مناقشة سلطان العامر “حول التدخلات العسكرية”

إولى إشكاليات مقال الصديق سلطان العامر “حول التدخل العسكري” أنه يضع قواعد عامة مطلقة للحكم على التاريخ والواقع، ويتناسى لوهلة أن هذه القواعد تعرضت لهزات عنيفة وشكوك هائلة حول وجودها في مجالات كالفيزياء أوالرياضيات فضلا عن السياسة أو التاريخ. من هنا فإن قوله أن حفظ التدخل العسكري للأرواح محض أسطورة بلا معنى، لأنه يتناسى أن هذه المسألة لا تحكم إلا بالغايات والنتائج على حوادث بعينها وبشكل نسبي، وإن كنا نتعاطى مع مسألة يراد لها دائما أن تكون مطلقة”حق البشر في الحياة” وكلنا نتمنى أن تكون مطلقة، لكن أمنياتنا لن تجدي نفعا أبدا، والمسألة ليست محض حفظ لأرواح الناس كما في الروئ الوردية، بل تتجاوز هذا كما سيتبين أدناه.

النقطة المركزية في طرح سلطان العامر تقوم على الفصل بين الغاية الإنساني والغاية السياسي، وهنا يدخل في اعتبار أن الغاية السياسية محضه ومجردة، وإدانة هذه الغاية السياسي – في مسألة التدخل – بالمطلق. وهذا الطرح يحمل إشكالية كبرى، وهي الفصل بين السياسي والإنساني، إن كان هناك أفراد حقوقيون يطرحون إمكانية الفصل بين الإنساني والسياسي في عمليات عسكرية فالمسألة محض “أمنيات طيبة” لا معنى لها على أرض الواقع بتاتا. لن أناقش في هذه النقطة، لكن النقطة الأهم لدي تتعلق بالشق الثاني من طرح العامر، وهو المستبعد من النقاش، أي افتراض أن الغاية السياسية هنا دنس بالكلية، حتى أنه كتب عمن يطالب بالتدخل العسكري لأجل إسقاط الأنظمة المستبدة ” لا يختلفون عن الحكومات المستبدة في استسهال إزهاق أرواح الناس من أجل تحقيق مصلحة سياسية بعينها” وهنا لا يرى العامر الفرق في المصالح السياسية بين مصلحة المستبد في البقاء في الحكم، ومصلحة الآخرين في إزالة المستبد عن الحكم.

الإشكالية هنا أن الكاتب يساوي بين القاتل ومن يطالب بقتله، بين الجلاد وومن يدافع عن الضحية، بين المستبد وطغمته ومن يطلب الحماية للشعب الأعزل وأطفاله. وتأتي هذه المساواة بحثا عن التجريد لاستسهال إصدار حكم عام يريح الضمير في المسألة. فمن السهل القول أن قتل المستبد للناس العزل مدان وخطيئة ونقف ضدها جميعا، لكن من الصعب أن ترتاح ضمائرنا في إشكاليات أكثر تعقيدا.

 أن يتدخل طرف ثالث ليقتل القاتل، وبذات اللحظة يسقط أبرياء، هنا تتعقد مسألة إصدار الحكم، فلا مانوية هنا، لا خير مطلق ولا شر مطلق يريح ضمائرنا كما في الحالة الأولى، لذا كان الحل لدى العامر هو طمس الفارق بين المسألتين،  تجاهل أن من سيقتل في حالة التدخل أشخاص يستحقون الموت كما سيقتل أبرياء، بينما الحالة الأولى يقتل الأبرياء فقط . من هنا كان رقم ضحايا الثورة في ليبيا مضللا، قيل أن عدد القتلى يتجاوزالـ 25 ألف إنسان، لكن هذا الرقم لا يخبرنا أشياء كثيرة، لا يخبرنا كم إنسان من هؤلاء الـ 25 ألف كانوا من الكتائب التي تقتل وتغتصب الأبرياء دفاعا عن القذافي، كما لم يخبرنا كم إنسان من هذا الرقم مات برصاص الكتائب نفسها، وكم مات برصاص الناتو، الرقم أصم، لا يخبرنا شيء عن الجلاد والضحية.

القول بأن القاتل ومن يدافع عن المقتول يستخدمان دماء الأبرياء لغايات سياسية، يتجاهل أن هناك فرق بين غاية القاتل بالقتل وهي البقاء في السلطة، وغاية من يدافع عن الضحية بالمطالبة بإبعاد القاتل عن السلطة حتى لا يستمر في قتله للأبرياء. فهناك فرق بين قتل المستبد للأبرياء، وقتال جنود المستبد وأعوانه لإيقاف استبدادهم وإن مات أبرياء. أما المساواة بين الفريقين وأنهم كلهم يستخدمون الأبرياء لغايات سياسية، ينفي أن يكون القتل في حالة التدخل يستهدف جيش أو ميلشيات تقتل أبرياء بالأصل، بل يصور قتلى التدخلات الخارجية على أنهم أبرياء بالمطلق، ولا وجود لإطلاقات هنا، فيبقى الحكم ملتبس.

