مالم تقله جدتي

 

في كل اللحظات السيئة أتذكرك، تتراءى لي ملامحك، أتهجاها في وجل، أستحضر اللحظات الجميلة التي قضيناها، الأشهر السعيدة التي عشناها، وفجأة تطل في الأفق الكوارث التي غرمتها عن السعادة اللحظية التي جنيت، حزن امتد ويمتد إلى ما لا يطاق، وما لا أدرك أو أعرف.

لم تقل لي جدتي ألا أحفل بالفرح الفاني، ولم أستوعب معنى أن تعول على ما يبيد، ولا معنى أن تحاول أن تعيش وبذات اللحظة أن تكون حارس لمقابر الآخرين، وتحاول أن تتلكأ في دفن جثثهم قدر ما تستطيع، ليحظى محبوهم بالنظرة الأخيرة الأثيرة.

لم أدرك أن كل ما هنا خلق للعبث والهباء، وأن كل ما حولنا عبارة عن فوضى نحاول أن نرتبها قصراً، وألا منطق يحكم ما حولنا، ولكننا نحاول بتفاهة أن نمنطق كل شيء فنفشل، وندرك أن لعبة كبيرة اقحمنا فيها، دون أن يكون للعبة أي قانون، فضلاَ عن فهم شيء.

لم تخبرني أبداً تلك الجدة أي شيء عن الحياة، بالثمانين عاماً التي قضتها على هذا الكون، لم تعرف شيئاً، كل ما عرفته منها أن الحياة ساخرة وعابثة ولا شيء غير هذا، لأي عبثٍ نعيش يا الله؟   

لم تخبرني عن قدري، عن وجوب نزع جلدي لأعيش، لم تقل لي حاول أن تكون وحيداً وهادئاً كي لا تصاب بجلطة عابرة، ولم تقل إلى أي مدى يجب أن أبقى وديعاً ومسالماً حتى لا أدمر الأشياء من حولي، ولا عن الإستراتيجية الأمثل للتخلص من سطوة خيارات الآخرين، اختياراتهم البائسة، حياتهم المقيتة، كيف أمنعهم من هتك روحي، لم تخبرني عن شيء كهذا، كانت فقط تنتظر وتفكر ولا تبالي.

سأخبرها بأني حين أكون وحيداً سأفعل أشياء كثيرة، سأغير جلدي، أبدله مثل ثعبان، ولن يكون لي لون كحرباء سائمة، ولن أكتفي بالابتعاد، بل سأقطع كل شيء، سأجعل ذاكرتي تتمزق وتختبئ، وأعيش حياة أخرى تماماً، ربما سأرتكب الكثير من الحماقات لأمزق ذكريات مدفني المدنسة، ساسم جسدي بالوشوم ، وأطعم أعضائي لقطط جائعة، وأهدي عقلي لعاهرة قبيحة، وسأمارس الصلوات في المقابر، لن أفعل شيئاً كنت أفعله، لن أسمح لأحد بأن يستبيح عقلي أكثر، لن أجعلهم يظهروني كمجنون كلما دعت الحاجة لهذا، ليذهبوا كلهم إلى الجحيم، ليحترقوا في جهنم، ويسمهم مالك سوء العذاب، لا رحمة في قلبي اليوم على أحد، لن أرحم أحداً منهم ولن أجل أحداً منهم ولن أكبر أحداً، كلهم حمقى، وكلهم ناضجون، يجب أن يقفوا أمام خياراتهم وأخطاء حياتهم، لن أكون من ضحاياهم، ولن أعبأ بهم، سأقاتل من أجل تحرر روحي من سطوتهم، أمقتهم كما لم أمقت بشر من قبل، لأنهم يستحقون، لأنهم يستحقون، لأنهم يستحقون.

 

كتبتها 2008 أو 2009 ونشرتها في أحد المنتديات بإسم مستعار.

شاعر من العتمة

موضوع كتبته في منتدى شظايا الأدبي قبل سبع سنوات  عن الشاعر العراقي الكبير من أصول نجدية “محمود البريكان”

مقدمة عن الشاعر/

{ شاعر عظيم , لكنه مغمور بسبب نفوره من النشر . سأحاول بذل كل جهد لإخراجه من صمته ليتبوأ المكانة اللائقة به .}
بدر شاكر السياب , جريدة الشعب-1957م

ولد محمود البريكان عام 1931م في الزبير / العراق , درس الحقوق في جامعة بغداد في نهاية الأربعينيات , عمل في مجال التعليم, لم ينشر شعرة في مجموعة , مات مقتولاً في البصرة 28 شباط عام 2002م .

