فكرة حول “روح الوجودية”

هذه مجموعة تغريدات للصديق سليمان الصيخان ( @salnasser ) قام بتحريرها للنشر هنا في المدونة .

فكرة حول “روح الوجودية”

سليمان الصيخان

 الوجودية تيارأو رؤية للحياة أكثر منها فلسفة، إذ انها ليست فلسفة بالمعنى التقني، إذا ما استثنيت بعض أعمال سارتر الأولى (=نقد العقل الجدلي) ،وباختصار –عسى ألا يكون مخلا –  الوجودية تعني “أن الإنسان هو من يخلق المعنى” وليس يفرض عليه من جهة خارجه عنه.

ومعلوم أن الأفكار الفلسفية، لا يكفى فيها معرفة الجانب النظري لفهم الفكرة ومجال اشتغالها، بل لابد من استحضار ظروف نشأة هذا الفكرة، وهي هنا ظروف ما بين الحربين العالميتين المرعبة، والتي تلخصت بانهيارالحلم الإنساني بالتقدم، وتحطمت معها المبادئ والدعاوى العقلانية والإنسانية ويكاد يكون قد انهار كل شئ وانتشرت العدمية واليأس فكريا وأدبيا وفنيا،هذا الانهيار الذي أدى إلى انهيار الثقة بالقيم كافة، هو الذي جعل بعض المفكرين يؤمنون أن قلق ذلك الإنسان ككائن حي يتوجب عليه أن يجد قيما جديدة بين ركام القيم التقليدية المنهار، قيما من داخل الإنسان تقوم بإنقاذه من ضياعه، وتنطلق تلك الرؤية من إثبات الحرية للإنسان وانه ليس مجبرا على أي مبدأ. وتعني أننا نوجد قبل أن تتشكل لنا ماهيات وقانون إلا من خلال اختياره هو، لذا يتفقون على المقوله “الوجود قبل الماهية” ،فالهو يسبق الماهو،وبالتالي فالوجودية تطالب بثورة الإنسان على الأنساق الفكرية والمذاهب النظرية والحتميات العقلية والمنطق. وتطالب بالتعاطي مع الحياة من خلال تجربتنا المباشرة وليس من خلال مواقف مسبقة أو مبادئ ملزمة، وبالتالي جاءت فكرة ان الحياة لا تمنحنا المعنى من ذاتها، و إذا كانت الحياة لا تمنحنا المعنى فالنتيجة هي العدمية. كما يقول كامو: نكتشف ان السؤال الأكبر الذ يواجهنا :لماذا لا نقوم بالانتحار؟ وسؤاله صحيح فحيث لا معنى للحياة، ما الذي يدفعنا لتحمل الشقاء فيها ؟

في ظني أن تحليلهم إلى هذه النقطة صحيح، وهو ما شاركهم به مفكرون أدباء من قبل مثل:تولستوي الذي ثارعلى العقلنة المسيحية للدين وأفنى وقتا طويلا بالتبصرالروحي في القضايا الوجودية، مثل:الحياة وخلوها من المعنى، الموت، الألم، وحاجة الإنسان الحديث إلى الله وعجزه عن العثورعليه وسط ضياع البشر في هذا العالم الحديث، بين حياة لا معنى لها وبين مسيحية رسمية مفلسة.

