د.محمد عابد الجابري يفند أمية الرسول عليه السلام ويماهي بين قصص الأنبياء والسيرة!

 يعد المفكر محمد عابد الجابري من أبرز من كتب عن التراث الإسلامي، بل يُنظر لأعماله على أنها الأكثر تأثيراً في أحايين كثيرة، من خلال مناقشته للتراث والتعاطي معه وفق أدوات نقدية حديثة، بعيداً عن الهاجس الأيديولوجي، ومس قداسة النص القرآني، وكذلك بعيداً عن الدعوة لإقصاء الشريعة الإسلامية وتبني فصل الدين عن الحياة، كما يعلن هذا جلياً في كتابه “الدين والدولة وتطبيق الشريعة”.

لكن الملفت دائماً في ما يكتب الجابري، وعلى امتداد مشروعة من كتابة “نحن والتراث” وخاصة في عمله الرئيسي “نقد العقل العربي” المؤلف من أربعة كتب “تكوين العقل العربي، بنية العقل العربي، العقل السياسي العربي، العقل الأخلاقي العربي” إلى ما قبل “مدخل إلى القرآن الكريم” أنه لا يتحدث عن النص القرآني المؤسس للتراث، بل كان على امتداد ما يكتب يؤكد على أن عمله على ضفاف هذا النص، وهذا ما جعل الكثير من التساؤلات تُطرح حول مشروع الجابري النقدي، لماذا لم يتحدث الجابري عن النص المؤسس لهذا التراث؟

نجد الإجابة في كتب الجابري السابقة بشكل عابر، حيث يتحدث عن اعتباره منطقة النص منطقة مختلفة عن التراث، لكن هذا المبدأ لم يكن مقنعاً للبعض لشعورهم أنه نابع من مناورة أيديولوجية لا لأسباب معرفية، ليأتي الجابري في مشروعه الأخير المكون من جزأين “مدخل إلى القرآن الكريم” والذي نشر منه الجزء الأول “في التعريف بالقرآن” وسينشر لاحقاً الجزء الثاني تحت عنوان “موضوعات في القرآن” ليؤكد قدسية النص في خطه الفكري والنقدي، واعتبار منطقة القرآن منطقة مختلفة عن التراث ومتعالية عليه، لكون القرآن نصا مطلقا ووحيا إلهيا.

لذا يؤكد الجابري في مقدمة كتابه على أنه لن يأتي بجديد في علوم القرآن، بقدر ما أنه سيحرص على إعادة دراسة الأسئلة القديمة وما دار حولها في الكتب التراثية التي اختصت بعلوم القرآن، وما يترتب على هذه الدراسة من طرح لتساؤلات أخرى معاصرة، الهدف منها كما يقول الجابري: “جعل المقروء معاصراً لنفسه ومعاصراً لنا” ومن هنا يؤكد على أهمية كون القرآن “يشرح بعضه بعضا” دون إقصاء المرويات المأثورة التي تُعتمد في التفاسير عادة.

ينقسم “في التعريف بالقرآن” إلى ثلاثة أقسام: “قراءات في محيط القرآن” و”مسار الكون والتكوين” و”القصص في القرآن”، حيث يناقش في القسم الأول، وحدة الأصل في الديانات السماوية، في الحديث عن ارتباط القرآن بغيره من الكتب المنزلة، والحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام في التوراة والإنجيل، والإشارة إلى النصارى المخاطبين بالنص القرآني “الآريوسيون”، ثم الإشارة إلى عقيدة الحنفاء ووجودهم في جزيرة العرب.

ثم يتحدث عن الفضاءات الخارجية، وعلاقة الدعوة المحمدية بالحضارات والأديان القائمة من حولها، ويناقش كذلك إحدى المسائل الهامة، وهي مسألة المقصود “بالنبي الأمي” حيث يرجح الجابري من خلال بحثه في كتب التراث ومعاني الآيات القرآنية أن المقصود بالأمة الأمية ونبي الأميين عدم امتلاكهم لكتاب سماوي، لا عدم الإلمام بالقراءة والكتابة كما هو دارج، حيث يسمي اليهود غيرهم من الأمم “الأميين” لاعتقادهم أن الكتب السماوية والنبوات مختصة بهم “بني إسرائيل” ولا تخرج عن دائرتهم، حيث كانوا بانتظار الرسول منهم وفي امتداد تاريخهم وعلى أساس موروثهم الديني والكتب السماوية التي يملكون، لا أن يخرج النبي في العرب “الأميين” الذين لم يعرفوا الكتب السماوية من قبل محمد عليه الصلاة والسلام، والذي لا تمثل نبوته امتدادا للنبوات في بني إسرائيل كما يتوقعون، ولذلك جاءت التسمية “الرسول الأمي” و”نبي الأميين” تبعاً لنظرة اليهود لهذه الأمة.

ويختم الجابري القسم الأول بالحديث عن الوحي ومفهومة، ثم سرد بعض الأفكار حول إثبات حقيقة النبوة من خلال دراسة مختلف رؤى أهل السنة، والفرق الكلامية، والشيعة والمتصوفة والفلاسفة.

أما في القسم الثاني “مسار الكون والتكوين” فهو يتحدث بشكل مباشر عن القرآن، تسميته وأسمائه المختلفة ” الذكر، الحديث، الفرقان، الكتاب ..” وعن الأحرف والقراءات المتعددة، ويؤكد في هذا السياق عدم إمكانية ترجمته للغات أخرى، بل كل ما نستطيعه هو نقل بعض معانيه، ومن ثم تحدث عن إعجاز القرآن وفصل الحديث حول ترتيب المصحف وعن سقوط بعض آياته، حيث يناقش المسألة من خلال أقوال المفسرين والمؤرخين، ويكاد ألا يضيف شيئا ذا بال في هذا الإطار على ما جاء في كتب علوم القرآن.

أما في القسم الأخير “القصص في القرآن” فينطلق فيه من فكرة مفادها أن “الغرض من المثل والقصص في القرآن غرض واحد” أي أن الهدف من قصص القرآن ضرب الأمثال واستخلاص العبر لا سرد التفاصيل التاريخية، ومن هنا لا يُستخلص من القصص حقائق تاريخية، لأن هذا مجال غير مجالها، مع أن هذه القصص ليست خيالية ومختلقة كما يذهب البعض، بل حقيقية وتتحدث عن وقائع تاريخية تدخل ضمن معهود العرب، لكنها ذكرت للعظة والعبرة.

ثم ينطلق الجابري في دراسته القصص، بناء على ترتيب نزولها، بحيث تأخذ الدراسة مساراً متماهياً مع أحداث الدعوة، بحيث تقارب القصة من خلال سبب نزولها، موقفاً يمر به الرسول عليه الصلاة والسلام، ويتحدث عن المشترك بين القصة والحالة أو الموقف.