من (متاهة الفراشة ) اختيار وتقديم باسم المرعبي


——————————————–
عند الحديث عن الشاعر محمود البريكان, يتبادر إلى الذهن بئر غامض لا قعر له, غموض لا حدود له, وكلمات سهلة وعميقة والرمزية جذرية في كل نص, قصائد تحمل الكثير من المضامين, ما لا يستطيع أي شاعر نثرها بين طيات ما يكتب, لم ينشر إلا فتات وقصاصات قد تفقد الكثير من عظمتها عند العثور على كنز البريكان الحقيقي والذي لم ينشر, ما جمع كان مختارات مما نشرة الشاعر في المجلات والصحف بعد عقود من الكتابة.
من خلال كتابتي موضوعثائرون على ورق” والذي تطفلت فيه على مائدة شعراء عمالقة ” نزار قباني / أحمد مطر / غازي القصيبي ” تعلمت أن النص يعبر عن نفسه بشكل صارخ دون الحاجة إلى أي مقدمات, لنقف مذهولين أمام عظمة تلك النصوص الباهرة الخارجة من العتمة


وأعددت من سم الخطيئات جرعة
بها حمم من شهوة الحس والجسد
وقلت لنفسي: دونك الموت, فكرعي!
وخلي فؤادي يستريح إلى الأبد
فقالت وقد كادت تغص بيأسها:
رويداً! فما زالت لنا فسحة وغد!
وداعبها حلم الكمال, فأغمضت
عن الكأس, وانداح الحنين بلا أمد!

عند الحديث عن البريكان, يتجلى لك ” مصرع خيال” بوضوح وغموض
وهل تموت الأخيلة ؟!
إنها تصرع وتضج بالوحشة, لنقرأ ” مصرع خيال” هذه المرة ..

يا جنون الرياح , يا ظلمة الليل, ويا وحشة التخوم العرايا
ما لهذا الوجود , ينهد في النوء , وينهار في مطاوي رؤايا ؟
ما له كالذبيح , يخنقه الرعب , وفي صدره المدمى بقايا
محجري ملؤه الدخان وكفي تترامى على لظى وشظايا
كانفجار الطوفان, يندفق الليل, ومثل الهباء يفنى البرايا
كل شئ يغيم , والدهر ينماع , وفي الأرض ثورة وشكايا

 

ترى نقمة من ضمير السماء
تمطت بصدر الزمان المبيد
أرى كل منطلق في خطاي
يضيق وكل طريق يميد
وأشعر آنا كأني هرمت
ومت, وآنا كأني وليد
ينوح في ضحكتي مأتم
ويضحك في عبرتي أي عيد

جزء من مصرع خيال, جزء من وحشة وألم ومأتم وعبرات أبدية .
كون شاعرنا من العراق يعني الكثير, العراق ثورات ودماء وقتلا , وكان لـ”قتيل في الشارع” نصيب أيضاً مما كتب شاعرنا ..

وتوارت الأصوات, وابتعدت خطى المتظاهرين
وانشقت السحب الثقال الغبر عن جسد طريح
وسط الطريق, وأطبقت أيادي قساة قاتلين
غضبي تقلبه, وند وراءها صوت قبيح:
كلب قتيل أو جريح ؟

 

 

عندما تحدث البريكان عن الشعر قال : ” منطقته هي منطقه الذات العميقة, فالشعر هو ابن النزوع الإنساني ” , وهذا ما يتجسد هنا في هذه القصائد, تنبع من الذات لا تعالج سطحية الأشياء, تثور بعمق

 


ومن الصباح إلى المساء
تسري وتتبعني, وتبرز كالوحوش على طريقي
تلك العين الغائرات, الشاخصات بلا بريق
الخائفات من الضياء
خلفي, تدور على محاجرها, وتنفذ في عروقي
وتغل وقع خطاي, والأنفاس, في الطرق الطوال
حتى أهيم, ولا تزال
تلك العيون على طريقي!

إنه يتحدث عن ذاك المرصود, وحين يحل المساء , وتأتي الأحلام ..

