قراءة في وجه الموت

   يقول أميل حبيبي في المتشائل “الموت ليس منفذاً بل نهاية” بينما تشخص أحلام مستغانمي الموت بمعيار مختلف إذ كتبت في ذاكرة الجسد “أليس الموت في النهاية شيئاً عادياً، تماماً كالميلاد، والحب، والزواج، والمرض، والشيخوخة، والغربة والجنون، وأشياء أخرى؟” يوافقها واسيني الأعرج إذ كتب “الموت في الجماعة لا يخيف” لكن آخرين كوهيب سراي الدين يرون أن هناك “موتا للإنسان من نوع آخر” فالموت “ليس توقف الرئتين عن التنفس، والقلب عن الخفقان، والشريان عن النبض” مما يدفعنا للخوف من هذا الموت المختلف، لنعود للحظة أحلام مستغانمي التي كتبت الرجل الذي رفضه الموت ورفضته الحياة! أو نرى عجزنا عن أي شيء حيال الموت، كما تصرخ إحدى بطلات ليلى الجهني كما في “الفردوس اليباب”: وما دمنا لا نتقن غير الشجب والإدانة فإني سأشجب موتك يا صبا. أجل أشجب موتك الجبان الذي لا يقدم ولا يؤخر، الموت التافه إن جاز لي أنه اسميه.

الموت يتشكل أحياناً على صورة بهجة واحتفال، كما كان للمعتقلين في سجن “تزمامارت” حين صورهم الطاهر بن جلون في “تلك العتمة الباهرة” إذ يعني الموت الخروج لدفن الميت، ومن ثم رؤية النور، والتعرض لهواء نقي، يأتي الموت هنا كدافع للحياة، فالموت “يدفع الإنسان لأن يكون أكثر تيقظاً للحياة” كما كتب باولو كويليو في “الخيميائي”، أما كازنتزاكس وعلى لسان “زوربا” يرى أن المشكلة ليست في الموت، بل في الحياة! فالموت خلاص، أما الحياة فتعني انتظار المزيد من المشكلات.

السؤال هنا: كيف نرى الموت؟

يكتب عبدالرحمن منيف في “النهايات” انتظار الموت في هذه الصحراء أصعب من الموت آلاف المرات. فالموت هنا لا يأتي فجأة، لا يأتي متنكراً، ولا يأتي بسرعة ويقضي على كل شيء، وإنما يكشر عن أنيابه في البداية ثم يقف على شبابيك السيارات، وبين لحظة وأخرى يعربد، يصرخ، يلطم الوجوه، يسفّ حفنة من الرمال في الأفواه والعيون. وبعد أن يمل من هذا المزاح يتراجع قليلاً، ليقعي مثل ذئب، انتظاراً لجولة أخرى. والجولة الأخرى لا تنتظر طويلاً، إذ تصعد مثل البخار مسرعة جارفة قوية، فتولد يبوسة في الحلوق، هلعاً في العيون، انتظاراً آخر قاسياً ممضاً، بالخشونة الكاوية نفسها، بالجبروت نفسه الذي لا يعرف التراجع، يدق الشبابيك مرة أخرى دقات قوية متواصلة.

ولرؤية هذا الموت كتبت لنا الشاعرة هدى الدغفق: طرحك للموضوع جاء في وقته تماماً بالنسبة لي، جاء هذا الوقت بأزمة لا محدودة لوفاة كثير من الأحبة، الموت بالنسبة لي فلسفة الكون المبتورة في الأعمار وفي أعماقنا بئرها خوف لا ينضب، الموت جنين منبعث بين نطفتين، روح تتراسل بين جسدين، ليموت طفل ويولد شيخ، لا أفقه حكمته حتى الآن وهو يعلمني إياها كلما جلدني بسياط الفقد، لا يمكنني الاعتماد سوى على قولي المؤجل لمستقبله والمؤرخ بفقدي لأقول بملء فمي: كلنا.. أنت وهمو وهن وأنا.. الموت، كلنا تاريخه المجهول وحيرته، مشهده الضاحك المضحك لسريرته.. نحن.. ينقض فينا ونكون فريسة الحياة فيه وموتها فينا، وبين الألم والوجع والشجن والكآبة والبكاء الحاضر والتباكي: ذاكرة لا تتوقف سوى لحظة السكتة الأخيرة عن النبض.. ليتنا.. بلا لحظة. أو أننا اللحظة كي لا نفقد سوانا، ولا يفقدنا سوانا أيضاً.

