التنوير وإشكالية التأسيس: ما يفوق سوء الفهم

نشرت في 20 – 7 – 2010م 

 

المتأمل للحوارات والنقاشات التي دارت مؤخراً حول “التنوير” أو “التنوير الإسلامي” أو الفكر “العصراني / الإحيائي السلفي / العقلاني الإسلامي ..” ..الخ من تلك المسميات، يرى بوضوح أن الإشكاليات المطروحة تبين بجلاء حجم المأزق الذي تعيشه الساحة الفكرية السعودية.

الإشكاليات المطروحة متعددة، من ضعف الإنتاج الثقافي، الاحتراب بين النخب على مواقع غير واضحة، تبادل الاتهامات والشخصنة، البحث عن الأمجاد الذاتية..الخ الخ، من الأمراض الثقافية العامة، والتي كان لهذا السجال نصيب منها.

أريد الحديث هنا بشكل محدد حول نقطة واحدة، تتعلق بنشأة التيار “التنويري” وأجيب بشكل ضمني عن السؤال السلفي المعتاد “من هو عراب هؤلاء؟”.

السؤال المطروح: من هم أباء هذا التيار ؟ من هم المؤسسون ؟

يجب أن نقرر بداية أن الأسئلة الخاطئة تنتج إجابات خاطئة بالضرورة.

والسؤال بصيغته المطروحة عن تأسيس التنوير، والتفتيش عن أفراد يجير لهم هذا الحراك، هو سؤال مضلل. أعتقد أن السؤال الحقيقي ليس السؤال الذي يفتش عن المؤسس في ظل راهننا الثقافي، بل الأكثر دقة، هو التفتيش عن المؤثرات في انتشار الأفكار، أما سؤال : أفكار من تلك التي تنتشر؟! فمن الجلي ألا أحد ممن يُنظر لهم كرواد للتنوير، يمكن أن تنسب له فكرة واحدة أصيلة، وإن كان بعضهم ساهم في تفكيك ونقاش الحالة السلفية المحلية بشكل مميز.

 هل هناك مفكر سعودي واحد يمكن المجازفة بالقول بأنه أنتج مشروعاً فكرياً مؤثراً – بصورة ما –  على غرار محمد عابد الجابري أو طه عبدالرحمن أو أبو يعرب المرزوقي أو محمد جابر الأنصاري ؟.. فما دامت الإجابة هي “لا ” هائلة وقطعية، فكيف سأبحث عن مؤسس في أي تيار محلي؟ ما يقال عن التنوير هنا ينسحب حرفياً على التيار الليبرالي، فلا يمكن القول أن تركي الحمد أو إبراهيم البليهي أو آخرين، على أنهم عرابي التيار الليبرالي، ما دامت هذه التيارات نخبوية، ولم ينتج أحد من المنتمين إليها مشروعاً فكرياً مؤثراً.

 هل يمكن الفصل بين معركة الحداثة في الثمانينيات بين مشايخ الصحوة والمثقفين الحداثيين وبين “ظهور” التيار التنويري فيما بعد ؟ هل يمكن الفصل بين فتاوى تحريم “الأتاري” و “القنوات الفضائية” والتعامل مع البنوك والتأمين .. الخ من مستجدات الحياة المعاصرة، وبين انتشار “الأفكار التنويرية” هنا أو هناك ؟

يمكننا بعبارة أخرى أن نقول أن ما يسمى “التنوير” هو “روح العصر” بصورة ما، هو جزء من استجابات متعددة للمتغيرات الاجتماعية التي عاشاه المجتمع السعودي خلال عقود مضت.

جاء الحراك التنويري كحراك نقدي في غالبه الأعم، يستهدف الجمود السلفي، وما آل إليه من انفصام في حياة المسلم، بين واقع الحياة المعاشة، وبين النظريات الفقهية وتطبيقاتها المتوارثة، وهذه  أحاديث تتكرر منذ ما يزيد عن 150 سنة، لكن ما زال البعض يريد أن يحافظ على مراكزه المتخيله، ويرفض الاستجابة للمتغيرات، بإصراره على الحوار حول جنس الملائكة، متجاهلاً الجيوش الجرارة المحيطة بالمدينة.

ما حدث جاء نتيجة لمتغيرات اجتماعية هائلة، لا نتيجة للاستعمار والافتتان بالغرب كما يلمح بعض طلبة العلم، فلو كانت استجابة التيارات السلفية للمتغيرات الاجتماعية استجابة تحملت مسؤولياتها بما يحتمه عليها دينها، بالاجتهاد والتجديد، لما انقلب عليها بعض أتباعها، واجتهدوا من خارج الإطار السلفي.