النوم يأتي والكوابيس الرهيبة في انتظار!
وأنا أحدق في الجدار وفي رؤى عبر الجدار
وأصيخ للريح التي تهتز والباب الثقيل ..
(
قد يطرقون الآن, قد يصلون قبل سنا النهار!)
وتموج أغلال وأسواط وقهقهة انتقام
فيجن حقد لا ينام
في وحشة الليل الطويل

عندما تقرأ البريكان, وأنت لا تعرف شيء عن سيرته, تجزم أنه قضى أكثر من نصف عمره معتقل في سجن ما, مطارداً لجريمة ما لم يرتكبها, ولكنك تصاب فعلاً بالصدمة, حين تعلم أنا شاعرنا لم يدخل السجن قط !..


الرجل السادس والتسعون
لا اسم لي الآن: أنا السادس والتسعون
ما أنا إلا رقمان لا يحددان
شيئاً, على قميصي الأغبر راسخان
تنتصب الستة كالمشنقة الصفراء!
وتصلب التسعة
كرأس أفعى ضخمة غريبة بشعة!

ويضيف هذا المعتقل السادس والتسعون ..

والصمت كم يزيد قساوة الحديد
والأرض والأحلام والعتمة؟
يغوص في بعده
يغوص في اضطرابه, العالم, يستمر
في لهوه, يرقص في شقاه, يقشعر
في برده, يشيح بالقسوة والنسيان
عن وجهنا القبيح, عن كياننا الكسيح
عن شعرات الشيب في مفارقنا-يشيح
عن يدنا الخشنة عن انفاسنا النتنة
عن حبنا! نحن الذين اقتبلوا القيود
شوقاً إلى مجده!
نذوب في الصقيع. نلتف على الوحده
بحلمنا, بحزننا الطويل!
وفي شرود نزرع الأزهار والورد
في عالم جميل!

وهل هذا شئ أيها المسجون ؟!
نص من عشر صفحات, ما أصعب أن تختار منه المقاطع الأبرز, أيها الحزين
ها أنت تسوق لنا ” هواجس عيسى بن أزرق في الطريق إلى الأشغال الشاقة


يصطخب القطار في طريقه الطويل
في نفق الظلمة نحو مطلع النهار
وددت لو يموت عنا ذلك النهار
وددت لو ينحرف القطار
عن دربه المشؤوم

وما حالك يا سيدي؟!

فوق الخشب البارد
والمعدن الصليب أطوي جسمي الراعد
يداي تجمدان في الكبل وتبكيان
والحارسان لا يكفان يحدقان
في وجهي العليل
لا أعرف الشكوى, ولا يدهشني العدم

وماذا كنت تفعل قبل الآن ؟!

كنت أغنيك إذا اشتقت إلى الغناء
وأذخر الحنين للربيع والشتاء
كنت أمني الحب بالزواج. والسهاد
ما كان يشجيني, بلى, والليل إذ يطول
كنت أحس في مداه فرح الحياة!
وكنت في كل مساء أشهد الزهور
في المعرض الجميل- كم وقفت بالزهور
في ذلك الطريق- كم سعدت بالعبور
مفكراً في بيتنا: (( سأغرس الزهور
في كل صوب منه! بل سأشتري بذور
أغرسها ..!
حديقة صغيرة .. تحوممن حولها الطيور ))

……………………

أربع ساعات وسوف يشرق النهار
إلا على قلبي
تراكم الغبار.
والحارس الجالس في صمت إلى جنبي
يغلق في فظاظة نافذة القطار
علي أن أنام, لا أحب أن أطيل
تأمل الوجوه
إيه! أحس جهشة الأعماق من نفسي:
ما أطول الطريق
ما أبعد العالم! ما أغربه كله!


أعرفه, فهو طريق موحش سحيق
ولم تكد تبتدئ الرحله.

نيام أيها البشر, ها أنتم نيام لا تعرفون ما يخبئ القدر, ولا تعرفون ما تفعلون
نيام أيها البشر, وها هي ” أسطورة السائر في نومه” …

أروي لكم عن كائن يعرفه الظلام
يسير في المنام أحيانا، ولا يفيق
أصغوا اليّ أصدقائي! وهو قد يكون
أي امرئ يسير في الطريق
في وسط الزحام.
وقد يكون بيننا الآن، وقد يكون
في الغرفة المجاورة. يمط حلمه العتيق!

