هل ما قاله كشغري يدخل ضمن حق التعبير عن الرأي ؟

 هذه التدوينة لا علاقة له بتفصيل ما قاله حمزة كشغري في جناب المصطفى عليه الصلاة والسلام، وإنما ما قاله يكيف حسب القضاء، والقضاة هم من يصنف ما قاله كشغري ويحكمون على القول والقائل. هذا ابتداء، مع الرفض المبدأي للمس بالله عز وجل ورسوله عليه الصلاة والسلام.

السؤال المركزي الذي سأطرحه هنا، هل يقع ما قاله كشغري ضمن “حق التعبير” المكفول للبشر ؟

هذا السؤال يبحث قانونيا وفلسفيا، وهو ليس بجديد إطلاقا، قديم قدم التنظير للحرية والتخلص من الاستعباد والاستبداد، تحت دائرة “حدود الحرية” وقضية “المسؤلية الاجتماعية”. لكن الحديث عنه تكثف في السنوات الأخيرة بسبب ما يسمى بظاهرة “الإسلاموفوبيا” وانتشارها في أوروبا والولايات المتحدة، مع محاولات سلب المسلمين في أوروبا تحديدا هويتهم الدينية ومحاولة دمجهم في المجتمع الأوروبي المسيحي، عبر إذابه الاختلاف بينهم، وطمس ما يميزهم كمسلمين.

بعد المساس بالرسول عليه الصلاة والسلام من قبل الصحافة الدينماركية بما يعرف بـ”الرسوم الكاريكاتورية المسيئة ” عاد الموضوع إلى الواجهة وبقوة، مع تصعيد اليمين الأوربي المسيحي المتطرف  الحراك ضد المسلمين في أوروبا والقدح في الإسلام بصورة مباشرة، خاصة بعد أحداث سبتمبر، مما استفز مشاعر ملايين المسلمين حول العالم.

هل حرية التعبير مكفولة لمن “يشتم” المقدسات الدينية ؟

لفهمي جدعان تحليل طريف للموضوع، إذا يتحدث عن كون إيذاء الإنسان  الجسدي مدان قانونيا، فكيف لا يدان إيذاء الإنسان النفسي ؟ المس بالمقدسات الدينية يؤذي المؤمنين وهم مواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات. ولا يمكن الفصل بين الإيذاء البدني لإنسان وبين الإيذاء النفسي له. لذا يجب قانونيا حماية الإنسان من الإيذاء “إهانة مقدساته” كما هي حماية بدنه وعرضه وأمواله وحمايته من “العنصرية” والكراهية عموما.

من يقول بأنه “يشتم” الدين لا الإنسان المعتنق له – حسب فهمي جدعان – يعتقد بإمكانية الفصل بين الإنسان وبين ما يعتقده، وهذا الفصل مستحيل، لذا فشتم الدين هو شتم لمعتنقيه بلا شك، وهذا لا يدخل في دائرة “الحق بحرية التعبير” لأنه يهدد السلم الأهلي، ولأنه يؤذي ذوات المؤمنين، ويفصل فيه القضاء المستقل، وهو من يكيف المسألة، فيحكم هل هذه العبارة شتيمة أو هذا الفعل مسيئ أو لا، وهو الذي يحكم على مصدرها حسب القوانين المعمول بها في البلد، لا من خلال تهييج الناس وحاولة خلق فوضى حسية أو خطابية.

وهذا بالتأكيد ينطبق على العبارات العنصرية، لأنك عندما تشتم عرق أو مجموعة بشرية فأنت تشتم كل من ينتمي إليها وتؤذيهم، ومن حقوقهم كمواطنين أن يدافع القضاء عنهم حماية للسلم الأهلي.

من هنا يجب اتباع الطرق القانونية في التعبير عن رفض شتم المقدسات، وعدم تهييج مشاعر الناس الغرائزية والتسبب في انفلاتهم وتماديهم. ولا ننسى هنا حالات الإغتيالات التي حدثت بسبب تهييج الشارع، كم لا ننسى حالات العنف والتدمير والضحايا الذين سقطوا في المظاهرات التي عمت العالم الإسلامي احتجاجا على الرسم الكاريكاتورية، والتي لا يرضاها مؤمن “التدمير والتخريب وتساقط ضحايا أبرياء لا مجرد الاحتجاج والتظاهر السلمي”.

من أراد سلب الناس حقهم في التعبير وأراد تكميم الأفواه بسبب تجاوزات البعض، وتعديهم عن الأديان أو المقدسات الدينية بإسم الحرية، يجب أن يتذكر أنه بذات الطريقة يتم قمعه وكبت حريته كما حدث في فرنسا على سبيل المثال بحظر الرموز الدينية كالحجاب والنقاب، فمن يشرع لقمع البشر وانتزاع حقوقهم يقمع بذات الطريقة التي شرعها.

في فرنسا أقلية مسلمة وسط أكثرية مسيحية، وتتم الاستماته لدمجهم في المجتمع الفرنسي وسلبهم هويتهم الإسلامية من خلال كبت حرياتهم الدينية وسلبهم حق ممارستها، وجاءت المعركة على صورة تحريم رموز دينية – كما سميت –  كالحجاب أو النقاب. الطريف أنه في سبيل كتم حريات المسلمين  تم استغلال حوادث فردية وافتعال أخرى كقرائن على أهمية قوانين الحظر، أعني هنا  حوادث سرقة ترتكب من قبل منقبات من أجل تهييج الناس ضد النقاب وترسيخ أنه يخل بالأمن، وأن الحظر واجب من أجل الأمن ومحاربة الإرهاب !.

