في ذم الأمل

العالم مثير للسخرية، وللغثيان، أكثر مما نتخيل بكثير.

لا أملك الرغبة بفعل شيء، حتى النوم. بعد ساعات من التسكع في ردهات الإنترنت، قررت البحث عن كتاب لأقرأ. الكتاب الذي أفكر فيه دائما ولا أجده. ذاك الذي كتب تماما ليناسبني، يتحدث بلغة أدبية فارهة عن الحياة شعرا ونثرا، وأقرأ بين صفحاته ألم الحياة وتعاستها، لمؤلف عاش الكثير من التجارب، ثم تفرغ ليشتم كل شيء بوقاحة من لا يطمح بأي شيء. وبين صفحات الكتاب تصدح موسيقى جنائزية جليلة.

ولأني بحثت ولم أجد، قررت الكتابة. فهرعت إلى جهاز صغير يرقد قربي – لم افتحه منذ أشهر – لتكتمل عبثية ما أعيش عندما اكتشفت مقالا كتبته بعنوان “هل من اللائق سحل بشار الأسد ؟ ” كتبت المقال قبل أشهر ولم أكمله، ولم انشره بطبيعة الحال، بل نسيته تماما وغاب عن الذاكرة لاكتشفه مصادفة وأنا أفتح جهازي المغبر.

مع فكرة المقال تكتمل دوائر العشوائية التي تلف روحي. حيث كانت في الرد على منتقدي “وحشية” قتل القذافي على يد الثوار في ليبيا ! وكانت المقالة تبرر لسحل بشار مستقبلاً. لكم أن تتخيلوا بأي طريقة عبثية كنت أفكر! وكأن هناك من ينتظر تبرير ليقتل، أو سببا كافيا ليشتم.

المشترك الوحيد بين كل البشر الذين يقفون قربي هو القرف، السأم، الملل. الحياة الطبيعية التي نعيش، والحياة الوقحة التي نقرأ، والحياة البليدة التي نشاهد، والحياة المقززة التي نحس، والحياة القذرة التي تلطخنا، والحياة العاهرة التي نسمع ونلمس، كل من حولي يشاهد هذه الحياة بعينيين لفها التقزز والسأم.

أرواحنا لفها السأم يا سادة، اتركونا بعيدا عن تفاؤلكم السحري الساذج، ابعدونا عن أحلامكم الغضة، لا تشركونا في أمنياتكم وتطلعاتكم، أخرجونا من دائرة حساباتكم، لا تعولوا علينا بشيء، دعونا نرقد في سلام. وتأكدوا بأن مقاعدكم في موكب اليائسين الناقمين محجوزة تنتظركم مهما طالت بكم نشوة المخدر الذي تتعاطونه يوميا، ذلك الذي يسمى “الأمل”.

وكما قال مظفر النواب، اعطوني واقعا أشد بذاءة مما نحن فيه.

مع ذروة النشوة بالربيع العربي، جلست مع مثقف سبعيني “محافظ سياسيا” وبكل حماس الشباب كنت أحدثه عن الثورة، وبكل برود الكهول كان يطلب مني ألا أفرح بشيء، ثم سرد علي تاريخ الثورات والانقلابات التي عصفت بالمنطقة على مدى خمسة عقود عاصرها من مراهقته وحتى مشيبه، لكني قلت له: هذه المرة الشعب يريد. خرجت من عنده وأنا اشفق عليه، كيف أعمت السنوات بصيرته فلم يعد قادرا على رؤية النور. واليوم أشفق على تهوري ورعونتي، كيف لم اكتفي بالأمل الذي اجتررته في سنوات سابقة حتى تم تعليبة مع الواد الحافظة أو رش عليه الملح وجفف كي لا يتعفن ! كيف أصبحت كفيفا يتخيل نورا لا يمكن أن يوجد إلا في أحلامي المؤجلة.

كان هذا الحوار منذ ما يزيد عن السنة، واليوم أجد نفسي أكثر إنكسارا مما كنت عليه قبل الربيع، أكثر تشاؤما، وأقل طمأنينة. لا أركن إلا واقع، ولا أطمح في مستقبل، ولا أريد إلا الإفلات من الذاكرة.

6 thoughts on “في ذم الأمل

  1. بما أن التاريخ لا يسجل إلا الأحداث الكارثية، فلا أرى العودة لها و لا إستقراءها إلا بحثا جادا عن التشاؤم..
    فيما عدا ذلك توقعاتك للقادم المجهول ليست سوى موقف و وهم و لايستند إلى شيء .. مخدر (آملا أو متشائما)
    الواقعية.. هي الحياد/ اللامبالاة.. و لست أدري إذا كان ممكناً 🙂

  2. لن أربت على كتفك او اصفق لك لشرحك المفصل لما يعتمل بين قضبان صدرونا,لكني سأقول اهلا بك في عالمنا
    المثالي الكاذب ,والساذج الذي ينضح سوداويه ,لنرقص على طبول الروتين المسموم ولنختنق بـ(ربيعنا العربي)

  3. مهما بلغ فينا التشاؤم فنحن نحمل بعضا من “الأمل” في مكان ما في أرواحنا وإلا لما كنا نفعل أكثر مانفعله اليوم! من المفترض أن يكون السأم والملل حالة عارضة مثلها مثل التفاؤل أحيانا، إلا إذا كنت طاعنا في السن يا بدر

  4. هذه الحالة الدائمة ..فلماذا يلام الأمل في حالته الطارئة ؟ دعه وشأنه يطير ويضيء ويحمل مايشاء من التوقعات .

  5. احساسك في هذا المقال لامس حالتي في هذه اللحظه وان كنت ارغب في احتساء كاس من الامل يحيي ماقد مات او مايحتضر الان ..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s