اعتاد أن ينهض حين تقرع الساعة
دقاتها السبع، ويعلو صخب الباعة
يفتح مذياعه
يصلح شاربيه أو يدهن عارضيه
ويرسم ابتسامة غبراء خداعه
على زوايا شفتيه، ثم في عجل
يمضي إلى العمل.
يمر بالناس الكثيرين وبالأشجار
فلا يرى شيئا.. وقد يبتاع في الطريق
جريدة يقرأ منها آخر الأخبار
وهو غريق يعد في سباته العميق

اعتاد أن يقوم من منامه الطويل
بعض الليالي ثم ينسل إلى مكان
يشرب في عتمته ما شاء من خمره
ثم يعود وهو لا يذكر كم مره
أضاءت الكأس لعينيه، وفي الصباح
لا يذكر السكره!

إن له وجها كوجه الناس أجمعين
لكن إذا رأيته يلهث في العتمة
تجده كالذئب الذي أيقظت الظلمة
أسراره، فهو مخيف خشن حزين

يجلس في أبهي المقاهي، ينفث الدخان
ويلعب الشطرنج، أو يندس في الزحام
يغشى بلا اهتمام
معارض الرسوم أو متاحف الآثار،
أو مسرحاً يعلن عما فيه بالأنوار.
وربما رأى صديقا فروى نكات
وقهقها، وربما زارا معا فتاة
تستقبل الزوار!
وهو كظل باهت يسير أو ينهار
في ذلك السبات!

ماضيه لا يعرف الا انه بعيد
بداية غامضة من حلم مديد
ليس له مدى.
حاضره ليس له صوت ولا صدى.
منشودة! يفلت من كفيه ما يريد.
فهو هنا شبح
وكائن وحيد
لا يعرف الفرح!
وهو نداء ميت أبح
في مجهل بعيد
. . . . . . . . . . .
يا أصدقائي هل عرفتم ذلك المخلوق
الشاحب الذي يجف صوته المخنوق؟
الكائن المخدر الهائم في المنام؟
الكائن الذي تبثّ كفه الصفراء
من حوله أشياء
ترعبه
أشياء
لا يمكن القبض عليها مرة أخرى!؟
يعرفه الظلام
تعرفه برودة الليل! وقد يكون
أي امرئ ترونه يسير في الطريق.

عندما تعزف الأحزان, لا يملك الزمان إلا أن يستمع, وهو يبكي وينتحب, فكيف يعزف الرعب ..” أغنية رعب هادئ” ..

لأن للشتاء عنفوان
لأن للخريف
جماله, لأن للحديث والأغان
صدى بلا زمان
لأن للنار, وراء رقصها العنيف
جسماً من الرماد, أو روحاً من الدخان
لأن للصحو مدى, وللرؤى رفيف
مع انفتاح الليل لا يحدها مكان
لأن للسقوط
فديته, فيعتق القلب من القنوط
لأن الهوان
منعته, إذ يصلب القلب على الزمان
لأن البكاء
حداً, وللدمع أن تكون خيط ماء!
لأن للصخرة أن تكون في التعب,
وسادة. لأن في دوامة الصخب
ما يغرق الروح إذا اشتاقت إلى الفناء!
لأنه ليس وراء الموت من عذاب!
ليس علي تمد ليس على اغتراب
عقوبة أقسى من الموت ولا أكبر!
لأننا جميعنا نأوي إلى التراب
يوماً,لأن جوعنا المخيف لا يقهر!
لأننا نحتمل المحال
في دغلنا, ونطرح الشكوك في الظلال
لأننا لا بد أن نعيش
نعيش, لا أكثر!
هذا هو السد الذي يبنى على الرمال.

لنتحدث عن التاريخ قليلاً, ما هو تاريخنا يا سيدي وماذا يخبئ؟
في الرياح التاريخية

حين توارث جثث الأموات
وأتضح المشهد
تجسدت فظاعة المأساة
عن إرثنا الأسود

ميراثنا المشؤوم جوع القبور
عار ضحايانا
ميراثنا كل عقاب العصور
عن كل ما كانا

أنا تخليت أمام الضباع
والوحش, عن سهمي
لا مجد للمجد, فخذ يا ضياع
حقيقتي واسمي

وتأتي ” قصائد تجريدية” تعني الكثير, دون رتوش ….


1-
في السقوط الجماعي
دموع الحب جاهزة ومختومة
بأنواع القوارير
دم الأحياء ممزوجاً بأصناف من الخمر
ولا يكشف عن سر المقادير
خلاصات من الأحلام
في صورة أقراص,شراب, حقن في الدم, تحت الجلد.
أصوات الصراصير
مسجلة لمن يرغب
مجاناً
فخذ ما شئت من سوق الأساطير.