لم ينتج هذا الحراك شخص بعينة، لا يوجد مؤسس، ولا توجد منظومة أفكار منغلقة على نفسها، أو عقائدية، ما يوجد هنا مجرد نخب، لا يمكن نسبة تأثير أحدهم على الأخر، إلا في نطاق ضئيل، شخصي غالباً، ولا يمكن قياسه في الحالة الراهنة.

لذا كان من التضليل الشديد ما فعله الصديق العزيز إبراهيم السكران عندما رد فكرة نواف القديمي حول آيات المنافقين، بصفتها “أفكار التنوير”.. لأني أستطيع أن أعدد مجموعة من الأخوة والأصدقاء الذي يعتبرون “تنويريون” ولكن لهم اعتراضاتهم وملاحظاتهم على تلك الفكرة، وطرق الاستدلال لها .

ما يدور لدى النخب، يختلف عن ما يدور عند طلبة العلم الشرعي، فلا يوجد هنا شيخ وطلاب، ولا يوجد إمام وأتباع، أو مشيخة صوفية ومريدين، فلا توجد “أبوية فكرية”، وإنما مجال النخب، هو مجال للتفرد، والتمايز، وإن كان إطلاق مسمى تيار، يأتي تجوزاً، بسبب التشابه في الأولويات “النهضة / التقدم / الإصلاح ..” والتشابه بالمنطلقات “الرؤى الشرعية المتمثلة بالمقاصد والمصلحة ..” والتشابه بالرفض للتقليد والجمود الديني، فلا ينسب تأثير لأحد هؤلاء على أخرين كما أسلفت، لعدم وجود مشروع فكر مكتمل يمكن أن يكون مظنة تأثير.

يمكن القول بالكثير من الابتسار، أن مدار دراسة الأفكار من ناحية النشأة، أو إشكالية التأسيس، بالنسبة لمشهدنا السعودي المحلي، هو مدار دراسة المتغيرات الاجتماعية بشكل رئيسي، أما التأثيرات الفكرية فتكون محدودة إلى حد كبير، بسبب طبيعة المجتمع وحداثة خوضه في النقاشات والحوارات الفكرية والفلسفية، حتى أن “معركة الحداثة” التي شغلت الناس لما يزيد عن عقد من الزمان، إنما جاءت حول الأشكال الأدبية، وقصيدة النثر والشعر العمودي!!.. والمعارك الأخرى كانت معارك إسلامية داخلية، بين التيارات الجهادية والجامية والسرورية والأخوان وطلبة العلم التقليدي..الخ.

نعود للفكرة الرئيسية حول قراءة نشأة التيار التنويري .. لنتحدث عن مجموعة من التساؤلات.

كيف أثر فشل الحداثة في السياق الثقافي ؟ وما مؤثرات اعتداد الصحوة بنفسها ودخولها في صدام مباشر مع السياسي مما أدى إلى سجن مشايخ الصحوة وغياب الصف الأول من قادتها ؟ كيف أثرت الفضائيات ؟ كيف أثر دخول الإنترنت ؟ كيف أثرت المشاريع  الفكرية العربية المختلفة ؟كيف أثر الجمود السلفي واستمراره في تخيل المعارك وخوضها بعيداً عن الواقع وما يدور ويحدث؟

هذه المتغيرات أثرت في الواقع اليومي المعاش، طرحت العديد من التساؤلات، ونتجت عن هذه التساؤلات استجابات متعددة. ما يمكن أن ينسب للأفراد في كل هذا الحراك، هو ما يتعلق بالاستجابة، ونوعها، ومداها، هذه الاستجابات دخلت في السياق ككل، جزء من كل هذه المؤثرات،و لا يمكن نسبة هذا الحراك الفكري لأفراد بعينهم، وإنما للمجموع من حيث كونهم نخب خاضت معارك فكرية، تحاول التأثير في بعضها، أي أن الحوار كان حواراً نخبوياً داخلياً إلى حد كبير، يمكن الإشارة لأشخاص على أنهم الأكثر بروزاً، الأسرع استجابة. تحولت أحاديث هؤلاء النخب إلى جزء من المؤثر، لكن يمكن الزعم بأنه تأثير محدود، لأن الخطاب الثقافي مازال يخاطب النخب، ولا يتوجه لعامة الناس.

