مناقشة سلطان العامر “حول التدخلات العسكرية”

إولى إشكاليات مقال الصديق سلطان العامر “حول التدخل العسكري” أنه يضع قواعد عامة مطلقة للحكم على التاريخ والواقع، ويتناسى لوهلة أن هذه القواعد تعرضت لهزات عنيفة وشكوك هائلة حول وجودها في مجالات كالفيزياء أوالرياضيات فضلا عن السياسة أو التاريخ. من هنا فإن قوله أن حفظ التدخل العسكري للأرواح محض أسطورة بلا معنى، لأنه يتناسى أن هذه المسألة لا تحكم إلا بالغايات والنتائج على حوادث بعينها وبشكل نسبي، وإن كنا نتعاطى مع مسألة يراد لها دائما أن تكون مطلقة”حق البشر في الحياة” وكلنا نتمنى أن تكون مطلقة، لكن أمنياتنا لن تجدي نفعا أبدا، والمسألة ليست محض حفظ لأرواح الناس كما في الروئ الوردية، بل تتجاوز هذا كما سيتبين أدناه.

النقطة المركزية في طرح سلطان العامر تقوم على الفصل بين الغاية الإنساني والغاية السياسي، وهنا يدخل في اعتبار أن الغاية السياسية محضه ومجردة، وإدانة هذه الغاية السياسي – في مسألة التدخل – بالمطلق. وهذا الطرح يحمل إشكالية كبرى، وهي الفصل بين السياسي والإنساني، إن كان هناك أفراد حقوقيون يطرحون إمكانية الفصل بين الإنساني والسياسي في عمليات عسكرية فالمسألة محض “أمنيات طيبة” لا معنى لها على أرض الواقع بتاتا. لن أناقش في هذه النقطة، لكن النقطة الأهم لدي تتعلق بالشق الثاني من طرح العامر، وهو المستبعد من النقاش، أي افتراض أن الغاية السياسية هنا دنس بالكلية، حتى أنه كتب عمن يطالب بالتدخل العسكري لأجل إسقاط الأنظمة المستبدة ” لا يختلفون عن الحكومات المستبدة في استسهال إزهاق أرواح الناس من أجل تحقيق مصلحة سياسية بعينها” وهنا لا يرى العامر الفرق في المصالح السياسية بين مصلحة المستبد في البقاء في الحكم، ومصلحة الآخرين في إزالة المستبد عن الحكم.

الإشكالية هنا أن الكاتب يساوي بين القاتل ومن يطالب بقتله، بين الجلاد وومن يدافع عن الضحية، بين المستبد وطغمته ومن يطلب الحماية للشعب الأعزل وأطفاله. وتأتي هذه المساواة بحثا عن التجريد لاستسهال إصدار حكم عام يريح الضمير في المسألة. فمن السهل القول أن قتل المستبد للناس العزل مدان وخطيئة ونقف ضدها جميعا، لكن من الصعب أن ترتاح ضمائرنا في إشكاليات أكثر تعقيدا.

 أن يتدخل طرف ثالث ليقتل القاتل، وبذات اللحظة يسقط أبرياء، هنا تتعقد مسألة إصدار الحكم، فلا مانوية هنا، لا خير مطلق ولا شر مطلق يريح ضمائرنا كما في الحالة الأولى، لذا كان الحل لدى العامر هو طمس الفارق بين المسألتين،  تجاهل أن من سيقتل في حالة التدخل أشخاص يستحقون الموت كما سيقتل أبرياء، بينما الحالة الأولى يقتل الأبرياء فقط . من هنا كان رقم ضحايا الثورة في ليبيا مضللا، قيل أن عدد القتلى يتجاوزالـ 25 ألف إنسان، لكن هذا الرقم لا يخبرنا أشياء كثيرة، لا يخبرنا كم إنسان من هؤلاء الـ 25 ألف كانوا من الكتائب التي تقتل وتغتصب الأبرياء دفاعا عن القذافي، كما لم يخبرنا كم إنسان من هذا الرقم مات برصاص الكتائب نفسها، وكم مات برصاص الناتو، الرقم أصم، لا يخبرنا شيء عن الجلاد والضحية.