نأتي لنقطة أخرى سأتحدث عنها باقتضاب، وهي مسألة استخدام الإحصائيات في الحكم على مثل هذه المسائل، هناك أكثر من إشكالية في استخدام الإحصائيات، أنها تعطي نتائج ستكون على الأرجح بلا معنى، لأنها تنفي الفوارق الفردية بين الحوادث المراد إحصائها، وبالتالي ستعطي نتائج مضللة، لذا فلا معنى لقراءة أرقام بين كوسوفا وليبيا، أو سوريا وراوندا أو الحرب الأهلية اللبنانية، لأن أي من هذه الإحصائيات مجرد حالة خاصة لا يمكن تعميمها.

كما أن هذه الإحصائيات نتجت عن واقعة واحدة حدثت، فنحن اليوم لدينا أرقام تثبت مقتل ما يزيد عن 25 ألف في ليبيا خلال الثورة بعد تدخل قوات الناتو، السؤال: هل لدينا إحصائية بعدد القتلى لو لم يتدخل الناتو؟ هل يمكن أن نخمن؟ الجواب لا قطعا. حتى مقارنة أرقام القتلى قبل التدخل وبعده بلا معنى، لأننا لا نعرف إلى متى سيستمر الأمر، وكيف سيتطور، وإلى ماذا سينتهي. فمن الممكن أن تستمر الثورة الليبية بمعدل قتلى ضئيل، ثم يسقط النظام، وربما لم يسقط وقمعت الثورة مع معدلات قتل أقل، وربما استخدم العقيد القذافي أسلحة غير تقليدية تقتل مئات الألوف من البشر خلال ساعات، وعندها سيرتفع العدد لأرقام مهولة،  كل هذه السناريوهات ممكنه، وكلها مجرد رجم بالغيبة لا معنى له في الحكم على فاعلية التدخل أو عدم فاعليته.

لذا فالتعامل مع مسألة التدخل العسكري عن طريق الأرقام بلا معنى، وهنا أستعين برقم أخر ذكره الكاتب في مقالة، قرابة 60 ألف قتيل في حالة قمع صدام حسين لانتفاضة 1991م دون تدخل خارجي. قد ينتج تدخل عسكري في تلك اللحظة بعد نهاية حرب الخليج الثانية أضعاف هذه الرقم من القتلى، وقد يسقط النظام برقم أقل من الـ 60 ألف، لكن هذه الأرقام بلا معنى في مسألة إصدار حكم بالموافقة أو الرفض، لأننا لن نعرف أبدا السيناريو الأخر الذي سيحدث، كل ما نعرفه أن صدام حسين قتل 60 ألف إنسان واستمر بحكم العراقيين.

المسألة الأخرى، والتي سأعالجها باقتضاب كذلك، مسألة أن التدخل العسكري أدانة هيمنة سياسية، هذا الكلام صحيح، كما أن الاقتصاد أداة هيمنة سياسية، وكما أن الحديث عن حقوق الإنسان أداة هيمنة سياسية، وكما أن العلوم والمخترعات الحديثة والصناعات أداة هيمنة سياسية، ولم يطرح أحد مقاطعة كل هذا رفضا للهيمنة السياسية !

المسألة ليست في كون التدخل العسكري أداة هيمنة سياسية أو لا، السؤال في معنى الاستقلال السياسي، كيف تمارس السياسة في عالم متداخل بهذا القدر وتحافظ على استقلاليتك، كيف تكون رغم كل أدوات الهيمنة تلك مستقلاً، هناك دول لم ترمى عليها قذيفة واحد طوال تاريخها، وقابعة تحت الهيمنة السياسية الأجنبية بالكامل، بينما ألمانيا تملك قرارها وعلى أراضيها عشرات الآلاف من القوات الأمريكية، ليست دعوة للاحتلال ولو كنت ألمانيا لرفضت وجود جندي واحد على أرض وطني، لكنها مفارقة أطرحها بين يدي مقالة العامر. أن تكون مستقلا لا أن تتجاهل العالم وتعيش وحيدا مغلقا على نفسك، بل أن تتعاطى مع جميع أدوات الهيمنة تلك، والتي أصبحت خبز العالم اليومي، وتحافظ على إستقلاليتك النسبية، فلا توجد إستقلالية تامة، وهذه هي أمريكا مدينه بالمليارات للصين، والصين تستوعب مئات الشركات الأمريكية التي بخروجها تفقد الصين الكثير. ولاحظ أننا نتحدث عن التدخل العسكري المحدود لا الاحتلال كما حدث فالعراق، فهذه مسألة أخرى تماما.

