شيوعية العلم في الكون ضرورة لتخطي الحروب والمجاعات والفقر

 ماذا يقدم لنا العلم؟ كيف يمكن الاستفادة منه؟ وما هو تأثيره على الأفكار والتقنيات والأنظمة السياسية والاجتماعية؟ هنا نلج عالم برتراند راسل الهام والحاسم بالنسبة لمجتمعاتنا التي تحتاج لثورات علمية على أصعدة شتى لتغيير حال المادة والبشر.

في محاضرات ألقاها برتراند راسل، عالم الرياضيات والفيلسوف البريطاني، في كلية رسكن الإنجليزية ثم جامعة كولمبية، وأخرى ألقاها في الجمعية الملكية للطب، تحدث حول أثر العلم والمعرفة العلمية في المجتمع، بعدة مستويات جمعت في هذا الكتاب “أثر العلم في المجتمع” وهو من ترجمة صباح صدّيق الدملوجي، وصدر عن المنظمة العربية للترجمة 2008م ب 174 صفحة من القطع المتوسط.

المحاضرات ناقشت أثر العلم في الفلسفة، أو بصورة أكثر تبسيطاً، أثره على معتقدات الناس، في محاربة الخرافات والشعوذات التي كانت منتشرة في العصور الوسطى وعصر النهضة، العلم مُحَرِراً من التقليد وضداً على الخرافة، ويعود بأثر العلم في المجتمع إلى تاريخ أقدم، مع البابليين عندما أوجدوا الحسابات الفلكية واستطاعوا حساب الخسوف والكسوف، فاستغلوا هذه المعرفة في بسط النفوذ على البسطاء، حيث اعتبروا الكسوف والخسوف غضباً من الآلهة وقدموا القرابين لرفع هذه الكوارث، واستمرت هذه المعتقدات إلى وقت أحدث، كما يشير راسل إلى أن البعض اعتقد أن حريق لندن وانتشار وباء الطاعون كان بسبب انتشار كتب الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز، فتم منع كتبه، ويعلق ساخراً “ويظهر أن هذا القرار كان فعالاً، إذ لم تصب لندن بالطاعون ، كما لم تحترق بكاملها منذ ذلك الحين”. ثم يشير إلى الشد والجذب في قضايا السحرة في القرون الوسطى، ويشير إلى مفارقة ملفتة للنظر، يلخصها راسل بقوله “في عصر النهضة غدا الاعتقاد بالتنجيم صيغة للمفكرين الأحرار، لا لسبب محدد، بل لمجرد كونه مدانا من قبل الكنيسة، فالمفكرون الأحرار لم يكونوا أكثر علمية في نظرتهم إلى الحقائق التي يمكن ملاحظتها من مناوئيهم في الرأي”.

دائماً ما يقال في مجال فلسفة العلوم، أن الإنسان تعرض لثلاث صدمات كبرى، أثرت في وضعه في الكون، الصدمة الأولى تجلت في الثورة الكوبرنيكية والتي هدمت مركزية الأرض، حين أُثبت دورانها حول الشمس، والثورة الثانية كانت في الداروينية، أما الثالثة فتجلت في انطلاق أفعال الإنسان من اللاوعي ودور اللاشعور الذي أعطاه فرويد مركزية كبرى في تحليله النفسي.

يتحدث راسل عن النظرية الميكانيكية، وأنها أدخلت إلى سياق الفكر الإنساني مفاهيم جديدة، لخصها في: الملاحظة بدل الاستشهاد “المعرفة التجريبية بمعنى آخر” واستقلالية العالم الطبيعي وكفايته بذاته “كون الأجسام قابلة للحركة إلى ما لا نهاية”. وإسقاط البحث في الغايات والتركيز على الأسباب، والأهم من هذا كله موقع الإنسان في الكون الذي انزاح عن المركز.

وتحدث راسل حول نتائج التقنية العلمية، حيث التركيز على “التمكن من فعل الأشياء” بالإضافة إلى “معرفة الأشياء” لا الاقتصار على الأخيرة كما عند الإغريق “لأن الأعمال الحرفية كانت من نصيب العبيد” وخرج بنتائج تحمل الكثير من المفارقات، كيف أثر البارود والتلغراف على قوة الإمبراطوريات، وصعب قيام الثورات، مما أضاف سطوة للإدارات المركزية، وكيف كشرت التقنية عن أنيابها لحظة الثورة الصناعية في إنجلترا وأمريكا، والمآسي التي أُضيفت إلى الإنسانية في مصانع القطن كمثال، وعن مساهمات التقنية العلمية في جعل المجتمع أكثر عضوية، بتضخم اعتماد البشر على بعضهم كمجموعات ومنظمات. فلا بد للمعرفة العلمية من خلق تغيرات جذرية، فعند اختراع البوصلة نتجت حركة الكشوف الجغرافية، ودشن عصر الاستعمار، و غير النفط الخطط الإستراتيجية للدول، والكهرباء جعلت حياة البشر أسهل، وجعلت ثورتهم أصعب، حيث يمكن السيطرة على مجموعة من البشر بمجرد قطع التيار الكهربائي!.

هناك نتائج مقززة للعلم، يشير إليها راسل، ويمكن الحديث عنها تحت عنوان “الثلج الأسود” عندما نتحدث عن سيكولوجيا الجماعات، وكيف يمكن بالدعاية والإعلان، وبالعوامل النفسية والاجتماعية السيطرة على جموع البشر وتشكيلهم بشكل مخيف ومرعب، أن تنتج قطيعاً من البشر يؤمنون بسواد الثلج، وهذا ما حدث بشكل صارخ في ألمانيا النازية، حيث نكتشف أنه بالأضواء والشعارات وحشد الجماهير والخطب الرنانة، يتساقط كل ما في أذهاننا عن الإنسان العقلاني والمنطقي، الذي نخاطبه محاولين إقناعه بالحجج.