ويضيف بأكثر من تجرد


ليس الحب مستحيل
ولا الجمال خدعة-ولا ندى السحر
خرافة.. لكن يفيض مرقص البشر
بالعنف والعويل

عن الحرية ” يتحدث , وأي حرية تلك

جئتم بوجه آخر جديد
لي, متقن حسب المقاييس المثاليه
شكراً لكم.. لا أشتهي عيناً زجاجيه
فماً من المطاط.
لا أبتغي إزالة الفرق. ولا أريد
سعادة التمثال الكامل
شكراً لكم. دعوه يبقى ذلك الفصل
أليس عبداً في الصميم سيد العبيد؟

يتحدث شاعرنا عن ” النوافذ” وأي نوافذ تلك التي يراها البريكان ويحترف فلسفتها

نافذة حب
نافذة مسدلة الستائر
يرشح منها الضوء
وظل موسيقى
وقهقهات
وغمغمات طفلة
وصوت أطباق
وأصداء من السكون

نافذة الشاعر
يفتحها للنور والريح وعطر الأرض
يهجم منها صخب العالم
يغلقها كأنما لآخر الزمان
ومثلما يغلق تابوت إلى الأبد


وللنوافذ بقية.
لم تكن الكتابة عن البريكان سهلة, كانت أصعب مما ظننت بمراحل, يصعب هنا اختيار النصوص, فضلاً عن المفاضلة بينها أو اجتزاء جزء من النص, يصعب أن تصل لخلاصة أي مقطع, قصائد عميقة لا يمكن سبر أغوارها .
أكتفي هنا بما كتبت, وتطفلت على عالم هذا الشاعر, وسأحاول أن أضيف المزيد من النصوص كلما حانت لي الفرصة, وأتمنى أن لا أحرم من إضافاتكم لكل من يملك أي نص للبريكان .

8/3/2005م


الداعية والحكواتي

سوء فهم كبير نتج عن تداخل وظائف ومجالات الناشطين في المجال العام الديني. يمكن أن يرد لسوء الفهم هذا الكثير من الإشكالات الفقهية الراهنة اليوم. خصوصا عندما نتحدث عن التدين الشعبي. أو الفهم الشعبي للدين وهو ما يختلف عن الدين كما يفهمه ويتعاطى معه الفقهاء أو علماء الكلام.

اليوم هناك خلط كبير بين الإفتاء والوعظ،. بين وصف الجنة لترقيق القلوب، ووصف النار لترهيبهم. وبين دراسة مستجدات العصر وتنزيل الأحكام عليها من حلال وحرام ومكروه أو مستحب ومباح. بين الفقيه والواعظ والحكواتي والداعية والشيخ.

سوء الفهم هذا جعل العقل الفقهي السائد في الأوساط الشعبية، أو ” التدين الشعبي” أكثر انغلاقا. صنعه الداعية والواعظ  لا الفقيه. حتى أصبح البعض يشك بوجود فقهاء أصلا. لنا أن نتسائل: هل صنع الفقيه العقل المسلم في القرون الماضية؟ وهل صياغة الفقيه للتدين الشعبي ستكون أفضل من سواها ؟ وهل فعلا كان هناك فصل صارم بين الفقيه والواعظ والحكواتي؟..    لكن لنغفل هذه التساؤلات الآن لنتحدث عن ما هو راهن، بافتراض أن الفصل كان  قائما  كما يمكن التصور من كتب التراث.  خاصة أن الكتابات التاريخية تؤكد على أن مجال العامة هو مجال الغوغاء والرعاع، كما تعامل معه أغلب العلماء، وأن مجال أخر تدور به الكثير من الأحداث، كالمناظرات الشفهية والردود الكتابية وغيرها، وهو مجال الخاصة. أو الفقهاء وعلماء الكلام وغيرهم.

غالبا ما أختلف الداعية الحديث عن الواعظ القديم في مجالنا التداولي. فالداعية أصبح أكثر براجماتيه وأدلجه، هدفه حشد الناس خلفه وخلق جماهيرية لشخصه، أكثر من الرغبة بإصلاح حال الناس الدينية. وإن كان فيهم من خلصت نيته لله وابتعد عن تحويل عمله كداعية إلى أيقونة رأسمالية ينافس نجوم الغناء أو لاعبي كرة القدم. فظهر الداعية في القنوات الفضائية وامتلك عقود رعاية بالملايين وإعلانات واحتكار. ثم يهدي الجماهير مقطوعة حزينة بكائية عن الزهد في الدنيا،  تتحول الموعظة فجأة إلى كوميديا سوداء ممجوجه.

