عندما يتفلسف العم توم: البليهي نموذجا!! .. بقلم: يوسف الصمعان

هنا مجموعة مقالات نشرت في صحيفة عكاظ خلال شهري يوليو وأغسطس 2009م للصديق الدكتور يوسف الصمعان، تناول فيها بالنقد مجمل أطروحة الأستاذ إبراهيم البليهي.

 

 

عندما يتفلسف العم توم: البليهي نموذجا!!

يوسف الصمعان

I

من العدالة أن نبارك الاهتمام غير المسبوق بالفلسفة تفكيرا ونصوص في الساحة السعودية، فحديثا وقبل أسابيع،بشرتنا الصحافة بتشكل أول حلقة فلسفية تختص بالمراجعات الفلسفية في النادي الأدبي بالرياض، كما أن المطالبة بتوسيع دائرة الاهتمام بالفلسفة أصبحت المطلب الرئيس للعديد من الكتاب في الإعلام السعودي وهذا جهد يسجل لهم ويشكرون عليه. هذا لايعني أن الثقافة السعودية كانت خالية تماما من الفلسفة. فإذا استثنينا كتب فلاسفة المغرب العربي التي حوصرت في المكتبات التجارية حقبة الثمانينيات وحتى منتصف التسعينيات لأسباب لاتخفى على أحد فإن الكتاب الفلسفي كان حاضرا في المكتبات العامة والتجارية السعودية. ولم يعدم التاريخ الثقافي السعودي ـ على قصر عمره نسبيا ـ أسماء انشغلت بالخطاب الفلسفي.
ومن هذا المنظور، يمكن القول إن كتابات إبراهيم البليهي بعد تحوله من الخطاب الإسلامي الشمولي القطبي إلى الهم الفلسفي مفيدة بل ومن أبرز ما كتب سعودي في هذا المجال. ولقد أثارت مؤخرا «مكاشفاته» في ملحق «الدين والحياة» في صحيفة «عكاظ» ردود فعل واسعة تجاوزت حدود البلاد، مما يدل على تأثيرها الحقيقي الناتج عن كونها لخصت بوضوح لا لبس فيه فكر الرجل وآراءه التي ضمنها كتبه المنشورة.
وأريد أن أقرر أولا أنني وإن لم أكن يوما متخصصا في الفلسفة إلا أنني تابعت كما كثيرين تلك المكاشفات. ولم أستطع مقاومة تسجيل بعض الملاحظات حول فكر البليهي وآرائه الفلسفية، من خارج الحلبة الأيديولوجية. وسأحاول الاكتفاء بتبيين بعض المعطيات التي تنزع ـ في زعمي ـ إلى هم واحد هو الكشف عن مدى التزام الأستاذ البليهي بالمنهج الفلسفي الذي يستند اليه ومعرفة مدى صحة المعلومات التي يقدمها.
ولعل كل من قرأ تلك المكاشفات بل وغيرها من نتاج البليهي يتفق معي أن كل آراء وأفكار البليهي تدور حول ثلاثة أفكار رئيسية هي:
ـ تفوق الحضارة الغربية على الثقافات الأخرى باعتبارها حضارة ممتدة منذ العهد اليوناني قائمة على العقلانية.
ـ التمييز الصارم بين الحضارة الإسلامية في هويتها الدينية المطلقة والحضارة الغربية في هويتها العقلانية، ومن ثم نفي أي دور حقيقي للفلاسفة المسلمين في الحضارة الإنسانية.
ـ أسبقية الفلسفة على العلم، والنظر إلى العلوم كتفريعات عن الفلسفة، وبالتالي ربط أي تنمية حقيقية باستيعاب الفلسفة.
ومن البديهي أن أقرر بداية موافقتي للأستاذ البليهي في رفضه للمنهج التمجيدي للذات السائد في الكتابات العربية، وللأقوال الرائجة حول مركزية الحضارة الإسلامية وأنها اكتشفت كل العلوم وسبقت الغرب الحديث في كل إنجازاته. فتلك رؤية ساذجة لا ندافع عنها.
ومن البديهي أيضا أنني لن أرجع في هذه التعليقات المقتضبة إلا إلى المراجع الرئيسية المعتمدة في الدوائر البحثية والأكاديمية الكبرى. ذلك لأنني لست مختصا بتفريعات العلوم الفلسفية ثم إن الرجوع إلى المراجع الكبرى المعتمدة هو أدعى إلى قبول المحاجة التي أقترحها من قبل صاحب الرأي المخالف وكذلك القارئ على حد سواء.
ولو بدأت بفكرة البليهي الأولى التي تقرر، تفوق الحضارة الغربية على الثقافات الأخرى باعتبارها حضارة ممتدة منذ العهد اليوناني قائمة على العقلانية، فهذه الفكرة تطرح ثلاث إشكاليات متمايزة: أحدها مفهوم الحضارة الغربية، وثانيها احتكارها ـ أي الحضارة الغربية ـ للفلسفة، وآخرها تفوقها العقلاني على الحضارات الأخرى.
فبخصوص الإشكالية الأولى، يرى البليهي أن هذه الحضارة هي نسيج واحد ممتد من المرحلة اليونانية ثم المرحلة الرومانية، انتهاء بالحقبة الحديثة والمعاصرة. يقول حرفيا: «إن حضارة الغرب نتاج ذاتها وليست مدينة لأي حضارة سابقة باستثناء الحضارة اليونانية التي هي امتداد لها وإحياء لفتوحاتها في مجالات الفكر والأدب والسياسة والاجتماع وتمجيد العقل».
ويطرح هذا التعريف مصاعب جمة أفقيا وعموديا، أي بحساب الموقع والزمان، باعتبار أنه ينطلق من مسلمة ضمنية بالقطيعة الجذرية داخل المجال المتوسطي بل وداخل المجال الأوروبي نفسه بين عالمين حضاريين متباينين، فضلا عن افتراض انفصال راديكالي بين العوالم الثلاثة الكبرى التي كانت تتوزع إليها البشرية في التاريخ القديم: العالم الروماني والعالم الفارسي والعالم الصيني.
وليس من الضروري هنا الرجوع للكتابات التاريخية الدقيقة التي بينت علاقات التداخل الكثيفة بين هذه العوالم الثلاثة. ونكتفي بالإشارة إلى أن أهم الاكتشافات الإنسانية الكبرى كالكتابة والزراعة والطباعة والبارود…حدثت الحضارة الغربية.
ففضلا عن موقع بلاد اليونان القديمة جغرافيا وثقافيا (الأصح أنها ظلت دوما جسرا للتواصل بين الشرق والغرب)، فإن الحدث الفكري الهائل الذي ارتبط بها وهو الفلسفة ليس من المسلم انه إنتاج ذاتي وإبداع لا سابق له.

