الكتابة عن الكتابة بأثر رجعي

  

يبدو بأنني كتبت عن الكتابة أكثر مما أكتب فعلاً، أو لنقل أن جل كتاباتي كانت حول اليأس من الكتابة ! مفارقة ليست لطيفة مطلقا. الكتابة تتحول إلى حالة مرضية أحيانا، تكتب لتعيش، كأن تحمي جسدك من بعض السوائل بتفريغها بين فينة وأخرى، تحمي جسدك بنفث الحبر هنا وهناك أيضا بصورة غريزية مفضوحة كأخطبوط. عندها فقط تكون الكتابة شيء شبيها بالعادة السرية، والبعد عنها يسبب احتقانا لا مفر منه، وتفريغها يعقبه قرف أو إنهاك، وربما راودتك مع الكتابة تلك الأوهام الشريرة حول العقم، أو العمى !

أسوأ أنواع الكتابة هي الكتابة عنها، أن تكون الكتابة موضوعا لكتاباتك، فمعناها أنك خسرت كل مخيلتك، كل إحساسك بما حولك، وأصبحت تسرد معانتك مع الخيال الذي لا يريد أن يغمرك.

أن تعاني مع الكلمات وهي إدمانك يعني أن تصل قمة اليأس، فلا كلمات إضافية يمكن أن تحميك من الكآبة أو تقيك من القرف الذي تمارسه يوميا بحق الحروف، ويتواصل تقززك من الحروف، كعذراء شاهدة جسم عارِ. تقززك من الحروف لا يفعل أي شيء على المدى البعيد، فقط يشعرك بتصاغر حروفك عند أخرين يوازونك في ذات الهم لكنهم يجيدون الكذب أكثر منك.

في الكتابة، كما في الجنس، ينصب تركيزك على اللحظة.تستغرق فيها تماما وتنسى كل العالم. لا ينجيك من الحياة إلا الكتابة أو الجنس حتى القراءة لا تفعل ذلك أبدا. فالقراءة تعطيك تلك اللحظة المملة التي تتوقف خلالها لتفكر في ما حولك. في الكتابة لا تفعل ذلك، لا تستطيع أن تفكر خارج موضوعك الذي تصنعه، تنسى ذاتك داخل الكلمات والحروف والفواصل، تماما كما أنك لا تستطيع أن تفكر إلا في خليلتك في لحظاتها الأثيرة.. حيث يتقلص الكون إلى زوايا محدودة تضمكما معا على سرير.

لكن لا الكتابة ولا القراءة ولا أي شيء يمكن أن ينقذك مما أنت فيه على المدى الطويل، ينقذك من بؤسك الذاتي الذي تتجرعه، لا شيء ينجيك عندما تستغرق وتنطوي على ذاتك، وتتأمل نواقصك واحدة تلو الأخرى، عندما تكون وحيدا أعزل من الأصدقاء. وحدهم البشر من حولك، بصياحهم وحديثهم، ضحكهم وخيالهم الواسع، نقمتهم وتسامحهم، وحدهم قادرون على إخراجك من أي شيء أنت فيه. صحيح أن البشر لا يعزلونك عن ما أنت فيه كالكتابة والجنس، لكنهم يقحمونك في ما هم فيه غير الكتابة والجنس.

هناك علاقة بين البياض والطهر، رغم أن الكتابة فعل دنس.

البياض ليس محايدا أبدا، الورقة والصفحة ليست بيضاء تماما، لا يعني أنك تجلس خلف الكيبورد أو تمسك بالقلم وأمامك مساحة بيضاء بأنك حر أبدا.أن تكون حرا لا أن تتحرر من قيودك كما في التشبيه الممل ولا أن تتحرر من خوفك كما في خزعبلات الحديث عن إدارة الذات، بل أن تتحرر من رغباتك.

رغباتك، أمنياتك وما تطمح إليه، هي قيودك الحقيقية التي لا تملك حريتك إلا بالتخلص منها.

المسألة في الكتابة  ليست لمن تكتب ولا ماذا تكتب ولا كيف تكتب، كل القضية ألا تعبأ بالأخرين ونظراتهم، ألا تعبأ بشيء وتكتب وحسب. أحيانا تصبح الكتابة استفرغا لذا تثير الإشمئزاز حولنا.

لا حد للكتابة ولا سقف، هناك بشر قادرون على كتابة قائمة طلبات من البقالة لكنها مذهلة، كما أن أخرين يكتبون عبارات سامجة مملة ويسمونها شعرا.

 

كانسس سيتي – 4 يناير 2012م 

 

One thought on “الكتابة عن الكتابة بأثر رجعي

  1. فكر وتخيل وأكتب
    تلك الأفعال لا تكون سهلة أحيانًا
    وذلك الفراغ الذي يصيبنا مؤلم
    ،،
    كنت أحتاج لكلمات تربت عجزي عن الكتابة حاليًا
    شكرًا لك ولصدفة التي جاءت بي هنا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s