القول بأن القاتل ومن يدافع عن المقتول يستخدمان دماء الأبرياء لغايات سياسية، يتجاهل أن هناك فرق بين غاية القاتل بالقتل وهي البقاء في السلطة، وغاية من يدافع عن الضحية بالمطالبة بإبعاد القاتل عن السلطة حتى لا يستمر في قتله للأبرياء. فهناك فرق بين قتل المستبد للأبرياء، وقتال جنود المستبد وأعوانه لإيقاف استبدادهم وإن مات أبرياء. أما المساواة بين الفريقين وأنهم كلهم يستخدمون الأبرياء لغايات سياسية، ينفي أن يكون القتل في حالة التدخل يستهدف جيش أو ميلشيات تقتل أبرياء بالأصل، بل يصور قتلى التدخلات الخارجية على أنهم أبرياء بالمطلق، ولا وجود لإطلاقات هنا، فيبقى الحكم ملتبس.

نأتي لنقطة أخرى سأتحدث عنها باقتضاب، وهي مسألة استخدام الإحصائيات في الحكم على مثل هذه المسائل، هناك أكثر من إشكالية في استخدام الإحصائيات، أنها تعطي نتائج ستكون على الأرجح بلا معنى، لأنها تنفي الفوارق الفردية بين الحوادث المراد إحصائها، وبالتالي ستعطي نتائج مضللة، لذا فلا معنى لقراءة أرقام بين كوسوفا وليبيا، أو سوريا وراوندا أو الحرب الأهلية اللبنانية، لأن أي من هذه الإحصائيات مجرد حالة خاصة لا يمكن تعميمها.

كما أن هذه الإحصائيات نتجت عن واقعة واحدة حدثت، فنحن اليوم لدينا أرقام تثبت مقتل ما يزيد عن 25 ألف في ليبيا خلال الثورة بعد تدخل قوات الناتو، السؤال: هل لدينا إحصائية بعدد القتلى لو لم يتدخل الناتو؟ هل يمكن أن نخمن؟ الجواب لا قطعا. حتى مقارنة أرقام القتلى قبل التدخل وبعده بلا معنى، لأننا لا نعرف إلى متى سيستمر الأمر، وكيف سيتطور، وإلى ماذا سينتهي. فمن الممكن أن تستمر الثورة الليبية بمعدل قتلى ضئيل، ثم يسقط النظام، وربما لم يسقط وقمعت الثورة مع معدلات قتل أقل، وربما استخدم العقيد القذافي أسلحة غير تقليدية تقتل مئات الألوف من البشر خلال ساعات، وعندها سيرتفع العدد لأرقام مهولة،  كل هذه السناريوهات ممكنه، وكلها مجرد رجم بالغيبة لا معنى له في الحكم على فاعلية التدخل أو عدم فاعليته.

لذا فالتعامل مع مسألة التدخل العسكري عن طريق الأرقام بلا معنى، وهنا أستعين برقم أخر ذكره الكاتب في مقالة، قرابة 60 ألف قتيل في حالة قمع صدام حسين لانتفاضة 1991م دون تدخل خارجي. قد ينتج تدخل عسكري في تلك اللحظة بعد نهاية حرب الخليج الثانية أضعاف هذه الرقم من القتلى، وقد يسقط النظام برقم أقل من الـ 60 ألف، لكن هذه الأرقام بلا معنى في مسألة إصدار حكم بالموافقة أو الرفض، لأننا لن نعرف أبدا السيناريو الأخر الذي سيحدث، كل ما نعرفه أن صدام حسين قتل 60 ألف إنسان واستمر بحكم العراقيين.

المسألة الأخرى، والتي سأعالجها باقتضاب كذلك، مسألة أن التدخل العسكري أدانة هيمنة سياسية، هذا الكلام صحيح، كما أن الاقتصاد أداة هيمنة سياسية، وكما أن الحديث عن حقوق الإنسان أداة هيمنة سياسية، وكما أن العلوم والمخترعات الحديثة والصناعات أداة هيمنة سياسية، ولم يطرح أحد مقاطعة كل هذا رفضا للهيمنة السياسية !