وكان تأثير تولستوي كبيرا على جناحي أوروبا الشرقي والغربي،وقد تأثر به نيتشة للغاية، وكان دستوفيسكي شريكا لتولستوي في قيادة حملة الإنقاذ الروحية وقد احتفى سارتر بمقولة دستوفيسكي الشهيرة “إذا كان الله غير موجود فإن كل شيء مباح”، واعتبر ساتر هذه المقولة هي منطلق فلسفة الوجودية، ما لذي حصل فيما بعد؟ سارتر و كامو غير مؤمنين ولهذا تورطوا بسؤال المعنى، وكان الحل أنهم قالوا أننا نحن من نبتكر المبادئ والقواعد التي نقتنع بها فنحن أحرار، وليس هناك ما يُلزمنا بأي مبدأ قبلي، وإنما نحن من نختار ونصنع مبادئنا من داخلنا من خلال التفكير بما هو فردي وخاص في حدود الوعي بالذات وبالآخرين. وبالفعل كان سارتر أبرز مؤسسي فكرة “الإلتزام” وهي تعني مسؤلية المثقف الأخلاقية في ذات الوقت الذي يدافعان به عن الحرية، في كل الأحوال هذا السرد المختصر يكشف لنا انها فكرة ظهرت بسياق اجتماعي وفكري محدد- ومختلف عنا- ولاتفهم إلا من خلاله. ولهذا لما تغيرت الأحوال تراجعت تلك الفلسفة ويكاد يكون لاوجود لها اليوم إلا كعناصر تم استيعابها في منظومات فكرية متجاوزة لها. بل حتى سارتر اخر سنوات عمره يكاد يكون تخلى عن الفكرة وتبنى فكرا ماركسيا بصيغة ما.  يبقى ان هناك تيار أخر وهو الوجودية المؤمنة لها رموزها المعروفين من لاهوتيين وفلاسفة وهي سابقة في ظهورها للوجودية الملحدة، بل ربما يصح القول أنها أحد مصادرها كما اشرت في تأثر سارتر بدستوفيسكي.

مركز الفكرة إذن :البحث عن المعنى داخل الإنسان حيث لم تعد الحياة تمنحنا هذا المعنى، وهذا مفهوم في سياق تشاؤمي لا قيمي إلحادي.

 

عرض لكتاب الشيخ د.طه جابر العلواني “لا إكراه في الدين” حول حد الردة في الإسلام

“لا إكراه في الدين: بحث في إشكالية الردة والمرتدين من صدر الإسلام إلى اليوم” الكتاب الذي استغرق إعداده ما يزيد عن عقد من الزمن، كما يؤكد المفكر العراقي الدكتور طه جابر العلواني، يبحث فيه حكم الردة عن الإسلام في القرآن الكريم والسنة النبوية وأقوال الفقهاء وحوادث التاريخ، ويحاول أن يبحث في سياقات الأدلة ومرادها، وتطبيقاتها من عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، حتى لحظتنا الراهنة.

يبدأ الكتاب في سرد قصة مرت بالعلواني سنة 1963م، وهي التي جعلته يفكر في حكم قتل المرتد في الإسلام، حيث حاولت السلطة السياسية العراقية آنذاك أن تستغل حكم قتل المرتد لتصفية غرماء سياسيين، مما جعل العلواني يفكر في هذا الحكم من أبعاده المختلفة، ولكنه كما يقول تأخر في هذا البحث لأسباب كثيرة سرد مجملها في كتابة، ولكنه قال ما يراه في النهاية.

يبدأ العلواني في الحديث عن دعوى الإجماع على قتل المرتد، ثم يؤكد على أن الإجماع لا ينعقد لوجود المخالف في القرون الأولى، كقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رهط بني بكر بن وائل حين ارتدوا والتحقوا بالمشركين وقتلهم المسلمون في المعركة: ” لأن أكون أخذتهم سلماً كان أحب إلي مما على وجه الأرض من صفراء أو بيضاء، قال “أنس بن مالك رضي الله عنه”: وما كان سبيلهم لو أخذتهم سلماً ؟ قال عمر رضي الله عنه: كنت أعرض عليهم الباب الذي خرجوا منه، فإن أبو استودعتهم السجن” رواه البيهقي وعبد الرزاق وصححه ابن حزم في المحلى، ورأي الإمام إبراهيم النخعي ” يستتاب المرتد أبداً”  كما في نيل الأوطار للشوكاني، وهذا ما يراه الإمام سفيان الثوري حسب نقل العلواني.

