“هذه ليست سيرة” لحازم صاغية

 اسم الكتاب: هذه ليست سيرة

المؤلف: الكاتب اللبناني حازم صاغية

الناشر: دار الساقي

عدد صفحات الكتاب: 110صفحات من القطع الكبير

سنة الطباعة: الطبعة الأولى، 2007م

ربما كانت كتابة السيرة الذاتية من أكثر الأمور تعقيداً وتداخلاً في عالمنا العربي، مما جعل الكثير من الكتاب يهربون من كتابة سيرهم الذاتية، أو يلجؤون للتمويه عبر الكتابة الروائية، مما خلق تياراً للروايات الذاتية، إما أن تكون الشخصية الروائية هي شخصية الكاتب بشكل كامل وواضح كرواية “الخبز الحافي” للكاتب المغربي محمد شكري، أو تحمل شذرات من شخصية الكاتب أو تحولات جيله، كثلاثية الروائي تركي الحمد “العدامة – الشميسي – الكراديب” أو أن تساق بلا تصنيف من كاتبها كما فعل عبد الله ثابت مع حياة زاهي الجبالي في “الإرهابي 20” وإن صنفت من قبل دار النشر على أنها رواية، وصنفت من قبل المتابعين على أنها سيرة ذاتية، كل هذا جعل الكُتاب يقعون في مأزق النظرة المتباينة تجاه ما كتبوا، بين ما هو حقيقي فيه وينتمي لجنس السيرة الذاتية وما هو تخييل ينتمي للرواية. ربما كان هذه المأزق هو الذي دفع حازم صاغية لتبرير العمل في مقدمته، أن يسرد الأسباب التي تسوقه لنفي السيرة الذاتية عن عمله، فهو يؤرخ لتحولات سياسية وما ارتبط بها، وكتب ليعبر عن الأنا الممقوتة في العالم العربي، وليوثق تحولات سياسية عاشها هي أقرب للواقعية السحرية كما يعبر، بما ارتبط بها من ميثولوجيا وخرافات وفلكلور سياسي عاشه الكاتب، كما أنه يبرر كتابته برغبته بأن يعرفه القارئ، ليتعرف على حازم صاغية الذي “ابتلي” الجمهور العربي بمقالاته بشكل يومي كما يقول. لماذا لم تكن سيرة؟ هناك المزيد أيضاً، فهو لم يتم الأربعين بعد وحياته عامرة بتقلبات لم تنته، فهو مزاجي ومتقلب كما يؤكد ويتضح من خلال هذه اللا سيرة التي اقتبس عنوانها كما أشار من عبارة الفنان البلجيكي رينيه ماغريت “هذا ليس غليوناً”. في البداية يقفز قلق الهوية، وكأن قُدر على العربي أن يكون مريضاً بالهوية لأي مهما كان انتماؤه الطائفي أو الديني، في “لاهوت جدتي وناسوتها” يظهر هذا القلق بشكل صارخ، يتحدث الكاتب عن التباين في تشكيل وعي جدته بالهوية، فهي مسيحية ببعض العادات وبعض الطقوس الدينية الدنيا كما وصفها، لكنها مسلمة وعربية في وعيها الأعلى بالهوية، يتحدث عن اعتزاز الجدة بالشخصيات الإسلامية وكيف سمت بكرها خالد على اسم خالد بن الوليد رغماً عن جده، وهو الاسم غير المألوف عند الروم الأرثوذكس في لبنان ولم تسمه أنطوان أو إلياس كما هو دارج هناك. هنا لا يتحدث حازم صاغية عن جدته، أو عن نفسه حتى وتشكل قلقه الوجودي، هنا يسوق الحديث بشكل مجمل عن الإشكاليات التي يعيشها الإنسان حين يولد ابناً لطائفة، لا مجال ساعتها للتفكير، فأنت ترث كل شيء مع وجودك، ترث الطائفة وانتماءها الديني والسياسي وتوجهاتها الفكرية، يتحدث بشكل يكاد أن يبرر كل ما سيأتي فيما بعد من التحولات الفكرية والسياسية التي عاشها والتي واكبت الأحداث الضخمة في التاريخ العربي الحديث. فمن “أبطال عهدي القديم” والأسطرة التي كان يعيشها مع صوت العرب والتجاذبات السياسية في ذلك الوقت بين الأحزاب القومية والصراعات على جمال عبدالناصر، ثم يسرد تقلباته السياسية، ومن العبارات الإنشائية التي يسوقها خلال حديثه من خطابات ميشيل عفلق وسليمان العيسى والتي كانت كفيلة باتهامه بنشر “الجرثومة البعثية” من قبل مدير مدرسة “الروضة” الثانوية، ثم ترقب الحزب الناصري وتلهفهم لمعرفة ما إن كان صاغية قد آمن بانسداد الأفق البعثي وأصبح ناصري الهوى، خاصة مع استلهامه شخصية البطل المخلّص، وحتى الحزب القومي السوري، والذي وصف انتماءه إليه بالعار، ثم الدخول في الدوائر الشيوعية، وكما قال حازم صاغية ابتداءً في المقدمة، إنها حياة حافلة بالتقلبات والأمزجة والأهواء التي لن تنتهي. أكثر ما يلفت النظر فيما كتب صاغية، تلك الحالة التي تكاد أن تكون حتمية في تناول العرب للأفكار المتنوعة من حولهم، وفي لبنان بصورة خاصة، لكونها منطقة مشتعلة ونشطة، ودائرة استقطابات ثقافية وفكرية عنيفة، في هذه الحالة من التجاذبات السياسية والقلق الوجودي والفكري المرتكز على الهوية، كانت التحولات الفكرية حتمية، من زخم الأفكار البعثية مروراً بالجنة الناصرية، ثم تتالي الخيبات مع المشروع الشيوعي، وربما هذه الدائرة مستمرة إلى اليوم بحتميتها وصراعاتها بأسماء وألوان أخرى، خاصة مع “مأزق الفرد في الشرق الأوسط” كما في كتاب آخر لصاغية عن الفردانية في تلك البقعة من الأرض.

 

صحيفة الرياض  – 15 ديسمبر 2007م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s