عن كتاب “الحكمة العربية”

في بداية هذا السفر، ينثر الكاتب ما قيل في فضل الحكمة ومعناها، ويورد ما يؤكد فضل العرب في هذا المجال، وخوضهم لهذا الحيز، حيث يذكر أحاديث العرب في الحكمة على شكل مقتطفات، وأحاديث غير العرب في فضل ومكانة الحكمة العربية، وينقل تذمر الشاعر الإيطالي بترارك إذ قال: لقد جارينا اليونان غالباً وتجاوزناهم أحياناً، وبذلك جارينا وتجاوزنا أغلبية الأمم، وتقولون إننا لا نستطيع الوصول إلى شأو العرب! يا للجنون! ويا للخبل! بل يا لعبقرية إيطاليا الغافية أو المنطفية!.

يعرض الكاتب في مقدمته، الاعتراضات على فكرة كتابه، والتي سردت بلغة هي أقرب للغة الكتب التراثية، حيث يحدثه صديقه الأجنبي بقوله إن العرب أمة “حمق” وليست أمة حكمة، فالأولى أن يكتب كتاب “الحمقة العربية” لا الحكمة، ويؤكد صديقه الآخر “العربي” أن العرب أمة “حماسة” وخطابة لا أمة حكمة، فالباحث عن الحكمة باحث عما يعز وجوده، ثم يأتي الاعتراض الثالث، أن ما يفعله الكاتب ما هو إلا تهافت على التراث، لا قيمة له، يجعل تشبيه طه حسين للمتهافتين على التراث بأنهم “كتب قديمة متحركة أو قطع من كتب وصل بعضها ببعض” يحمل شيئاً من منطقية، وبعد أن سرد الكاتب اعتراضات المعترضين الوهميين، فصل في الإجابة عليهم، بالتأكيد على أن زمان التفاضل الخطابي، والقول بأن العجم خير الناس، ثم يأتي قائل العرب ليؤلف في فضل الأعاريب على الأعاجم قد ولى، ثم يفصل الكاتب في حب العرب للكتابة والكتاب، وتفننهم في الخط، كتمهيد لحبهم للحكمة، ومدخل لكتابها، ثم يتحدث عن فضل الكتب لحد أن الشيخ علاء الدين السمرقندي زوجه ابنته “الفقية” لأبو بكر الكاساني، لأنه شرح كتابه “التحفة” وسماه كتاب “البدائع” فقالوا: شرح تحفته وزوجه ابنته.

ثم يتحدث الكاتب عن فضل الحكيمات العربيات واللواتي ضاهين الغربيات، ولكن ما حدث للغرب حين أهمل الحكيمات الفيثاغوريات والأفلاطونيات، حدث للحكيمات العربيات، من إهمال لكتابه سيرهن وتدوينها، وعدم التأليف فيها وإخراجها للناس، ثم يكتب: ومثلما علمت ديوتما الحكيم أفلاطون معنى “الحب الدنيوي” في محاورة “المأدبة” فنسبت النظرية إليه ونُسيت المعلمة، كذلك علمت رابعة العدوية الجنيد معنى “الحب الإلهي” فكان ما كان.

ثم يتحدث عن أثر الثقافة العربية في البلدان التي فتحوها، وما في الثقافة العربية من “مواقف معيشة إنسانية سامية” على حد قول الكاتب، كالوفاء للزوجة، ومحبة الأبناء والأصدقاء، والعطف على الفقراء، وغيرها من الصفات الإنسانية.

ثم يقول المؤلف، أنه لم يُرد في سرده هذا أن يعدد فضائل العرب ويشمت بغيرهم، بل كان غرضه “أن أبدي ما أخفته عوادي الزمن التي طرأت…. لئن بقت بعض أمم العالم المتحضر اليوم تحترم العرب فما ذلك – مع الأسف- بسبب حاضرهم، إنما لماضيهم”.

ثم يتحدث الكاتب عن محاولة عولمة التراث، كما فعل المفكرون اليهود حين عولموا تراثهم فأصبح تراثاً للبشرية، بحيث أصبحت مواضيع ك”الهوية، التسامح، الاختلاف، الذاكرة، المنفى، التيه، العنف، الكتابة..الخ” ذات نبوع يهودية، فيقول: لا أجد هذا عيباً. وهنا يحاول الكاتب أن يقوم بذات العملية على التراث العربي، وهذا ما كتبه في العنوان الفرعي للكتاب “دليل التراث العربي إلى العالمية” وهذا ما توحي به الكتب التي جمعها، حيث يقسم الكتاب إلى مجموعة من الكتب تبحث في المفاهيم الإنسانية من خلال التراث العربي، وهذه الكتب جاءت كالتالي: الإنسان، الغير، الصداقة، الغربة، الانفراد، الحرفية، الحيرة، الحواس، القراءة، الكتابة، الترجمة، الشهرة، الموت.كمحاولة من الكاتب لعولمة هذه المفاهيم انطلاقاً من التراث العربي.

يقع الكتاب في 622صفحة من القطع الكبير، وصدرت الطبعة الأولى سنة 2008م عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر.

 

صجيفة الرياض – 9 يوليو 2009

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s