II

فبخصوص هذه الإشكالية الثانية المتعلقة باحتكار الحضارة الغربية للفلسفة، يتعين الإقرار أن ثمة مدرسة واسعة أبرز ممثل معاصر لها هو الفيلسوف الألماني الأشهر مارتن هايدغر الذي يعتبر الفلسفة نصا يونانيا مرتبطا بخصوصيات لغوية ودلالية لا تتوفر خارج اللسان اليوناني وما يتيحه من إمكانات تفلسف (تتوفر اليونانية وحدها على فعل للكينونة مما يفسر أن سؤال الوجود الذي هو سؤال الفلسفة خاص بالسياق اليوناني).
ولعل هذه هي الخلفية التي استند إليها البليهي (ولا أظنه اطلع بعمق على هذه الأطروحة العصية). إلا أن هذا الرأي مردود عليه من وجهين :تاريخ الأفكار والفلسفة.
فمن حيث تاريخ الأفكار، تؤكد كثير من الأدلة الدقيقة أن الفلسفة وإن ظهرت لدى اليونان في شكلها المكتمل، إلا أن لها جذورا غير يونانية. وبعيد جدا عن خلدي القول المتسرع السطحي بأن الفلسفة اليونانية ليست سوى نسخة من أصل مصري ضائع.
ومع ذلك لو رجعنا إلى نصوص الفلاسفة اليونان أنفسهم لوجدناهم لا ينكرون مرجعيتهم المصرية. ولنكتف تجنبا للتفاصيل المملة بعرض مثالين ساطعين على هذه الحقيقة. فهذا أفلاطون في كتاب «الجمهورية» يذكر بوضوح أن الفيلسوف الأول طاليس تلقى كل تكوينه من الكهان المصريين. وتلك هي المعلومة نفسها التي يذكر ازوقراطيس متحدثا عن فيثاغوروس الذي أقام في مصر «ومنها جاء بالفلسفة». ولا نستنتج من هذا إنكار الإبداع اليوناني، ولا كون الفلسفة اكتملت في القرن السادس قبل الميلاد في بلاد الإغريق، وإنما حسبنا الإشارة إلى العلاقات العضوية بين الحكمة المصرية والفلسفة اليونانية. ولعل تفسير هذه العلاقة راجع إلى دور الرياضيات في تشكل السؤال الفلسفي (لنا عودة للموضوع).
ومن حيث التعريفات الفلسفية نفسها، لا ننكر أن المدرسة السائدة التي لها جذور أرسطية تعرف الفلسفة بأنها سؤال الوجود من حيث هو وجود. ومن ثم الاستنتاج بأنها خاصة بالفكر الغربي. إلا أن هذا التعريف غير مسلم، لا قديما أو حديثا، كما أن حصر سؤال الوجود في نمط التناول اليوناني ليس أيضا موضوع اتفاق.
فالفلسفة يمكن فعلا أن تعرف بسؤالها الجوهري الذي هو سؤال الوجود، لكنها لا تنحصر فيه، والدليل على ذلك أنها في حقبتها الراهنة نبذت هذا السؤال الذي اعتبره نيتشة من أوهام الدين وأمراضه.
وتتمحور تعريفات الفلسفة اليوم حول ثلاثة محاور رئيسية :محور التساؤل الإشكالي المرتبط بوجود الإنسان (سارتر، كارل ياسبرز…)، محور السياق التأويلي للفهم والمعرفة والإدراك (المدرسة الظاهراتية)، محور السياق اللغوي واللساني (البنيوية والتفكيكية والفلسفات التحليلية والبرغماتية). بهذه المعاني يمكن القول إن الفلسفة ليست خطابا معرفيا خاصا بأمة أو ثقافة، وإنما هي أوجه التساؤل والنقد والقلق الإشكالي التي لا تخلو منها أي حضارة. وكل ثقافة قادرة على ممارسة التفلسف في سياقها التداولي، بالتزام شرط البناء المفهومي الذي اعتبره جيل دلوز الخاصية الوحيدة للفلسفة.
ثم إنه من غير الصحيح أن الفلسفة اليونانية هي وحدها التي تناولت إشكالية الوجود، وإنما الأصح أنها حولته إلى ميتافيزيقا بنفس ديني في مرحلة لاحقة (وإن كان نيتشة يقول بتهكم إن مؤسس الميتافيزيقا هو المسيح وليس أفلاطون). ولقد أميط اللثام مؤخرا عن النصوص الكبرى في الفلسفة الهندية التي لا تقل عمقا ولا ثراء إشكاليا أو روحا نقدية عن الفلسفة اليونانية، مثل كتاب الفيلسوف الهندي البوذي الكبير كاندراكرتي (القرن 7 قبل الميلاد) المعنون «الشرح الواضح».
ولقد كان الفيلسوف الفرنسي الكبير ميشال فوكو يقول في آخر حياته إن الفلسفة الغربية لم يعد بإمكانها أن تنتج نسقا مكتملا، وإن الخيار الوحيد المتاح لها هو الصدام الخلاق مع الثقافات الشرقية الكبرى.
فهذه النظرة الاستعلائية التي يتبناها البليهي ترديدا لنغمة مركزية معروفة في الفكر الغربي (موضوع الإشكالية الثالثة) لا تستقيم لبنائها التفوق الغربي على الطابع العقلاني المحض للحضارة الغربية.
فالبليهي لا يعرف لنا العقلانية، هل هي عقلانية التأمل والجدلية الصورية لدى اليونان، أم هي الوعي بالذات المتمحورة حول نفسها لدى ديكارت، أم هي العقلانية التجريبية الوضعية؟