في هذه المقال حاولت إثبات أن العلل التي طرحها الصديق سلطان العامر لرفض التدخلات العسكرية مضللة أحيانا، أو تحوي مغالطات لا يمكن تجاوزها. فهنا أنا لا أدافع عن التدخلات العسكرية بالمطلق، بل أنفي إمكانية وجود حكم مطلق في المسألة. كما أنني لا أنفي أن التدخلات العسكرية  تضعنا في مواجهة إشكاليات حقيقية على مستوى مفهوم السيادة، بالإضافة إلى تبعات اقتصادية وسياسية هائلة، فالتدخلات العسكرية ليست نزهة، وليست حلولا سهلة أو مرغوب بها، لكني أؤكد هنا على مسألة أساسية، أنه لا يمكن لنا أن نطلق حكما عاما مع أو ضد التدخلات العسكرية، بل الحكم يأتي على حوادث بعينها، كما لا يمكن لنا لوم الضحايا ونخونهم حين يطالبون بالتدخلات الخارجية لحمايتهم، بل نلوم المستبد الذي جعل خيار التدخل العسكري مطروحا في مقابل استمراره في قتل الناس وحكمهم.

 نشر المقال بالتزامن مع مدونة سم ون :

http://www.som1.net/?p=3743

« ميدان التحرير » في واشنطن !

الاحتجاجات ضد «وول ستريت» تمتد من وكر الرأسماليين حتى عرين الساسة

واشنطن/ تقرير – بدر الراشد

    امرأة خمسينية، تقف في إحدى جوانب “ساحة التحرير” بواشنطن، وتحمل لوحة كتب عليها: لقد جئت من أوكلاهوما إلى هنا، إسألني لماذا أتيت وسأخبرك .. رغبة بالتعبير عن سخطها على الوضع القائم في الولايات المتحدة الأمريكية.

اليوم، وبعد أسابيع من انطلاق حملة “احتلوا وول ستريت”، وهي الحملة التي دعت إليها مؤسسة “أدباسترز” الإعلامية في السابع عشر من سبتمبر الماضي، وتمخض عنها احتجاجات واعتصامات في عدد من الولايات الأمريكية، أهمها الاعتصامات في مدينة نيويورك، بالقرب من الوول ستريت. هذه الاحتجاجات تمتد، حيث يعتصم العشرات، ويشارك المئات في الاحتجاجات القائمة في “ساحة الحرية / فريدوم بلازا” بالقرب من البيت الأبيض، في واشنطن العاصمة، والتي انطلقت ابتداء من الثالث من أكتوبر الجاري، تزامنا مع ذكرى الغزو الأمريكي لأفغانستان.

في إحدى مداخل الساحة، يحمل أحدهم لوحة كتب عليها ” بوش يخوض الحروب ويدمر الاقتصاد ثم يلومون الفتى الأسود” كرد على من يحملون الرئيس الأمريكي باراك أوباما مسئولية تردي الحالة الاقتصادية اليوم.

يبدو أن لا شيء يجمع المحتجون في “فريدوم بلازا” إلا العداء للرأسمالية، والوقوف ضد الحروب الأمريكية في العالم، ولا سيما غزو العراق وأفغانستان. لذا تجد هنا الشيوعي الذي يحمل علم “الإتحاد السوفييتي” أو يضع صورة “كارل ماركس” كما تجد مناهضي العولمة من دعاة الاقتصاديات الخضراء الموائمة للبيئة، والديمقراطيين من أنصار الرئيس أوباما، الذين يعتقدون أن الجمهوريين هم من يعيق إصلاحاته، أوباما الذي أكد في وقت سابق على حق المحتجين بالاعتصام، وأنهم يعبرون عما أسماه “إحباط الشعب الأمريكي بسبب السياسات اللاأخلاقية والمتهورة لمديري الشركات في وول ستريت”.

يقف رجل ستيني أمام خريطة ضخمة للعالم، يشرح من خلالها للمارة كيف تهيمن عليه الولايات المتحدة، ويوزع نشرة تحوي ملخصا لأحد الكتب الذي يعتبره هذا الستيني “مانفستو القرن الواحد والعشرين” والذي يبين تفاصيل هذه التدخلات. يقول: بعضهم لا يصدقون أن أمريكا تتحكم في العالم، هذا الكتاب يشرح كل الحقائق التي ستذهلك!.

