الأسئلة المزيفة حول المعتقلين

ما إن تطرح مسألة المعتقلين تعسفيا في السعودية حتى تنهال عليك بعض الأسئلة، والسؤال حق مشروع بالتأكيد، لكن في بعض الحالات ومن طبيعة بعض الأسئلة يتضح أن الغرض غير بريء أبدا، بل هو مغالطة هدفها التزييف لا الوصول إلى الحقيقة.

من هذه الأسئلة على سبيل المثال : لماذا تدافعون عن إرهابيين  ؟ هل تدافعون عن مجرمين؟

وهذا السؤال مغالطة كبرى، فكون الدولة اعتقلت مواطنا أو مقيما فهذا لا يعني أنه إرهابي، بل يعني بأنه “مشتبه به” أو “متهم” فالمباحث والشرطة وهيئة التحقيق والإدعاء العام ليست جهة حكم على الناس، بل جهات ضبط وتحقيق، ووصف إرهابي وإن كان ملتبس ولم يكن يوما من الأيام وصفا قانونيا، إلا أن هناك إمكانية لقبوله بعد حكم القاضي على متهم بعد إثبات مسئوليته عن عملية إجرامية/سياسية.

إذا ؛ ما دام المتهم لم يحاكم لسنوات في مخالفة لنظام الإجراءات الجزائية الذي وضعته الدولة، فوضعه القانوني هو “معتقل تعسفيا” وليس إرهابي. لأن “إرهابي” وهو وصف يحمل قيمة وحكم واتهام، لا معنى له قبل حكم قضائي في محاكمة تحقق العدالة ووفق الإجراءات الجزائية والتي تشترط وجود محامي، وعلانية المحاكمة، وإتمامها في فترة لا تتجاوز 6 أشهر. بينما أغلب المتهمين اليوم جاوز وجوده في السجون 6 أشهر إلى سنوات يصل بالنسبة لبعضهم إلى عشر سنوات أو يزيد!

ومن الأسئلة الزائفة كذلك، هل قضية الاعتقال حقوقية أم سياسية ؟

هذا السؤال لا معنى له، وسؤال مزيف كلية، فالأهم من السؤال والإجابة الاتفاق على تطبيق القانون الذي وضعته الدولة لكنها تخالفه،  وهناك خلاف بين المدافعين عن حقوق المعتقلين أصلا حول هذا السؤال بين من يرى القضية حقوقية بحتة/ وبين من يراها مرتبطة بالسياسة ارتباطا عميقا . لكن المثير للسخرية في هذا الطرح عندما يأتي ممن لم يتحدث يوما عن المعتقلين، ويسميهم “إرهابيين” ثم يناقش إن كانت القضية سياسية أو حقوقية وهي لا تعنيه أساسا ويعمل ضدها ويشكر الجهود الأمنية في اعتقال الناس تعسفيا. هنا السؤال داخل في إطار تزييف الوعي لا أكثر.

من الأسئلة المزيفة كذلك، أين حق ضحايا الإرهاب ؟

حق ضحايا الإرهاب في رقبة الدولة التي أخرت القصاص من مرتكبيه، واعتقلت الآلاف من المواطنين دون محاكمات فلم نعرف من هو المذنب ومن هو البريء. من يتحمل وزر تأخير القصاص من الإرهابيين هو من تلكأ في محاكمتهم، لا من يطالب بحقوق المعتقلين تعسفيا، والتي طالت مدد اعتقال بعضهم إلى سنوات .

ومن المغالطات التي تطرح: هل تطالبون بالإفراج عن إرهابيين ؟

السؤال يحمل حكما في طياته بوصف المتهمين بأنهم إرهابيين، هذا ابتداء، لكن بتجاوز هذه المسألة والتي فصلتها في النقطة الأولى من هذا المقال، أقول متحدثا عن نفسي، أنا أطالب بسرعة المحاكمة وتعجيلها ليسجن من سجن على بينة وبحكم قضائي وفق نظام الدولة، وهذا الحد الأدنى على ما أظن. لكن من يطالب بالإفراج عن المعتقلين تعسفيا لديه سند قانوني، وهو الإفراج الفوري عن من جاوزت فترة اعتقاله 6 أشهر دون محاكمة. ومن هنا كانت هذه المطالبة مشروعة وتملك حجيتها القانونية، ومتوافقة مع النظام أكثر من مطالبتي بتعجيل المحاكمات.

هذه الأسئلة تطرح غالبا لتشويش، ولتشويه الحراك من أجل إنهاء ملف المعتقلين تعسفيا في المملكة، وليس من أجل الوصول إلى حق أو كشف باطل.

كاتب القدر / حول نظرية المؤامرة

 

هل ترى حياتك ؟ هل ترى ما حدث وما يحدث ؟  هل تعرف السبب الذي جعل موظف التسجيل في الجامعة يكذب ويخبرك بأن تخصص الطب قد تم إقفاله ولا خيار لك إلا دراسة الهندسة ؟ هل تعرف ذلك الذي دس اسمك في قائمة طلاب الهندسة المدنية بدل الكهربائية ؟ ومدير القسم الذي أقسم لك بأنه لا يملك شيء حيال أمرك ؟ هل تعرف الشاحنة السوداء التي توقفت فجأة أمام سيارتك في الطريق السريع لتصطدم بها وتنام في المشفى لأسابيع ؟ وبسبب هذا الحادث فاتك اختبار مهم أجل تخرجك لثلاث أشهر إضافية.