وأخيراً وبعد الحديث عن القصص القرآنية في هذا القسم، والذي يأخذ الحيز الأكبر مما كتب، يختتم الجابري كتابه بالحديث عن العلاقة “الحميمية” بين القرآن والرسول عليه الصلاة والسلام، بين الوحي الإلهي والرسول المبلغ، لتعتبر بمثابة خاتمة للجزء الأول تمهيد للجزء الثاني من الكتاب، والذي ينوي الجابري الحديث فيه عن “موضوعات في القرآن” كما ذكر.

“مدخل إلى القرآن الكريم/ الجزء الأول: في التعريف بالقرآن” صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى سنة 2006م، ويقع في 456صفحة من القطاع الكبير.

 

صحيفة الرياض – 23 يناير 2008م

شبكة الإنترنت: ثقافة المرأة .. العالم الإلكتروني .. الصحف الورقية.. من خدم من؟

  دخلت المرأة العالم الافتراضي من أوسع أبوابه، وتمتعت بحريتها في الكتابة وإثبات فاعليتها الثقافية، وتباين الحديث عن الصحافة من ناحية أخرى، التباين بين العالم الإلكتروني والعالم الورقي الصحافي، فكيف نقرأ دخول المرأة للعالم الافتراضي؟ والعلاقة بين الإعلام الورقي والإعلام الإلكتروني؟

بداية تقول القاصة الدكتورة هناء حجازي: المواقع الالكترونية لم تقدم مساحة للمرأة فقط، هي قدمت مساحة للناس، كل الناس كي تمارس دورها في التصريح بآرائها والإعلان عما تريد ، ولم يحدث ذلك هنا فقط، اقصد في بلادنا فقط، بل حدث في كل بلاد العالم، الانترنت فتح للعالم كله مساحات شاسعة أصبح بالإمكان من خلالها التواصل وإبداء الرأي والتحدث بكل حرية في كل ما يمس الإنسان، بدءا من السياسة والواقع الاجتماعي وانتهاء بالثقافة. هنا في بلادنا يصبح الأمر أشد ضرورة نظرا للواقع الاجتماعي الذي تعيشه كثيرا من النساء عندنا، فالمرأة المحصورة في منزل لا تستطيع الخروج منه، اصبحت قادرة على التجول في المواقع الالكترونية، ابداء رأيها، كتابة إبداعها، عرضه على العالم، مناقشة افكارها، كل ذلك بدون عناء الخروج من منزلها أو الاضطرار إلى التصادم مع محظور اجتماعي أو محرم غير متفهم .. نعم بالتأكيد قدمت المواقع الثقافية الالكترونية للمرأة مساحة شاسعة لتمارس دورها الثقافي بشكل أكبر، والمسألة لم تعد مقارنة بين دور الصحف الورقية وبين الانترنت، المسألة اصبحت تكاملاً واستفادة متبادلة، والدليل هو سعي الصحف للتعرف على واستكتاب المثقفين الذين عرفوا عن طريق الانترنت بالإضافة إلى أن أغلبية المثقفين الذين يشرفون على الصفحات الثقافية في الجرائد مطلعون على ما يكتب في الانترنت ويشاركون فيه في أغلب الأحيان، بالإضافة إلى أن جميع الصحف تقريبا أصبحت تعتمد النشر الالكتروني بالإضافة إلى الورقي.

وتضيف حجازي: المواقع الالكترونية أكثر جرأة على الخوض في الأمور الشائكة، ما لا تستطيع الصحف مناقشته أو عرضه في صفحاتها بحكم التعود على عدم الشفافية، أو الخوف من المساءلة الإعلامية، أو المنع أو عدم النشر بعد الكتابة، أصبح العاملون في الصحف لديهم رقيب داخلي يمنعهم من الخوض في أمور معينة. هذه المسألة غير موجودة في النشر الالكتروني، فليس هناك ما يمنع من طرح أي قضية، سوى جرأة الشخص نفسه، أحيانا قد يصل النقاش إلى حد الإسفاف أو غلبة الصوت الأعلى والذي ليس بالضرورة أن يكون عقلانيا أو موضوعيا، لكن هذه هي ضريبة الكتابة بلا رقيب، وهو أمر علينا أن ندفع ثمنه. حتى يتعود الناس على أدبيات الكتابة في المواقع الالكترونية، وهي مسألة في أحيان كثيرة تعتمد على المشرف على الموقع الالكتروني وقدرته على ضبط الأمور.

وتختم الدكتورة هناء بقولها: أثرت – المواقع الإلكترونية- بمقدار جدية المرأة في الاستفادة منها، بمعنى أن المرأة التي تكتب وتقرأ وتتواصل عبر هذه المواقع، إذا كانت تتعاطى مع موهبتها بجدية واهتمام فالتفاعل مع هذه المواقع بالتأكيد.

ومن ناحيتها ترى الكاتبة والقاصة طفول العقبي: منذ أن بدأ تيار (شبكة العنكبوت) يشاغب فضاء ساحة الصحف والمطبوعات الورقية وأنا أتساءل بيني وبيني عن هذه الظاهرة التي صعدت فجأة على السطح كنت أرقب من بعد ، هل ستكون هذه الظاهرة يا ترى كباقي تلك المظاهر الطارئة على مجتمعنا العربي بشكل عام والسعودي بشكل خاص، متغيرة ما تلبث أن تطفو على السطح لبعض من الوقت فقط كقطعة (فيلين) لتختفي سريعا وفجأة كبقايا ضباب ، أم تراها ظاهرة ظهرت لتبقى وتترك بصمة عميقة على عالم الأدب والثقافة!!

لا أستطيع أن أحدد إجابتي حتى الآن هذه الظاهرة في نظري لازلت في طور التبلور والتشكل فلا هي يرقة وليست بعد فراشة تستطيع أن تفرد اجنحتها وتطير وحدها.

وتضيف بقولها: فعلى الرغم من أن الكتابة الإلكترونية قد أعطت للكلمة مساحة حرة فلا ترد أو تصطدم بجدران مكاتب التحرير وأسوار الجرائد العاجية إلا أنها بنظري لا تزال تجربة فتية بعد. فلا أستطيع أن أحكم بعد هل يعود نجاحها الآن إلى كونها طازجة وجديدة أم لأنها لا تخضع تماما لسربلة الحصار ومقص الرقيب أم لنجاح حقيقي.