المسألة ليست في كون التدخل العسكري أداة هيمنة سياسية أو لا، السؤال في معنى الاستقلال السياسي، كيف تمارس السياسة في عالم متداخل بهذا القدر وتحافظ على استقلاليتك، كيف تكون رغم كل أدوات الهيمنة تلك مستقلاً، هناك دول لم ترمى عليها قذيفة واحد طوال تاريخها، وقابعة تحت الهيمنة السياسية الأجنبية بالكامل، بينما ألمانيا تملك قرارها وعلى أراضيها عشرات الآلاف من القوات الأمريكية، ليست دعوة للاحتلال ولو كنت ألمانيا لرفضت وجود جندي واحد على أرض وطني، لكنها مفارقة أطرحها بين يدي مقالة العامر. أن تكون مستقلا لا أن تتجاهل العالم وتعيش وحيدا مغلقا على نفسك، بل أن تتعاطى مع جميع أدوات الهيمنة تلك، والتي أصبحت خبز العالم اليومي، وتحافظ على إستقلاليتك النسبية، فلا توجد إستقلالية تامة، وهذه هي أمريكا مدينه بالمليارات للصين، والصين تستوعب مئات الشركات الأمريكية التي بخروجها تفقد الصين الكثير. ولاحظ أننا نتحدث عن التدخل العسكري المحدود لا الاحتلال كما حدث فالعراق، فهذه مسألة أخرى تماما.

في هذه المقال حاولت إثبات أن العلل التي طرحها الصديق سلطان العامر لرفض التدخلات العسكرية مضللة أحيانا، أو تحوي مغالطات لا يمكن تجاوزها. فهنا أنا لا أدافع عن التدخلات العسكرية بالمطلق، بل أنفي إمكانية وجود حكم مطلق في المسألة. كما أنني لا أنفي أن التدخلات العسكرية  تضعنا في مواجهة إشكاليات حقيقية على مستوى مفهوم السيادة، بالإضافة إلى تبعات اقتصادية وسياسية هائلة، فالتدخلات العسكرية ليست نزهة، وليست حلولا سهلة أو مرغوب بها، لكني أؤكد هنا على مسألة أساسية، أنه لا يمكن لنا أن نطلق حكما عاما مع أو ضد التدخلات العسكرية، بل الحكم يأتي على حوادث بعينها، كما لا يمكن لنا لوم الضحايا ونخونهم حين يطالبون بالتدخلات الخارجية لحمايتهم، بل نلوم المستبد الذي جعل خيار التدخل العسكري مطروحا في مقابل استمراره في قتل الناس وحكمهم.

 نشر المقال بالتزامن مع مدونة سم ون :

http://www.som1.net/?p=3743

5 thoughts on “مناقشة سلطان العامر “حول التدخلات العسكرية”

  1. أعجبني جدا طرحك وطرح سلطان وما كتب في سم ون ، بغض النظر عن أي اتجاه انتمي إليه لكني أشعر فعلا بالسعادة لهذه الأراء التي تثري القارئ بأفكار متنوعة

    لكم جميعا حبي وتقديري

  2. بغض النظر هل التدخل الخارجي مقبول ام لا,
    السؤال , انت تطلب التدخل الخارجي ممن؟
    اذا قصدك من “جزر الواق واق” فكلامك قد يؤخذ على محمل الجد , وقد نتفق وقد نختلف.

    لكن من الناتو( امريكا , بريطانيا , فرنسا…) ؟! الا تعرف تاريخ وحاضر هذه الدول في تعاطيها مع العالم الثالث؟ معنا خصوصا؟
    هل سألت الافغان والباكستانيين والعراقيين والتونسيين والمصريين عنهم؟هل سألت دول امريكا اللاتينية التي بدأت تتخلص من اغلالهم؟ الا تراهم يدافعون عن كل جريمة اسرائيلية وان صغرت او كبرت؟ الا ترى ان كل رصاصة يستخدمها المجلس العسكري او حسني قبلهم كانت منهم؟ ودبابات درع الجزيرة في احتلال البحرين ايضا برعايتهم؟ هل تعلم ان الناتو دمر البنية التحتية في ليبيا كم فعل في العراق؟ وانه حسب عملاء الناتو ستحتاج 10 سنوات لاعادة بنائها؟ الناتو؟

    اذا رفض الناتو (الرحيم بنا) ان يتدخل عسكريا , هل ستطلبه من تنظيم القاعدة؟ او الحرس الجمهوري الايراني؟ او درع الجزيرة ؟ او الجيش الاسرائيلي؟

    انت كمن يطلب ان تشارك اسرائيل عسكريا في تحرير فلسطين , او مشاركة السعودية في الدفاع عن حقوق المرأة السويسرية , او مشاركة تنظيم القاعدة في احتلال وول-ستريت.