وبعد الثلاثة أشهر اكتشفت أن برنامج الإبتعاث قد أغلق في وجهك، وذهبت للعمل في شركة كبرى فاكتشفت أن المقابلات الشخصية تبدأ بعد 6 أشهر فاضطررت للانتظار، حتى أقنعك والدك بالسفر لدراسة اللغة الإنجليزية، لكن السفارة الأجنبية رفضت إعطائك الفيزا وعطلتك لأربعة أشهر ثم سافرت و بدأت الشركة الكبرى باستقبال طلبات التوظيف وبدأ المقابلات الشخصية، لكنك نسيت ولم تتوظف ..الخ الخ الخ

هل ترى كل هذه التفاصيل ؟

ماذا لو أخبرتك، أن كل هذه الأحداث ليست مصادفة، وأن هناك مكتب يعمل به ثلاث أشخاص في نيويورك هم من يخططون حياتك منذ لادتك، هم من دفع أموال للموظف ليخبرك أن التخصصات الطبية قد أقفلت ، وهم من تسبب في راستك للهندسة المدنية، وهم من برمج حادث الشاحنة ..الخ الخ هم من جعلوك تفعل ما فعلت، هم من نصبوا لك كل هذه الفخاخ والحيل ليسيطروا عليك. ويجعلونك تفعل ما تفعل. هم يسيروك لمصالحهم تماما بدون أن تعي هذا.

بالتأكيد يبدوا مجرد تخيل هذا أمر جنوني، أن شخصا قادر على التحكم بحياة شخص وتسييرها كما يشاء، مثل هذه السيناريوهات لا توجد إلا في الأفلام السينمائية.

حسن لأخبرك بشيء مختلف قليلا، هل تعلم أن هناك عدة أشخاص في الولايات المتحدة الأمريكية وضعوا خطة تتحكم بما يزيد عن 300 مليون إنسان عربي منذ ما قبل سايس-بيكو إلى ما بعد الربيع العربي؟ ! وتسير هذه الخطة كما أرادوا تماما منذ قرون خلت .. هذا بالضبط ما يقوله المؤمن بنظرية المؤامرة. بل لا يكتفي بـ 300 ألف إنسان، بل قد يجعلهم مليار مسلم، أو حتى يجعل هؤلاء البشر يتحكمون في حياة 7 مليارات إنسان.

رغم أن الفكرة تبدوا سخيفة وتافهة بالنسبة إلى حياة شخص واحد، لكن الكثير يصدقونها عندما يصفون مئات الملايين!! وهنا أكثر من مفارقة وسخرية، حتى أوحى بعض المهووسيين بالنظرية أن الخطط التي تطبق اليوم وضعت قبل زمن الإستعمار !!

قد يقسم المؤمن بنظرية المؤامرة تقسيما يبدوا عقلانيا، قد يسقط إسقاطات تاريخية، ويجمع تصريحات حقيقية عن مصالح ومتغيرات، لكن هذه المتفرقات لا تجعل الهذيان حقيقة أبدا.

خطورة هذه الفكرة وسخفها لا يرتكز فقط على إستحالة هذا الأمر، إستحالة أن يضع أحد سيناريو ويطبقه بحذافيره ويحصد نتائجه كما يشاء، هذه أفعال إله لا بشر ولا دولة.

هذه الإستحالة قد تشمل حياتك الشخصية، فكيف بالحديث عن أبنائك أو زوجك؟  بل كيف بالحديث عن خطة يدخل فيها مئات الملايين من البشر.. الصورة تبدوا هزلية جدا.

أكبر كارثة في نظرية المؤامرة خاصة المتطرفين منهم، ليس في كونها غير قابلة للنقض لأنها تتحدث عن افتراضات وأنصاف حقائق، وكونها نظرية مؤامرة ودسائس تجعلها أقرب للميتافيزيقا منها إلى عالمنا الطبيعي. المشكلة الحقيقية في كونها تأليها حقيقيا للغرب والولايات المتحدة تحديدا، بحيث يكرر أنها قادرة على فعل أي شيء وأنها تقصد فعل كل شيء وتخطط له تماما. إعطاء أمريكا نصيبا من إدارة الكون وهي العاجزة عن حل مشاكلها الداخلية!!!

لأنه من الصعب جدا أن تتحكم في حياتك، وبذات اللحظة يصعب بشكل أكبر التحكم في أسرتك، ومن باب أولى أنك لا تتحكم في جيرانك، والدولة لا تستطيع أن تتآمر ضدك وتحكم تصرفاتك.. من باب أولى أن أمريكا لن تستطيع أن تحكم البشر كما يروج أصحاب نظرية المؤامرة.

المضحك أن من يروج للمؤامرة يكون غالبا ضد الهيمنة الأمريكية، لكنه يروج لها، ويضخمها، ويجعلها حتمية ولا مفر منها، ويعطي أمريكا صفة الإله.

هنا يخلط بين سعي أمريكا لتجيير أي شيء لمصلحتها، وهذا ما تفعله كل الدول، وبين اعتبار ما يجري  – كل ما يجري – مخطط له منذ عشرات وربما مئات السنين وها هي أمريكا تحصد خططها . إنها فكرة مقاربة للماسونية التي تحكم العالم، وحكومة العالم الخفية، والكون الذي يدار من مثلث برمودا، وتلك الهلاوس التي تنفع لحكايات الأطفال.