وتختم العقبي بقولها: بالطبع الجازم قد فتحت المواقع الإلكترونية نوافذ مشعة للمرأة خاصة لجيل الشابات ، كما أنها أعطتهن مجالا للنشر ، لممارسة التحرير ، للتعاطي مع الطرف الآخر(الرجل) بندية وحرية سواء أكان القريب داخل نفس المدينة والشارع أحيانا أم هو البعيد والمختلف في قارة أخرى ربما. مما لاشك فيه أن التكنولوجيا قد ساهمت في نقل الثقافة وتبادلها كما أنها فتحت الأبواب لتجربة جديدة على مصراعيها ولكن في نفس الوقت يبقى الحيز الإلكتروني حيزا يتسم بالنخبوية فلم نصل بعد إلى أن تكون خدمات الانترنت خدمات ميسرة لكل مواطن مما قد يحد البعض من القدرة على المواكبة والتعاطي بشكل دائم مع هذا الكائن الجديد.

وهنا أتساءل هل تريد المرأة لنفسها هذه الساحة والمساحة فقط؟! هل تقبل وترضى بحرية في الفضاء المتخيل أو الفضاء الإلكتروني أم انها أيضا تحتاج إلى حرية في الحيز المعاش؟ هل يستطيع الفضاء الإلكتروني وحده أن يحقق ذلك؟

من ناحيتها تقول الكاتبة ضياء يوسف في سؤال عن المواقع الثقافية الإلكترونية كبديل وهروب عن النشر الورقي: الأمر ليس بحدية الهرب وحتمية اختيار البديل الأبدي فأكثر كتاب الصحافة متواجدون على الإنترنت بشكل سلس وتلقائي. أظن أن الصحافة الورقية تتفوق بمردودها المادي أما الصحافة النتية فتتفوق بكونها حرة من مزاحمة الإعلانات و ضرورة الالتزام بمساحات محددة لذلك الثقافة التي تقدمها الصحافة الإلكترونية أكثر دسامة بما لا يقارن مع صحافة الورق. قابلة للإخراج بشكل أجمل وبأدوات أكثر جذبا هذا و الانترنت يعتبر أرشيفا ضخما وفي متناول الجميع ..فبينما ينتهي الموضوع الموجود في الصحيفة بعد أيام من نشره تبقى الصحافة الإلكترونية حية حتى بما سبق نشره بشهور. ولولا أن الكمبيوتر مازال يصعب الوصول إليه للبعض ولولا أن الاستثمار الثقافي على الإنترنت مازال ضعيفا لتفوقت الصحافة الإلكترونية حتما .

وعن أفضلية أو تميز العالم الإلكتروني أو الورقي فتقول ضياء يوسف: العمل الثقافي يسير بشكل موازٍ في كلا العالمين بفارق أن الإنترنت يكسر هيمنة الإقليمية ويقدم فاعلية وسرعة تتجاوب مع قابلية الثقافة للتداول والتطور وتجعل من الفعل الثقافي بيئة تستوعب المرسل والمستقبل ..هذه بالطبع حركة إعلامية متطورة تمنح الجمهور فرصة المشاركة في صنع المادة الإعلامية . لكن ليس الجميع من جمهور الإنترنت . كما أنه ليس الجميع من جمهور الورق .

وتختم بقولها: أظن أن العالم الافتراضي يدعم العالم الورقي، نستطيع ملاحظة هذا من خلال استفادة الصحف الكبرى من نقل موادهم للشبكة ومنح المتلقي إمكانية التفاعل.

 

 

صحيفة الرياض – 25 نوفمبر 2007م

شبكة الإنترنت: المنتديات الثقافية.. المدونات الشخصية.. المواقع المتخصصة.. بأيهم يحفل المثقفون؟!

  في عالم شبكة الإنترنت، وتحديداً عالمها الأدبي الثقافي، بين المنتديات الثقافية والمدونات الشخصية والمواقع المتخصصة، لمن الأفضلية اليوم؟ ولماذا؟ وأيهم أكثر فاعلية في المجال الثقافي على المدى البعيد؟ وهل يمكن تحويل التجارب الثقافية الافتراضية إلى تجارب ثقافية حقيقية فاعلة في المجتمع؟

 

بداية يتحدث القاص سعيد الأحمد: يقول أخي محمد – أثابه الله – إن الإنسان حيوان إعلامي. وأكاد أجزم أنني لم أسمعها من سواه، فالجميع يقول إن الإنسان حيون ناطق، والنطق مرحلة بدائية جدا لابد أن يتبعها – بحكم سلّم الرغبات – مرحلة أخرى. فبتسليمنا بإعلامية الإنسان (الحيوان الناطق)، نستطيع أن نجد مدخلا ملائما لكل أسئلتك التي بعثتها لي، ولكي أكون أكثر دقة فسأبدأ بإجابة السؤال الثالث أولا، لأن إجابته تؤسس للإجابة على السؤالين الأولين، وتجعلهما أكثر وضوحا ومنطقية. بخصوص تحويل التجارب الثقافية الافتراضية إلى تجارب حقيقية فاعلة في المجتمع يقول الأحمد: لايوجد – من وجهة نظري – ثقافة إفتراضية وثقافة واقعية، فالثقافة معطى وعالم التقنية (العالم الإليكتروني الإفتراضي) مجرد أداة أو قناة لتعاطي وتبادل ثقافة سائدة: كالسقائف، ثم الدور والمساجد وإعلامها المنبري، ثم الصحائف والصحف وإعلامها المقروء، ثم الإعلام المسموع ثم المرئي. إذن هي مجرد منبر أو قناة جديدة لتداول ثقافة المجتمع المهيمنة. وكون الإنسان حيواناً إعلامياً – كما ذكرنا أعلاه – فسيظل يركض لاهثا خلف أي منبر جديد يبث من خلاله رؤاه وتصوراته ويثبت عن طريقه وجوديته. ولأكون أكثر دقة وصدقا، فالأداة مجرد أداة، وليست عالما افتراضيا، أو واقعيا، بينما ثقافتنا برمتها تستحق أن تنعت بالافتراضية، حيث أنها – إلى هذه اللحظة – لاتعدو التكون في أكثر من مجموعة من التنظيرات والخطب والشعارات المنطوقة لا المفعولة: بمعنى آخر؛ هناك فجوة فاضحة بين مايقال ومايمارس على جميع المستويات، وهذا مايثبت افتراضية ثقافتنا وأعرافنا السائدة.

يضيف الأحمد: وهذا سيعيدنا عكسيا إلى السؤال الثاني، ثم الأول.. ففي الثاني تقول: (لمن المستقبل في الفعل الثقافي على شبكة الإنترنت؟)

وانطلاقا من اجابتي السابقة، أستطيع الجزم أن ليس هناك (فعل) ثقافي، بل مجرد تنظيرات متتالية ومتعددة مع اختلاف القنوات، ولم يتشكل أي منها في صيغة فعل بعد. غير أنني أرى بجدوى الفردانية أولا وقبل كل شيء، فمصداقية الفرد – مع طروحاته ومبادئه – هي اللبنة الأولى لتسويقها، أما انصهارية هذا الفرد ورؤاه داخل منظومة ما – وإن كانت من خلال قنوات الشبكة العنكبوتية – فلن تنتج أكثر من انتمائية إلى تجمع جديد يسوّق للمعطيات والأفكار السائدة ويروج لها، دون أن يستغل المستجدات الأدواتية في تجاوز المطروح أو في مساءلة السائد والتأسيس لرؤى مقوّضة.

