الباحث عن النظرية النهائية

يصفونه بغريب الأطوار، يخرج ممسكنا حاسبه الكفي، لا يكاد أن يفعل أي شيء دون أن يفتش فيه لدقائق.

تروى حوله الكثير من القصص التي لا يعرف أحد حقيقتها.

يقال بأنه في إحدى الليالي الشديدة الظلمة، مرة بالقرب من فتاة تغتصب في إحدى الطرقات، فصرخت به مستنجدة، فبادلها النظر باهتمام شديد، وبدأ يقلب في جهازه الكفي لبضعة دقائق، ثم مضى في حال سبيله، بينما انشغلت الفتاة عن مغتصبها بالنظر إليه، ثم بادرت بالبصاق خلفه حينما ولى مبتعدا عنها.

ذات مرة ، بينما كان يسير بالقرب من النهر، وبينما شاهد أحدهم يغرق ويصرخ طلبا للمساعدة، بدأ بالبحث في حاسبه الكفي سريعا، فجأة إنطلق محاولا إنقاذ الرجل الغريق، لكنه اكتشف أن التيار أخذه إلى نقطة لا ترى.

يقال أنه تعرض في إحدى الليالي لعملية سطو،  إذ اقتحم أحدهم شقته، وكان جالسا في إحدى زوايا غرفته، ممسكا حاسبه الكفي، وعندما رأى اللص، غرق في شاشة جهازه، وبدأ بالقراءة، والتأمل، حتى غادر اللص المنزل، ثم بعد ثلاث ساعات اتصل على مركز الشرطة ليبلغ عن الحادثة!

بعد انتشار تلك القصص في المدينة، قرر أحد العابثين تقصي حقيقة ما يجري، ومعرفة دقة القصص التي تنسب إلى الرجل غريب الأطوار، فقام باختطافه في إحدى الليالي، وأخذه إلى مكان قصي خارج المدينة، وبعد أن وثقه بالحبال، وثبت جسده النحيل على الكرسي، بدأ بطرح الأسئلة :

من أنت ؟

“عذرا سيدي، لن أستطيع فعل أي شيء دون حاسوبي الكفي.”

لا وقت لهذا الهراء، لن أؤذيك، أريد أن أطرح عليك بعض الأسئلة فقط، فإن جاوبتها، أعدتك إلى مقر سكنك.

“لا أستطيع يا سيدي – بدأت عيناه تغرورقان بالدموع – أنا حقيقة لا أعرف ماذا أفعل، أرجوك أريد حاسوبي الشخصي.”

وقام بإعطاه حاسوبه الكفي، وبدأ بالبحث فيه، وبعد 17 دقيقة قال:

“هل أنا مخطوف أم رهينة ؟”

لا يهم لا يهم ..أنت مخطوف وستخبرنا ما نريد ..

هالة من الصمت حلت على المكان، قاطعها صوت الرجل غريب الأطوار قائلا:

“لا يا سيدي ..الموضوع غاية في الأهمية، إن كنت رهينة لديك فلا يحق لك الحديث معي، وإنما تتفاوض مع الحكومة من أجل الإفراج عني، أما إن كنت مخطوفا فهذا يعني أنك تريد مني شيء محدد، وربما تريد ابتزاز أحد أقاربي، فمسألة الرهائن قضية سياسية على الأرجح، أما عملية الخطف فغالبا ما تكون قضية شخصية، وحسب قاموس “أكوا” للمصطلحات، فلا يمكن لك الحديث مع الرهينة أو استجوابه وأما في حالة الخطف فمن عوامل الابتزاز أن تقوم بتعذيب الضحية واستجوابها،، من أجل الضغط على طرف ثالث من أجل تحقيق ما تريد، أنت لم تتفاوض مع الحكومة حتى الآن فهذا ينفي كوني رهينة، كما أنك لم تعذبني وهذا ينغي مسألة الاختطاف.. أنا في حيرة من أمري.. هل أنا مخطوف أو رهينة ؟ أم ماذا؟ ..”

