مالم تقله جدتي

 

في كل اللحظات السيئة أتذكرك، تتراءى لي ملامحك، أتهجاها في وجل، أستحضر اللحظات الجميلة التي قضيناها، الأشهر السعيدة التي عشناها، وفجأة تطل في الأفق الكوارث التي غرمتها عن السعادة اللحظية التي جنيت، حزن امتد ويمتد إلى ما لا يطاق، وما لا أدرك أو أعرف.

لم تقل لي جدتي ألا أحفل بالفرح الفاني، ولم أستوعب معنى أن تعول على ما يبيد، ولا معنى أن تحاول أن تعيش وبذات اللحظة أن تكون حارس لمقابر الآخرين، وتحاول أن تتلكأ في دفن جثثهم قدر ما تستطيع، ليحظى محبوهم بالنظرة الأخيرة الأثيرة.

لم أدرك أن كل ما هنا خلق للعبث والهباء، وأن كل ما حولنا عبارة عن فوضى نحاول أن نرتبها قصراً، وألا منطق يحكم ما حولنا، ولكننا نحاول بتفاهة أن نمنطق كل شيء فنفشل، وندرك أن لعبة كبيرة اقحمنا فيها، دون أن يكون للعبة أي قانون، فضلاَ عن فهم شيء.

لم تخبرني أبداً تلك الجدة أي شيء عن الحياة، بالثمانين عاماً التي قضتها على هذا الكون، لم تعرف شيئاً، كل ما عرفته منها أن الحياة ساخرة وعابثة ولا شيء غير هذا، لأي عبثٍ نعيش يا الله؟   

لم تخبرني عن قدري، عن وجوب نزع جلدي لأعيش، لم تقل لي حاول أن تكون وحيداً وهادئاً كي لا تصاب بجلطة عابرة، ولم تقل إلى أي مدى يجب أن أبقى وديعاً ومسالماً حتى لا أدمر الأشياء من حولي، ولا عن الإستراتيجية الأمثل للتخلص من سطوة خيارات الآخرين، اختياراتهم البائسة، حياتهم المقيتة، كيف أمنعهم من هتك روحي، لم تخبرني عن شيء كهذا، كانت فقط تنتظر وتفكر ولا تبالي.

سأخبرها بأني حين أكون وحيداً سأفعل أشياء كثيرة، سأغير جلدي، أبدله مثل ثعبان، ولن يكون لي لون كحرباء سائمة، ولن أكتفي بالابتعاد، بل سأقطع كل شيء، سأجعل ذاكرتي تتمزق وتختبئ، وأعيش حياة أخرى تماماً، ربما سأرتكب الكثير من الحماقات لأمزق ذكريات مدفني المدنسة، ساسم جسدي بالوشوم ، وأطعم أعضائي لقطط جائعة، وأهدي عقلي لعاهرة قبيحة، وسأمارس الصلوات في المقابر، لن أفعل شيئاً كنت أفعله، لن أسمح لأحد بأن يستبيح عقلي أكثر، لن أجعلهم يظهروني كمجنون كلما دعت الحاجة لهذا، ليذهبوا كلهم إلى الجحيم، ليحترقوا في جهنم، ويسمهم مالك سوء العذاب، لا رحمة في قلبي اليوم على أحد، لن أرحم أحداً منهم ولن أجل أحداً منهم ولن أكبر أحداً، كلهم حمقى، وكلهم ناضجون، يجب أن يقفوا أمام خياراتهم وأخطاء حياتهم، لن أكون من ضحاياهم، ولن أعبأ بهم، سأقاتل من أجل تحرر روحي من سطوتهم، أمقتهم كما لم أمقت بشر من قبل، لأنهم يستحقون، لأنهم يستحقون، لأنهم يستحقون.

 

كتبتها 2008 أو 2009 ونشرتها في أحد المنتديات بإسم مستعار.

5 thoughts on “مالم تقله جدتي

  1. قلمك الجميل امر اتفقنا عليه من قبل لكن قسوة كلماتك لم تكن ناتجه الا عن تجربه هذا مؤكد لذا دعني اقدم لك توضيح لأمر وقعت به أنا وخسرت الكثير …السبب الحقيقي وراء التدوينه حيد مستقبلك عنه مهما كان عظيم بنظرك …..صدقني استاذنا لأحد يستحق …دمت مبدعاً

  2. غاضبه طائشه وبكائيه ،غير ناضجه،اقرب الى حديث النفس
    اعتقد انك استرسل قلمك فيها ، اتخيل كمية الراحة التي شعرت بها، واعتقد انها لا تُنسى

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s