سنعود الآن إلى سؤالك الأول عن المنتديات الثقافية والمدونات الشخصية (الثقافية بالطبع)، ومن سيصمد ويستمر منها. وهنا يجب أن نشير- أولا – إلى أن الإبداع حالة فردانية، وليس عرفاً جمعياً، فالمبدع حالة مستقلة، صارخة متمردة، قائمة بذاتها، وليست مجرد (عود من حزمة) تنتسج وتتكامل مع غيرها لتشكيل فرد ثقافي افتراضي؛ تم تجميعه. فالمبدع حالة فردية، والإبداع تراكم لعدة حالات فردية مبدعة ومتجاوزة، وليس قطيعا من المنمنمات الصغيرة المتراصة جنباً إلى جنب لتكوين فرد ثقافي أو ابداعي افتراضي يمثل غيره. كافكا لم يكن مجرد منمنمة تكمل مضمومة، وبورخيس لم يكن منمنمة أخرى، وكل مبدعي امريكا اللاتينية المميزين لم يكونوا مجرد خيوط تتراص وتتكامل لتنتج مضمومة لاتينية إبداعية، بل كان كل منهم حالة قائمة بذاتها تستحق الدراسة لوحدها وبمعزل عن الجمع. لذلك ستنز- دائما- فردانية الإبداع على السطح، وستخلد الأسماء الإبداعية ونتاجها بشكل مستقل وممثل لذواتها. وهذا، بكل تأكيد يعني أن النتاج الشخصي، أو التدوين الشخصي هو المخلد وهو الدائم، بينما يظل التثاقف والتواصل الجمعي كمجرد مرحلة تأسيسية لفردانية جديدة، وتستمر ملتقياته ومنتدياته كمجرد أمكنة للتسلية أو للتواصل أو الدربة التي تفنى بمجرد اتخاذ المبدعين لقرار الاشتغال على مشروعاتهم ونتاجهم الخاص.

من ناحية أخرى يقول الكاتب عبد الحليم البراك: يبدو أن الرهان لم تتضح معالمه بعد، أو أن الرهان كان يحمل صورة فلاشية سريعة الخطوات، تجعل الحكم بينهما ليس حاسماً، فما إن استولت المنتديات – حتى وقت ليس بالقليل – على المشهد الثقافي الإلكتروني، إلا جاءت المدونات وزاحمتها وأخذت وهجاً لامعاً، إلا أنها سرعان ما تراجعت بنفس السرعة التي ظهرت فيها، والذي يبدو لمن يتابع المشهد الثقافي الإلكتروني أن حجر الزاوية هي المصداقية، فالمنتديات بدأت بمصداقية مقبولة، سرعان ما تراجعت، ثم تدهورت المصداقية أيضاً في المدونات مع الفرص المتاحة لأي أحد!! (ناهيك عن عيب كبير في المدونة؛ وهي تفردها بشخص واحد أو فكر واحد أو لون ثقافي واحد) قلل من أهميتها، وفي نظري أن الأفضلية الآن والمستقبل للمواقع الثقافية لسببين رئيسيين هما:

المصداقية المبنية على مرجعية قوية وذات اعتبار شخصي أو مؤسساتي.. والآخر على تنوع مطلوب لدى المتلقي للفعل الثقافي.

لكن من المهم الإشارة إلى أمر مؤثر جداً، أن الفعل الثقافي الإلكتروني مرتبط بشكل كبير جداً بالتطور التقني، فتسارع الخطوات التقنية، يتبعها نوع من الارتباك في أن يأخذ كل منها وقته كاملاً مما لا يسمح بنضج التجربة بل احتضارها في مهدها أحياناً، لذلك يبدو الحكم عليها مرتبكاً أيضاً إذا ما أخذنا هذه النقطة في الاعتبار.

ثم يضيف البراك عن إمكانية تحويل التجارب الثقافية الافتراضية إلى تجارب ثقافية حقيقية فاعلة في المجتمع بقوله: بالتأكيد، هي كذلك، فرغم الشخوص الافتراضية التي تقبع خلف الفعل الإلكتروني للثقافة، إلا أنها تعبر عن ذوات حقيقية، ورغم أن الشخوص الافتراضية تكون عرضة للأمراض الاجتماعية والنفسية التي لا تستطيع إبرازها عندما تكون مسؤولة بشكل شخصي (أي اعتباري) عن أخطائها وتصرفاتها، إلا أنها مؤشر هام معبر؛ وعليه فإنه لا مناص في رأيي أن تعبر عن تجارب حقيقة فاعلة، ناهيك عن قضية هامة للغاية، وهي: أن البعد التفاعلي السريع في المواقع الثقافية الإلكترونية يمنح تجربة ممتازة للكاتب أو لأي تجربة فنية بغض النظر عن لون هذه التجربة، والذي لا شك فيه أن ميلاد بعض (الأسماء/ التجارب) من خلال الشبكة العنكبوتية قبل أن تخرج للنور الحقيقي هو حقيقة لا يمكن تجاهلها فقد أصبح النشر الالكتروني تمريناً رائعاً للمبتدئين، مهما يكن من أمر، تحول التجارب الثقافية الافتراضية إلى تجارب حقيقية لا يحتاج سوى لوقت قصير لإثباته، فالرهان الآن على آلة الزمن فقط.

أما الكاتبة هديل ناصر العبدان فتقول: من يمرّ عليها جميعاً في الإنترنت الآن سيجد الإجابة لديه واضحة تماماً، فالازدياد في إنشاء المدونات الشخصية آخذ بالارتفاع، فالمنتديات الثقافية تفرض شروطها وقوانينها على الأعضاء، فتحرر وتحذف مايخالف، ويشعر العضو هناك بأنه تحت سيطرة إدارة عُليا، أما في المدونات الشخصية فإن الشخص سيشعر بأن هذا المكان موطنه الشخصي، يكتب فيه مايشاء دون أن يُقيد بأي قوانين تفرض عليه اتجاهاً معيناً، وبلا أي حدود يخشى تجاوزها دائماً، فيكتب مايشاء حين يشاء، أما المواقع الثقافية، لشحّ “بعض الشيء” العطاء فيها من حيث الردود والمشاركات الخارجية فغالباً لا تكون الحركة فيها ذات مردود جيّد، إذا الأفضلية للمدونات دون شكّ.

