شاعر من العتمة

موضوع كتبته في منتدى شظايا الأدبي قبل سبع سنوات  عن الشاعر العراقي الكبير من أصول نجدية “محمود البريكان”

مقدمة عن الشاعر/

{ شاعر عظيم , لكنه مغمور بسبب نفوره من النشر . سأحاول بذل كل جهد لإخراجه من صمته ليتبوأ المكانة اللائقة به .}
بدر شاكر السياب , جريدة الشعب-1957م

ولد محمود البريكان عام 1931م في الزبير / العراق , درس الحقوق في جامعة بغداد في نهاية الأربعينيات , عمل في مجال التعليم, لم ينشر شعرة في مجموعة , مات مقتولاً في البصرة 28 شباط عام 2002م .

من (متاهة الفراشة ) اختيار وتقديم باسم المرعبي


——————————————–
عند الحديث عن الشاعر محمود البريكان, يتبادر إلى الذهن بئر غامض لا قعر له, غموض لا حدود له, وكلمات سهلة وعميقة والرمزية جذرية في كل نص, قصائد تحمل الكثير من المضامين, ما لا يستطيع أي شاعر نثرها بين طيات ما يكتب, لم ينشر إلا فتات وقصاصات قد تفقد الكثير من عظمتها عند العثور على كنز البريكان الحقيقي والذي لم ينشر, ما جمع كان مختارات مما نشرة الشاعر في المجلات والصحف بعد عقود من الكتابة.
من خلال كتابتي موضوعثائرون على ورق” والذي تطفلت فيه على مائدة شعراء عمالقة ” نزار قباني / أحمد مطر / غازي القصيبي ” تعلمت أن النص يعبر عن نفسه بشكل صارخ دون الحاجة إلى أي مقدمات, لنقف مذهولين أمام عظمة تلك النصوص الباهرة الخارجة من العتمة


وأعددت من سم الخطيئات جرعة
بها حمم من شهوة الحس والجسد
وقلت لنفسي: دونك الموت, فكرعي!
وخلي فؤادي يستريح إلى الأبد
فقالت وقد كادت تغص بيأسها:
رويداً! فما زالت لنا فسحة وغد!
وداعبها حلم الكمال, فأغمضت
عن الكأس, وانداح الحنين بلا أمد!

عند الحديث عن البريكان, يتجلى لك ” مصرع خيال” بوضوح وغموض
وهل تموت الأخيلة ؟!
إنها تصرع وتضج بالوحشة, لنقرأ ” مصرع خيال” هذه المرة ..

يا جنون الرياح , يا ظلمة الليل, ويا وحشة التخوم العرايا
ما لهذا الوجود , ينهد في النوء , وينهار في مطاوي رؤايا ؟
ما له كالذبيح , يخنقه الرعب , وفي صدره المدمى بقايا
محجري ملؤه الدخان وكفي تترامى على لظى وشظايا
كانفجار الطوفان, يندفق الليل, ومثل الهباء يفنى البرايا
كل شئ يغيم , والدهر ينماع , وفي الأرض ثورة وشكايا

 

ترى نقمة من ضمير السماء
تمطت بصدر الزمان المبيد
أرى كل منطلق في خطاي
يضيق وكل طريق يميد
وأشعر آنا كأني هرمت
ومت, وآنا كأني وليد
ينوح في ضحكتي مأتم
ويضحك في عبرتي أي عيد

جزء من مصرع خيال, جزء من وحشة وألم ومأتم وعبرات أبدية .
كون شاعرنا من العراق يعني الكثير, العراق ثورات ودماء وقتلا , وكان لـ”قتيل في الشارع” نصيب أيضاً مما كتب شاعرنا ..

وتوارت الأصوات, وابتعدت خطى المتظاهرين
وانشقت السحب الثقال الغبر عن جسد طريح
وسط الطريق, وأطبقت أيادي قساة قاتلين
غضبي تقلبه, وند وراءها صوت قبيح:
كلب قتيل أو جريح ؟

 

 

عندما تحدث البريكان عن الشعر قال : ” منطقته هي منطقه الذات العميقة, فالشعر هو ابن النزوع الإنساني ” , وهذا ما يتجسد هنا في هذه القصائد, تنبع من الذات لا تعالج سطحية الأشياء, تثور بعمق

 


ومن الصباح إلى المساء
تسري وتتبعني, وتبرز كالوحوش على طريقي
تلك العين الغائرات, الشاخصات بلا بريق
الخائفات من الضياء
خلفي, تدور على محاجرها, وتنفذ في عروقي
وتغل وقع خطاي, والأنفاس, في الطرق الطوال
حتى أهيم, ولا تزال
تلك العيون على طريقي!