من المثير للانتباه، أن الكثير من المحتجين في “فريدوم بلازا” ممن جاوزت أعمارهم الخمسين عاما، وأرادوا التعبير عن احتجاجهم بالاعتصام، ويؤكدون على أنهم يسيرون على خطى مصر وأسبانيا واليونان، وكأنها انتفاضة عالمية ضد السياسة والاقتصاد، تخط مرحلة جديدة.

على المسرح، في الجانب الآخر، يعتلي مجموعة من الشبان منصة كانت خلفيتها “نحن شعب الولايات المتحدة ..” الجملة الأولى في الدستور الأمريكي. أحد هؤلاء الشباب كان قادما من العراق، وألقى خطبة طويلة حول الهدف من هذه المظاهرات، شرح من خلالها كيف يستفيد كبار الرأسماليين في الولايات المتحدة من “تجارة الحروب” في أفغانستان والعراق، من خلال طرق عديدة، منها تحول الدعم نحو الصناعات العسكرية، وخفض دعم الجامعات، ومن ثم لا يجد الشبان الأمريكيون من يمول دراستهم الجامعية، فيلجأون للعمل في الجيوش الأمريكية المنتشرة حول العالم. كما تحدث عن المحاباة التي تقدمها الحكومة الفيدرالية لكبار الرأسماليين في وول ستريت، من خلال إعفائهم من الضرائب، وهي الخطة التي كان قد أقرها بوش الابن من أجل تحفيز الاقتصاد الأمريكي، ومدد أوباما العمل بها، حتى الآن.

تبدأ الفعاليات صباحا بإلقاء دورات حول الاحتجاجات السلمية، وثم مجموعة من الفعاليات بعد الظهر، تشكل محاضرات وكلمات منوعة، تشرح الغرض من هذه الاعتصامات، ثم يختم اليوم ب”جمعية عمومية” وكأنها محاكاة ل”الديمقراطية المباشرة”حيث يتحدث كل مواطن عن رغباته وما يريد. ثم يأوي المحتجون إلى خيامهم المنصوبة في الساحة، حيث يباتون ليلهم في “فريدوم بلازا”.

وفي أحد جوانب الساحة، وُضعت مجموعة من الأحذية لجنود أمريكين قتلوا في العراق، وأخرى لمدنيين لقوا حتفهم في العراق وأفغانستان على يد القوات الأمريكية، ومجموعة من اللافتات التي تطالب بإيقاف الحرب فوراً، وسحب القوات الأمريكية من هناك. في جهة أخرى انفردت مجموعة من اللوحات التي تحمل شعارات المحتجين، والتي يمكن اختصارها في عدد من المطالبات، والتي أعلنها قادة الاحتجاج، ابتداءا، في موقعهم الخاص باعتصامات واشنطن: إنهاء التدخلات والحروب الأمريكية حول العالم. حماية الأمن الاجتماعي المحلي، التحول إلى الاقتصاديات البديلة المتوائمة مع البيئة، حماية حقوق العمال، إيقاف هيمنة “وول ستريت” على الحكومة الفيدرالية، من خلال عزل السياسة الأمريكية عن تدخلات رؤوس الأموال وكبار الرأسماليين، وإعادة فرض الضرائب على الأغنياء.

يصعب التنبؤ اليوم إذا ما كانت هذه الاعتصامات ستتصاعد وتستمر خلال الأيام القليلة القادمة، لكن يبدوا أن المحتجين يريدون أن يقولوا شيئا ما، ويواصلوا احتجاجاتهم من الوول ستريت، وكر الرأسماليين، حتى واشنطن، عرين الساسة.

15 أكتوبر 2011م

جريدة الرياض

http://www.alriyadh.com/2011/10/15/article675778.html

التنوير وإشكالية التأسيس: ما يفوق سوء الفهم

نشرت في 20 – 7 – 2010م 

 

المتأمل للحوارات والنقاشات التي دارت مؤخراً حول “التنوير” أو “التنوير الإسلامي” أو الفكر “العصراني / الإحيائي السلفي / العقلاني الإسلامي ..” ..الخ من تلك المسميات، يرى بوضوح أن الإشكاليات المطروحة تبين بجلاء حجم المأزق الذي تعيشه الساحة الفكرية السعودية.

الإشكاليات المطروحة متعددة، من ضعف الإنتاج الثقافي، الاحتراب بين النخب على مواقع غير واضحة، تبادل الاتهامات والشخصنة، البحث عن الأمجاد الذاتية..الخ الخ، من الأمراض الثقافية العامة، والتي كان لهذا السجال نصيب منها.