وتضيف العبدان: حينما ننظر إلى الجانب المستقبلي الثقافي قد لا تتضح الرؤية لدينا كثيراً، فالمنتديات الثقافية بدأت بالانتشار بشكل كبير، وأحياناً دون حتى مقاييس ثقافية صحيحة، ودون تعريف صحيح للثقافة، والمدونات الشخصية قد تفرض فيها النزعة المركزية والحرية بعض التجاوزات التي قد تتفاقم، والمواقع الثقافية من بنيها جميعاً تجد الصدى الأقلّ، ولكن إذا كانت إدارة المنتدى الثقافي إدارة واعية تماماً، وقادرة على التحكم في المسارات بصورة جيّدة أظنّها هي الأقدر على البقاء الثقافي، لأنّ اليد الواحدة لا تصفق!، وفي المنتديات هناك الآلاف من الأيادي المُشاركة في أي فعل أو حركة.

وتختم هديل العبدان بقولها: هناك الكثير من التجارب نستطيع أن نأخذها كدليل في هذا التحول الثقافي من عالم الشبكة الالكترونية إلى المجتمع الواقعي، لأن الشبكة الآن أصبحت هي الأفضل – تقريباً – بأن تكون أرضاً خصبة للتجارب، حيث أيضاً أن صاحب التجربة مثلاً لن يجده وحيداً في ظل محاولاته، بل سيستفيد بشكل أكبر كثير بكلّ الأجواء المحيطة حوله هناك، شيئاً فشيئاً يصلُ إلى مرحلة التطبيق، فكم من مثقف استطاع الوصول إلى هدفه في المجتمع ابتداء من الشبكة الالكترونية، لذلك نجد أن الكثير يلجأون إليها ليكسبوا مايبحثون عنه، وما يشهد على هذا الانزياح المشترك من الناحية الثقافية الأدبية إصدار “المغزل” المجموعة القصصية التي أصدرها موقع جسد الثقافة واحتوت على مجموعة قصص لأعضاء في المنتدى، وكذلك مجلة أدب البيكسل عن موقع رحلة حياة، وغيرها الكثير من التجارب الناجحة التي تشهد بوجود عالم ثقافي حقيقي الكتروني قادر على التواجد بشكل مبدع في المجتمع وخلق التأثير فيه.

 

 

صحيفة الرياض – 24 نوفمبر 2007م

فيلم (1408).. بين أوهام النفس وحكايات الكون..

   فيلم (1408) من أحدث أفلام الرعب والإثارة الأمريكية، وأكثرها إمتاعاً، ربما لأنه حاول كسر النمط التقليدي لهذه الأفلام، فجاء بقدر ضئيل من اللون الأحمر، والكثير من العمق وتقاطع الأحداث وروعة حبكتها. وقد لا يعني لي هذا الرقم “1408” أي شيء، فأتجاوزه وأعتبره خالياً من أي دلالة، مجرد رقم غرفة مخيفة أو مجنونة في فندق (دولفين) في احدى زوايا نيويورك كما جاء في الفيلم، وقد أقرأ هذا الرقم بأكثر من صورة متشابهة أو مختلفة، ( 8++40+1=13)أستطيع أن أقول بأن رقم 13مجرد نتيجة لعملية حسابية، وهذا وجيه جداً، وأستطيع أن أعتبره مجرد رقم شؤم، كما ترسخ في الثقافة الغربية، بغض النظر عن أسباب هذا الشؤم أو معناه، ومن ناحية أخرى، أستطيع أن أعتبر الرقم 13محملاً بدلالة دينية مستوحاة من الإرث المسيحي حول صلب المسيح، فعدد حواريي المسيح عليه السلام 12أما “يهوذا الإسخريوطي” الذي خان المسيح وقدمه للجيش الروماني كي يصلب كما جاء في الأسطورة المسيحية، يفترض بأنه يحمل الرقم 13، وجسد الحادثة أيضاً الفنان ليوناردو دافنشي في لوحته “العشاء الأخير”.

كما تختلف قراءة هذا الرقم، ولا ندرك تماماً ماذا فهم منه “مايكل آنسلين” الكاتب الروائي الفاشل، والذي جسد شخصيته بطل الفلم “جون كوزاك” حين قام بالعملية الحسابية أعلاه، أستطيع أن أقرأ الفيلم ككل، مغزى الفيلم النهائي، بأكثر من طريقة متوازية أو مختلفة ولكل منها مسوغاتها المنطقية ودلالاتها في الإشارات والأحداث التي حواها الفيلم ومشاهده.

عندما أحاول قراءة الفيلم قراءة ذات معان دينية أو عقائدية، سأجير من أجل هذه القراءة العديد من الأحداث والدلالات وأحللها لأصل للفكرة النهائية التي ارتسمت في ذهني كمتلق، من هذه الإشارات، الصلوات المسيحية في أول مشاهد الفيلم التي كان “مايكل آنسلين” الملحد يستمع إليها عبر مذياع سيارته، “مايكل آنسلين” الذي غضب من زوجته وتشاجر معها عندما تحدثت مع ابنتهما عن “السماء”، كما أنه يكتب بشكل دائم عن الأرواح الشريرة، ويذهب إلى أماكنها المخيفة والنائية المزعومة كما يدعي، لأنه بكل بساطة لا يؤمن بشيء، ومن هنا أستطيع أن أذهب بعيداً في التفسير، فأقول بأن الغرفة 1408ترمز للكون، في البداية كان جو الغرفة معتدلا، ثم جاءت موجة حر شديدة “صيف”، أعقبها تحول في الطقس، فأصبح بارداً نوعاً ما “شتاء” وتساقطت الأمطار “مضخة الماء المضادة للحرائق أعلى سقف الغرفة” ومن ثم اشتد الصقيع، والجليد غطى الغرفة، هنا نتعاطى مع الغرفة على أنها “الأرض” بفصولها المتغيرة، ثم ننتقل لمرحلة أخرى كونية، أكثر إثارة للجدل، حين نتحدث عن إشارات أخرى أكثر عمقاً، وغير مفهومة بشكل مفرط بالنسبة “لمايكل آنسلين” المشوش والمسجون، فالغرفة ترتب نفسها بنفسها بشكل لا يدركه هذا النزيل الملحد، ويكاد أن يجن بسبب عدم قدرته على التفسير، فحين استخدم أوراق الحمام -كمثال- جاء بعد دقائق ليجدها على ترتيبها القديم كأن لم يستخدمها أحد، وهكذا كانت أشياء هذه (الغرفة – الكون)، بحوادثها المختلفة، محكمة ومبهمة وغير مفسرة على الإطلاق.