ثم يفصل في الاستغلال السياسي لحد الرد، ويرجع الخلط بين الديني والسياسي إلى أسباب عديدة، بالإضافة إلى وجود التراث اليهودي الشفوي في جزيرة العرب، والذي يشير إلى قتل من يخرج على اليهودية. يرى العلواني أن الفتوحات الإسلامية أضافت إلى نسيج الأمة المسلمة بلاداً لها نظم وأعراف وقوانين، أصبحت تتفاعل مع العقل الفقهي الإسلامي، كما أن أسباب حروب الردة في عهد الصديق رضي الله عنه لم تكن واضحة تماماً، فبين أخذ الدين بمعناه الشامل، والذي يبرز فيه التشريع والحاكمية والنظام العام والحكم، وكلها تندرج – كما يؤكد العلواني- تحت الشريعة، فلم يوجد حد فاصل بين العقيدة والشريعة في هذا المجال، وأن حروب الردة كانت موجهة ضد “مواطنون” تخلوا عن التزاماتهم وواجباتهم باعتبارهم أعضاء في الأمة، كما يلحق الدراسة بأسماء الأئمة الذين اتهموا بالردة فقتلوا حداً أو لم ينفذ فيهم الحكم، كالشهرستاني، والحافظ المزي، وأحمد بن نصر الخزاعي، وأبو حيان التوحيدي وغيرهم.

وبعد البحث في مفهوم الحد بين القرآن والفقه، ومصطلح الحدود، يعرج على الأدلة أدت إلى القول بالردة، فيؤكد على أن آيات القرآن كلها لم تذكر حداً للردة أو عقوبة دنيوية عليها.

أحصى العلواني ما يقارب المئتين آية في حرية الإنسان وأن الشريعة كفلت له الحرية في خيارته العقدية، فلا إكراه على الدين، وأن حرية الاعتقاد مقصد من مقاصد الشريعة، وفصل في سبب نزول قوله تعالى “لاإِكْرَاهَفِيالدِّينِ” وذكر من الآيات التي تؤكد حرية الاعتقاد، كقوله تعال” وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَكَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ” وقوله تعال: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًالَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا” وغيرها من الآيات التي لم تحدد عقوبة دنيوية على الردة، ثم يبحث الكاتب في وقائع الردة في عهد الرسول علية الصلاة والسلام، ويتحدث عنها بشيء من التفصيل، حيث يخرج بنتيجة أن من قتل من المرتدين لم يقتل لتغييره اعتقاده، بل قتل لأسباب أخرى، إما النفس بالنفس، أو حد للحرابة، ولم يقتل الرسول من ارتد بعد حادثة الإسراء والمعراج، حتى بعد حين، وذكر من أسماء المرتدين عبيد الله ين جحش، والسكران بن عمرو، وكاتب بني النجار، وهؤلاء لم يقتلوا. والرسول عليه الصلاة والسلام قبل شفاعة عثمان بن عفان رضي الله عنه في عبدالله بن أبي سرح، وهو من المرتدين عن الإسلام، ومن كتاب الوحي السابقين، والرسول أمر بقتله ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة يوم الفتح، لكنه قبل شفاعة عثمان رضي الله عنه، ولم يقتله، ويعد العلواني هذا دليل على أن قتل المرتد لا يعتبر حداً شرعياً، بل حكماً سياسياً على من يهاجم الإسلام ويتربص بالمسلمين، وإلا لما تهاون في تطبيقه الرسول عليه الصلاة والسلام وهو القائل لأسامة بن زيد رضي الله عنه في قصة المخزومية التي سرقت” أتشفع في حد من حدود الله.. ولو أن فاطمة ..” الخ الحديث الشريف.

ويسرد العلواني قائمة من المرتدين الذين قتلوا بأمر الرسول عليه الصلاة والسلام لأسباب “جنائية” كمقيس من صبابة الليثي الذي ارتد وقتل أحد الأنصار وهرب، وعبدالله بن خطل الذي قطع الطريق وقتل رجلاً من الأنصار بعثه الرسول معه، وحرض على قتال الرسول الكريم، وتحدث عن حادثة نفر قبيلة عكل الذين قتلوا الراعي وسرقوا الإبل، وارتدوا عن الدين، وكيف أن كل هؤلاء لم يقتلوا لتغيير اعتقادهم، بل لمحاربتهم الرسول الكريم، والفساد بالأرض.

