عبرة ذوي الألباب في رحلتي من دبوس مهاب إلى بيضة يبلكها الكلاب

بعد أن جاوز الستين من عمره، محتضنا الآيباد بيده، وأمامه تل من قوارير الماء الفارغة، وكاسات الشاي متراكمة عن يمينه. سأله ابنه: مالي أراك متجهما يا قرة العين؟  هنا تنهد الأب، وبدأ بسرد قصته بنبرة حزن عميقة:

يا ولدي، كنت قبل أربعين سنة شابا يافعا، كان الصقر يقف على شاربي، وكان الجميع يهابني. تارة كنت اتقمص شخصية مناضل شيوعي فأدخل في الخلايا السرية، أحضر اجتماعاتهم وأوزع منشوراتهم، حتى تأتي ساعة الصفر فننقض عليهم ونرميهم في السجون كالفئران.

كنت اجتمع أحيانا مع عناصر بعثية وناصرية، واكتب عن نشاطاتهم السرية التقارير، حتى نكتشفهم خلية خلية، وفردا فردا، ونصطادهم كالقطط. حتى انتهى كل هذا، وجاءت لحظة جهيمان وما بعدها، فأطلقت لحيتي، وبدأت بحضور المحاضرات الدعوية المملة، وتتبع تلك التنظيمات الإسلامية والحركات التخريبية من أخوان وسرورية وغيرها، نسجل الملاحظات ونرفع التقارير.

انطلقت الشائعات في الحي بعد عقدين من الزمان بأني “دبوس” كان الجميع يرتبك عندما أدخل إلى المجلس، والجميع يخاف من أن ينطق كلمة في حضوري، عندها بدأت مهمتي مختلفة، فبدل متابعة الناس أصبحت اختبرهم، بدأت انتقد موظف البلدية وانتظر ردود أفعال الناس، واسخر من ارتباكهم لأني “اسب الحكومة” ، وبدل أن أعمل مع أشخاص يحيطون بي ويعرفون عني بدأت بالسفر إلى مدن أخرى لا يعرفني فيها أحد، وأحاول الاندماج في مجموعات لاكشف أسرارهم، واهتك أستارهم، وأنقذ البلاد من تخريبهم، والحكومة من طغيانهم وعربدتهم.

كانت أياما جميلة، فلم يكن المال وبدل السمعة وغيرها وافرا فقط، بل حتى العمل كان ممتعا. فتارة تتلبس دور مناضل بعثي وتوزع المنشورات ، وأخرى تتقمص هيئة شاب حركي بلحية كثيفة، وتوزع أشرطة الكاسيت، حتى يثقوا بك وترميهم في السجون لعقود.

آه يا ابني اليوم تغير كل شيء  ..

لم تعد الهيبة هي الهيبة، ولا الهيئة هي الهيئة، أصبحت اليوم كما ترى: لا شيء لا شيء.

(هنا أجهش الأب بالبكاء ثم واصل السرد لابنه)

اليوم تغير الحال، كبر سني، ولم أعد قادرا على الخروج ميدانيا، بل العمل الميداني برمته اختلف، لم يعد أحد يوزع منشورات أو يعقد حلقات فكرية سرية، أصبح كتاب مبادئ الشيوعية يباع في المكتبات، وخطابات عبدالناصر تتوفر على اليوتيوب، ولا أحد يقوم بحجبها حتى! عبدالناصر ذاك الذي كانت صورته جريمة والاستماع لخطبة جناية أصبح اليوم لا يعني أي شيء!.

المخيف يا ابني، بأن الناس أصبحوا أكثر جرأة ووقاحة، يطالبون علنا بتغييرات سياسية، وينتقدون علنا الوزراء والأمراء، ويضعون صورهم وأسمائهم في “الأنترنييت” و “توييييتر” ، يتحدثون عن الشبوك! تخيل حتى أملاك حكام هذه البلاد لم تسلم من هؤلاء الأوغاد .. ثم أصبحوا يتجمعون في الشوارع ويرفعون اللافتات ! .. أما أنا ! ماذا أصبحت في النهاية!!!

(هنا بدأ يتمتم بلعن الربيع العربي)

لا شيء يا ابني لا شيء، مجرد .. أصبحوا يطلقون علينا مسمى بيضة!

أصبحت استخدم هذا الجهاز اللعين (يشير إلى الآيباد) واكتب تويتات ضد المفسدين بالأرض، كل نشاطي أصبح فضح هؤلاء الروافض الأخوانيين أتباع قطر وأمريكا وإسرائيل والصهوينية العالمية، عملاء جهاز الموساد والحرس الثوري الإيراني والمخابرات الأمريكية.

بعد أن كان الناس يهابوني، ويخافون إعطائي أسماءهم، أصبحت اتخفى تحت اسم مستعار في الإنترنت، والناس يشتمون ولي الأمر ويشتموني بأسمائهم الحقيقية! أي ذل بعد هذا يا بني !

أصبحوا يطلقون علي لقب بيضة يا بني .. بيضة!

(يجهش بالبكاء .. ويخرج من حساب “قامع الأخوان المفلسين ” ليدخل تارة أخرى بحساب “بنوتة في زمن الفساد”)

2 thoughts on “عبرة ذوي الألباب في رحلتي من دبوس مهاب إلى بيضة يبلكها الكلاب

  1. اروع تشخيص لحالة البيضة هو هذه التدوينة ، حسينا بمعاناتهم والله .بس تدري انه يوجد لدينا بيض بالفطرة يعني هو بيضة بدون مقابل لا راتب شهري ولابدل سمعة ولاهم يحزنون ،اعتقد ان هذا النوع من البيض يتطلب تشخيص جديد سيكون اصعب من هذا ..وبالتوفيق

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s