سأسرد باختصار بعض الدلالات الإضافية، نجد أيضاً أن الغرفة تُغمر بالماء، وكأنه يتحدث عن طوفان نوح علية السلام الذي عم (الكون – الغرفة)، كما نجد إشارة الجدران المصمتة، كدلالة على محدودية معرفة مايكل آنسلين – الإنسان، بهذا الكون من حوله، ثم تطرأ متغيرات أخرى عاصفة على المكان، وكأن هذه المتغيرات ترمز لأشراط القيامة، أحداث كبرى غير مفهومة وغير مفسرة، وبعد هذا كله، يأتي الحريق – جهنم أو الجحيم، وكأنها عاقبة مايكل آنسلين – الإنسان الملحد.

هذه القراءة مجرد افتراض، أستطيع أن أقول أيضاً بأن “مايكل آنسلين” إنسان معذب ومضطرب نفسياً، فقد ابنته الصغيرة والوحيدة التي ذهبت ضحية لمرض السرطان، وانفصل عن زوجته التي يحب، كما أنه انخرط في سلسلة كتابات فاشلة، جاء إلى فندق “دولفين” بحثاً عن إثارة ما، فوجد مبتغاه في تلك الحكاية المتوهمة، أو الحكاية الشؤم، وجد في دفتر ضحايا الغرفة والذي أعطاه إياه مالك الفندق “جيرالد أولين” والذي جسده في الفيلم الممثل “صامويل جاكسون” وما يحويه من صور وحكايات بيئة صالحة لأوهامه، وفي حالته النفسية المتردية الفاقدة لابنته ما عزز بناء هذه الخيالات، كما وجد في إيحاءات “جيرالد أولين”، نبرة صوته، كلماته، رجاؤه أن يعدل عن قراره وأن يتراجع عن خوض مغامرة ولوج غرفة الموتى ما عزز هذه الأوهام والخيالات، فانعكس كل هذا وتجسد في رؤيته للغرفة المشؤومة، مما أدخله عالماً من الخوف والرعب الممتد، وربما ساهمت قارورة النبيذ العتيقة التي أهداه إياها “جيرالد أولين” في صنع تلك الهلوسات، المعالجة هنا نفسية بشكل محض، وتحمل شيئاً من وجاهة أيضاً، خاصة مع تداخل الأحداث وترابطها مع حياته التي انقضت، والحضور القوي لابنته وزوجته في المتغيرات المتلاحقة، من هنا نستطيع قراءة أحداث الفيلم بأكثر من قراءة مختلفة وممتعة، ولكل منها ما يبررها أيضاً.

الفيلم مقتبس عن قصة قصيرة للكاتب ستيفن كينج بعنوان “الغرفة 1408″، وهو من بطولة جون كوزاك وصامويل جاكسون، ومن إخراج ميكال هافستروم، أما كتاب السيناريو فهم مات جرينبرج وسكوت الكسندنر ولاري كاراسكزيويكس.

 

صحيفة الرياض – 20 سبتمبر 2007م

“أن ترحل” .. آخر روايات الطاهر بن جلون .. مشاكل الوطن وإشكاليات الهجرة ..ككل مرة

رغم مواقف الكاتب المغربي الطاهر بن جلون الثقافية والسياسية والتي تبدو مطابقة إلى حد ما لنظرة الحكومة الفرنسية للمهاجرين وذوبانهم في المجتمع الفرنسي، ومنطقها كذلك في التعاطي مع العرب عموماً والمغاربة بوجه خاص، وكذلك نظرته التقليدية الأوروبية الإتهامية للمسلمين، إلا أن هاجساً واحداً يعتبر بمثابة القضية الكبرى أو القوة الدافعة التي يكتب من أجلها الطاهر بن جلون روايته، ألا وهي المغرب، فهو يكتب عن المغرب وللمغرب، يكتب تفاصيل الأزقة في طنجة، ونكهة الدار البيضاء، أحلام المغاربة ومشاكلهم وآمالهم، يخط كل في الوسط الثقافي الفرنسي.

حين أتحدث عن روايات الطاهر بن جلون، فإني ألج منظومة غريبة وفوضوية، أفكار أصبحت بمثابة “ثيمة” في نصوصه الروائية، الحديث عن الفساد الإداري وأصحاب النفوذ، التفكك الاجتماعي، الحديث عن الفقر، البغاء، المخدرات، الشذوذ الجنسي، كما أن الشخصيات تفرض نفسها على النص الروائي كل مرة، شخصية المتدين الجشع، شخصية الشاب الحالم التائه الطموح، الفتاة المضطهدة، المسلم التقليدي الهادئ أو المسالم، الفتاة المتمردة، العجوز ذات النوايا الحسنة، شخصيات يكررها بن جلون كثيراً في أعماله.

في “طفل الرمال” و”ليلة القدر” كان الإشكالية الرئيسية هي حياة الأنثى، مأزقها الوجودي في المجتمع المغربي كما تصوره الكاتب، أما “الرجل المحطم” فكان الطاهر بن جلون يهجس بالرشوة وكيف تفسد حياة الإنسان، وجاءت “تلك العتمة الباهرة” لتمس تلك الحرية السليبة، وفي مجموعته القصصية “الحب الأول، الحب الأخير” كان الحب والجنس محور الحديث، أما الكتابة عن الفقر فكانت في “نزل المساكين” و”الكاتب العمومي” واختصر الحديث عن الهجرة في “أعناب مركب العذاب” لكن قضية كقضية الهجرة من المغرب تستحق أن يكتب عنها المزيد والمزيد، لذا عاد هنا في “أن ترحل” ليخوضها من جديد، لذا تجد أن الطاهر بن جلون مع أنه يتحدث عن كل هذه الإشكاليات في كل أعماله، إلا أنه يفرد نصيب الأسد لإحداها فيضعها في مركزية الحدث، فيسهب الحديث عن أسبابها وتجلياتها الاجتماعية، وأثرها على الفرد والمجتمع المغربي.

روايته “أن ترحل” تعد بمثابة مدخل إلى أحلام الهالكين كما صورهم، أولئك التواقين إلى الهجرة من المغرب بسبب الفقر، الحديث عن الشاب المسحوق، لم تكن مراكب الموت هي المحور الرئيسي في الرواية كما في “أعناب مركب العذاب” بل الخوض في هاجس الهجرة ككل، فكرة الهروب من الوطن التي ما إن أصبحت محورية في ذهن “عز العرب” أو “عازل” المثقف، وخريج كلية القانون، حتى اختزلت كل حياته، وأصبح بإمكان هذا الشاب ارتكاب أي شيء في سبيل هذا الهدف، التخلي عن كل شيء، وربما أغلى شيء، مع فقر والفاقة تفقد الكثير من المعاني السامية مرادها، فلا يغدو للحياة، للشرف، للكرامة، أي قيمة، حين يسيطر هاجس الهجرة على الإنسان، لا يفكر إلا بتلك الأربعة عشر كيلومترا الفاصلة بين “طنجة” والشواطئ الأسبانية.

