نقاد الرواية بين «الدمقس» و«الحنطفيس»

 في مشهد من أجمل مشاهد المسرحيات الخليجية، يظهر عبدالحسين عبدالرضا ليقرأ من كتاب “الزعفراني” عن تاريخ قرية الحصينة وعائلة “أبو الحصاني” في مسرحية “على هامان يا فرعون” مع سعد الفرج وآخرين، وخلال قراءة تاريخ العائلة العريقة يتعثر “أبو عدنان” بكلمات لا يعرف أحد منهم معناها، وهنا تتساءل أسمهان توفيق عن المعنى، لتكون هي الضحية، وتوصف بأنها جاهلة، ومع محاولاتها عدم تكرار الأسئلة إلا أنها تفقد قدرتها على التحمل وتتساءل عن “بحر الروم” ثم عن “الدمقس” وأخيراً “الحنطفيس”.

أحياناً وأنا أشاهد المقطع أتذكر بعض الكتاب والنقاد، الذين ما زالوا يؤمنون بقدرة “الدمقس” و “الحنطفيس” على إشعارنا بأنهم متخصصون، ويدركون دقائق الأمور، والآخرين يقبعون في جهلهم، فبدل الحديث عن الآليات يتحدثون عن “الميكانيزم” وبدل الحديث عن المحور الأفقي والعمودي يتحدثون عن “السنكروني والدينكروني” ..الخ، وهنا أحدد فقط المصطلحات التي لها مرادف واضح ولا جدال حوله، لأن بعض المصطلحات فعلياً لا يوجد لها مرادف يفي بالغرض “كالأيديولوجيا”.

من جانب آخر، نعجز احياناً عن فهم تلك الرغبة المحمومة لدى “بعض” النقاد لتأطير الرواية، ووضعها في زاوية اصطلاحية محددة لتحفل بها المعاجم، وتسهل بعدئذ كتابة البحوث الأكاديمية، أو خط المقالات الصحفية لتطبيق تلك التعريفات، لتحديد ما هو رواية وما ليس كذلك.

عندما نتحدث عن القطة، فإننا نتحدث عن الحيوان الذي ينتمي لفئة الثدييات، ويسير على قوائم أربع، ويقول “ميو” ونراه يلاحق الفئران بكثرة في أفلام الكرتون الموجهة للصغار.

وعندما نتحدث عن البنزين، فإننا نعني أحد المشتقات البترولية، والذي يستخدم كوقود، من خلال تحول الطاقة الحرارية الناتجة عن الاحتراق إلى طاقة ميكانيكية.

وعندما نتحدث عن علم الاجتماع، نتحدث عن العلم الذي يدرس الظواهر الاجتماعية المتعلقة بالجماعات البشرية، أو العلم الذي يدرس سلوك الإنسان الفرد في انخراطه بالجماعة.

المشكلة تكمن في أننا نعجز عن الاستمرار في تلك اللعبة الاصطلاحية، فإقامة ثلاث مئة وخمس وتسعين مؤتمراً علمياً حول الشعر، في كل قارات العالم، مع إمكانية حضور الموتى من هوميروس مروراً بامرئ القيس وحتى المتنبي ودانتي، ولا ننتهي برامبو أو ت.س.إليوت، غير قادر أبداً على إعطائنا تعريفاً معجمياً للشعر، ليستخدمه النقاد في دراساتهم، ويحكمون من خلاله على شاعرية النص، هل هذا نص شعري أم لا ؟! وهذا ما ينطبق، إلى حدٍّ ما، على الرواية كذلك.

لا يمكن وضع معايير للنص الأدبي، أو الفن بشكل أوسع، وهذا الهاجس تم استيراده من الفلسفة – التي أتت به بدورها من العلوم الرياضية – بعد أن تحولت من الماورائيات، بكل ما تحمله من توقعات وتخمينات واعتقادات معلقة في الهواء، إلى ما يشبه العلم، بتعريفات محددة – إلى حد ما- ومناهج علمية، حولت الفلسفة في بعض الأحيان إلى ما يشبه الفيزياء، وهذا ادعاء قابل للنقاش والأخذ والرد منذ أوغست كونت وإلى اليوم. مع ملاحظة أن محاولات تعريف الفن قديمة، ربما كانت محاولة أرسطو في كتابه حول الشعر هي أقدم ما وصل إلينا.

أن يحاول الروائيون والنقاد استيراد ذات الطريقة، من الفلسفة والعلوم الاجتماعية إلى النصوص الإبداعية، الفن بعمومه، محاولة قولبته وتأطيره، ومن ثم الحكم عليها من خلال معايير على غرار “الرواية التي لا تخبرنا أن الحياة معقدة ..لا أخلاقية” أو “الرواية التي لا تعطينا إدراكاً فلسفياً للكون ليست برواية” ..الخ، العبارات تلك أقرب إلى الذهانيات والألعاب اللفظية منها إلى تحديد مفهوم يمكن الاتكاء عليه في نقاش أي عمل أدبي، لأننا نرى “كثيراً” أن الأعمال الناجحة والمذهلة هي تلك التي كسرت القوالب المعتادة وجاءت بما هو جديد ومختلف، هي التي خرجت عن تقاليد الفن والإبداع، مهما كانت تلك التقاليد راسخة.

