شبكة الإنترنت: المنتديات الثقافية.. المدونات الشخصية.. المواقع المتخصصة.. بأيهم يحفل المثقفون؟!

  في عالم شبكة الإنترنت، وتحديداً عالمها الأدبي الثقافي، بين المنتديات الثقافية والمدونات الشخصية والمواقع المتخصصة، لمن الأفضلية اليوم؟ ولماذا؟ وأيهم أكثر فاعلية في المجال الثقافي على المدى البعيد؟ وهل يمكن تحويل التجارب الثقافية الافتراضية إلى تجارب ثقافية حقيقية فاعلة في المجتمع؟

 

بداية يتحدث القاص سعيد الأحمد: يقول أخي محمد – أثابه الله – إن الإنسان حيوان إعلامي. وأكاد أجزم أنني لم أسمعها من سواه، فالجميع يقول إن الإنسان حيون ناطق، والنطق مرحلة بدائية جدا لابد أن يتبعها – بحكم سلّم الرغبات – مرحلة أخرى. فبتسليمنا بإعلامية الإنسان (الحيوان الناطق)، نستطيع أن نجد مدخلا ملائما لكل أسئلتك التي بعثتها لي، ولكي أكون أكثر دقة فسأبدأ بإجابة السؤال الثالث أولا، لأن إجابته تؤسس للإجابة على السؤالين الأولين، وتجعلهما أكثر وضوحا ومنطقية. بخصوص تحويل التجارب الثقافية الافتراضية إلى تجارب حقيقية فاعلة في المجتمع يقول الأحمد: لايوجد – من وجهة نظري – ثقافة إفتراضية وثقافة واقعية، فالثقافة معطى وعالم التقنية (العالم الإليكتروني الإفتراضي) مجرد أداة أو قناة لتعاطي وتبادل ثقافة سائدة: كالسقائف، ثم الدور والمساجد وإعلامها المنبري، ثم الصحائف والصحف وإعلامها المقروء، ثم الإعلام المسموع ثم المرئي. إذن هي مجرد منبر أو قناة جديدة لتداول ثقافة المجتمع المهيمنة. وكون الإنسان حيواناً إعلامياً – كما ذكرنا أعلاه – فسيظل يركض لاهثا خلف أي منبر جديد يبث من خلاله رؤاه وتصوراته ويثبت عن طريقه وجوديته. ولأكون أكثر دقة وصدقا، فالأداة مجرد أداة، وليست عالما افتراضيا، أو واقعيا، بينما ثقافتنا برمتها تستحق أن تنعت بالافتراضية، حيث أنها – إلى هذه اللحظة – لاتعدو التكون في أكثر من مجموعة من التنظيرات والخطب والشعارات المنطوقة لا المفعولة: بمعنى آخر؛ هناك فجوة فاضحة بين مايقال ومايمارس على جميع المستويات، وهذا مايثبت افتراضية ثقافتنا وأعرافنا السائدة.

يضيف الأحمد: وهذا سيعيدنا عكسيا إلى السؤال الثاني، ثم الأول.. ففي الثاني تقول: (لمن المستقبل في الفعل الثقافي على شبكة الإنترنت؟)

وانطلاقا من اجابتي السابقة، أستطيع الجزم أن ليس هناك (فعل) ثقافي، بل مجرد تنظيرات متتالية ومتعددة مع اختلاف القنوات، ولم يتشكل أي منها في صيغة فعل بعد. غير أنني أرى بجدوى الفردانية أولا وقبل كل شيء، فمصداقية الفرد – مع طروحاته ومبادئه – هي اللبنة الأولى لتسويقها، أما انصهارية هذا الفرد ورؤاه داخل منظومة ما – وإن كانت من خلال قنوات الشبكة العنكبوتية – فلن تنتج أكثر من انتمائية إلى تجمع جديد يسوّق للمعطيات والأفكار السائدة ويروج لها، دون أن يستغل المستجدات الأدواتية في تجاوز المطروح أو في مساءلة السائد والتأسيس لرؤى مقوّضة.