أريد الحديث هنا بشكل محدد حول نقطة واحدة، تتعلق بنشأة التيار “التنويري” وأجيب بشكل ضمني عن السؤال السلفي المعتاد “من هو عراب هؤلاء؟”.

السؤال المطروح: من هم أباء هذا التيار ؟ من هم المؤسسون ؟

يجب أن نقرر بداية أن الأسئلة الخاطئة تنتج إجابات خاطئة بالضرورة.

والسؤال بصيغته المطروحة عن تأسيس التنوير، والتفتيش عن أفراد يجير لهم هذا الحراك، هو سؤال مضلل. أعتقد أن السؤال الحقيقي ليس السؤال الذي يفتش عن المؤسس في ظل راهننا الثقافي، بل الأكثر دقة، هو التفتيش عن المؤثرات في انتشار الأفكار، أما سؤال : أفكار من تلك التي تنتشر؟! فمن الجلي ألا أحد ممن يُنظر لهم كرواد للتنوير، يمكن أن تنسب له فكرة واحدة أصيلة، وإن كان بعضهم ساهم في تفكيك ونقاش الحالة السلفية المحلية بشكل مميز.

 هل هناك مفكر سعودي واحد يمكن المجازفة بالقول بأنه أنتج مشروعاً فكرياً مؤثراً – بصورة ما –  على غرار محمد عابد الجابري أو طه عبدالرحمن أو أبو يعرب المرزوقي أو محمد جابر الأنصاري ؟.. فما دامت الإجابة هي “لا ” هائلة وقطعية، فكيف سأبحث عن مؤسس في أي تيار محلي؟ ما يقال عن التنوير هنا ينسحب حرفياً على التيار الليبرالي، فلا يمكن القول أن تركي الحمد أو إبراهيم البليهي أو آخرين، على أنهم عرابي التيار الليبرالي، ما دامت هذه التيارات نخبوية، ولم ينتج أحد من المنتمين إليها مشروعاً فكرياً مؤثراً.

 هل يمكن الفصل بين معركة الحداثة في الثمانينيات بين مشايخ الصحوة والمثقفين الحداثيين وبين “ظهور” التيار التنويري فيما بعد ؟ هل يمكن الفصل بين فتاوى تحريم “الأتاري” و “القنوات الفضائية” والتعامل مع البنوك والتأمين .. الخ من مستجدات الحياة المعاصرة، وبين انتشار “الأفكار التنويرية” هنا أو هناك ؟

يمكننا بعبارة أخرى أن نقول أن ما يسمى “التنوير” هو “روح العصر” بصورة ما، هو جزء من استجابات متعددة للمتغيرات الاجتماعية التي عاشاه المجتمع السعودي خلال عقود مضت.

جاء الحراك التنويري كحراك نقدي في غالبه الأعم، يستهدف الجمود السلفي، وما آل إليه من انفصام في حياة المسلم، بين واقع الحياة المعاشة، وبين النظريات الفقهية وتطبيقاتها المتوارثة، وهذه  أحاديث تتكرر منذ ما يزيد عن 150 سنة، لكن ما زال البعض يريد أن يحافظ على مراكزه المتخيله، ويرفض الاستجابة للمتغيرات، بإصراره على الحوار حول جنس الملائكة، متجاهلاً الجيوش الجرارة المحيطة بالمدينة.

ما حدث جاء نتيجة لمتغيرات اجتماعية هائلة، لا نتيجة للاستعمار والافتتان بالغرب كما يلمح بعض طلبة العلم، فلو كانت استجابة التيارات السلفية للمتغيرات الاجتماعية استجابة تحملت مسؤولياتها بما يحتمه عليها دينها، بالاجتهاد والتجديد، لما انقلب عليها بعض أتباعها، واجتهدوا من خارج الإطار السلفي.

لم ينتج هذا الحراك شخص بعينة، لا يوجد مؤسس، ولا توجد منظومة أفكار منغلقة على نفسها، أو عقائدية، ما يوجد هنا مجرد نخب، لا يمكن نسبة تأثير أحدهم على الأخر، إلا في نطاق ضئيل، شخصي غالباً، ولا يمكن قياسه في الحالة الراهنة.

لذا كان من التضليل الشديد ما فعله الصديق العزيز إبراهيم السكران عندما رد فكرة نواف القديمي حول آيات المنافقين، بصفتها “أفكار التنوير”.. لأني أستطيع أن أعدد مجموعة من الأخوة والأصدقاء الذي يعتبرون “تنويريون” ولكن لهم اعتراضاتهم وملاحظاتهم على تلك الفكرة، وطرق الاستدلال لها .