ثم تحدث العلواني عن ظاهرة النفاق، وأن عدم قتل الرسول عليه الصلاة والسلام للمنافقين مع أنه يعرفهم، يعزز قوله بأن المرتد لا يقتل، وإلا لقتلهم الرسول عليه الصلاة والسلام حداً، ولم تأخذه في الله لومة لائم، وفي هذا الصدد يقول الإمام الشافعي “وقد آمن بعض الناس ثم ارتد ثم أظهر الإيمان، فلم يقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم” نقله البيهقي في معرفة السنن والآثار، وقال ” أنه لم يقع في شيء من المصنفات المشهورة أنه صلى الله عليه وسلم قتل مرتداً ولا زنديقاً” ونقله العيني في شرح البخاري.

ثم يبحث في السنة القولية، وحديث الرسول عليه الصلاة والسلام ” من بدل دينه فاقتلوه” ويتحدث عن إشكاليات الحديث في طرقه وأسانيده ومتنه، حيث فصل في آفة تقديم الحديث على القرآن الكريم، وتحدث عن أن الحديث حديث آحاد، ومرسل في بعض طرقه، وفي بعض رجاله إشكاليات فصلها في بحثه.

ثم تحدث عن مذهب الفقهاء، وأن لهم دليلين هما: تصحيح حديث “من بدل دينه فاقتلوه” وأنهم اعتبروه عاماً في كل من غير دينه، حارب أم لم يحارب، وخصصوا به عموم القرآن، والدليل الثاني: دعوى الإجماع، والتي فصل في بعض إشكالاتها في هذه المسألة، وبعد أن سرد المسألة في مذاهب الفقهاء، أكد على تداخل السياسي بالعقائدي في هذه القضية، وأنها برمتها قضية سياسية تتعلق بتهديد الأمن القومي “بالمصطلح الحديث” ولا يبنى الحكم على محض تغيير الاعتقاد، وإلا لناقض الحكم مقاصد الشريعة في حرية الاعتقاد و “لاإِكْرَاهَ فِي الدِّينِ”.

كما أن ما يعزز هذا الجانب، تناول الفقهاء لقضية الردة في مجال قضايا القتال، ولم يضعوها في أبواب الحدود، وهذا ما فعلة المالكية حين وضعوا حكم الردة في باب الدماء،  والأحناف حين وضعوا حكم الردة في باب القتال، وقالوا بعدم قتل المرأة المرتدة أبداً، ويقول الدكتور محمد سليم العوا في كتابة “الحق في التعبير”: والأحناف يخصصون عموم الحديث بالمرأة المرتدة، لأنها لا تُقتل عندهم، ويعللون ذلك بأن المرأة لا تقاتل.

الدكتور طه جابر العلواني، ولد في العراق سنة 1935م، حاصل على الشهادة العليا من كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر سنة 1959م، والماجستير كذلك عام 1968م، والدكتورة في أصول الفقه عام 1973م، وعمل أستاذاً للفقه وأصوله في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض من سنة 1975م إلى سنة 1985م، وشارك في تأسيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي في الولايات المتحدة سنة 1981م، وهو عضو المجلس التأسيس لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، وعضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة، ورئيس المجلس الفقهي لأمريكا الشمالية، وله العديد من المؤلفات بالعربية والإنجليزية، ومنها الاجتهاد والتقليد في الإسلام، وأدب الاختلاف في الإسلام، وأصول الفقه الإسلامي: منهج بحث ومعرفة، والأزمة الفكرية المعاصرة: تشخيص ومقترحات علاج.

كتاب “لا إكراه في الدين: بحث في إشكالية الردة والمرتدين من صدر الإسلام إلى اليوم” صدر عن مكتبة الشروق الدولية، الطبعة الأولى سنة 2003م، والثانية بالاشتراك مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي سنة 2006م، ويقع في 198 صفحة من القطع الكبير.

