عرض لكتاب الشيخ د.طه جابر العلواني “لا إكراه في الدين” حول حد الردة في الإسلام

“لا إكراه في الدين: بحث في إشكالية الردة والمرتدين من صدر الإسلام إلى اليوم” الكتاب الذي استغرق إعداده ما يزيد عن عقد من الزمن، كما يؤكد المفكر العراقي الدكتور طه جابر العلواني، يبحث فيه حكم الردة عن الإسلام في القرآن الكريم والسنة النبوية وأقوال الفقهاء وحوادث التاريخ، ويحاول أن يبحث في سياقات الأدلة ومرادها، وتطبيقاتها من عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، حتى لحظتنا الراهنة.

يبدأ الكتاب في سرد قصة مرت بالعلواني سنة 1963م، وهي التي جعلته يفكر في حكم قتل المرتد في الإسلام، حيث حاولت السلطة السياسية العراقية آنذاك أن تستغل حكم قتل المرتد لتصفية غرماء سياسيين، مما جعل العلواني يفكر في هذا الحكم من أبعاده المختلفة، ولكنه كما يقول تأخر في هذا البحث لأسباب كثيرة سرد مجملها في كتابة، ولكنه قال ما يراه في النهاية.

يبدأ العلواني في الحديث عن دعوى الإجماع على قتل المرتد، ثم يؤكد على أن الإجماع لا ينعقد لوجود المخالف في القرون الأولى، كقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رهط بني بكر بن وائل حين ارتدوا والتحقوا بالمشركين وقتلهم المسلمون في المعركة: ” لأن أكون أخذتهم سلماً كان أحب إلي مما على وجه الأرض من صفراء أو بيضاء، قال “أنس بن مالك رضي الله عنه”: وما كان سبيلهم لو أخذتهم سلماً ؟ قال عمر رضي الله عنه: كنت أعرض عليهم الباب الذي خرجوا منه، فإن أبو استودعتهم السجن” رواه البيهقي وعبد الرزاق وصححه ابن حزم في المحلى، ورأي الإمام إبراهيم النخعي ” يستتاب المرتد أبداً”  كما في نيل الأوطار للشوكاني، وهذا ما يراه الإمام سفيان الثوري حسب نقل العلواني.

ثم يفصل في الاستغلال السياسي لحد الرد، ويرجع الخلط بين الديني والسياسي إلى أسباب عديدة، بالإضافة إلى وجود التراث اليهودي الشفوي في جزيرة العرب، والذي يشير إلى قتل من يخرج على اليهودية. يرى العلواني أن الفتوحات الإسلامية أضافت إلى نسيج الأمة المسلمة بلاداً لها نظم وأعراف وقوانين، أصبحت تتفاعل مع العقل الفقهي الإسلامي، كما أن أسباب حروب الردة في عهد الصديق رضي الله عنه لم تكن واضحة تماماً، فبين أخذ الدين بمعناه الشامل، والذي يبرز فيه التشريع والحاكمية والنظام العام والحكم، وكلها تندرج – كما يؤكد العلواني- تحت الشريعة، فلم يوجد حد فاصل بين العقيدة والشريعة في هذا المجال، وأن حروب الردة كانت موجهة ضد “مواطنون” تخلوا عن التزاماتهم وواجباتهم باعتبارهم أعضاء في الأمة، كما يلحق الدراسة بأسماء الأئمة الذين اتهموا بالردة فقتلوا حداً أو لم ينفذ فيهم الحكم، كالشهرستاني، والحافظ المزي، وأحمد بن نصر الخزاعي، وأبو حيان التوحيدي وغيرهم.

وبعد البحث في مفهوم الحد بين القرآن والفقه، ومصطلح الحدود، يعرج على الأدلة أدت إلى القول بالردة، فيؤكد على أن آيات القرآن كلها لم تذكر حداً للردة أو عقوبة دنيوية عليها.

أحصى العلواني ما يقارب المئتين آية في حرية الإنسان وأن الشريعة كفلت له الحرية في خيارته العقدية، فلا إكراه على الدين، وأن حرية الاعتقاد مقصد من مقاصد الشريعة، وفصل في سبب نزول قوله تعالى “لاإِكْرَاهَفِيالدِّينِ” وذكر من الآيات التي تؤكد حرية الاعتقاد، كقوله تعال” وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَكَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ” وقوله تعال: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًالَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا” وغيرها من الآيات التي لم تحدد عقوبة دنيوية على الردة، ثم يبحث الكاتب في وقائع الردة في عهد الرسول علية الصلاة والسلام، ويتحدث عنها بشيء من التفصيل، حيث يخرج بنتيجة أن من قتل من المرتدين لم يقتل لتغييره اعتقاده، بل قتل لأسباب أخرى، إما النفس بالنفس، أو حد للحرابة، ولم يقتل الرسول من ارتد بعد حادثة الإسراء والمعراج، حتى بعد حين، وذكر من أسماء المرتدين عبيد الله ين جحش، والسكران بن عمرو، وكاتب بني النجار، وهؤلاء لم يقتلوا. والرسول عليه الصلاة والسلام قبل شفاعة عثمان بن عفان رضي الله عنه في عبدالله بن أبي سرح، وهو من المرتدين عن الإسلام، ومن كتاب الوحي السابقين، والرسول أمر بقتله ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة يوم الفتح، لكنه قبل شفاعة عثمان رضي الله عنه، ولم يقتله، ويعد العلواني هذا دليل على أن قتل المرتد لا يعتبر حداً شرعياً، بل حكماً سياسياً على من يهاجم الإسلام ويتربص بالمسلمين، وإلا لما تهاون في تطبيقه الرسول عليه الصلاة والسلام وهو القائل لأسامة بن زيد رضي الله عنه في قصة المخزومية التي سرقت” أتشفع في حد من حدود الله.. ولو أن فاطمة ..” الخ الحديث الشريف.