III

ولنمر في هذه الحلقة إلى مناقشة الفكرة الرئيسية الثانية عند البليهي المتعلقة بالتمييز الصارم بين حضارة النقل الإسلامية وحضارة العقل الغربية ومن ثم نفي أي دور حقيقي للفلاسفة والعلماء المسلمين في الحضارة الإنسانية. إن هذه الفكرة تطرح إشكالين كبيرين يحيل أولهما إلى مسلمة القطيعة المعرفية بين الحضارتين. ويتعلق ثانيهما بمعيار الفصل أي ثنائية النقل والعقل.
فبخصوص الموضوع الأول ( القطيعة المعرفية بين الحضارتين ) يبدو أن معلومات الأستاذ البليهي لا تتجاوز الانطباعات السريعة والقراءات السطحية. وإلا كيف يجهل أن حضور الثقافة اليونانية بجانبها الفلسفي مكين وتجذر في البيئة العربية، حتى قبل الإسلام. ولا أدل على ذلك أن القرآن الكريم الذي نزل بلسان قريش يتضمن كلمات من أصول يونانية كالسماء والزخرف… وهي أسماء استقرت منذ عهد طويل في المعجم العربي وصارت جزءا منه. وكيف غاب عنه أن العملتين الوحيدتين اللتين عرفهما التاريخ العربي الإسلامي وهما الدرهم والدينار سميتا باسمين يونانيين، مما يرمز لعمق العلاقة بين المجال العربي والعالم اليوناني.
وليس من الصحيح أن التأثير الفلسفي اليوناني لم يتجاوز في الثقافة الإسلامية بعض الوجوه القليلة (كالفارابي وابن سينا وابن رشد )، وقد اعتبرهم البليهي مجرد مقلدين لا إبداع لهم، كما أنهم شاذون محاربون ومعزولون وأشبه بالصعاليك داخل الحضارة الإسلامية.!!!
أما كون أولئك مجرد مقلدين فخطأ بديهي بالنسبة لايقره القارئ النشط فضلا عن المتخصص. فلا أحد يجهل أن نظرية النبؤة لدى الفارابي لم يسبق لها وإن كان استخدم في بنائها عناصر فلسفية متنوعة من أرسطو وأفلوطين، كما أن نظرية الوجود لدى ابن سينا إبداع فلسفي كبير، وكذا شروح ابن رشد لأرسطو ونظريته في التأويل… ولا نطيل في هذا الموضوع الذي يعرفه جيدا المختصون.
من المعروف تاريخيا أن آخر مدرسة فلسفية في أثينا قد أغلقت عام 529 لأسباب دينية، في حين شهدت ترجمة النصوص الفلسفية اليونانية إلى العربية نهضة كبرى منذ القرن الثاني الهجري. وقد ترجمت بالفعل كل نصوص أفلاطون وأرسطو وأفلوطين تقريبا (باستثناءات قليلة).كما أن بعض النصوص اليونانية ضاعت أصولها ولم يبق منها سوى بعض الترجمات العربية كبعض أعمال جالينوس وأفلوطين وبعض الشروح على أرسطو. وتنفرد المصادر الإسلامية بذكر نصوص يونانية، مما يدل على حجم الانتشار الكبير للفكر اليوناني في المجال. ويذكر ابن النديم في فهرسته ما يزيد على 66 مترجما من اليونانية إلى العربية، مما يبين أن مجهود نقل الفلسفة اليونانية كان واسعا وعميقا.
وإذا انتقلنا إلى المضامين، تأكدت لنا تلك الحقيقة. فكيف يمكن القول إن الفلسفة اليونانية كانت معزولة وشاذة في المحيط الإسلامي، والحال أنها تغلغلت بعمق في هذا المحيط حتى ضمن العلوم الشرعية. فلا أحد يجهل أن المنطق الأرسطي الذي هو خلاصة الفلسفة الأرسطية كلها أصبح منذ القرن الرابع الهجري من المرتكزات المنهجية الأساسية لعلمي الكلام والأصول، إلى حد أن الغزالي الذي حارب الفلاسفة وكفرهم كتب بوضوح «أن من لم يتمنطق لا يوثق بعلمه». كما أن نظرية النفس الأفلوطينية التي هيمنت على الفكر اليوناني في مرحلته الأخيرة تبناها المتصوفة وعلماء التربية والفقهاء، مما
لايحتاج لبيان.
والأدق هو القول أن الفكر اليوناني تحول إلى قلب النظام المعرفي الإسلامي وأصبح جزءا لا يتجزأ منه.
وليس صحيحا القول إن الفلاسفة المسلمين حافظوا فقط على التراث اليوناني وسلموه للغرب المحدث دون أن يكون لهم تأثير في تشكل الفلسفة الحديثة.
فمن البديهيات أن حركة الفلسفة والعلم في العالم العربي الإسلامي الوسيط كان لها تأثير حقيقي في حركية النهضة ثم التحديث.
ولنبدأ بعصر النهضة، حيث نلمس أن تيار «الإنسانيين» الذين ظهروا في القرن الرابع عشر رافعين شعار الإصلاح والخروج من قبضة الكنيسة وإعلاء شأن الإنسان، قد استفادوا بتصريح منهم من كتابات الفلاسفة والعلماء المسلمين. ومن أبرز هؤلاء الإيطالي جيوفاني ديلا ميراندولا الذي ألف كتابا بعنوان «في الكرامة الإنسانية» قال فيه بوضوح : «لقد قرأت في كتب العرب أنه ليس ثمة في الكون شيء أكثر روعة من الإنسان».
وهذا أدلير أوف باث (ت 1142م) يقول ملمحا إلى التأثير الثقافي العربي القوي على معاصريه : «إن في جيلنا عيبا متجذرا فيه. إنه يرفض جميع ما يبدو أنه صادر من عند المحدثين. ولذلك فإني أقدمها لهم بصورة تجعلهم يعتقدون أني استقيتها من دراساتي العربية» (نقلا عن الجابري الذي نقل الاستشهاد عن المؤرخ الفرنسي الكبير لوغوف).
أما تأثير الفكر العربي على فلاسفة الأنوار فله شواهد أكيدة. فهذا مندلسون يعترف أنه تأثر بابن ميمون تلميذ ابن رشد. كما أن فلسفة ابن رشد نفسه كانت محور نقاش فلسفي مطول بين الفيلسوفين الألمانيين الكبيرين كانط وهردر.

