد في الانتحار، حفرت القبور، وفتشت التوابيت، وعاشت لحظاتهم المضطربة، لتخلق نصها الخاص، وهاجسها الخاص، الهاجس الذي – ربما – ولد عندها عند تلك الصبية التي رأت انتحار جدتها سنة 1976م ” لأن ابنة السنوات الخمس التي لم تنس، رغم غبش المسافة، مشهد جدتها المنتحرة المسجاة على الأرض”.

قسمت جمانة حداد الانطولوجيا إلى ثلاث أقسام، الأول اختارت الشعراء الأهم، والأكثر غزارة في نصوص مما أعطاها حرية أكبر في انتقائية الأعمال الشعرية التي ترجمتها، وكله بناء على مزاج شخصي لشاعرة ومترجمة، وبنفس الوقت ذائقة نقدية، تمازجت للاختيار، وفي القسم الثاني جاءت الاقتباسات مصغرة والترجمة موجزة، أما القسم الثالث فجاء بظلال للشعراء المنتحرين.

في آخر المدخل، تحدثت عن هواجس الترجمة الشعرية، أن تكون شاعراً وتترجم نصاً شعرياً، خاضت في هذه الثنائية في “استطراد” حول ” تأملات لمترجمة شغوف … وشاعرة!”.

عنوان الكتاب جاء ليحمل عنوان قصيدة الشاعر الإيطالي “تشيزاري بافيز” المولود عام 1908م والمنتحر عام 1950م.

” سيجيء الموت وستكون له عيناكِ

هذا الموت الذي يرافقنا

من الصباح إلى المساء،

أرقاً، وأصم،

كحسرة عتيقة

أو رذيلة بلا جدوى

ستكون عيناك حينئذ

كلمة قيلت سدى،

صرخة مكتومة، صمتاً ستكونان،

مثلما تتراءيان لكِ كل صباح

حين تنحنين على ذاتكِ في

المرآة…”

المترجمة والشاعرة اللبنانية جمانة حداد، صدر لها خمسة دواوين شعر، آخرها كان “النمرة المخبوءة عند مسقط الكتفين” 2007م، وثلاث ترجمات أبرزها ترجمة لانطولوجيا الأدب اللبناني إلى اللغة الأسبانية، كما أصدرت مجموعة حوارات أدبية بعنوان ” صحبة لصوص النار”، كما ترجم لها عدة دواوين للأسبانية والألمانية والإنجليزية.

” سيجيء الموت وستكون له عيناكِ” من إصدارات الدار العربية للعلوم- ناشرون، ودار النهار، اللبنانيتين، الطبعة الأولى سنة 2007م ويقع في 654صفحة من القطع الكبير.

 

صحيفة الرياض – 31 أكتوبر 2007م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s