ما يدور لدى النخب، يختلف عن ما يدور عند طلبة العلم الشرعي، فلا يوجد هنا شيخ وطلاب، ولا يوجد إمام وأتباع، أو مشيخة صوفية ومريدين، فلا توجد “أبوية فكرية”، وإنما مجال النخب، هو مجال للتفرد، والتمايز، وإن كان إطلاق مسمى تيار، يأتي تجوزاً، بسبب التشابه في الأولويات “النهضة / التقدم / الإصلاح ..” والتشابه بالمنطلقات “الرؤى الشرعية المتمثلة بالمقاصد والمصلحة ..” والتشابه بالرفض للتقليد والجمود الديني، فلا ينسب تأثير لأحد هؤلاء على أخرين كما أسلفت، لعدم وجود مشروع فكر مكتمل يمكن أن يكون مظنة تأثير.

يمكن القول بالكثير من الابتسار، أن مدار دراسة الأفكار من ناحية النشأة، أو إشكالية التأسيس، بالنسبة لمشهدنا السعودي المحلي، هو مدار دراسة المتغيرات الاجتماعية بشكل رئيسي، أما التأثيرات الفكرية فتكون محدودة إلى حد كبير، بسبب طبيعة المجتمع وحداثة خوضه في النقاشات والحوارات الفكرية والفلسفية، حتى أن “معركة الحداثة” التي شغلت الناس لما يزيد عن عقد من الزمان، إنما جاءت حول الأشكال الأدبية، وقصيدة النثر والشعر العمودي!!.. والمعارك الأخرى كانت معارك إسلامية داخلية، بين التيارات الجهادية والجامية والسرورية والأخوان وطلبة العلم التقليدي..الخ.

نعود للفكرة الرئيسية حول قراءة نشأة التيار التنويري .. لنتحدث عن مجموعة من التساؤلات.

كيف أثر فشل الحداثة في السياق الثقافي ؟ وما مؤثرات اعتداد الصحوة بنفسها ودخولها في صدام مباشر مع السياسي مما أدى إلى سجن مشايخ الصحوة وغياب الصف الأول من قادتها ؟ كيف أثرت الفضائيات ؟ كيف أثر دخول الإنترنت ؟ كيف أثرت المشاريع  الفكرية العربية المختلفة ؟كيف أثر الجمود السلفي واستمراره في تخيل المعارك وخوضها بعيداً عن الواقع وما يدور ويحدث؟

هذه المتغيرات أثرت في الواقع اليومي المعاش، طرحت العديد من التساؤلات، ونتجت عن هذه التساؤلات استجابات متعددة. ما يمكن أن ينسب للأفراد في كل هذا الحراك، هو ما يتعلق بالاستجابة، ونوعها، ومداها، هذه الاستجابات دخلت في السياق ككل، جزء من كل هذه المؤثرات،و لا يمكن نسبة هذا الحراك الفكري لأفراد بعينهم، وإنما للمجموع من حيث كونهم نخب خاضت معارك فكرية، تحاول التأثير في بعضها، أي أن الحوار كان حواراً نخبوياً داخلياً إلى حد كبير، يمكن الإشارة لأشخاص على أنهم الأكثر بروزاً، الأسرع استجابة. تحولت أحاديث هؤلاء النخب إلى جزء من المؤثر، لكن يمكن الزعم بأنه تأثير محدود، لأن الخطاب الثقافي مازال يخاطب النخب، ولا يتوجه لعامة الناس.

نسب عبدالعزيز الخضر في كتابه، للدكتور عبدالله الحامد وللأستاذ حسن فرحان المالكي ريادة ما، لأن الحامد روج بعض الأفكار الإصلاحية في ببداية التسعينات الميلادية، وحسن فرحان المالكي نقد السلفية بشكل واضح وصريح بفترة مقاربة.

يمكن إضافة كتابات الدكتور سليمان الضحيان “والذي حافظ على خطاب مستقر بشكل كبير لما يزيد عن عقد من الزمن”  والمحامي عبدالعزيز القاسم وعبدالعزيز الخضر ومنصور النقيدان – الذي كان مشرف صفحة دين ودنيا-  للدائرة ذاتها، في بدايات صحيفة الوطن، وكذلك النقاشات التي خاضتها أسماء غير معروفة بالساحة الثقافية الآن في منتديات الإنترنت، في الساحات ومنتدى  الوسطية في فترة مقاربة.

يشير الخضر إلى تجربة صحيفة المحايد قبل سبتمبر، والتي شارك هو من خلالها مع نواف القديمي، وكتابات متفرقة آنذاك لإبراهيم السكران وعادل الماجد، والتي يُنتظر أن تكتب بشكل تفصيلي أكثر، لنفهم تماماً التأثير الذي كان يعنيه الخضر لهذه الصحيفة.