IV

لايمل الأستاذ البليهي التشكيك في تهميش دور حركة العلوم العربية على العقل التجريبي الحديث. ويحلو له دائما الرد على كل شهادة غربية بدور علماء الحضارة العربية بالقول: إن المجاملة هي من طبيعة الغرب المتحضر !!.ولست أحيل هنا إلى الكتب الدعائية السطحية التي قد يتهمها البليهي بالمجاملة، وإنما أدعو إلى قراءة أعمال كبار مؤرخي العلم المشهود لهم بالكفاءة الأكاديمية في كبريات الجامعات الغربية ومراكز الدراسات والبحوث. ومن أهم هؤلاء الكسندر كويري ورشدي راشد
وتوماس جولد شتاين وهنري هونغار.. وقد أثبتوا بالدليل الساطع أن كتب العلوم العربية قد ترجمت على نطاق واسع وساهمت في دفع الحركة العلمية في الغرب الحديث.
ولنكتفي بهذا الاستشهاد من كويري في كتابه «دراسات في تاريخ الفكر العلمي» الذي يعده المختصون من أهم كتب تاريخ العلم:
«إن العرب هم الذين كانوا معلمي ومربيي الغرب اللاتيني.لقد شددت على كونهم معلمين مربين وليسوا فقط مجرد وسطاء، كما يروج بكثرة، بين العلم اليوناني واللاتيني، لأنه إذا كانت الترجمات الأولى للأعمال الفلسفية والعلمية اليونانية إلى اللغة اللاتينية لم تتم مباشرة بالعودة إلى النصوص اليونانية وإنما بتوسط الأعمال العربية، فإن ذلك لم يكن سببه فقط عدم وجود من يعرف اليونانية في الغرب ولكن أيضا، وربما خاصة، لأنه لم يكن بإمكان أي شخص غربي في ذلك الحين أن يفهم كتبا بتلك الدرجة من الصعوبة كفيزياء أرسطو أو ميتافيزيقاه، أو ماجيست بطليموس، والتي بدون مساعدة من الفارابي وابن سينا وابن رشد، لم يكن للاتينيين أن يتوصلوا إلى فهمها أبدا».
فهل بعد هذه الشهادة من اعتراض؟، لا أريد الاستطراد في سياق الإسهامات المهمة لعلماء الحضارة الإسلامية فهذا ليس من هم هذه التعليقات. أريد فقط أن أحيل البليهي إلى أهم دورية علمية في هذا الكوكب (مجلة نيتشر نوفمبر 2006) ولا أظنه يستطيع اتهام هذه الدورية بالمجاملة. وأريد ولو مرة واحدة أن استشهد بشيء من تخصصي الطبي. فالعالم والطبيب جوديونج الرئيس السابق للمعهد الوطني الأمريكي للصحة النفسية أكبر مركز لدراسة العقل وأمراضه في العالم يقول في كتابه عن اضطراب المزاج الوجداني ثنائي القطب وهو أهم مرجع في هذا المرض حتى اليوم، يقول قودوينج: إن ابن سيناء سبق النمساوي كربلين ومعاصريه في توصيف العلاقة المشتركة بين اضطرابي المزاج أحادي وثنائي القطب. (جودوينج 1990 طباعة أكسفورد).
أما إشكال الفصل بين نقلية الحضارة الإسلامية وعقلانية الحضارة الغربية فيستدعي وقفة مقتضبة. يكرر البليهي هذه المقولة في مكاشفاته وفي كل كتبه، فيقول بوضوح: «ثقافتنا ثقافة نقل لا ثقافة عقل». ويضيف: «حضارتنا حضارة دينية وفقهية. إنها مستغرقة في تفاصيل ما يجب على المسلم أن يفعله ويكف عنه في علاقته مع الله وتفاعله مع الآخرين».
والواقع أن البليهي لم يستوعب الدرس الأساسي لفلسفات التأويل المعاصرة التي أجمعت على أنه لا عقل إلا من خلال نص سابق مفكر فيه، وأن كل ثقافة مهما بلغت في العمق الفلسفي والرصانة العقلانية إنما تنطلق من قواعد للتعقل ومعايير للحقيقة ليست في ذاتها عقلانية. فلكل نظام معرفي ضوابط معيارية للفصل بين المعقول واللامعقول والحقيقة والخطأ. وليس ثمة علاقة مباشرة بين عقل ثابت مطلق ووجود يتم تعقله، فما بين الواقع والعقل حاجز النص الذي ينتج الدلالة والمعنى.