ويسرد العلواني قائمة من المرتدين الذين قتلوا بأمر الرسول عليه الصلاة والسلام لأسباب “جنائية” كمقيس من صبابة الليثي الذي ارتد وقتل أحد الأنصار وهرب، وعبدالله بن خطل الذي قطع الطريق وقتل رجلاً من الأنصار بعثه الرسول معه، وحرض على قتال الرسول الكريم، وتحدث عن حادثة نفر قبيلة عكل الذين قتلوا الراعي وسرقوا الإبل، وارتدوا عن الدين، وكيف أن كل هؤلاء لم يقتلوا لتغيير اعتقادهم، بل لمحاربتهم الرسول الكريم، والفساد بالأرض.

ثم تحدث العلواني عن ظاهرة النفاق، وأن عدم قتل الرسول عليه الصلاة والسلام للمنافقين مع أنه يعرفهم، يعزز قوله بأن المرتد لا يقتل، وإلا لقتلهم الرسول عليه الصلاة والسلام حداً، ولم تأخذه في الله لومة لائم، وفي هذا الصدد يقول الإمام الشافعي “وقد آمن بعض الناس ثم ارتد ثم أظهر الإيمان، فلم يقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم” نقله البيهقي في معرفة السنن والآثار، وقال ” أنه لم يقع في شيء من المصنفات المشهورة أنه صلى الله عليه وسلم قتل مرتداً ولا زنديقاً” ونقله العيني في شرح البخاري.

ثم يبحث في السنة القولية، وحديث الرسول عليه الصلاة والسلام ” من بدل دينه فاقتلوه” ويتحدث عن إشكاليات الحديث في طرقه وأسانيده ومتنه، حيث فصل في آفة تقديم الحديث على القرآن الكريم، وتحدث عن أن الحديث حديث آحاد، ومرسل في بعض طرقه، وفي بعض رجاله إشكاليات فصلها في بحثه.

ثم تحدث عن مذهب الفقهاء، وأن لهم دليلين هما: تصحيح حديث “من بدل دينه فاقتلوه” وأنهم اعتبروه عاماً في كل من غير دينه، حارب أم لم يحارب، وخصصوا به عموم القرآن، والدليل الثاني: دعوى الإجماع، والتي فصل في بعض إشكالاتها في هذه المسألة، وبعد أن سرد المسألة في مذاهب الفقهاء، أكد على تداخل السياسي بالعقائدي في هذه القضية، وأنها برمتها قضية سياسية تتعلق بتهديد الأمن القومي “بالمصطلح الحديث” ولا يبنى الحكم على محض تغيير الاعتقاد، وإلا لناقض الحكم مقاصد الشريعة في حرية الاعتقاد و “لاإِكْرَاهَ فِي الدِّينِ”.

كما أن ما يعزز هذا الجانب، تناول الفقهاء لقضية الردة في مجال قضايا القتال، ولم يضعوها في أبواب الحدود، وهذا ما فعلة المالكية حين وضعوا حكم الردة في باب الدماء،  والأحناف حين وضعوا حكم الردة في باب القتال، وقالوا بعدم قتل المرأة المرتدة أبداً، ويقول الدكتور محمد سليم العوا في كتابة “الحق في التعبير”: والأحناف يخصصون عموم الحديث بالمرأة المرتدة، لأنها لا تُقتل عندهم، ويعللون ذلك بأن المرأة لا تقاتل.

الدكتور طه جابر العلواني، ولد في العراق سنة 1935م، حاصل على الشهادة العليا من كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر سنة 1959م، والماجستير كذلك عام 1968م، والدكتورة في أصول الفقه عام 1973م، وعمل أستاذاً للفقه وأصوله في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض من سنة 1975م إلى سنة 1985م، وشارك في تأسيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي في الولايات المتحدة سنة 1981م، وهو عضو المجلس التأسيس لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، وعضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة، ورئيس المجلس الفقهي لأمريكا الشمالية، وله العديد من المؤلفات بالعربية والإنجليزية، ومنها الاجتهاد والتقليد في الإسلام، وأدب الاختلاف في الإسلام، وأصول الفقه الإسلامي: منهج بحث ومعرفة، والأزمة الفكرية المعاصرة: تشخيص ومقترحات علاج.

كتاب “لا إكراه في الدين: بحث في إشكالية الردة والمرتدين من صدر الإسلام إلى اليوم” صدر عن مكتبة الشروق الدولية، الطبعة الأولى سنة 2003م، والثانية بالاشتراك مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي سنة 2006م، ويقع في 198 صفحة من القطع الكبير.

رابط إلكتروني لتحميل الكتاب :

http://www.4shared.com/office/Ls1aKdHO/_____.html

One thought on “عرض لكتاب الشيخ د.طه جابر العلواني “لا إكراه في الدين” حول حد الردة في الإسلام

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s