سنعود الآن إلى سؤالك الأول عن المنتديات الثقافية والمدونات الشخصية (الثقافية بالطبع)، ومن سيصمد ويستمر منها. وهنا يجب أن نشير- أولا – إلى أن الإبداع حالة فردانية، وليس عرفاً جمعياً، فالمبدع حالة مستقلة، صارخة متمردة، قائمة بذاتها، وليست مجرد (عود من حزمة) تنتسج وتتكامل مع غيرها لتشكيل فرد ثقافي افتراضي؛ تم تجميعه. فالمبدع حالة فردية، والإبداع تراكم لعدة حالات فردية مبدعة ومتجاوزة، وليس قطيعا من المنمنمات الصغيرة المتراصة جنباً إلى جنب لتكوين فرد ثقافي أو ابداعي افتراضي يمثل غيره. كافكا لم يكن مجرد منمنمة تكمل مضمومة، وبورخيس لم يكن منمنمة أخرى، وكل مبدعي امريكا اللاتينية المميزين لم يكونوا مجرد خيوط تتراص وتتكامل لتنتج مضمومة لاتينية إبداعية، بل كان كل منهم حالة قائمة بذاتها تستحق الدراسة لوحدها وبمعزل عن الجمع. لذلك ستنز- دائما- فردانية الإبداع على السطح، وستخلد الأسماء الإبداعية ونتاجها بشكل مستقل وممثل لذواتها. وهذا، بكل تأكيد يعني أن النتاج الشخصي، أو التدوين الشخصي هو المخلد وهو الدائم، بينما يظل التثاقف والتواصل الجمعي كمجرد مرحلة تأسيسية لفردانية جديدة، وتستمر ملتقياته ومنتدياته كمجرد أمكنة للتسلية أو للتواصل أو الدربة التي تفنى بمجرد اتخاذ المبدعين لقرار الاشتغال على مشروعاتهم ونتاجهم الخاص.

من ناحية أخرى يقول الكاتب عبد الحليم البراك: يبدو أن الرهان لم تتضح معالمه بعد، أو أن الرهان كان يحمل صورة فلاشية سريعة الخطوات، تجعل الحكم بينهما ليس حاسماً، فما إن استولت المنتديات – حتى وقت ليس بالقليل – على المشهد الثقافي الإلكتروني، إلا جاءت المدونات وزاحمتها وأخذت وهجاً لامعاً، إلا أنها سرعان ما تراجعت بنفس السرعة التي ظهرت فيها، والذي يبدو لمن يتابع المشهد الثقافي الإلكتروني أن حجر الزاوية هي المصداقية، فالمنتديات بدأت بمصداقية مقبولة، سرعان ما تراجعت، ثم تدهورت المصداقية أيضاً في المدونات مع الفرص المتاحة لأي أحد!! (ناهيك عن عيب كبير في المدونة؛ وهي تفردها بشخص واحد أو فكر واحد أو لون ثقافي واحد) قلل من أهميتها، وفي نظري أن الأفضلية الآن والمستقبل للمواقع الثقافية لسببين رئيسيين هما:

المصداقية المبنية على مرجعية قوية وذات اعتبار شخصي أو مؤسساتي.. والآخر على تنوع مطلوب لدى المتلقي للفعل الثقافي.

لكن من المهم الإشارة إلى أمر مؤثر جداً، أن الفعل الثقافي الإلكتروني مرتبط بشكل كبير جداً بالتطور التقني، فتسارع الخطوات التقنية، يتبعها نوع من الارتباك في أن يأخذ كل منها وقته كاملاً مما لا يسمح بنضج التجربة بل احتضارها في مهدها أحياناً، لذلك يبدو الحكم عليها مرتبكاً أيضاً إذا ما أخذنا هذه النقطة في الاعتبار.