يضطرب الموقف في الرواية، بين “أن ترحل” وبين “أن تعود” عندما يفقد هذا المهاجر الجنة الموعودة، يصبح من العسير عليه أن ينسجم أو يتواءم مع نفسه وطموحاته، فيفقد كل شيء قيمته، بما فيها الحياة ذاتها، التي لا تغدو في النهاية إلا كماً هائلاً من الإخفاقات والخيبات المتسلسلة، فتضطرب معاني الأشياء، تصبح العنصرية موجهة ضد الوطن، والشوق للحياة الأخرى في المنفى، وإمعاناً في السخرية والاضطراب، يكتشف الأسباني “ميكال” والذي ساعد “عازل” وأخته “كنزة” على الهجرة، أن والده الشيوعي هاجر أيضاً، لكنها هجرة مغايرة، هاجر من أسبانيا أيام قمع “فرانكو” إلى المغرب، وبالطريقة المجنونة التقليدية ذاتها.في الرواية الكثير من الشخصيات العابرة، تظهر وتختفي وتعود، سهام، سمية، ناظم، فلوبير، موحا، العافية، عباس، نور الدين، الفتاة النيجيرية، الدكتور الفرنسي، الحاج، والأسطورة توتيا، كل هذه الشخصيات تدور حول الشخصيات الرئيسية، “عازل” الشاب المغربي المهاجر، وعشيقة “ميكال” الأسباني، ثم “كنزة” أخت “عازل”، ثم تنتهي الرواية نهاية أسطورية أكثر من كونها نهاية تقليدية، فكل شيء ممكن في عالم الهجرة. الطاهر بن جلون، كاتب مغربي يكتب باللغة الفرنسية، وترجمت أعماله إلى العديد من اللغات، حازت روايته “ليلة القدر” على جائزة “غونكور” الفرنسية، ويعتبر من أبرز كتاب فرنسا، وروايته “أن ترحل” هي آخر أعماله، وصدرت عن المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى سنة 2007م، وتقع في 317صفحة من القطاع المتوسط، وهي من ترجمة بسام حجّار.

 

صحيفة الرياض – 30 سبتمبر 2007م

“سيجيء الموت .. وستكون له عيناكِ” لجمانة حداد.. رعشة الشعر انتحاراً!

 منذ اللحظة الأولى، لا يمكن أن تنزع عنك رهبة الموت وجبروته، وربما مراوغته، أمامك تجربة مختلفة تحاول مقاربتها، قد تتعمدها بعد أن وُلدت، القراءة لشعراء انتحاريون.

لم يكن الكتاب فقط كما كتب نقش عليه “كتاب أنطولوجي مستفز وعدواني بسبب هويته الانتحارية” بل كان أكثر من ذلك بكثير، حمل شيئاً من هيبة لهذا الموت المرتكب، هيبة انعكست على كل نص وعلى كل صورة، وعلى كل اسم نقش في عداد الشعراء المنتحرين، هؤلاء اختاروا الاستقالة من الحياة، وذهبوا فرادى يجرجرون الخطى نحو شيء مختلف، هذا الهاجس يتملك القارئ من البداية، ويجعله يعيش رعشته.

لم تعد الشاعرة والمترجمة جمانة حداد قائمة اعتباطية بشعرائنا، ولم تجنح للعشوائية في نثر رائحتهم، رائحة الموت الذي عاشوا، بل فتشت عن هذا الموت، بحثته عن تفاصيله، وجاءت بالكثير عنه، لذا يتجاوز الكتاب العمل البيوجرافي التوثيقي، ليكون بحثاً أعمق في هوية الكلمات الانتحارية، فجاء الكتاب محملاً ببعض التفاصيل عن حياة هؤلاء الشعراء -حسب توفرها- وأبراج مولدهم، وأبرز المحطات المفصلية في حياتهم، وشيء من إحباطاتهم، كما أضيفت ترجمة لبعض نصوصهم، قامت الشاعرة بترجمتها وانتقائها خصيصاً للكتاب من عدة لغات، مما يعني نكهة أخرى مركزة لكل نص، نكهة لنصوص هؤلاء كما صاغتها الشاعرة، المترجمة التي تشربت هذا الهاجس، فهنا لا تكتفي بتأمل الموت، بل تقتحمه من بوابة الشعر أو الروح، كما أرادت لك الكاتبة.

جاء اختيار هؤلاء أولاً وآخراً لأنهم شعراء، ولأنهم انتحروا، ولأن القرن العشرين كان لحظة موتهم، فجاءوا من جنسيات وأعراق وثقافات وأديان وطبقات اجتماعية مختلفة ومتباينة، فرقهم امتداد الأرض، ووحد بينهم الشعر والموت ولحظته، أو كما كتبت المؤلفة ” نعم. مئة وخمسون، في القرن العشرين، انتحروا. مئة وخمسون شاعراً وشاعرة، من ثمانية وأربعين بلداً، من جهات الأرض الأربع، احتقروا، بعشرين لغة مختلفة، وباثنتي عشرة طريقة مختلفة، هذه الحياة الإنتحارية”.

على مدى أربع سنوات خاضت جمانة حداد في الانتحار، حفرت القبور، وفتشت التوابيت، وعاشت لحظاتهم المضطربة، لتخلق نصها الخاص، وهاجسها الخاص، الهاجس الذي – ربما – ولد عندها عند تلك الصبية التي رأت انتحار جدتها سنة 1976م ” لأن ابنة السنوات الخمس التي لم تنس، رغم غبش المسافة، مشهد جدتها المنتحرة المسجاة على الأرض”.

قسمت جمانة حداد الانطولوجيا إلى ثلاث أقسام، الأول اختارت الشعراء الأهم، والأكثر غزارة في نصوص مما أعطاها حرية أكبر في انتقائية الأعمال الشعرية التي ترجمتها، وكله بناء على مزاج شخصي لشاعرة ومترجمة، وبنفس الوقت ذائقة نقدية، تمازجت للاختيار، وفي القسم الثاني جاءت الاقتباسات مصغرة والترجمة موجزة، أما القسم الثالث فجاء بظلال للشعراء المنتحرين.

في آخر المدخل، تحدثت عن هواجس الترجمة الشعرية، أن تكون شاعراً وتترجم نصاً شعرياً، خاضت في هذه الثنائية في “استطراد” حول ” تأملات لمترجمة شغوف … وشاعرة!”.

عنوان الكتاب جاء ليحمل عنوان قصيدة الشاعر الإيطالي “تشيزاري بافيز” المولود عام 1908م والمنتحر عام 1950م.

