سليمان الصيخان يكتب للمدونة : حوارات غير منتجة.

ليس من العسير ملاحظة آن أحد أكثر المغالطات الحوارية تفشيا في أوساطنا –على اختلاف مشاغلها- ما تسمى مغالطة “رجل القش”، أو مغالطة “رجل الجليد”، كما يسميها اخرون ،والقصد أنك تفهم فكرة الطرف الأخر بشكل مغلوط وتظن انك فهمت فكرته بشكل صحيح ومطابق لفكرته التي ينافح عنها، فتشرع في نقاشه وتفنيد فكرته وإبراز تناقضاته وما يلزم عن مقالته وتصدر أحكامك عليه،وفي نهاية الأمر ينكشف أنك فقط تصدر أحكامك على شخص متخيل أخر قمت باختراعه ومحاججته، مالذي يتم للوصول إلى هذه النتيجة:
ما يحدث هو إما تحريف لمقولات الطرف الأخر من خلال تفكيك مقولته ثم إعادة تركيبها بشكل هزيل قابل للتفنيد بسهولة، (= دعوى المحاور “زيد” هي (أ) فيقوم المحاور “عمرو”  بعرض الدعوى ( أ2) وهي صورة محرفة للدعوى (أ) التي يتبناها المحاور”زيد” ) ، وهذا إما أن يكون متعمدا لأغراض سيئة ، -وانحراف القصد مفسد للحوار ويحوله إلى  سفسطات محضة،- أو أن يكون السبب نقص في مسار وشروط الحوار التي يجب مراعاتها لانجاز حوار منتج،(باعتبار السفسطة نتيجة سوء القصد والمغالظة نتيجة الجهل)،
أحد الأسباب الرئيسة لسقوطنا في شراك هذه المغالطة ضعف ملكة الإصغاء وعجزنا عن ممارستها كما ينبغي أن يكون الإصغاء،(الذي يتضمن طرح الأسئلة بغرض المزيد من التوضيح وتحديد الفكرة ومراد صاحبها منها، هذه الأسئلة التي تقوم بإذابة رجل الجليد وإبراز الرجل الحقيقي الذي نناقشه) نتوهم أننا نفهم ما يقوله الآخرون بدون أن نصغي لهم، وأننا نفهم الخلفيات والمنطلقات التي أدت بهم إلى ما قالوه، أو لربما أننا لا نهتم لفهمهم حجم اهتمامنا للرد وتحفزنا للتفنيد، يقال انه “لا ينبغي لنا أن نشرع في تفنيد فكرة الآخرين حتى يعترفوا لنا إننا قد فهمناها حقا كما يقصدونها هم”  والحال أننا إذا وصلنا لمرحلة دقيقة من الفهم للآخرين سيتغير الكثير في الحوار شكلا ومضمونا،
لما عزم الإمام أبو حامد على كتابة (تهافت الفلاسفة) كتب أولا كتاب”مقاصد الفلاسفة” وجرده للتعريف بفكر فلسفة المشائين العرب كما هي عند مصادرها الفارابي وابن سيناء، ولم يرد عليهم بكلمة واحدة في ذلك الكتاب وقال انه كتب ليعرَف بالفكرة التي يريد إثبات  تهافتها ، ومن شدة مبالغة أبي حامد في دقته لعرض تلك المقولات أنها ترجمت للاتينية بوقت مبكر ووصف أبو حامد في أوروبا الوسيطة انه أحد الأفلوطينيين  وما ذلك ألا لكون دقته وأمانة في عرض المقولات لا تُتوقع-عادة- إلا ممن يتبنى المذهب نفسه ويفهمه كواحد من أهله (كما أشار ماجد فخري في تاريخه )،
ويمكن ملاحظة أحد الأساليب التي يكثرالانزلاق اليها لنقع في مغالطة  “رجل القش” هي أن يبادر أحد المتحاورين الحوار بنسبة الأخر إلى فرقة أو مذهب معروف ليختزل الدعوى محل النقاش بالأفكار السائدة للمذهب أو الاتجاه الفكري بحيث يقيد يتم التشاغل عن دعواه محل النظر وعن أسانيدها وبراهينها الحاضرة بصورة مسبقة معهودة،
مهما يكن من أمر: فشروط الحوار والتواصل كما عرضتها المدرسة الحجاجية سواء المدرسة العربية (الكلامية) في “آداب البحث والمناظرة” أو المدارس الحجاجية الحديثة حيث حددوا شروطا ومسالك للحوار تعمل على ضمان صحة مسار الحوار والنقاش وقامت تلك المدارس برصد صور الانحراف التي نقع فيها كثيرا،ذلك أن “كفاءة الدحض النقدية جزء من الكفاءة الحجاجية “، إن الإخلال بشروط الحوار والوقوع بمزالقه ومفسداته هو ما يفسر قلة انتفاع المتحاورين بعضهم من بعض كما نشاهد كثيرا بحيث لا نرى إلا مزيدا من التعصب ومزيدا من التباعد في غالب الأحوال، رغم انتشار وسائل الحوار والتوصل بشكل غير مسبوق مما يفرض –بدوره- اقتراح مزيد من الشروط وملاحظة المزيد من المزالق الخاصة بالتطورات الحديثة للنقاش والمناظرة،

– – – –

حساب الكاتب سليمان الصيخان في موقع التواصل الاجتماعي تويتر:

@salnasser

4 thoughts on “سليمان الصيخان يكتب للمدونة : حوارات غير منتجة.

  1. شكراً على المقال الجميل وياليت تنزل كتاباتك في الانترنت عظيم انت وكتاباتك وطرحك فيه كم مقال في موقع حكمه كلها جميله
    زكاة العلم نشره

  2. الإنصات انواع منه: 
    عندما ننصت لمن يستشيرنا  بأمرما نستحضر طبيعة المتحدث و اسلوبه بالحياة وطريقة تفكيرة التي نعرفها عنه،
    وعندما ننصت لراوي او قاص نستحضر خيالنا لنجاري الحكاية،
    حينما ننصت لشخص يطرح فكرة ما نتجرد من كل ما نعرفه عنه وكأننا نستمع له اول مرة 
    حتى نُحرر تفكيرنا من الحكم المُسبق
    ونُهيء للأفكار صفحة بيضاء تسهل علينا قراءتها بوضوح .
     
    مَـاءْ 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s