ثم يضيف البراك عن إمكانية تحويل التجارب الثقافية الافتراضية إلى تجارب ثقافية حقيقية فاعلة في المجتمع بقوله: بالتأكيد، هي كذلك، فرغم الشخوص الافتراضية التي تقبع خلف الفعل الإلكتروني للثقافة، إلا أنها تعبر عن ذوات حقيقية، ورغم أن الشخوص الافتراضية تكون عرضة للأمراض الاجتماعية والنفسية التي لا تستطيع إبرازها عندما تكون مسؤولة بشكل شخصي (أي اعتباري) عن أخطائها وتصرفاتها، إلا أنها مؤشر هام معبر؛ وعليه فإنه لا مناص في رأيي أن تعبر عن تجارب حقيقة فاعلة، ناهيك عن قضية هامة للغاية، وهي: أن البعد التفاعلي السريع في المواقع الثقافية الإلكترونية يمنح تجربة ممتازة للكاتب أو لأي تجربة فنية بغض النظر عن لون هذه التجربة، والذي لا شك فيه أن ميلاد بعض (الأسماء/ التجارب) من خلال الشبكة العنكبوتية قبل أن تخرج للنور الحقيقي هو حقيقة لا يمكن تجاهلها فقد أصبح النشر الالكتروني تمريناً رائعاً للمبتدئين، مهما يكن من أمر، تحول التجارب الثقافية الافتراضية إلى تجارب حقيقية لا يحتاج سوى لوقت قصير لإثباته، فالرهان الآن على آلة الزمن فقط.

أما الكاتبة هديل ناصر العبدان فتقول: من يمرّ عليها جميعاً في الإنترنت الآن سيجد الإجابة لديه واضحة تماماً، فالازدياد في إنشاء المدونات الشخصية آخذ بالارتفاع، فالمنتديات الثقافية تفرض شروطها وقوانينها على الأعضاء، فتحرر وتحذف مايخالف، ويشعر العضو هناك بأنه تحت سيطرة إدارة عُليا، أما في المدونات الشخصية فإن الشخص سيشعر بأن هذا المكان موطنه الشخصي، يكتب فيه مايشاء دون أن يُقيد بأي قوانين تفرض عليه اتجاهاً معيناً، وبلا أي حدود يخشى تجاوزها دائماً، فيكتب مايشاء حين يشاء، أما المواقع الثقافية، لشحّ “بعض الشيء” العطاء فيها من حيث الردود والمشاركات الخارجية فغالباً لا تكون الحركة فيها ذات مردود جيّد، إذا الأفضلية للمدونات دون شكّ.

وتضيف العبدان: حينما ننظر إلى الجانب المستقبلي الثقافي قد لا تتضح الرؤية لدينا كثيراً، فالمنتديات الثقافية بدأت بالانتشار بشكل كبير، وأحياناً دون حتى مقاييس ثقافية صحيحة، ودون تعريف صحيح للثقافة، والمدونات الشخصية قد تفرض فيها النزعة المركزية والحرية بعض التجاوزات التي قد تتفاقم، والمواقع الثقافية من بنيها جميعاً تجد الصدى الأقلّ، ولكن إذا كانت إدارة المنتدى الثقافي إدارة واعية تماماً، وقادرة على التحكم في المسارات بصورة جيّدة أظنّها هي الأقدر على البقاء الثقافي، لأنّ اليد الواحدة لا تصفق!، وفي المنتديات هناك الآلاف من الأيادي المُشاركة في أي فعل أو حركة.

وتختم هديل العبدان بقولها: هناك الكثير من التجارب نستطيع أن نأخذها كدليل في هذا التحول الثقافي من عالم الشبكة الالكترونية إلى المجتمع الواقعي، لأن الشبكة الآن أصبحت هي الأفضل – تقريباً – بأن تكون أرضاً خصبة للتجارب، حيث أيضاً أن صاحب التجربة مثلاً لن يجده وحيداً في ظل محاولاته، بل سيستفيد بشكل أكبر كثير بكلّ الأجواء المحيطة حوله هناك، شيئاً فشيئاً يصلُ إلى مرحلة التطبيق، فكم من مثقف استطاع الوصول إلى هدفه في المجتمع ابتداء من الشبكة الالكترونية، لذلك نجد أن الكثير يلجأون إليها ليكسبوا مايبحثون عنه، وما يشهد على هذا الانزياح المشترك من الناحية الثقافية الأدبية إصدار “المغزل” المجموعة القصصية التي أصدرها موقع جسد الثقافة واحتوت على مجموعة قصص لأعضاء في المنتدى، وكذلك مجلة أدب البيكسل عن موقع رحلة حياة، وغيرها الكثير من التجارب الناجحة التي تشهد بوجود عالم ثقافي حقيقي الكتروني قادر على التواجد بشكل مبدع في المجتمع وخلق التأثير فيه.

 

 

صحيفة الرياض – 24 نوفمبر 2007م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s