لم يتعامل الجمهور مع الداعية كواعظ أو حكواتي. وهو لم يتعامل مع نفسه كواعظ، يستهدف ترقيق القلوب والتذكير بآلاء الله. بل بات يرى نفسه فقيه فيسطرالفتاوى ويأتي بالعجائب، كقول أحد الدعاة: ((ماذا تبقى من الدين عند من يرى جواز المعازف أو قص اللحية ؟ )). هذه العبارة لن تصدر عن فقيه – على الأرجح! –  حتى لو كان يرى حرمة المعازف أو قص اللحية. لكنه يدرك أن الفقه أوسع من اختصاره بقول أو قولين في مسائل فرعية يستساغ بها الخلاف.  فلن يقدم فقيه على صياغة عبارة بهذا القدر من الجزم والدوغمائية.

الداعية لا يكتفي بنقل فتوى الفقيه مع الدليل، بل يجعلها أكثر تحديدا وجزما، ويبدأ بالتشنيع على من خالف هذا الرأي الذي تبناه ولم يصل إليه، فيصف الأخرين بالفساق وأهل الأهواء. أو الجهلة في أحسن الأحوال. لمجرد مخالفتهم رأيه المتبنى.

الداعية بات يصدر الفتاوى، ويكتب في أشراط الساعة، ثم يحاور حول العقد الإجتماعي والمجتمع المدني. وبذات اللحظة بات يظهر في برامج تلفزيونية وإعلانات تجارية.. الخ . أي باختصار أصبح كل شيء. أسوأ من المثقف الشمولي- إن وجد- لأنه غالبا يتعامل مع كل وظائفه بذات العقلية، فتحول المثقف  الشمولي في وقت سابق إلى داعية، كتب علي حرب “أوهام النخبة أو نقد المثقف” وعبدالإله بلقزيز “نهاية الداعية” ليناقش أفول المثقف الرسالي.

الداعية اليوم لا يمنح الاختلاف أي قيمة فيروج للسلوك الدوغمائي بين الناس، لأنه مجرد ناقل للفتاوى والأفكار، لم يبحث بها ويفتش في طرق استنباطها.لذا تجد الانكار عنيف من عامة الناس في فروع الفقه، بل فروع الفروع ربما. لكن يتم التعامل مع هذه الفروع بـ ” عقلية الداعية” وكأنها في باب العقائد، بل تم ضم مسائل فقهية يسع الناس الاختلاف بها إلى باب العقائد، كما قال أحدهم عن الإختلاط وأخر عن قيادة المرأة للسيارة.

في المجال الإسلامي التراثي كان الخلط أقل – كما نفترض – فالفقيه فقيه في المسجد يعقد حلق العلم، وربما عقد مجلس للعامة كل فترة ليعظهم. والواعظ يرقق قلوب الناس ولا ينظر له بأكثر من هذا. والحكواتي يأتي بالأحاديث والخرافات لتسليتهم. لم يتجادل فقيه وواعظ، فالواعظ أقل من أن يفتي ويؤلف. كما لم يتم الحديث عن الحكواتيه إلا في كتب الطرائف، أو الكتب التي جمعت الأحاديث الموضوعة التي يروجون لها في مواعظهم.

اليوم اختلط هذا بذاك، وعقدت المعارك بسبب رواج” الداعية” كمنتج رأسمالي، يحقق الأرباح ويجلب الإعلانات ويقولب عقول الناس. ولا يتم الفصل بين الفقيه والداعية أو الواعظ. ، فكلمة شيخ باتت تشمل كل من تحدث في الدين وظهر بالمظهر التقليدي لـ”الشيخ” . من مدمن المخدرات أو المفحط الذي تاب وبدأ الوعظ، أو تحول إلى حكواتي، إلى العالم الجليل الذي قضى عقودا بين الكتب والمراجع يتعلم ويعلم .

من الأفضل إعادة الإعتبار للأوصاف التراثية ما دامت صالحة اليوم، وأظنها كذلك. فالفقيه ليس هو الداعية، والواعظ ليس عالما بالدين. واللبس حول  مفردة شيخ بات واسعا، حتى أصبحت تعني كل أحد، وبالتالي لا شيء!