ما معنى أن الرواية لا أخلاقية إذا لم تخبرنا بأن الحياة معقدة ؟

ما معنى لا أخلاقية ؟ هل يجب أن تكون الرواية “رسالية” مثلاً ؟ هل يجب أن تحمل الرواية أيديولوجية تسعى لتمريرها ؟! وما هي الرواية الأخلاقية؟ تلك التي تندب حظنا في الحياة المعقدة التي نعجز عن إدراكها وفهمها ؟!

وماذا لو كان النص يخبرنا بأن الحياة تافهة؟! هل هذا النص لا روائياً؟ هل العمل الذي يبسّط الحياة عمل لا أخلاقي كذلك؟! (مع عدم فهم معنى أخلاقي أو لا أخلاقي هنا!).

رواية “الحمامة” لباتريك زوسكيند لا تخبرنا أن الحياة معقدة، كرواية “مئة عام من العزلة ” لماركيز، التي تجسد تعقيد الحياة بشكل مذهل، ففي رواية زوسكيند الحياة تافهة، وساذجة، لدرجة أن حمامة عابرة، تطل من النافذة، قد تضيع عقوداً من التخطيط والحسابات، أي حياة تافهة وبسيطة التي تنتهكها حمامة؟!

في رواية “قصة موت معلن” لماركيز، كل من في البلدة يرون القاتل يتأهب للفتك بالضحية، وعلى مدى ساعات من الوعيد والتهديد، تتم الجريمة، لأن أحداً لم يأخذ الموضوع على محمل الجد، أي حياة تافهة وبسيطة تلك التي تصورها رواية يموت فيها بريء على مرأى ومسمع من الجميع؟

كما أن محاولة الحديث عن الفلسفة في الرواية، وكأن الرواية مصدر للمعرفة، ووسيلة لإدراك الحياة، محاولة غريبة، لأن الحياة يدركها كل من عاشها، المثقف والأمي، بتفاوت في الوعي، وليس بالضرورة أن نعرف بالضبط ماذا يريد قارئ الرواية، هل يريد المعرفة والعمق الفلسفي وسرد الإشكاليات الوجودية ؟ أم يبحث عن مشهد ماجن أو حياة مستترة؟! أو يقرأ لمجرد المتعة وإضاعة الوقت؟!

قراء الرواية يفتشون عن شيء لا يمكن أن نعبر عنه، يفتشون عن شعور ما ينتابهم من خلال الحدث، وطريقة السرد، ولغة الكتابة، والشخصيات، ووو ..الخ، أشياء كثيرة لا يمكن حصرها، متعددة بتعدد الأعمال الروائية المكتوبة، ومتعددة بتعدد قراء هذه الأعمال، وهذا ما يجعل الأدب عصياً على التعريف الاصطلاحي والرؤى الجامدة، وعصياً على أحكام الخطأ والصواب، لا توجد حظيرة للأدب يُدخل النقاد فيها من يشاؤون ويخرجون من يشاؤون من خلال الحديث عن “الباردايم” أو المحور “السنكروني والدنكروني” أو الحوارات “البوليفونية” أو “الكتابة الصفرية” و”الزمن الديالكتيكي”، فالقارئ يفتش في النص عما لا يستطيع النقاد ولا حتى الروائيون حصره في تعريف ليوضع في معجم، وعندها لن تجدي تلك الكميات المهولة من المصطلحات، التي تقارب “الدمقس” و”الحنطفيس” لا لانعدام معناها، ولكن لأنها ترف نقدي وصنعة أكثر من كونها معالجة حقيقية لنص ما.

ألا يحق لنا أن نتساءل هنا ما هو النقد الذي أنتقده والنقد الذي أنحاز إليه ؟! ربما لا أملك إجابة، فالنقد الثقافي مغرٍ، والتأويلي كذلك، وخلق النص النقدي كنص مواز للعمل الإبداعي شيء جميل وله قيمة، وهناك قراءات نقدية إبداعية بامتياز، وأخرى تفكك النص وتحلله بصورة مدهشة، لكن بعض القراءات النقدية التي تؤطر الأعمال الأدبية، أو تصبها في قوالب جامدة كما أسلفت، وتحكم عليها بمعايير الخطأ والصواب، والأخلاقي واللا أخلاقي، أو تلك التي تجنح إلى اللعبة اللفظية، هي التي تجعل البعض منا يردد ما ردده سعد الفرج في المسرحية ذاتها، عندما تساءلت أسمهان توفيق عن “بحر الروم” فأجابها:( صار صخر ..صار صخر.. صار صخر).

 

صحيفة الرياض – 5 ديسمبر 2009م

 

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s