أما عن الحكم الأوليغاركي، فيشير راسل إلى تنامي قدرات السيطرة والتجسس والسطوة الأمنية في الأنظمة الشمولية بفضل التقنية العلمية، مما جعل سيطرة فئات محدودة من المجتمع على الباقين واستعبادهم أمر في متناول هذه الأنظمة، بالإضافة إلى تشكيل معتقداتهم وآرائهم من خلال الأنظمة الشمولية، وبعد الصورة المعتمة التي رسمها لهذه التأثير، أكد على أن الحل باحترام الفرد وحقوق الإنسان.

ويستعيض راسل عن كلمة الحرية بكلمة المبادرة، حيث يقسم الفلسفات السياسية إلى ثلاث فلسفات، تنظر إلى الإنسان على أنه “إنسان عادي” في الديمقراطية، أو كبطل في الأنظمة الفاشية، إلى جزء من ماكنة في الأنظمة الشيوعية، ويؤكد هنا على ضرورة الاستفادة من الأشياء الجيدة في كون الإنسان “بطل” أو جزء من ماكنة” مع تحقيق روح المبادرة لدى الإنسان، حتى لا يتوقف التطور العلمي، حيث أشار راسل في كتابه إلى تخلف الاتحاد السوفيتي علمياً في المستقبل (المحاضرات ألقاها في الخمسينيات) بسبب سلب العلماء استقلاليتهم، وضرورة أن تكون آراؤهم السياسية مطابقة لرؤى الدولة، كما يريد الحزب الشيوعي، مما يحد من طاقاتهم، وإن أظهروا مواقف فكرية وسياسية مختلفة، فإنهم يبعدون عن العمل العلمي، ويشير هنا إلى مفارقة سيطرة التحيزات السابقة لستالين “الجاهل علمياً” على الأبحاث في الاتحاد السوفيتي آنذاك.

هل العلم يفتش عن الحقيقة أو المنفعة؟ ربما كان هذا الجدل هاماً ومثيراً، ويشير إلى الفيلسوف الأمريكي جون ديوي بقوله إن ما يجعلنا نؤمن بنظرية معينة “أنها تعمل” وربما كان هذا ذاته سبب إيمان الشعوب القديمة بالأساطير حسب تقدير كارين أرمستونغ “يؤمنون بالأساطير لأنها مؤثرة، لا لأنها حقيقة”.

ويصف راسل الفلسفة البراغماتية بأنها تقوم على اللجوء إلى القوة، وبسبب انعدام أي معنى قياسي للعدل نجد أنه من المبرر أن يكون المجتمع ديمقراطياً في الداخل واستعمارياً في الخارج، ما دامت الفلسفة البراغماتية هي المسيطرة، وهي مناسبة لمن يعتقد بأن في العالم يحوي “جميع مادة تخيلاته” حسب تعبير راسل.

كما أن الروح العلمية تضاد التطرف والأصولية، حيث تقوم المجتمعات المتطرفة على الكراهية المتبادلة، ويضرب راسل بالمجتمع الكاثوليكي والمجتمع الشيوعي، ففي المجتمع الشيوعي يخبرونك بأنهم يحبون الطبقة العاملة، وهم بالتأكيد يبغضون الأثرياء، كما أن من يخبرك بأنه يحب جاره، يبغض من لا يتفق معه في هذا الحب.ربما كان للعلم شروره، في تنامي الاستبداد والحروب، لكنه بذات اللحظة يحوي جانبا أكثر بهجة وتفاؤلا، يؤكد عليه راسل، في حديثه كمثال عن الرعاية الصحية، التي قللت من خلال التطعيم والأمصال من وفيات الأطفال، وزادت من متوسط عمر الإنسان.

ربما كانت الأفكار التقليدية عن نظرة الغرب إلى الشرق أكثر ظهوراً وتجلياً في أفكار راسل وتعليقاته، فحين يقول “الأهواء الشريرة أكثر شيوعاً في الشرق منها في الغرب” عندما يتحدث عن الشهوة والكره وحب السلطة وغيرها، وحين يتحدث عن السيطرة الغربية التي ستأتي بالسلام إلى العالم بعدما تقضي إحدى القوتين العالميتين (الاتحاد السوفييتي أو الولايات المتحدة الأمريكية) على الآخرى و”إذا كانت الشعوب الغربية هي السائدة، فإن الاستجابة والرضا سيحلان محل القوة”.

ربما كان الهاجس الأبرز لدى راسل يتلخص في السلام، الذي لن يأتي إلا مع الحكومة العالمية الواحدة والتي ستملك كل القوات المسلحة وستبدأ بنشر العلم والمعرفة والرفاهة في العالم بالتساوي، ثم تقوم على خفض معدل الزيادات السكانية مما يحفظ الغذاء والتربة في العالم، وهذه الرؤية التي لا يظنها راسل طوباوية، بل صعبة في الوقت الراهن، لكنها ممكنة، وضرورية لاستمرار الإنسان وتقدمه وحضارته، نكتشف اليوم أن هذه الفكرة أكثر طوباوية من جمهورية أفلاطون، فالعالم اليوم أكثر تشظي مما كان عليه أيام راسل، فعدد الدول أكبر، والحركات الانفصالية المحلية في الدول أكثر مما كانت عليه، والأسلحة أشد فتكاً وفاعلية، والفقر يزداد والملايين من البشر يموتون في الحروب.

صحيفة الرياض – 21 مايو 2009م

2 thoughts on “شيوعية العلم في الكون ضرورة لتخطي الحروب والمجاعات والفقر

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s