أجابه الخاطف متهكما : أنت أسير حرب!! .. تحدث..  أخبرني عن حياتك وإلا سأغير الخطة وأقتلك!

” لا يا سيدي، معذرة، أسير الحرب هو الذي يقع في قبضة الأعداء، في معركة بين جيشين نظاميين، لم تكن هناك معركة، لذا فمؤكد أنني لست أسير حرب، وإلا لوجب عليكم مراعاة اتفاقية الأسرى الدولية، أما عن تغيير الخطط.. سيدي.. لا يمكن تنفيذ أي خطة بحذافيرها، دائما تتغير الخطط، فنحن عندما نضع خطة معينة نسير في العملية حتى نقطة ما، لكن ردات الفعل تحتم علينا أن نتعامل مع واقع جديد ….”

هنا صرخ الخاطف “لا تتحدث أكثر .. أريد إجابة واضحة على سؤالي: من أنت ؟

“حسنا حسنا، مع أني لا أستطيع الحديث معك بأريحية لأنك لم تكيف وضعي منطقيا، فلم أعرف حتى اللحظة هل أنا مخطوف أو رهينة ! لكن إجابة على سؤالك “من أنا” هذا يتوقف على الطرف الأخر، وهنا مسألة من مسائل الهوية، فعندما أكون أمام طرف ينتمي لدين مختلف عن ديني سأعرف نفسي بناء على الدين، وعندما أكون أمام طرف ينتمي لمدينة مختلفة فسأقوم بتعريف نفسي بناء على انتمائي للمدينة ..”

صرخ الخاطف : أخبرني من أنت فورا بكلمات مختصرة واضحة وإلا قتلتك!

“حسنا حسنا سيدي .. سأخبرك .. بما أنك اعتديت علي بصورة ما، وبما أن وضعي غير محدد حتى الآن كأسير أو مخطوف أو رهينة .. فلا أستطيع أن أضع تعريفا لنفسي، ما لم أعرف من أنت تحديدا ..”

لا يهم أن تعرف من أنا .. نفذ ما أقوله لك : من أنت ؟

“الأمر يتوقف، إن كنت سأعتبر نفسي ضحية، وأنت شخص يعتدي على حريتي، لكن الأمر يتوقف على أمر أخر، هل حريتي أصيلة أم مكتسبة ؟ لو كانت حريتي مكتسبة فأنا لا استحقها لأنني لم أقاومك ..لكن لو افترضنا أن حريتي أصيلة، لكنت أنت منتهك لحريتي الأصيلة، وبالتالي أن شخص تم انتهاكه ..”

هنا لم يتمالك الخاطف نفسه، فانتحر برصاصة فجرت رأسه .

بعد أيام، تم العثور على جثة الخاطف، وبالقرب منها جثة صاحبنا غريب الأطوار، والذي مات من العطش والجوع بعد أيام، عكف خلالها على تكييف وضعه، لأنه لم يفهم ما حدث بالضبط : تم اختطافه، ثم انتحر الخاطف، ماذا يتوجب على المخطوف فعله ؟ ما هي النظرية التي يجب أن يتحرك من خلاها؟ هل هو مخطوف فعلا أم رهينة ؟ ماذا يتوجب عليه فعله وفق القيم والفلسفات المعاصرة ؟ ما اسم الحالة التي يمر بها؟ ما هي المنظمات والهيئات الدولية التي تدافع عن حقوقه أو تكيف وضعه قانونيا؟   وخلال تلك الأيام من البحث المرهق في الكتب، مات جوعا، ولم يستطع أن يفعل شيء لإنقاذ حياته، ولم يلاحظ حتى أن سيارة الخاطف تقف بالقرب منه، ومفاتيحها في جيب الرجل المنتحر، والمدينة على بعد 10 كيلومترات من مكانه.

2 thoughts on “الباحث عن النظرية النهائية

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s