في مديح التجاهل

ليس للحياة أن تخضع للعقل، لأن هدفها العيش وليس العلم.
أونامونو

لحظة تعيسة تلك التي تحاول فيها أن تبرر نفسك للأخرين. تحاول أن تشرح لهم سببا لشيء ارتكبته.

مجرد محاولة تبرير أفعالك هي خيانة لإنسانيتك، فأغلب تصرفاتنا ليست مبررة وليست نتيجة تفكير عقلاني عميق، تصرفاتنا تحدث فقط، لا نستطيع تبريرها، وهي أقرب إلى العبثية منها إلى أي شيء قابل للعقلنة. وإن تحدثنا عن دوافعها الاجتماعية النفسية فإن حديثنا لا يعدو كونه تخمينات فاسدة على الأرجح، تزيد من كفاءة التحايل على الذات فقط.

لن اتحدث عن الأخرين، سأتحدث عن نفسي هنا أكثر.

نعم الكثير من تصرفاتي لا أستطيع تبريرها، لا أستطيع تبرير نومي لساعات طويلة، أو عدم ردي على أرقام الهاتف التي لا أعرفها، أو عنادي الشديد مع من يكرر اتصاله علي بحيث أني أقابل اتصالاته بالتجاهل التام.

لا أستطيع تبرير خوفي من كلمة “أحبك” أو كراهيتي لاهتمام الأخرين بي، وإحباطي لعدم اهتمامهم، أو عدم فتحي لبرنامج الواتساب لساعات، أو قضائي وقت طويل في المطبخ.

كثيرا ما كانت ردود فعلي على بعض الأخطاء أسوأ من الخطأ نفسه.

كثيرا ما كانت محاولة عقلنة هذه التصرفات وإيجاد مبرر لها عملية مزعجة بلا معنى، لن تصل إلى أي نتيجة .

كثيرا ما كانوا يطالبون مني أي تبرير، بل كانوا يوحون إلي ببعض الكذبات لاستخدامها، لكني أعرض عن هذا، واكتفي بالصمت. نعم أنا لا أجد تبريرا لتصرفاتي، واكتفي بالهروب فقط.

كثيرا ما كان الكسل، وانعدام المزاج، سببا كافيا لأشياء كثيرة، لكنه المبرر الذي لن يقبله منك أحد على الأرجح، ولا يعتبر سببا بقدر ما هو نتيجة لشيء ما، غير مبرر، ولا نستطيع فهمه.

من يدعي أن كل التصرفات البشرية مبررة عقلانيا هو كاذب أو مجنون.

حياتنا  لا تحكمها معادلات رياضية، حياتنا محكومة ببشريتنا، محكومة بضعفنا، بإدعاءاتنا، بتأرجح مشاعرنا، وبالأوهام التي نخلقها عن أنفسنا.

لا أستطيع تبرير أفعالي، كما أني لا أستطيع تبرير حبي لها، ولا أستطيع تبرر تضخم مخاوفي من الحياة، أو عدم اهتمامي بأحاديث الآخرين.

حياتنا محكومة بالكثير من الأوهام وبعض الأكاذيب التي نرتكبها ونصدقها في النهاية.