وكما قال أحدهم فإن العقلانية تقتضي مسلمة إيمانية أولى هي الإيمان بالعقل حجة ودليلا. ولذا ليست الحضارة الإسلامية أكثر نصية أو أقل عقلانية من الحضارة الغربية، كما أن الحضارة الغربية لا تقل نقلية عن الحضارة الإسلامية. وبيان ذلك هو ما يلي: إن الفلسفة الغربية ليست قديما أو حديثا سوى قراءات متتالية لنصوص مؤسسة هي الأصول المرجعية للخطاب العقلاني الغربي.
بل إن هايدغر أكبر فلاسفة الغرب المعاصرين يقول بوضوح: إن الفلسفة كلها خرجت من شذرات فلاسفة ما قبل سقراط الذين صاغوا سؤال الوجود. وما بينته مناهج العلوم الإنسانية المعاصرة بالدليل القاطع هو أن كل نسق يحمل في آن واحد تركة دلالية هي سمته النقلية (الجانب المرجعي في النص) ومساحة إبداعية ثرية هي مجال التأويل والممارسة العقلانية.
وإذا كانت الحضارة الإسلامية خرجت من النص، فذلك لا ينفي كونها أنتجت تقاليد عقلانية خصبة ورصينة من خلال عملية تأويل نصوصها المرجعية. والدليل هو العلوم والمعارف المتنوعة التي أفرزتها هذه الحضارة من علوم خادمة مباشرة للنص وان حققت بعديا استقلاليتها الابستومولوجية (كالنحو والبلاغة وعلم الأصوات..) إلى علوم للطبيعة التي لم تكن لتظهر لولا الخلفية العقدية الحافزة لها أي فكرة تسخير الطبيعة ونزع القداسة عنها وتكريس البعد التجريبي للمعرفة. وكما هو بديهي لدى كل من له أدنى اطلاع في الفلسفة المعاصرة تقاس القيمة العقلانية لثقافة ما بتركيبة نظامها المعرفي أي بعدد علومها وتنوع مناهج هذه العلوم وخصوبتها النظرية.
فما هو العقل دون نص ؟ أليس مجرد تأمل فارغ في الذات ممتنع في الواقع ؟ وما هو العلم دون نقل ؟ ألا يتطلب كل علم ثقة في المسلمات والأدوات المرجعية والمنهجية الخاصة به؟.
أما كون الحضارة الإسلامية خرجت من الدين. فلا يقدح ذلك في عقلانيتها. ومن الواضح أن البليهي انساق هنا ـ دون أن يجرؤ على إعلانها صراحة ـ خلف مسلمة زائفة منتشرة على نطاق واسع هي مسلمة التعارض الجذري بين الفلسفة والدين. فعلى الرغم من الاختلاف الجلي بينهما، إلا أن الفلسفة والدين يلتقيان في المنبع العميق الذي هو تساؤل الإنسان حول وجوده ومصيره. والمعروف أن الفلسفة تستوحي مفاهيمها وتصوراتها من الخطابات الأخرى، وفي مقدمتها الدين. ولقد بين مؤرخو الفلسفة المعاصرون أن أهم المفاهيم الفلسفية المعاصرة كالذات والتمثل والسيادة… ترجع إلى القاموس اللاهوتي.
وأغلب الفلاسفة القدماء والمعاصرين استوعبوا الدين في أنساقهم الفلسفية، بما فيهم أكثرهم بعدا عن الدين وإلحادا فيه. فما القول في إله ديكارت الضامن لتناسب العقل والطبيعة؟ وما القول في إله لايبنتز الحاسب وإله سبينوزا الذي يتماهى مع الطبيعة وإله هيغل الذي يتماهى مع التاريخ وإله هايدغر المنتظر الذي هو وحده الذي «يمكن أن ينقذنا»؟..
وحتى الفلاسفة الذين رفضوا الدين ونقدوه وخرجوا عليه لم يكونوا أقل اهتماما بالدين ولا تقديرا لأثره في واقع الناس، ولا أحد منهم استطاع بالدليل العقلي إبطال الدين أو البرهنة على عدم صحته. بل إن الفلسفة الحديثة انتهت منذ كانط إلى الفصل المنهجي بين الفلسفة والدين. أعني أنها انتهت إلى أن الحقيقة العلمية هي غير الحقيقة الإيمانية دون قطيعة أو مواجهة بينهما.