وتضيف الدغفق: يمكنني أن أكون ذلك الكائن الذي لا يستكين، حتى يسكننا عذاباته ويستطعمنا ويطعمنا إرادته ويعلمنا كم نحن لا شيء، لا شيء على الإطلاق، أمام الموت من نكون من؟ سوى حياة ميتة، نحن ليس إلا. نحن قلب وروح زئبق لا أطراف لها، لا دم فيها، نحن الأطراف كلها، أرواحنا الزئبق المتجدد في أجيال لا تنظر إلى أعمار في الكون سوى أنها الموت الذي يلي.

وللإجابة عن ذات التساؤل الأزلي الذي شغل الكون، كتب الشاعر إبراهيم الوافي: الموت ذاكرة للنسيان، شيخ تلفع بالسواد متجهاً للزوال، حين يبشر بالعودة إلى الطين، الموت أسورة صغيرة على معصم فتاة مشلول..!

عمود رخامي في ميدان المزدحمين، علقت عليه ساعة ضخمة لا تتكرر أجراسها..!

ثقبُ في طبقة الشجون ينفذ عبره بخار المواقف والتواريخ والأحداث، فلا يتكثف السحاب، ولا تحمله الرياح بمشيئتها حتى وإن أذن لها الرشيد..!

الموت عود كبريت هاجع لا يشتعل وحده، إلا حينما يأكل الذئب من الأمم القاصية..!

إنه لحظة أفول مذهولة، ولفظة ذهول مأهولة بنوم القلوب واستراحة الدم من رحلات الفصول الأربعة!

بكاء من بعدنا عليهم حينما يشبهوننا آخر الطريق..!

ليس بين الشاعر والشاعر إلا الموت، وليس بين الموت والموت إلا ما يدركه الشاعر..!

لهذا فقط مات طرفة بن العبد مبكراً، وعمّر لائمه طويلاً، ولهذا فقط كلما هيأنا للموت ذاكرة حية اعاد (موت) الشاعر لذاكرتنا الحياة..!

والموت كظاهرة شعرية في الشعر العربي تشكلت على موت وجودي كما هو الحال عن طرفة، وموت رومانسي كما جاء به شعراء الرومانسية العربية على رأسهم الشابي لكن وكما يتبدى لي يبقى الشاعر العراقي بدر شاكر السياب (نموذجاً تطبيقياً) لكل أبعاد هذه الظاهرة، فالموت عنده يتمرحل بصورة مذهلة ومثيرة حين يجئ في البدايات رومانتيكياً متماهياً مع أقرانه أو من سبقوه بفترة قصيرة من أمثال الشابي وعلي محمود طه وآخرين، لكنه في الفترة التموزية الأهم في شعره يتبدل إلى موت آخر موت تنبعث في أعقابه الحياة من خلال الأساطير والرموز الإغريقية التي عج به شعره في تلك الفترة (وأعني بها الفترة التموزية) والتي شهدت النصوص الأكثر خلوداً في الشعر العربي الحديث، ثم بعد ذلك المرحلة الثالثة وهي مرحلة المرض والموت الحقيقي وتختلف كثيراً عن البعد الرومانتيكي للبدايات حينما يكون الموت مخلصاً من قيود الحياة وأعبائها، وكذلك تختلف من جهة أخرى عن الموت الذي تنبعث بعده الحياة، لقد كان موتاً حقيقياً يستشعره في كل لحظة في حقنة الطبيب وينتظر خروجه عليه من ثقب في الجدار..!.

 

صحيفة الرياض – 13 يوليو 2008م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s