هناك تجربة ندوة الروضة والتي شارك في تدشينها قبل سبتمبر بسنوات نواف القديمي وطارق المبارك وأسامة الغامدي، وعرفتها عن قرب في فترة متأخرة، واستمرت إلى 2006م، لتأتي بتلك المرحلة الملفات الصحفية لنواف القديمي في الشرق الأوسط كملمح من ملامح ذلك الحراك، بالفترة بين 2003م إلى 2005م، بالإضافة إلى ملحق الرسالة لعبدالعزيز قاسم “كما أشار الخضر”.

بعض الكتابات التنويرية دشنت بشكل أكثر وأوسع بعد أحداث سبتمبر، ثم  جاءت أحداث أخرى أثرت في تلك الاستجابة “بيان التعايش..مذكرة المناهج .. بيان المملكة الدستورية ..” ..

هل نستطيع أن نفصل التحولات التي عاشها الشيخ سلمان العودة في 2004م عن هذا السياق؟ أو الأطروحات الجريئة التي طرحها الدكتور محمد حامد الأحمري من 2006م ؟ أو كتابات الدكتور مسفر القحطاني ؟ أو مشاركات محمد الدحيم ؟ أو أخرين كثر، يكتبون هنا وهناك، لكن ربما لم يجدوا من ينوه بدورهم وآثرهم.. كاستجابات “عقلانية إسلامية” للمتغيرات التي نعيشها اليوم، وكاحتجاجات على الجمود السلفي الخانق.

يمكنني أن أضيف إلى هذا الحراك “التنويري” بالمحددات التي ذكرتها كتابات أخرى تأتي من سياقات فكرية مختلفة تماماً، يمكن اعتبار كتابات توفيق السيف ومحمد محفوظ وزكي الميلاد في المجال الشيعي استجابة “تنويرية” لظروف مشابهة – ربما – عاشها هؤلاء ضمن سياقاتهم الفكرية، فحاولوا من حيث العموم طرح ذات القضايا التي يطرحها التنويريين السنة، حول الإصلاح والتجديد، بمعالجات مشابهة، تعتبر تنويرية بسبب محدداتها “الانطلاق من أرضية شرعية للتجديد والإصلاح، ونقد جمود التيار الديني الذي ينتمون إليه”.

يوجد اليوم العشرات من حملة الأفكار “التنويرية” من طلبة العلم الشرعي، وطلاب الدراسات العليا، بالإضافة  أساتذة الجامعات، ولكل منهم سياقة الخاص، لكنهم يتفقون في كون أفكارهم جاءت نتيجة استجابة للمتغيرات الاجتماعية بالدرجة الأولى.

وهذه استجابة واحدة من استجابات متعددة عاشها المجتمع، البعض تحول إلى الفكر الليبرالي، أو اعتزل الحوارات والسجالات تماماً وانضم لعالم المال والأعمال، إن استطاع، وأخرين تحولوا حتى إلى الشغف بكرة القدم، متابعة البطولات الأوروبية، أو متابعة الأفلام الهوليودية، بعد أن كانوا من طلبة العلم الشرعي، أو ممن يتملكهم الشغف بالفكرة السلفية، التي انفصلت عن واقع الحياة، بشكل مثير.

 


«موما» رحلة مدهشة في عوالم الإنسان المعاصر وحالاته النفسية!

نيويورك، تقرير – بدر الراشد

    عند زيارتك لمتحف الفنون المعاصرة في مدينة نيويورك، أنت لا تزور متحفا بالمعنى المعتاد للكلمة، بل ذروة الجنون، والسوريالية، تلك النقطة التي تتمكن معها من قراءة لوعي الإنسان المعاصر ولا وعيه، وتحديد كيف أثرت الأحداث والتغيرات الهائلة التي تعرض لها الإنسان خلال المئة والخمسين سنة الأخيرة على أرواح فنانينا التي جمعت أعمالهم هناك، لتعبر بصورة ما عن الهزات التي تعرض لها الإنسان في الوعي، عن نفسه، وما حوله. فتجد اللوحات السوريالية والدادائية، ومدارس أخرى منوعة، عبثية ورومانسية.

يمكن من خلال قراءة الأعمال المعروضة في «موما» التعبير عن كل ما يتعرض له الإنسان المعاصر من اللاجدوى والاغتراب وانعدام المعنى، والخوف من المجهول، والقلق على مصير الإنسانية.

نجد تبايناً مثيراً في الأعمال المعروضة، من أجمل لوحات سلفادور دالي، وأكثرها اكتناز بالمعاني، إلى النبالة «النبيطة» الإلكتروني!.