V

أما الفكرة الثالثة فتتعلق بعلاقة الفلسفة بالعلم، أي النظر إلى العلوم «كتفريعات عن الفلسفة»، ومن ثم تفسير المأزق التنموي الإسلامي بالثغرات الفلسفية. ولا بد هنا من الوقوف عند إشكالين يتعلق أولهما باختبار صحة تفرع العلوم عن الفلسفات، ويتعلق ثانيهما بعلاقة الفلسفة بالتنمية.
فبخصوص الإشكال الأول: لا أذكر أحدا قبل البليهي قال إن العلوم تتفرع عن الفلسفة، إلا إذا كان القول الممجوج الساذج بأن العلوم الإنسانية تفرعت من الفلسفة. والواقع هو أن الفلسفة وإن كانت ليست علما ولا تخضع لمناهج العلوم، إلا أنها لا تمارس نشاطها التساؤلي الإشكالي خارج سياق العلم. ولذا قال الفيلسوف الفرنسي جان توسين دزانتي: «إن كل فلسفة تستبطن علم عصرها»، بمعنى أنها تستثمر إمكاناته النظرية وآفاقه الدلالية.
وقد بين مؤرخو الفلسفة علاقة نشأة الفلسفة بالعلم الأول الذي هو الرياضيات، مستذكرين كلمة أب الفلاسفة أفلاطون التي سطرها على أبواب مدرسته: «لا يدخلن علينا من لا يكون عالما بالهندسة».
أما الفيلسوف الألماني الكبير كانط فعبر عن ذلك بقوله: «إن أول من أدخل استخدام العقل استخداما نظريا ونسبت إليه أولى خطوات الذهن البشري في الثقافة العلمية هو طاليس مؤسس الفرقة الأيونية. وقد اعتبر فيزيائيا رغم أنه كان أيضا رياضيا. إن الرياضيات هنا كشأنها في أماكن أخرى سبقت دائما الفلسفة».
أما الفلسفة الحديثة التي بدأت مع ديكارت فلا يمكن أبدا فصلها عن نشأة الفيزياء التي كان ديكارت نفسه من أبرز العلماء الذين دشنوها. ويمكن تفسير الشك الديكارتي بأنه ناتج عن غياب مرجعية علمية للفلسفة إثر انهيار العلوم الوسيطة، في حين لا يمكن فهم منهجه الفلسفي إلا باعتباره صياغة نظرية للأفق الفكري الذي نتج عن الفيزياء، ومن هنا برزت عبارته المشهورة التي لخص فيها مشروعه: «البحث عن المعرفة التي تجعلنا سادة وملاكا للطبيعة».
ولا يخفي كانط الذي درس الرياضيات والفيزياء والفلك وكرمته أكاديمية برلين للعلوم عام 1757م لاكتشافه الفلكي حول دوران الأرض، أي مايقرب من ربع قرن من عقد الصمت الكانتي الذي توج بكتابه نقد العقل الخالص.
لايخفي كانط أن فيزياء نيوتن هي مرجعيته العلمية، وأنها بوصلة «التوجه الفلسفي»، وقد لخص إشكاليته كلها في الجواب على سؤال إبستمولوجي دقيق هو «كيف يكون العلم ممكنا»؟..
أما الفلسفات الوضعية التي أرادت أن تكون مجرد شروح للعلم فلا تحتاج إلى أن نقف عندها، بقدر ما لا نحتاج إلى الوقوف عند الفلسفات المعاصرة التي لا تنفصل أبدا عن العلوم الإنسانية.
أما الإشكال الثاني فيتعلق بعلاقة الفلسفة والتنمية. والواقع أنه من الغريب القول إن الفلسفة هي أساس التنمية. فمن جهة، يتعين التنبيه أن الفلسفة لا تغطي جوانب الفكر، بل إنها مجرد نمط منهن حتى لو كان لا بد من الاعتراف بميزاتها العقلانية النقدية.
والحقيقة هي أن التنمية بالمفهوم الاقتصادي والاجتماعي
لاصلة لها بالتفلسف. والدليل هو أن الفلسفة كما يقول هايدغر انسحبت في عصر التقنية، ولم يعد لها وجود حقيقي خارج اجترارها لتاريخها وندبها لموتها الذي أعلنه نيتشة وأكده فوكو ودريدا..
والدول الأكثر نموا وتقدما لاحضور فيها للفلسفة، وإلا أين الفلسفة في الولايات المتحدة الأمريكية؟ أليست مجرد درس أكاديمي معزول في جامعات متخصصة؟ وأين هي في الصين العملاق الجديد حيث لا تزال تهيمن الإيديولوجيا الماركسية في صيغتها الماوية الفقيرة؟، وهل تطورت اليابان بالفلسفة أم بصناعتها الإلكترونية الباهرة؟..
وحاصل الأمر.. إن الفلسفة خطاب نظري خاص بنخبة محدودة قديما وحديثا، ولا تحتكر العقلانية أو الفكر. وأخطر ما يمكن أن تتعرض له الفلسفة هو تحويلها إلى إيديولوجيا. وذلك ـ في زعمي ـ ما فعل البليهي عفا الله عنه.