  3. التدخل الخارجي يعبر عن ضعف دولة ما لم تستطع لا على حماية نفسها ولا على استصدار قرار دولي للتدخل , كما أنه يعطي فرصة لإستقواء طرف ضعيف امام طرف اقوى سواءا كانت امة تعاني من ديكتاتورية او دولة صغيرة تعاني من احتلال , أي نعم هذه فرصة لا تحقق لكافة الشعوب بشكل عادل ولكنها على الاقل تثير رعبا لدى الاطراف القوية .

    طبعا من المفترض ان تحقق هذه الفرصة بطريقة عادلة وعبر مجلس الامن من خلال الغاء او على الاقل تقييد حق الفيتو كما هو الحال اليوم مع مشكلة الموقف الروسي من التدخل في سوريا وايران , ولكن الى حد ما فإن الوضع الحالي هو على الأقل أفضل الاسوأ .

    مع التحية

  4. إذا الشعب يوما أراد الحياة
    فلا بد أن يستجيب القدر
    ولا بد لليل أن ينجلي
    ولابد للقيد أن ينكسر
    مقال جميل وطرح جميل آيضاً ، مع آني آختلف معك في كل ما قلت وآتفق بالمطلق مع آخونا سلطان العامر ، آخي بدر لو عدنا الى الوراء وتحديداً ١٩٩٠ عندما قام صدام بآعتداء غاشم على الكويت ، وما آسفرت عنه من تبعات عندما آختار الوطن العربي الآستعانه بالخارج لآصلاح الداخل ، ولعلي بهذه المناسبه آذكرك بكلمات الشهيد المناظل الكبير جورج حاوي آحد مؤسسي الحزب الشيوعي اللبناني حين تحدث عن الحرب الآهليه التي مزقت البلاد في فترة الثمانينات ” مشكلتنا في لبنان بآننا آعتمدنا على الخارج لآصلاح الداخل ولم نعتمد على آنفسنا ” منذ آن آختار بوش آسقاط نظام صدام حسين بآسم الديمقراطيه وحرية الشعب العراقي صرخنا بآعلى صوتنا وحذرنا من هذا التدخل والنتيجه بلاد ممزقه وآكثر من مليون شهيد وميليشيات متناحره هنا وهناك ، وكان المتآمركين والمارينز العرب يطبلون لهذا التدخل ، للآسف نحن العرب لدينا ذاكره مثقوبه لآنه وبالرغم من آن العراق ما زال يعاني من نتائج التدخل العسكري نقف مره آخرى ونطالب بتدخل عسكري في ليبيا وكآننا لم نتعلم من درس العراق شيء، وتقوم القنوات الفضائيه العربيه الرئيسيه مثل قناة الجزيره وقناة العربيه بمهمتها الموكله اليها من قبل الخارجيه الآمريكيه وذلك بالتسويق لهذا التدخل والنتيجه آيضاً حرب داخليه بين ميليشيات متناحره هنا وهناك وتقوم القنوات التي وافقت من قبل آن تؤجر آعلامها للخارج بالتخلي عن الشعب الليبي وتوقفت عن نقل الآخبار لدرجة آن منسقين الثوره على مواقع الآنترنت ” الفيس بوك ” تصف قناة الجزيره بآنها خانت الشعب الليبي وهي التي شيعت بالآمس القريب آحد مصوريها في جنازه كبيره ورفعت فيها آعلام قطر.
    والآن يآتي الدور على سوريا فلا يسقط آكثر من ٥٠٠ شهيد على آيدي عصابات الآسد حتى تقوم القنوات القذره بالتسويق لتدخل عسكري مدمر آخر على غرار العراق وليبيا !!!! لهذا آخي بدر آتفق آنا مع آخينا سلطان في هذا وشكراً لآتساع صدرك لنا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s