رابط إلكتروني لتحميل الكتاب :

http://www.4shared.com/office/Ls1aKdHO/_____.html

سبب سعادة القرود

لا أعرف قردا واحدا – من بين كل القردة التي قابلتها في حياتي على الأقل – يتعاطى البروزاك (مضاد للإكتئاب) أو يشكو من قردة هجرته، أو يدخن سيجارته بعمق بعد أن فشل في توفير المال لسداد قسط منزله، أو يدفن له القليل من عصير التفاح ليتحول إلى نبيذ لذة للقردة الشاربين، أو يبحث عن قردة مسيار للزواج، أو بعقد عرفي.

لم أجد قردا يدافع في موقع تواصل اجتماعي للقردة بضراوة عن شيخ عشيرتهم القردية، أو يعتبرها أفضل من باقي العشائر، فلا قرد البامبو يرى قردة الشامبانزي أكثر أصالة من قردة الفليمنج، ولا يخطف قرد الماندريل قردا من فصيل إنسان الغاب ليحلل مستوى ذكاءه ثم يقرر بأنه أغبى من باقي القرود، ثم يأتي قرد من فصيلة الجيبون لينسف هذه الأفكار ويصفها بأنها مجرد أيديولوجيا لا تستند لمعطى علمي، ويؤلف منهج النقدية القردية.

لو حاولت التفتيش عن سبب سعادة القرود، قد أجد الكثير من الإجابات : لا توجد حكومة تعتقلهم تعسفيا، لا يمتلكون قضاة يمارسون الفوضى الخلاقة في أحكامهم على باقي القردة، لا يوجد قرد قادر على تشبيك مزرعة موز والاحتفاظ بها له وحرمان أقرانه القردة منها، والأهم من هذا كله: لا يوجد قرد يأمر باقي القردة بالسكوت لأنهم يعيشون في “أمن وآمان”، وأخيرا: لا يوجد قرد ممثل يدعى براد بت.

حقيقة كل هذا الإجابات مغلوطة، القردة تعيش في سعادة لأن لا أحد بينهم يستخدم “الكوت رتويت” ولا يوجد من يرد على قرد أخر بقوله “إذا مو عاجبك رح لمجموعة قردة أخرى” أو على الأرجح لا يوجد بينهم قرد سيجيبك على كل حرف تقوله بكلمة “طيب وش أسوي لك” ..القردة من التعقل والتآني بحيث أنها لا تفعل مثل تلك الرذائل.

لكن على الأرجح ليس هذا هو السر. سر سعاد القرود باختصار بأنها غير قادرة على تخيل سيناريو مستقبلي. القرد يهرب فور رؤيته لخطر ما، لكنه لا يهرب من “خطر ما” قبل أن يقترب ويراه. لا يتخيل القرد أي مخاطر، ثم يعكف على تدمير حياته من أجل تلك المخاطر المتخيلة، ثم لا تأتي تلك المنغصات، بعد أن يكون القرد قد تعاطى البروزاك وعانى الأرق، وفقد قدرته الجنسية، وأصيب بأمراض السكري والقولون وأدمن على أفلام البورنو.

اللحظة الراهنة يا ابن …

كل المشكلة أننا لا نعرف كيف سينتهي كل هذا الأمر، نبدأ به، ونخوضه، نسير إثر خطاه، نتبعه، ونتيه في طرقاته، ولكننا حقيقة لا نعرف أي شيء عما سيحدث – إذا استثنينا أن العالم سنيتهي في 21/12/12 – فلا شيء يبدوا موكدا سوى شعورنا بالتيه..  التيه والألم.

دائما ما كان الحديث عن السعادة مرتبط بالحديث عن “العيش في اللحظة الراهنة”  و”الاستغراق في لحظتنا ” دع التفكير في الماضي وعذاباته، المستقبل وما هو  غيب في حياتك، وركز كل تفكيرك في لحظتك الراهنة ، لتعش السعادة الحقيقية.. جميل لكن هذا مجرد هراء.

