فيلم (1408).. بين أوهام النفس وحكايات الكون..

   فيلم (1408) من أحدث أفلام الرعب والإثارة الأمريكية، وأكثرها إمتاعاً، ربما لأنه حاول كسر النمط التقليدي لهذه الأفلام، فجاء بقدر ضئيل من اللون الأحمر، والكثير من العمق وتقاطع الأحداث وروعة حبكتها. وقد لا يعني لي هذا الرقم “1408” أي شيء، فأتجاوزه وأعتبره خالياً من أي دلالة، مجرد رقم غرفة مخيفة أو مجنونة في فندق (دولفين) في احدى زوايا نيويورك كما جاء في الفيلم، وقد أقرأ هذا الرقم بأكثر من صورة متشابهة أو مختلفة، ( 8++40+1=13)أستطيع أن أقول بأن رقم 13مجرد نتيجة لعملية حسابية، وهذا وجيه جداً، وأستطيع أن أعتبره مجرد رقم شؤم، كما ترسخ في الثقافة الغربية، بغض النظر عن أسباب هذا الشؤم أو معناه، ومن ناحية أخرى، أستطيع أن أعتبر الرقم 13محملاً بدلالة دينية مستوحاة من الإرث المسيحي حول صلب المسيح، فعدد حواريي المسيح عليه السلام 12أما “يهوذا الإسخريوطي” الذي خان المسيح وقدمه للجيش الروماني كي يصلب كما جاء في الأسطورة المسيحية، يفترض بأنه يحمل الرقم 13، وجسد الحادثة أيضاً الفنان ليوناردو دافنشي في لوحته “العشاء الأخير”.

كما تختلف قراءة هذا الرقم، ولا ندرك تماماً ماذا فهم منه “مايكل آنسلين” الكاتب الروائي الفاشل، والذي جسد شخصيته بطل الفلم “جون كوزاك” حين قام بالعملية الحسابية أعلاه، أستطيع أن أقرأ الفيلم ككل، مغزى الفيلم النهائي، بأكثر من طريقة متوازية أو مختلفة ولكل منها مسوغاتها المنطقية ودلالاتها في الإشارات والأحداث التي حواها الفيلم ومشاهده.

عندما أحاول قراءة الفيلم قراءة ذات معان دينية أو عقائدية، سأجير من أجل هذه القراءة العديد من الأحداث والدلالات وأحللها لأصل للفكرة النهائية التي ارتسمت في ذهني كمتلق، من هذه الإشارات، الصلوات المسيحية في أول مشاهد الفيلم التي كان “مايكل آنسلين” الملحد يستمع إليها عبر مذياع سيارته، “مايكل آنسلين” الذي غضب من زوجته وتشاجر معها عندما تحدثت مع ابنتهما عن “السماء”، كما أنه يكتب بشكل دائم عن الأرواح الشريرة، ويذهب إلى أماكنها المخيفة والنائية المزعومة كما يدعي، لأنه بكل بساطة لا يؤمن بشيء، ومن هنا أستطيع أن أذهب بعيداً في التفسير، فأقول بأن الغرفة 1408ترمز للكون، في البداية كان جو الغرفة معتدلا، ثم جاءت موجة حر شديدة “صيف”، أعقبها تحول في الطقس، فأصبح بارداً نوعاً ما “شتاء” وتساقطت الأمطار “مضخة الماء المضادة للحرائق أعلى سقف الغرفة” ومن ثم اشتد الصقيع، والجليد غطى الغرفة، هنا نتعاطى مع الغرفة على أنها “الأرض” بفصولها المتغيرة، ثم ننتقل لمرحلة أخرى كونية، أكثر إثارة للجدل، حين نتحدث عن إشارات أخرى أكثر عمقاً، وغير مفهومة بشكل مفرط بالنسبة “لمايكل آنسلين” المشوش والمسجون، فالغرفة ترتب نفسها بنفسها بشكل لا يدركه هذا النزيل الملحد، ويكاد أن يجن بسبب عدم قدرته على التفسير، فحين استخدم أوراق الحمام -كمثال- جاء بعد دقائق ليجدها على ترتيبها القديم كأن لم يستخدمها أحد، وهكذا كانت أشياء هذه (الغرفة – الكون)، بحوادثها المختلفة، محكمة ومبهمة وغير مفسرة على الإطلاق.

سأسرد باختصار بعض الدلالات الإضافية، نجد أيضاً أن الغرفة تُغمر بالماء، وكأنه يتحدث عن طوفان نوح علية السلام الذي عم (الكون – الغرفة)، كما نجد إشارة الجدران المصمتة، كدلالة على محدودية معرفة مايكل آنسلين – الإنسان، بهذا الكون من حوله، ثم تطرأ متغيرات أخرى عاصفة على المكان، وكأن هذه المتغيرات ترمز لأشراط القيامة، أحداث كبرى غير مفهومة وغير مفسرة، وبعد هذا كله، يأتي الحريق – جهنم أو الجحيم، وكأنها عاقبة مايكل آنسلين – الإنسان الملحد.

هذه القراءة مجرد افتراض، أستطيع أن أقول أيضاً بأن “مايكل آنسلين” إنسان معذب ومضطرب نفسياً، فقد ابنته الصغيرة والوحيدة التي ذهبت ضحية لمرض السرطان، وانفصل عن زوجته التي يحب، كما أنه انخرط في سلسلة كتابات فاشلة، جاء إلى فندق “دولفين” بحثاً عن إثارة ما، فوجد مبتغاه في تلك الحكاية المتوهمة، أو الحكاية الشؤم، وجد في دفتر ضحايا الغرفة والذي أعطاه إياه مالك الفندق “جيرالد أولين” والذي جسده في الفيلم الممثل “صامويل جاكسون” وما يحويه من صور وحكايات بيئة صالحة لأوهامه، وفي حالته النفسية المتردية الفاقدة لابنته ما عزز بناء هذه الخيالات، كما وجد في إيحاءات “جيرالد أولين”، نبرة صوته، كلماته، رجاؤه أن يعدل عن قراره وأن يتراجع عن خوض مغامرة ولوج غرفة الموتى ما عزز هذه الأوهام والخيالات، فانعكس كل هذا وتجسد في رؤيته للغرفة المشؤومة، مما أدخله عالماً من الخوف والرعب الممتد، وربما ساهمت قارورة النبيذ العتيقة التي أهداه إياها “جيرالد أولين” في صنع تلك الهلوسات، المعالجة هنا نفسية بشكل محض، وتحمل شيئاً من وجاهة أيضاً، خاصة مع تداخل الأحداث وترابطها مع حياته التي انقضت، والحضور القوي لابنته وزوجته في المتغيرات المتلاحقة، من هنا نستطيع قراءة أحداث الفيلم بأكثر من قراءة مختلفة وممتعة، ولكل منها ما يبررها أيضاً.

الفيلم مقتبس عن قصة قصيرة للكاتب ستيفن كينج بعنوان “الغرفة 1408″، وهو من بطولة جون كوزاك وصامويل جاكسون، ومن إخراج ميكال هافستروم، أما كتاب السيناريو فهم مات جرينبرج وسكوت الكسندنر ولاري كاراسكزيويكس.

 

صحيفة الرياض – 20 سبتمبر 2007م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s