من يريد أن يسلب من الناس حقهم بالتعبير عن أرائهم بسبب تجاوزات فردية هنا أوهناك، لا يختلف عمن أراد إغلاق حلقات تحفيظ القرآن في المملكة والتعدي عن حق الإنسان بالتدين بسبب الحوادث الإرهابية والتطرف الديني من بعض المتدينيين المتطرفين.

من أراد قمع حريات البشر وتبرير الاستبداد بهم سيجد ألف طريقة لفعل هذا، لترسيخ العبودية للبشر، ومن أراد تحرير البشر، سيجد ألف طريقة من أجل صيانة الدين وحفظ حقوق الله ورسوله علية الصلاة والسلام من المس والانتقاص.

لا شيء إلى الفراغ

عندما  تحاصرينني  ويصبح الوضع لا يطاق، لا أجيد سوى أن أقدم لك قربان من عبارات منمقة. أبرر بها أني لا أجيد الحديث أبدا، لا أجيد الكلام، بقدر ما أكثر منه.

أهرع إلى الكتابة عندما يتحول كل ما حولي إلى لطخة حروف لا تطاق. ضبابي كل ما حولي، وأنتِ رحلتِ عني منذ زمن طويل طويل، رغم وجودك بين فينة وأخرى، أنتِ ذهبتِ دفعة واحدة وإلى الأبد، منذ أن سادت بيننا لغة الشتائم والإعتذار.

 لم يبقى أي شيء لي. لذا يا سيدتي لا يمكن أن أملك أي حلم كما أخبرتك، لا أجيد الحلم، ولا اليأس، ولا الحياة، ولا الكتابة. حتى عندما قدمت أفكار رائعة لم أستطع قولها وكأني طفل يتلعثم.

لا أجيدكِ أبدا، وأنت جئت بلا إرشادات للتعامل، ورحلت كذلك، بأسوأ حال، وبقيت خاويا كأن لم أكن.

أنا الذي لا أجيد أي شيء، لا أجيدك أيضاً. لذا يتحول كل ما حولي إلى بياض ثلج، لا دلالة طهر، بل لمحات كفن يا صاحبتي.

“يا أحلى العيون إن الفراق جزى الفراق .. أبوعدك كان الطريق بيبعدك بمشي الطريق.. وبأوعدك كان الجحود بيسعدك ..مالي رفيق” *

طوال حياتي القصيرة البائسة، لم أؤذي أحد أبدا، لم أنام ليلا وأنا أخشى دعوة أحد، طوال حياتي القصيرة البائسة، لم أشعر برغمة بمسح أي شيء ارتكبته في حياتي، حتى أشد حماقاتي إيذاء لي. حتى هذه اللحظة لا أدري، هل ستكونين أنت أول شيء في حياتي، والشيء الوحيد، الذي أرغب بأن أمسح دفعة واحدة وإلى الأبد ؟ أن يبتلعه ثقب أسود في الذاكرة، ولا يعود إلى في لحظة ألزهايمر بعد خمس عقود أو أكثر ..

“بأجمع أوراق السنين وأودعك .. دام الفراق اللي تبين ..الله معك”*

الأسوأ .. لا أجدد مبرر لكتابة ما أكتب كمراهق” ربما لم أكتب شيء كهذا إلا قبل 6 سنوات أو أكثر !” وأنفث ما أكتب في الفضاء، ليتغامز بي القوم، لا كعاشق أخر يرفض الهزيمة كما تقولين، بل كشخص كافر بالحب ويتورط به كما أنا.

قلت لك، لم تكن المشكلة في أني لا أبالي، بل المشكلة أنك ما عدتِ تطيقين وجودي، ولا عدت تطيقين رحيلي. لا عدت تريدينني فتعذرين، ولا أصبحت تمقتينني فتذهبين تكللك الرحمات.

أصبحت قربي بسياط لسانك فقط، أما قلبك فلم يعد لي به مكان منذ زمن طويل طويل، و أنا عاشق أبكم بليد. أصبح لا يعشق، ولا يكره، ولا يحمل أي رغبة في أي شيء. لذا سادت بيننا الشتائم والإعتذارات، وأنا من يحمل في قلبه مقولة قديمة “أن تحب يعني ألا تضطر للإعتذار أبدا”** لذا لم نعد نحب منذ زمن. بل نغار ونكره ونتشاتم ونتكاذب.

“تصدقي ما اخترت أنا أحبك ..ما أحد يحب اللي يبي .. يا حبي المر العذب .. سكنت جروحي غصب ..ليت  الهوى وأنتِ كذب .. “*

لماذا أكتب ؟

لا أدري.

ماذا كتبت؟

لا أدري.

ماذا تريد  من كل هذا ؟

“ليت الهوى وأنتِ كذب .. كان أعتذر لك عن هواي.. وما أقول أنا كوني معاي”*

لا يستطيع أحد أن يعيش بلا حب، ولا أستطيع أن أحب، ولا أستطيع أن أكره، يبدوا بأني “لا أستطيع أي شيء ”  وكفى.

لذا لا الصمت يجدي، ولا الحديث ينفع، ولا الكتابة إلا حالة استشفاء رخيصة يتحايل فيها المرء على قلبه، الذي بلا معنى.

 

 

 

*من قصيدة بدر ابن عبدالمحسن “أبعتذر”

http://www.youtube.com/watch?v=UaeV7k2vypQ&feature=youtube_gdata_player

** من رواية غازي القصيبي “حكاية حب”.