VI

أزعم أنني جادلت في الحلقات الخمس الماضية محاولا هدم ثالوث البليهي الفكري وهو عنوان مشروعه الفكري وملخص طرحه في ربع القرن الماضي. جادلت في الحلقتين الأوليين لإبطال فكرة أسبقية الحضارة اليونانية وأنها ليست مدينة للحضارات التي سبقتها وما تبع ذلك من دعوى البليهي في تفرد واحتكار الحضارة الغربية للفلسفة .وجادلت في الحلقتين الثالثة والرابعة لإبطال فكرته حول التمييز الصارم بين الحضارة الإسلامية في هويتها الدينية المطلقة والحضارة الغربية في هويتها العقلانية، ومن ثم نفي أي دور حقيقي للفلاسفة المسلمين في الحضارة الإنسانية وأزعم أيضا أنني بينت في الحلقة الخامسة أن فكرة البليهي الثالثة ألا وهي أسبقية العلم على الفلسفة والنظر للعلم كتفريعات للفلسفة ومن ثم تفسير العجز التنموي الإسلامي إلى ثغرات فلسفية هي من مفردات الأستاذ البليهي.
وبالرغم من أن هم هذه المقالة تقتصر على مناقشة أفكار البليهي الثلاث. إلا أنني لا أستطيع مقاومة التنبيه إلى بعض المغالطات التاريخية التي وقع فيها الأستاذ البليهي لا لشيء إلا ليمجد ذاته ويتخاشى الاعتراف بأي من درجات القصور، أو للتصعيد في سباب كل ماحوته تجربتنا التاريخية الإسلامية من إضاءات قد نختلف في درجة أهميتها.
في سؤال من المحاور عن اعتمادية البليهي على الترجمات مشيرا ـــ أي المحاور ـــ إلى أنه لايقرأ النصوص الفلسفية بأي من اللغات العالمية. كان المتوقع من أي مثقف أن يعترف أولا بهذا القصور فمن المحال أن تتقن أيا من العلوم دون إتقان إحدى اللغات العالمية. وكان المتوقع ثانية أن يبكي المثقف حالة الترجمة العربية بفرعيها الرسمي والتجاري، ولا يضيره بل ربما كان لزاما عليه أن يعلن أن المثقف العربي هو واقع تحت رحمة المترجم بفرعيه الرسمي والخاص اللذين لم يهتديا الطريق إلى ما يتوجب ترجمته. وأن حركة الترجمة إلى العربية هي ضمن الأقل عالميا نسبة إلى عدد السكان. ويكفيه أن يذكر بأسى أن جل ما تزكيه أوبرا وينفري مثل كتاب (THE SECRET) قد ترجم إلى العربية بعد نشره بأشهر بينما لازالت الكثير من كتب الفيلسوف العظيم كارل بوبر لم تترجم بعد ولا أدري كيف يطلع عليها من لايجيد إحدى اللغات العالمية؟. وربما لزمه أن يشارك القارئ ألمه وخيبته أنه كمهتم بالفلسلفة لايجد أيا من الدوريات الفلسفية المحكمة تترجم للعربية. بل وأن أشهر مجلة علمية في العالم (الطبيعة) لاتترجم إلى العربية .. و لدي مايثبت أن هذه الدورية (الطبيعة) ومنذ أحدثت خدمة الترجمة إلى اللغات الأخرى قبل ربع قرن لم يطلب منها أي مؤسسة أو فرد عربي ترجمة ولو مقال واحد إلى العربية!! كل هذا تجاوزه البليهي ليقول للقارئ أن أمانويل كانط لم يكن يتقن إلا الألمانية ومع هذا أبدع فلسفيا . ولو تحاشينا الدلالات النفسية لإيراد أمانويل كانت ضمن هذا السياق وهو ما أتمنى أن أكون مخطئا فيه فإن مافات البليهي حقائق عديدة. أولها أن كانت كان قد درس العبرية (كي يدرس اللاهوت) واللاتينية (وهذا أشبه بالتقليد لطلاب الفلسفة حينها)، وأن الروايات القوية أنه كان يقرأ الفرنسية. وثانيها أن أمانويل كانت ألماني في القرن الثامن عشر حيث كانت الألمانية لغة العالم الأولى. كيف يسمح البليهي لنفسه القادمة من خلفية شرعية وهو المدرك أنه تحت رحمة المترجم في كل مايقرأ أن يشبه نفسه ضمنا بكانت.؟
في قراءته للتاريخ الإسلامي لايتردد البليهي إلى إعلان ما يشبه الاستنتاجات التاريخية حتى يدعم نظريته في هجاء التاريخ الإسلامي . والتاريخ هو أولا أخبار ونصوص ثم التحلبل والاستنتاج. من أمثلة ذلك قوله إن مصر تشيعت أيام اللدولة الإسماعيلية الفاطمية هذا غير صحيح، فالفاطميون وإن أقاموا مؤسسات شيعية كبرى بما فيها جامع الأزهر يدعى لإمامهم على منبره كما يدعى له في الحرمين، إلا أنهم وعلى الأقل طوال حكم تسعة من أئمتهم العشرة حرصوا على مداهنة أهل السنة بمذاهبهم «وكان أهل الستة يظهرون شعائرهم ومن استفتى عن حكم أجيبـ» ومن هنا ففكرة البليهي أن مصر تشيعت إبان الفاطميين هي واحدة من أوهامه التي تنسجها ذهنيته الموتورة أحيانا تجاه تاريخنا. لم تتشيع تونس دولة المنشأ للفاطميين ولا مصر ولا الحجاز.
لا أحد ينكر جدلية وتداخل السياسي والديني في التاريخ البشري بما فيه الإسلامي. مشكلة البليهي أنه حتى هذه لا يجيد قراءة النصوص والأخبار لكي يتهيأ له توظيفها لخدمة فكرته (هجاء التاريخ العربي الإسلامي).. هو يقصر العناء على نفسه وينتج الأخبار والنصوص من رأسه.
يمكن أن أدعي أن الفتح الإسلامي في مجمل تاريخه لم يكن مهووسا بقهر الناس على الديانة ويكفي البليهي أن يدرك أن الأندلس التي كانت بالنسبة للمسلمين فردوسا أرضيا واستولوا عليها إبان ذروة مجدهم العسكري، إلا أنهم لم يرحلوا أحدا من سكانها رغم إدراكهم لخطورة كونهم أقلية إذ لم تتجاوز نسبة المسلمين 27 بالمئة.. (انظر الحبابي). وليس من الصعب مقارنة المشهد فيما فعله المسيحيون بالمسلمين بعد سقوط آخر مواطنهم غرناطة.
لكن البليهي يصعد في سخريته من التجربة التاريخية الإسلامية، ولا ضرر بالنسبة إليه من ادعاء آخر يريد أن يقرر فيه وحشية مؤسس دار الحكمة المأمون. يقول البليهي عن المأمون: «حين انتصر على أخيه الأمين سلخ جلده كما يسلخ الخروف» ولا أعلم مؤرخا واحدا نقل هذا الخبر، بل المتواتر في كتب التاريخ التقليدية (الطبري وابن كثير وابن الأثير) أن من قتل الأمين هو طاهر بن حسين وكل كتب التاريخ التقليدية ـــ وهي في جلها سنية غير متعاطفة مع المأمون لاعتزاليته وميوله التشيعية ـــ لا تحكي احتفالية ذي الأربعة وعشرين عاما المأمون بمقتل أخيه الأصغر الأمين، بل إن بعضها يروي ندمه واعتذاره لزبيدة وانتقامه من طاهر بن الحسين. ما لا يرويه البليهي أنه وطوال حصار بغداد الذي قارب الحول.. كان المجتمع المدني البغدادي قادرا على حكم نفسه بنفسه رغم فراغ السلطة. وهذا ما لم يستطعه الجيش الأمريكي عندما دخل بغداد واستبيح فيها الإنسان والمتحف وما سلم إلا وزارة النفط لتشرف على الأنبوب.

