الحل .. الدخول مع الشباك !

هذه تدوينة للصديق عمر العقلا حول رسوم الأراضي في المملكة:

# # #

أثيرت ضجة في الاونة الأخيرة حول فرض الرسوم على الاراضي البيضاء (الضريبة)، اختلفت الاراء بين مؤيد لفرض الضريبة (الرسوم السنوية)، واخر يرى ان الحل في الزكاة، والاخير يرى أن الحل في إجبار صاحب الأرض على بيعها !

في بادئ الامر سأوضح بشكل مبسط أن فرض الرسوم على الأراضي هي ضريبة ولكن تم تغليفها بمصطلح (رسوم) إرضاءً للتيار الديني الذي يُحرم الضريبة، وأنا اراه استغباء لهم لا إرضاء. فالضريبة تُدفع دون مقابل خاص لدافعها مباشرة، وهي بذلك تخالف الرسوم التي تُدفع مقابل نفع خاص لدافعها. ولو قيل أنها إتاوة لربما يستطيع اي عقل أقتصادي تحمل ذلك التحريف، فالإتاوة هي الملبغ التي تقتطعه الحكومة من الفرد مقابل إستفادة دافع الإتاوة من المشاريع العامة. ولتوضيح المسألة اكثر سأشرح هذا المثال (لو انك تملك ارض قيمتها تعادل ١٠٠ ريال، ثم قامت الحكومة بإنشاء طريق رئيسي يمر بالارض التي تملكها، فأرتفعت قيمة الارض من ١٠٠ ريال إلى ١٠٠٠ ريال، ثم قامت الحكومة بإقتطاع مبلغ ٥٠٠ ريال فإن المبلغ المقتطع يعتبر إتاوة وليست بضريبة او رسوم). وفي حال قال قائلٌ ما يجب فرض إتاوة على الأراضي البيضاء. قد يكون من الممكن ان نقول أن ملاك الأراضي لم يحققوا مكاسبهم الا بسبب المشاريع الحكومية وقد يكون الأمر مقارباً للحقيقة.

اما الرأي الاخير القائل بنزع ملكية الأرض عن طريق إجبار صاحب الأرض على بيعها بسعر عادل، ماهو الا رأي محمل بالتناقض حيث كانت وجهة نظر من طرحه (حرمة مال المسلم)، حيث يرى بعدم جواز اقتطاع مبلغ من صاحب الأرض كضريبة، ثم يرى بجواز إجبار صاحب الأرض على بيعها !

وكأن الارض ليست بمال لها حرمتها. فمن المعروف في تلك الحالة أن صاحب الأرض لم يقم بشرائها الا بغرض التكسب منها عن طريق بيعها بمكسب بعد عام او عامين او غيرها، فمثلاً لو انتزعت ملكيتها بعد ستة اشهر فإما تُنتزع بقيمتها السوقيه (الذي أعتقد ان اصحاب هذا الرأي يسمونه القيمة العادله) او بقيمتها الدفتريه (القيمة التي دفعها التاجر في العقار)، سيكون التاجر قد حُرم من مكسب مادي قد يعادل ١٪ او ٢٪ او ٣٪ وتزداد النسبة فيما لو انتزعت بقيمتها الأساسيه وتقل لو انتزعت بقيمتها السوقيه او العادله.

تلك النسبة هي اموال وارباح تم خفضها، وخفض تلك الأرباح هي بضريبة ولكنها الضريبة (الجائرة) التي لاتحمل في طياتها لا عدالة ولا ملائمة ولا يقين وماسبق هي أهم مبادئ الضريبة.

الرأي الأخير جميل وشيق لو كان المقصد منه توفير ارض لبناء مسجد أو مدرسة أو حديقة، فهو حل اشبه بالمستحيل في ان يخفض سعر العقار. فالمشكلة ليس عدم وجود العقارات انما ارتفاع سعرها. وهنا نكون أشبه بمن يقول لك : لايصح دخول هذا المنزل، فتقول له : إذاً مالحل ؟ فيجيب : الحل .. الدخول مع الشباك !