نسب عبدالعزيز الخضر في كتابه، للدكتور عبدالله الحامد وللأستاذ حسن فرحان المالكي ريادة ما، لأن الحامد روج بعض الأفكار الإصلاحية في ببداية التسعينات الميلادية، وحسن فرحان المالكي نقد السلفية بشكل واضح وصريح بفترة مقاربة.

يمكن إضافة كتابات الدكتور سليمان الضحيان “والذي حافظ على خطاب مستقر بشكل كبير لما يزيد عن عقد من الزمن”  والمحامي عبدالعزيز القاسم وعبدالعزيز الخضر ومنصور النقيدان – الذي كان مشرف صفحة دين ودنيا-  للدائرة ذاتها، في بدايات صحيفة الوطن، وكذلك النقاشات التي خاضتها أسماء غير معروفة بالساحة الثقافية الآن في منتديات الإنترنت، في الساحات ومنتدى  الوسطية في فترة مقاربة.

يشير الخضر إلى تجربة صحيفة المحايد قبل سبتمبر، والتي شارك هو من خلالها مع نواف القديمي، وكتابات متفرقة آنذاك لإبراهيم السكران وعادل الماجد، والتي يُنتظر أن تكتب بشكل تفصيلي أكثر، لنفهم تماماً التأثير الذي كان يعنيه الخضر لهذه الصحيفة.

هناك تجربة ندوة الروضة والتي شارك في تدشينها قبل سبتمبر بسنوات نواف القديمي وطارق المبارك وأسامة الغامدي، وعرفتها عن قرب في فترة متأخرة، واستمرت إلى 2006م، لتأتي بتلك المرحلة الملفات الصحفية لنواف القديمي في الشرق الأوسط كملمح من ملامح ذلك الحراك، بالفترة بين 2003م إلى 2005م، بالإضافة إلى ملحق الرسالة لعبدالعزيز قاسم “كما أشار الخضر”.

بعض الكتابات التنويرية دشنت بشكل أكثر وأوسع بعد أحداث سبتمبر، ثم  جاءت أحداث أخرى أثرت في تلك الاستجابة “بيان التعايش..مذكرة المناهج .. بيان المملكة الدستورية ..” ..

هل نستطيع أن نفصل التحولات التي عاشها الشيخ سلمان العودة في 2004م عن هذا السياق؟ أو الأطروحات الجريئة التي طرحها الدكتور محمد حامد الأحمري من 2006م ؟ أو كتابات الدكتور مسفر القحطاني ؟ أو مشاركات محمد الدحيم ؟ أو أخرين كثر، يكتبون هنا وهناك، لكن ربما لم يجدوا من ينوه بدورهم وآثرهم.. كاستجابات “عقلانية إسلامية” للمتغيرات التي نعيشها اليوم، وكاحتجاجات على الجمود السلفي الخانق.

يمكنني أن أضيف إلى هذا الحراك “التنويري” بالمحددات التي ذكرتها كتابات أخرى تأتي من سياقات فكرية مختلفة تماماً، يمكن اعتبار كتابات توفيق السيف ومحمد محفوظ وزكي الميلاد في المجال الشيعي استجابة “تنويرية” لظروف مشابهة – ربما – عاشها هؤلاء ضمن سياقاتهم الفكرية، فحاولوا من حيث العموم طرح ذات القضايا التي يطرحها التنويريين السنة، حول الإصلاح والتجديد، بمعالجات مشابهة، تعتبر تنويرية بسبب محدداتها “الانطلاق من أرضية شرعية للتجديد والإصلاح، ونقد جمود التيار الديني الذي ينتمون إليه”.

يوجد اليوم العشرات من حملة الأفكار “التنويرية” من طلبة العلم الشرعي، وطلاب الدراسات العليا، بالإضافة  أساتذة الجامعات، ولكل منهم سياقة الخاص، لكنهم يتفقون في كون أفكارهم جاءت نتيجة استجابة للمتغيرات الاجتماعية بالدرجة الأولى.

وهذه استجابة واحدة من استجابات متعددة عاشها المجتمع، البعض تحول إلى الفكر الليبرالي، أو اعتزل الحوارات والسجالات تماماً وانضم لعالم المال والأعمال، إن استطاع، وأخرين تحولوا حتى إلى الشغف بكرة القدم، متابعة البطولات الأوروبية، أو متابعة الأفلام الهوليودية، بعد أن كانوا من طلبة العلم الشرعي، أو ممن يتملكهم الشغف بالفكرة السلفية، التي انفصلت عن واقع الحياة، بشكل مثير.

 


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s