إنه يتحدث عن ذاك المرصود, وحين يحل المساء , وتأتي الأحلام ..

النوم يأتي والكوابيس الرهيبة في انتظار!
وأنا أحدق في الجدار وفي رؤى عبر الجدار
وأصيخ للريح التي تهتز والباب الثقيل ..
(
قد يطرقون الآن, قد يصلون قبل سنا النهار!)
وتموج أغلال وأسواط وقهقهة انتقام
فيجن حقد لا ينام
في وحشة الليل الطويل

عندما تقرأ البريكان, وأنت لا تعرف شيء عن سيرته, تجزم أنه قضى أكثر من نصف عمره معتقل في سجن ما, مطارداً لجريمة ما لم يرتكبها, ولكنك تصاب فعلاً بالصدمة, حين تعلم أنا شاعرنا لم يدخل السجن قط !..


الرجل السادس والتسعون
لا اسم لي الآن: أنا السادس والتسعون
ما أنا إلا رقمان لا يحددان
شيئاً, على قميصي الأغبر راسخان
تنتصب الستة كالمشنقة الصفراء!
وتصلب التسعة
كرأس أفعى ضخمة غريبة بشعة!

ويضيف هذا المعتقل السادس والتسعون ..

والصمت كم يزيد قساوة الحديد
والأرض والأحلام والعتمة؟
يغوص في بعده
يغوص في اضطرابه, العالم, يستمر
في لهوه, يرقص في شقاه, يقشعر
في برده, يشيح بالقسوة والنسيان
عن وجهنا القبيح, عن كياننا الكسيح
عن شعرات الشيب في مفارقنا-يشيح
عن يدنا الخشنة عن انفاسنا النتنة
عن حبنا! نحن الذين اقتبلوا القيود
شوقاً إلى مجده!
نذوب في الصقيع. نلتف على الوحده
بحلمنا, بحزننا الطويل!
وفي شرود نزرع الأزهار والورد
في عالم جميل!

وهل هذا شئ أيها المسجون ؟!
نص من عشر صفحات, ما أصعب أن تختار منه المقاطع الأبرز, أيها الحزين
ها أنت تسوق لنا ” هواجس عيسى بن أزرق في الطريق إلى الأشغال الشاقة


يصطخب القطار في طريقه الطويل
في نفق الظلمة نحو مطلع النهار
وددت لو يموت عنا ذلك النهار
وددت لو ينحرف القطار
عن دربه المشؤوم

وما حالك يا سيدي؟!

فوق الخشب البارد
والمعدن الصليب أطوي جسمي الراعد
يداي تجمدان في الكبل وتبكيان
والحارسان لا يكفان يحدقان
في وجهي العليل
لا أعرف الشكوى, ولا يدهشني العدم

وماذا كنت تفعل قبل الآن ؟!

كنت أغنيك إذا اشتقت إلى الغناء
وأذخر الحنين للربيع والشتاء
كنت أمني الحب بالزواج. والسهاد
ما كان يشجيني, بلى, والليل إذ يطول
كنت أحس في مداه فرح الحياة!
وكنت في كل مساء أشهد الزهور
في المعرض الجميل- كم وقفت بالزهور
في ذلك الطريق- كم سعدت بالعبور
مفكراً في بيتنا: (( سأغرس الزهور
في كل صوب منه! بل سأشتري بذور
أغرسها ..!
حديقة صغيرة .. تحوممن حولها الطيور ))

……………………

أربع ساعات وسوف يشرق النهار
إلا على قلبي
تراكم الغبار.
والحارس الجالس في صمت إلى جنبي
يغلق في فظاظة نافذة القطار
علي أن أنام, لا أحب أن أطيل
تأمل الوجوه
إيه! أحس جهشة الأعماق من نفسي:
ما أطول الطريق
ما أبعد العالم! ما أغربه كله!


أعرفه, فهو طريق موحش سحيق
ولم تكد تبتدئ الرحله.