” سيجيء الموت وستكون له عيناكِ

هذا الموت الذي يرافقنا

من الصباح إلى المساء،

أرقاً، وأصم،

كحسرة عتيقة

أو رذيلة بلا جدوى

ستكون عيناك حينئذ

كلمة قيلت سدى،

صرخة مكتومة، صمتاً ستكونان،

مثلما تتراءيان لكِ كل صباح

حين تنحنين على ذاتكِ في

المرآة…”

المترجمة والشاعرة اللبنانية جمانة حداد، صدر لها خمسة دواوين شعر، آخرها كان “النمرة المخبوءة عند مسقط الكتفين” 2007م، وثلاث ترجمات أبرزها ترجمة لانطولوجيا الأدب اللبناني إلى اللغة الأسبانية، كما أصدرت مجموعة حوارات أدبية بعنوان ” صحبة لصوص النار”، كما ترجم لها عدة دواوين للأسبانية والألمانية والإنجليزية.

” سيجيء الموت وستكون له عيناكِ” من إصدارات الدار العربية للعلوم- ناشرون، ودار النهار، اللبنانيتين، الطبعة الأولى سنة 2007م ويقع في 654صفحة من القطع الكبير.

 

صحيفة الرياض – 31 أكتوبر 2007م

أبوكاليبتو: الإنسان هو الإنسان.. لم يتطور بعد!

 “ميل جيبسون” من الأسماء المثيرة للجدل، وهو المخرج الأشهر والمثير للكثير من النقاشات حول أعماله ممثلاً ومخرجاً، والمسيحي المؤمن المحافظ، صنع العديد من الأفلام التي كانت دائماً محل تساؤل، ولا يعدو فيلمه الأخير (أبوكاليبتو-Apocalypto) إلا جزءاً من هذه السلسلة، فقد اتهم سابقاً بمعادة السامية بعد فلمه الرسالي أو التبشيري “آلام المسيح” لأنه يُحمّل اليهود وزر صلب المسيح، كما في الرواية التاريخية المسيحية، وانتقدت الكنيسة الفاتيكانية الكاثوليكية الفيلم على استحياء لأنه -ربما- كان تعبيراً دينياً وتبشيرياً عظيماً في نظرها.

في فيلمه (أبوكاليبتو) والذي عرض في أواخر عام 2006م لا يخرج “غيبسون” عن “ثيمته” المعتادة، هاجس الحرية الذي صبغ العديد من أفلامه، لكنه كان أقل مباشرة وأكثر رمزية، فلم يكن فيلماً رسالياً مباشراً أو نقداً صارخاً لممارسة سياسية، مما جعل قراءات الفيلم تتنوع من النظر إليه في سياق التبشير بالدين المسيحي وحضارة الرجل الأبيض بسبب آخر مشاهد الفيلم، حين جاءت السفن العملاقة بالحضارة لتوقف قتل أفراد قبائل المايا لبعضهم البعض، إلى قراءات أخرى متعددة سأحاول الخوض في إحداها هنا.

الفيلم يتحدث عن حضارة المايا البائدة، إحدى حضارات أمريكا الجنوبية، ويتمحور حول حكاية الآلهة المتعطشة للدماء، حيث يبدأ الفيلم من حياة القبيلة البسيطة الآمنة، وأفراد القبيلة يتحلقون حول النار، والعجائز يروين الحكايات والحكم للأطفال، ويأتي الحوار باللغة المحلية لقبائل المايا، ثم يتحول مسار الحدث بشكل دراماتيكي إلى غزوٍ دموي ومطاردات عنيفة للقبض على رجال هذه القبيلة من قبل قبيلة أخرى عدوه، ثم تأتي مرحلة قطع الرؤوس ودحرجتها على المذبح العظيم إرضاء للآلهة التي كسفت الشمس، في طقوس دينية بدائية، حيث الدماء تروي عطش الآلهة لترفع غضبها عن البشر وتعيد لهم الشمس. وهنا ومن خلال هذه المشاهد لا يمكن إلا أن نخرج بانطباعات عاصفة عن مدى وحشية ودموية وتخلف هذه الحضارة البائدة، وأخيراً تأتي الصدمة الحضارية الكبرى، حيث تطأ سفن الفاتحين، الرجال البيض أصحاب الديانة المسيحية، أرض بلاد المايا، لتكون شاهدة على هذه الحضارة المتوحشة وتُمدنهم أو تنقلهم نحو حياة أكثر نهذيباً ورقياً.

وقد تسببت هذه النهاية في تعدد القراءات واختلافها ما بين من يعتقد أنه نقد للفكر الاستعماري وبين نظرة أخرى ترى بأنه تمجيد لغزو الرجل المسيحي لبلاد الأنكا والمايا والإزتك. أما أنا فأرى بأن الفيلم جاء منتقداً للحضارة العالمية اليوم، الحضارة الأمريكية المهيمنة، أكثر منه فيلماً يبشر بعظمة الرجل الأبيض وتفوقه على الحضارة البائدة للشعوب المتوحشة والمتخلفة، فعلى العكس تماماً، جاء الفيلم بهذا التوقيت وهذه اللحظة العالمية ليصرخ بأن الإنسان لم يتغير، منذ شعوب المايا ودحرجة الرؤوس، وحتى اليوم والعالم يدعي العقلانية والتفوق والتمدن وربما نهاية التاريخ!، إلا أن منطق الإنسان لم يتغير، الإنسان الذي يُخضع نظيره الإنسان بالقوة والبطش متى امتلكها، أو كما يعبر المفكر اللبناني علي حرب “كلما قتل إنسان نظيره فزعت من نفسي” في إطار حديثه عن الحرب الأهلية اللبنانية، وكيف أن الدموية قد تنبع من الذات البشرية.

إن الفيلم ينتقد حضارة الرجل الأبيض، لا يمجدها أو يعلي من شأنها، الرجل الأبيض الذي كان شاهداً على هذه البدائية وعاش أخر أحقاب حضارة المايا وحضارات أخرى متوحشة، هو ذاته من يمارس الوحشية اليوم، وهو الذي يتصرف مثل تلك الشعوب البائدة. فالفيلم ككل يستلهم هذا الجزء القديم من التاريخ الإنساني، الجزء المختفي والذي لا يكاد يراه أحد، يستلهمه ويبرزه ليخلق مقارنة مع العالم اليوم، عالم الحروب، وتقطيع الرؤوس، والأسلحة النووية، هذا العالم الذي لا يختلف كثيراً عن عالم المايا، إلا أن أدوات القتل اليوم أصبحت أكثر جدوى وأشد فتكاً. إن الإنسان لم يتغير.. ولم يتطور.. ولا يزال هو ذلك الوحش القديم.

 

صحيفة ارياض – 15 نوفمبر 2007م