في الفيلم الرواية (العطر- قصة قاتل): طغيان الرائحة بوصفها بطلاً

الفيلم السينمائي المقتبس عن نص أدبي، هو تجسيد للخيال، وأي محاولة لتحويل عمل ما من مجال التخييل الأدبي إلى فلسفة الصورة والتجسيد السينمائي، هي خيانة للنص بشكل أو بآخر.

لذا لم يكن الممثل الأشهر “أنطوني كوين” زوربا كما كتبه الروائي اليوناني نيكوس كازنتزاكس، في روايته المسماة بذات الاسم، كما أن الأسترالية ” نيكول كيدمان” في فيلم ” الجبل البارد” لم تكن ” إيدا” كما كتبها الروائي الأمريكي تشارلز فريزير في روايته الجبل البارد، والتي صدرت ترجمتها العربية عن دار الأهرام سنة 2002م.

الإشكالية تتكرر مع فيلم ” Perfume: The Story of a Murderer ” أو ” العطر: قصة قاتل”، المقتبس عن الرواية الأشهر للكاتب الألماني باتريك زوسكيند والتي تحمل الاسم ذاته، رغم كل الإبداع الإخراجي الذي واكب العمل، إلا أن تجسيد الخيال محال كما بدا.

الفيلم يبدأ من طرف النهاية، ثم يعود لسرد حكاية “جرينوي”، والفيلم كما الرواية، همش البطل وجسد الروائح بأفضل ما يكون، بأقصى درجة ممكنة في عمل سينمائي، حيث كانت محورية السرد الحكائي، الحديث عن البطل أكثر من تجسيده، واختزال حضوره في الشم، أكثر من أي شيء آخر، مما عزز غياب البطل وجسد الروائح، هذا السرد الحكائي خدم الفكرة الرئيسية باحتراف، كما أراد كاتب الرواية، بوضع جرينوي في الهامش تماماً، لكنه بذات اللحظة خلق سيناريو سينمائيا أقل إمتاعاً.

جرينوي غير موجود، لا تكاد تشعر بوجوده، بل لا وجود له حتى برؤيته لنفسه، بدأ بالبحث عن ذاته، عن رائحته، حتى دون أن يدرك أنه بلا رائحة، وهكذا سار في طريق طويل من قصص القتل المتسلسلة من أجل حفظ روائح الفتيات العذارى وخلق رائحته الخاصة.

في الفيلم “والرواية بشكل أوضح” حديث عن كائن مختلق، لا من قبيل التخييل الروائي أو الفني، لكن من حيث الحضور والفاعلية، فكل شيء للعطر ومن أجل العطر وفي سبيل العطر، لذا كان العطر هو البطل لا جرينوي على أي حال، وكيف بدأت القصة من أقذر شيء يمكن أن يكون في سوق السمك، لحظة الولادة، وحتى الرؤية الملائكية النهائية للحياة.

ولد مؤلف الرواية الكاتب الألماني باتريك زوسكيند، عام 1949م في بلدة ” أمباخ”، ودرّس التاريخ في جامعة ميونخ بين عام 1968م-1974م، وكتب عدة أعمال قصصية ومسرحية وعدة سيناريوهات تلفزيونية وسينمائية، تعد العطر روايته الأولى والتي صدرت عام 1985م وجسدت كفيلم سينمائي سنة 2006م، والرواية، في ترجمتها العربية، من إصدارات دار المدى للثقافة والنشر، الطبعة الثالثة عام 2003م وترجمها نبيل الحفار.

أما الفيلم فكان “بالإضافة إلى العطر” من بطولة الممثل الألماني Ben Whishaw والممثل الأمريكي الشهير ديستن هوفمان، ومن إخراج المخرج الألماني العالمي توم تويكبر والذي شارك أيضاً في كتابة السيناريو، بعيداً كل البعد عن باتريك زوسكيند “كاتب السيناريوهات المحترف” الذي لم يتدخل في أي جانب من جوانب الفيلم المقتبس عن روايته.

 

صحيفة الاقتصادية

8 مايو 2005م

 

http://www.aleqt.com/2007/05/08/article_90797.html

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s