نيام أيها البشر, ها أنتم نيام لا تعرفون ما يخبئ القدر, ولا تعرفون ما تفعلون
نيام أيها البشر, وها هي ” أسطورة السائر في نومه” …

أروي لكم عن كائن يعرفه الظلام
يسير في المنام أحيانا، ولا يفيق
أصغوا اليّ أصدقائي! وهو قد يكون
أي امرئ يسير في الطريق
في وسط الزحام.
وقد يكون بيننا الآن، وقد يكون
في الغرفة المجاورة. يمط حلمه العتيق!

اعتاد أن ينهض حين تقرع الساعة
دقاتها السبع، ويعلو صخب الباعة
يفتح مذياعه
يصلح شاربيه أو يدهن عارضيه
ويرسم ابتسامة غبراء خداعه
على زوايا شفتيه، ثم في عجل
يمضي إلى العمل.
يمر بالناس الكثيرين وبالأشجار
فلا يرى شيئا.. وقد يبتاع في الطريق
جريدة يقرأ منها آخر الأخبار
وهو غريق يعد في سباته العميق

اعتاد أن يقوم من منامه الطويل
بعض الليالي ثم ينسل إلى مكان
يشرب في عتمته ما شاء من خمره
ثم يعود وهو لا يذكر كم مره
أضاءت الكأس لعينيه، وفي الصباح
لا يذكر السكره!

إن له وجها كوجه الناس أجمعين
لكن إذا رأيته يلهث في العتمة
تجده كالذئب الذي أيقظت الظلمة
أسراره، فهو مخيف خشن حزين

يجلس في أبهي المقاهي، ينفث الدخان
ويلعب الشطرنج، أو يندس في الزحام
يغشى بلا اهتمام
معارض الرسوم أو متاحف الآثار،
أو مسرحاً يعلن عما فيه بالأنوار.
وربما رأى صديقا فروى نكات
وقهقها، وربما زارا معا فتاة
تستقبل الزوار!
وهو كظل باهت يسير أو ينهار
في ذلك السبات!

ماضيه لا يعرف الا انه بعيد
بداية غامضة من حلم مديد
ليس له مدى.
حاضره ليس له صوت ولا صدى.
منشودة! يفلت من كفيه ما يريد.
فهو هنا شبح
وكائن وحيد
لا يعرف الفرح!
وهو نداء ميت أبح
في مجهل بعيد
. . . . . . . . . . .
يا أصدقائي هل عرفتم ذلك المخلوق
الشاحب الذي يجف صوته المخنوق؟
الكائن المخدر الهائم في المنام؟
الكائن الذي تبثّ كفه الصفراء
من حوله أشياء
ترعبه
أشياء
لا يمكن القبض عليها مرة أخرى!؟
يعرفه الظلام
تعرفه برودة الليل! وقد يكون
أي امرئ ترونه يسير في الطريق.

عندما تعزف الأحزان, لا يملك الزمان إلا أن يستمع, وهو يبكي وينتحب, فكيف يعزف الرعب ..” أغنية رعب هادئ” ..

لأن للشتاء عنفوان
لأن للخريف
جماله, لأن للحديث والأغان
صدى بلا زمان
لأن للنار, وراء رقصها العنيف
جسماً من الرماد, أو روحاً من الدخان
لأن للصحو مدى, وللرؤى رفيف
مع انفتاح الليل لا يحدها مكان
لأن للسقوط
فديته, فيعتق القلب من القنوط
لأن الهوان
منعته, إذ يصلب القلب على الزمان
لأن البكاء
حداً, وللدمع أن تكون خيط ماء!
لأن للصخرة أن تكون في التعب,
وسادة. لأن في دوامة الصخب
ما يغرق الروح إذا اشتاقت إلى الفناء!
لأنه ليس وراء الموت من عذاب!
ليس علي تمد ليس على اغتراب
عقوبة أقسى من الموت ولا أكبر!
لأننا جميعنا نأوي إلى التراب
يوماً,لأن جوعنا المخيف لا يقهر!
لأننا نحتمل المحال
في دغلنا, ونطرح الشكوك في الظلال
لأننا لا بد أن نعيش
نعيش, لا أكثر!
هذا هو السد الذي يبنى على الرمال.