الكتابة عن الكتابة بأثر رجعي

  

يبدو بأنني كتبت عن الكتابة أكثر مما أكتب فعلاً، أو لنقل أن جل كتاباتي كانت حول اليأس من الكتابة ! مفارقة ليست لطيفة مطلقا. الكتابة تتحول إلى حالة مرضية أحيانا، تكتب لتعيش، كأن تحمي جسدك من بعض السوائل بتفريغها بين فينة وأخرى، تحمي جسدك بنفث الحبر هنا وهناك أيضا بصورة غريزية مفضوحة كأخطبوط. عندها فقط تكون الكتابة شيء شبيها بالعادة السرية، والبعد عنها يسبب احتقانا لا مفر منه، وتفريغها يعقبه قرف أو إنهاك، وربما راودتك مع الكتابة تلك الأوهام الشريرة حول العقم، أو العمى !

أسوأ أنواع الكتابة هي الكتابة عنها، أن تكون الكتابة موضوعا لكتاباتك، فمعناها أنك خسرت كل مخيلتك، كل إحساسك بما حولك، وأصبحت تسرد معانتك مع الخيال الذي لا يريد أن يغمرك.

أن تعاني مع الكلمات وهي إدمانك يعني أن تصل قمة اليأس، فلا كلمات إضافية يمكن أن تحميك من الكآبة أو تقيك من القرف الذي تمارسه يوميا بحق الحروف، ويتواصل تقززك من الحروف، كعذراء شاهدة جسم عارِ. تقززك من الحروف لا يفعل أي شيء على المدى البعيد، فقط يشعرك بتصاغر حروفك عند أخرين يوازونك في ذات الهم لكنهم يجيدون الكذب أكثر منك.

في الكتابة، كما في الجنس، ينصب تركيزك على اللحظة.تستغرق فيها تماما وتنسى كل العالم. لا ينجيك من الحياة إلا الكتابة أو الجنس حتى القراءة لا تفعل ذلك أبدا. فالقراءة تعطيك تلك اللحظة المملة التي تتوقف خلالها لتفكر في ما حولك. في الكتابة لا تفعل ذلك، لا تستطيع أن تفكر خارج موضوعك الذي تصنعه، تنسى ذاتك داخل الكلمات والحروف والفواصل، تماما كما أنك لا تستطيع أن تفكر إلا في خليلتك في لحظاتها الأثيرة.. حيث يتقلص الكون إلى زوايا محدودة تضمكما معا على سرير.

لكن لا الكتابة ولا القراءة ولا أي شيء يمكن أن ينقذك مما أنت فيه على المدى الطويل، ينقذك من بؤسك الذاتي الذي تتجرعه، لا شيء ينجيك عندما تستغرق وتنطوي على ذاتك، وتتأمل نواقصك واحدة تلو الأخرى، عندما تكون وحيدا أعزل من الأصدقاء. وحدهم البشر من حولك، بصياحهم وحديثهم، ضحكهم وخيالهم الواسع، نقمتهم وتسامحهم، وحدهم قادرون على إخراجك من أي شيء أنت فيه. صحيح أن البشر لا يعزلونك عن ما أنت فيه كالكتابة والجنس، لكنهم يقحمونك في ما هم فيه غير الكتابة والجنس.

هناك علاقة بين البياض والطهر، رغم أن الكتابة فعل دنس.

البياض ليس محايدا أبدا، الورقة والصفحة ليست بيضاء تماما، لا يعني أنك تجلس خلف الكيبورد أو تمسك بالقلم وأمامك مساحة بيضاء بأنك حر أبدا.أن تكون حرا لا أن تتحرر من قيودك كما في التشبيه الممل ولا أن تتحرر من خوفك كما في خزعبلات الحديث عن إدارة الذات، بل أن تتحرر من رغباتك.

رغباتك، أمنياتك وما تطمح إليه، هي قيودك الحقيقية التي لا تملك حريتك إلا بالتخلص منها.

المسألة في الكتابة  ليست لمن تكتب ولا ماذا تكتب ولا كيف تكتب، كل القضية ألا تعبأ بالأخرين ونظراتهم، ألا تعبأ بشيء وتكتب وحسب. أحيانا تصبح الكتابة استفرغا لذا تثير الإشمئزاز حولنا.

لا حد للكتابة ولا سقف، هناك بشر قادرون على كتابة قائمة طلبات من البقالة لكنها مذهلة، كما أن أخرين يكتبون عبارات سامجة مملة ويسمونها شعرا.

 

كانسس سيتي – 4 يناير 2012م