أعمال دالي تجاوز تجسد بحق قمة نضج السوريالية، فن حقيقي يعجز خيال الإنسان على التفكير به، لكن رساما مبدعا كدالي استطاع أن يجسد هذا النفور وتلك الدقة بلوحات لا يمكن نسيانها. أما النبالة الإلكتروني فهو يجسد خيال الإنسان المعاصر المعتاد، الذي أصبح يفكر في كل شيء كآلة، بأزرار وشرائح ومرتبطة بالأقمار الفضائية، حتى تلك النبالة الأزلية. أو حتى سجادة الصلاة بتصميم رقمي. كتلك المعروضة في «موما» لفنان تركي !

هل لتأويل الأعمال الفنية حد ؟ هل يمكن تأويل كل شيء ؟ هل لكل عمل معنى حتى ذاك الذي بلا معنى ؟ يصبح حينها انعدام المعنى معنى ! ربما كان هذا الحديث مكررا ومملاً، لكنك تقف وجها لوجه أمامه عندما ترى بعض الأعمال المعروضة في «موما» لتعبر عن ذروة المعاصرة الفنية. بكل جنوحها وجنونها.

ما معنى مجموعة من اللوحات البيضاء الفارغة؟ ما المغزى من عرض لوحات بيضاء بأطارات ملونة مختلفة ؟ ثلاث لوحات فارغة محاطه بإطارات ذات ألوان زاهية مختلفة أو لوحات بيضاء مقلمة بلون أخر؟.. هل تعني اتفاق جوهر الإنسان واختلاف ظاهرة ؟!! يمكن أن يكون هذا معنى للوحات ومبرر لعرضها. أو الأعمال الفنية لا تحتاج مبررات لعرضها أصلا؟! لكن من سيحدد أن هذا عملا فنيا بالأساس؟ من حكم على كومة «التبن» المعروضة في «موما» بأنها عمل فني؟! أو حطام السيارة الملون؟! أو حتى العربة التي تحوي «كومة» من شيء ما، قد نجدها في أي قرية زراعية في العالم، مرمية ويعلوها الصدأ.

أو لوحة الموناليزا الموضوعة في إحدى زوايا المعرض، بالتأكيد ليست لدافنشي فتلك تعرض على بعد آلاف الأميال في متحف اللوفر، بل نسخة من الموناليزا رسمُ عليها «شارب» و»لحية» فعرضت في «موما» بتلك الزوائد التي خطها فنان ما!

بعض الأعمال لا تختلف عن أي كتابة عشوائية على حائط أي حي فقير من هذا العالم. لكن لم يحظ أولئك المعدمون بمن يجعل لخربشاتهم قيمة، فيعلقها في معرض فني. ذلك فن لم يكتشف بعد ويقدر.

بعض أقسام «موما» تحولت لما يشبه أي معرض أثاث في أي مدينة حديثة من العالم، حوت تصاميم غريبة لكراسي وطاولات وسلال مهملات. لتجسد أقصى معاصرة فنية ممكنة. تقدير ما هو مزامن من فن، ماله معنى وقيمة تجاوز الرسوم التقليدية الطبيعية المغرقة في رومانسيتها فترسم أطباق فواكه أو خضروات، وعناق عشاق.

بعض الأعمال مثيرة لشدة غرباتها، ولانفتاحها على التأويل، كالنحت لوجه بشري في فمه قارورة لمشروب غازي. هل يمكن اعتباره احتجاج رمزي ضد الرأسمالية ؟.. ربما كانت كل تشوهات التي حكاها الفن في المعرض تعبيراً عن تلك الفجوة. اغتراب الإنسان المعاصر الذي جعله يجنح إلى الجنون، فناً.

أعمال الأمريكي جاكوب لورانس تحكي بكل حرفية المعاناة التي عاشها السود في الولايات المتحدة خلال سنوات الاستعباد والعنصرية، فباتت شاهدا على حقبة تاريخية، يراد لها أن تبقى حية في الذاكرة كي لا تتكرر في أي مكان من العالم.

أما أعمال الفنان الفرنسي ماكس إرنست فتجسد جنوح المدرسة «الدادائية» بكل نقماتها على الحرب العالمية، وتجسيد كل تناقضات العالم، وما حمله البشر آنذاك على الكون من غل لا حدود له، جسد فنان بأعمال تلك المدرسة.

شمل المعرضة مجموعة من المشاهد المصورة القصيرة التي عرضت على شاشات صغيرة ومتوسطة، تباينت جودتها وجنوحها، لكن لا يمكن إلا أن تقول: هذا الشيء معاصر أكثر مما يجب.

جريدة الرياض

10 سبتمبر 2011م

http://www.alriyadh.com/2011/09/10/article665934.html