لنتحدث عن التاريخ قليلاً, ما هو تاريخنا يا سيدي وماذا يخبئ؟
في الرياح التاريخية

حين توارث جثث الأموات
وأتضح المشهد
تجسدت فظاعة المأساة
عن إرثنا الأسود

ميراثنا المشؤوم جوع القبور
عار ضحايانا
ميراثنا كل عقاب العصور
عن كل ما كانا

أنا تخليت أمام الضباع
والوحش, عن سهمي
لا مجد للمجد, فخذ يا ضياع
حقيقتي واسمي

وتأتي ” قصائد تجريدية” تعني الكثير, دون رتوش ….


1-
في السقوط الجماعي
دموع الحب جاهزة ومختومة
بأنواع القوارير
دم الأحياء ممزوجاً بأصناف من الخمر
ولا يكشف عن سر المقادير
خلاصات من الأحلام
في صورة أقراص,شراب, حقن في الدم, تحت الجلد.
أصوات الصراصير
مسجلة لمن يرغب
مجاناً
فخذ ما شئت من سوق الأساطير.


ويضيف بأكثر من تجرد


ليس الحب مستحيل
ولا الجمال خدعة-ولا ندى السحر
خرافة.. لكن يفيض مرقص البشر
بالعنف والعويل

عن الحرية ” يتحدث , وأي حرية تلك

جئتم بوجه آخر جديد
لي, متقن حسب المقاييس المثاليه
شكراً لكم.. لا أشتهي عيناً زجاجيه
فماً من المطاط.
لا أبتغي إزالة الفرق. ولا أريد
سعادة التمثال الكامل
شكراً لكم. دعوه يبقى ذلك الفصل
أليس عبداً في الصميم سيد العبيد؟

يتحدث شاعرنا عن ” النوافذ” وأي نوافذ تلك التي يراها البريكان ويحترف فلسفتها

نافذة حب
نافذة مسدلة الستائر
يرشح منها الضوء
وظل موسيقى
وقهقهات
وغمغمات طفلة
وصوت أطباق
وأصداء من السكون

نافذة الشاعر
يفتحها للنور والريح وعطر الأرض
يهجم منها صخب العالم
يغلقها كأنما لآخر الزمان
ومثلما يغلق تابوت إلى الأبد


وللنوافذ بقية.
لم تكن الكتابة عن البريكان سهلة, كانت أصعب مما ظننت بمراحل, يصعب هنا اختيار النصوص, فضلاً عن المفاضلة بينها أو اجتزاء جزء من النص, يصعب أن تصل لخلاصة أي مقطع, قصائد عميقة لا يمكن سبر أغوارها .
أكتفي هنا بما كتبت, وتطفلت على عالم هذا الشاعر, وسأحاول أن أضيف المزيد من النصوص كلما حانت لي الفرصة, وأتمنى أن لا أحرم من إضافاتكم لكل من يملك أي نص للبريكان .

8/3/2005م


2 thoughts on “شاعر من العتمة

  1. هبيني خلاصي قبل فوت ..ألا انني عطشت إلى أن كدت أجترع السما!
    هذيت بما يرضيكـ في عمق وحدتي وعشت على وحي طريداً من الحمى
    غدوت يتيم الروح في كل ما أرى وأصبحت أشقى من يجوع ومن يظمأ
    هبيني خلاصي من جنون ووحشة وكوني لي الأخت المحبة والأما
    حملتكـ كالفردوس في قلب مؤمن وكالشمس عين الشمس في ظلمة الأعمى
    اهدهد أوجاعي ببسمة صابر وألثم في غيبوبتي ذلكـ الحلما
    وأنكر أشباحاً أراها, لأننا سألقاكـ يوماً ما وأهواكـ يوماً ما!
    فيا أرض ميعادي ويا عتق وحدتي ويا بيت أحلامي ويا فرحتي العظمى
    ويا كل ما أخفى البلى من أحبتي ويا كل شوق لا يباح ولا يسمى
    أريدكـ كي أحيا وتسعد ميتتي فلا ألعن الماضي ولا أشتكي العقما
    ولا أصبغ الدنيا بلون ندامتي وأسخط في ويلاتها الروح والجسما
    ذخرت لكـ الحب العزيز, فإن طغى وجن ولم يات فما أضع الهما
    وما أفظع الماضي ارتساماً لذاكر وما أقبح الآتي الذي قط ما تما

    14/12/1949م
    الشاعر / محمود البريكان

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s