إذا استثنينا أن اللحظة الراهنة هي لحظة بائسة اقتصاديا وسياسيا في كل العالم، وقلنا بأني أعيش بأنانية كافية لأصم أذني عن كل هذا، وأعيش لنفسي فقط، ومحيط أصدقائي في الإستراحة أو من أتابع في تويتر، فتبقى مقولة “اللحظة الراهنة” هراء أيضا.

حتى لو استثنينا كون بعض الشباب السعودي يشجع نادي النصر مما يسبب لهم عذابات مستمرة لا حد لها .. تبقى حكاية اللحظة الراهنة هراء أيضا.

حتى بالنسبة لعشاق الفنانة “مدونا” تبقى مقولة اللحظة الراهنة مجرد هراء، مدونا التي لا أحد أبدا اهتم بعرضها بأن تتعرى لو فاز باراك أوباما بفترة رئاسية ثانية، وقد فعل، ولا أدري إن فعلت، لأني لا أهتم.

حتى لو كنت من عشاق المطرب الإيرانية قوقوش واكتشفت أنها عادت للغناء قبل 13 سنة بعد انقطاع 30 سنة ، ستبقى مقولة اللحظة الراهنة مجرد هراء.

حتى وإن كنت من عشاق الفنان عوض دوخي وبالمصادفة سمعت له أغنية لم تسمعها من قبل، واستغرقت في لحظتك الراهنة، ستبقى هراء، حتى لو لم ينقطع الإنترنت أو يحبط تحميل الصفحة من موقع اليوتيوب. اللحظة الراهنة مجرد ترهات.

حتى لو فرحت بطلاق الفنانة صباح للمرة الألف، وقررت أن حلم طفولتك أصبحا قريب المنال، بل حتى لو كنت الزوج رقم ألف للفنانة صباج، ستبقى اللحظة الراهنة مجرد هراء.

لا يوجد شيء حقيقي يسمى “اللحظة الراهنة” لا توجد “لحظة راهنة” بل نحن رهائن لماضينا ومستقبلنا ومحكومون بهدر حاضرنا لهذا.

لا توجد لحظة راهنة لأننا مفتونون بالنهايات، والبدايات. لأنها دائما تسأل: ماذا أحببت بي عندما شاهدتني أول مرة ؟ وهل ستتركني؟ لأنها تفعل هذا.. ولأنك تكرر ذات الإجابات المملة،  فلا معنى لأي لحظة راهنة.

لا معنى للحظة الراهنة وأنت تتنظر بداية دراستك، نهاية دراستك، تخرجك، نتيجة اختباراتك، ونتائج قبولك، موعد المقابلة الشخصية للوظيفة الجديدة، موعدك في السفارة لإصدار فيزا هجرة، موعدك في المحكمة سبب رتويت ارتكبته  قد يكلفك خمس سنوات سجن وثلاث ملايين غرامة، موعد والدتك في المستشفى، موعد مباراة الديربي في الليجا، موعد سفر زوجة صاحبك لكي تواعد حبيبتك في شقته، موعد حصولك على رخصة قيادة، موعد موت حماتك لكي ترتاح من غثيانها على أذنيك ، ونتائج الاستفتاء على دستور بلدك … عفوا: نتيجة التصويت على بناء المراحيض في بلدك.

لا معنى للحظة الراهنة وأنت تنتظر راتبك أخر الشهر، وتنظر لحسابك البنكي كل دقيقة ولا تهدأ حتى تغير الرقم..لصالحك.

كيف يمكن أن أعيش في اللحظة الراهنة وأنت ترى حياتنا بكل هذا التعقيد والتشابك، هل أنت مجنون؟

من يخبرك بأن مفتاح السعادة هو أن تعيش في الحظة الراهنة، خذه واتركه في وسط الربع الخالي، وقل له: عش لحظتك الراهنة يا ابن …

http://www.wadmadani.com/html/mustafa/m014.htm

http://www.youtube.com/watch?v=yF6kqS7xFek