VII

البليهي يلخص التاريخ الإسلامي بقوله هو : «سلسلة من تطوبعات الثقافة لأهواء البشر». ولا شك أن الأهواء تلعب دورها في تاريخ كل الأمم. لكن البليهي ربما يجهل أن تاريخنا في العصر الوسيط ربما هو الأقل تمثيلا لهذه المقولة. بل أدعي بثقة إن التاريخ الأوروبي الذي يتماهى معه البليهي هو أكثر تمثيلا لمقولته. على البليهي أن يراجع كيف انتشرت الميسحية في أوروبا أولا. ولعله أيضا يراجع الحراك المذهبي المسيحي في أوروبا. سأكفيه والقارىء بهذا المثال: بعد سبعمائة سنة من وفاة المأمون
(الذي لايحفظ له البليهي إلا دعوى كاذبة بنزع جلد أخيه الأمين). أراد هنري الثامن الكاثولوكي المتعصب حينها
والمحارب الأول للتبشير البروتستانتي في انجلترا، أراد هنري الثامن الزواج من كاثرين أريجون أرملة أخيه آرثر وابنة فريدناند وأيزابيلا. ولأن الزواج من أرملة الأخ محرم في الكنيسة الكاثوليكية. مارست إبزابيلا وهنري الثامن ضغوطات على البابا جوليوس الثاني وأصدر فتوى خاصة
(Papal bull) لإتمام هذا الزواج المهم سياسيا. ولأن كاثرين لم تنجب إلا ابنة واحدة (ماري) وكان يفضل صبيا يرثه رغم أن نظام العرش يسمح بتوريث البنت. فشل هنري الثامن في استصدار فتوى من البابا سليمنت السابع لإبطال زواجه من كاثرين واعتبار ابنته ماري غير شرعية. كان هذا الفشل لأن البابا في قبضة تشالز الخامس وهو ابن أخت كاثرين وما كان ليرضى الإمبراطور تشارلز أن يصدر البابا الذي هو تحت أسره فتوى خاصة تضر خالته كاثرين وابنتها ماري. من هنا قام هنري الثامن الذي كان قد عشق آنا بولين (وهي شقيقة إحدى مومساته). قام بإنشاء الكنيسة الإنجلبكانية البريطانية والانفصال تماما عن الكاثوليكية الرومانية، وأبدى دعما للبروتستانت وأصبح الملك البريطاني (حتى اليوم) رئيسا للكنيسة. تزوج من آنا لكنها لم تنجب له إلا صبية واحدة (اليزابيث) ولرغبته الشديدة في ابن يرثه اتهمها بالخيانة وأعدمها.. بمعنى إرادة ملكية تسببت بها نزعة (عاطفية حتى لانقول هرمونية أندروجينية) غيرت مسيرة المسيحية في أوروبا.
في المقابل فإن الأسماء التي أوردها البليهي في حواره ماستطاعت أن تفعل شيئا حتى وإن اهتوت. فالمأمون الذي حكم عشرين عاما وكان عالما ومن النظار وما حفظ القرآن من الخلفاء إلا ابن عفان والمأمون. المأمون ثم اثنان من إخوانه ( المعتصم والواثق ) ما استطاعوا تغيير الأمة إلى فكرة خلق القرآن (أو الاعتزال كما عند بعض المؤرخين) وسواء كان هذا سلبا أو إيجابا إلا أنه يبطل دعوى البليهي في أن التاريخ الإسلامي كان «سلسلة من تطوبعات الثقافة لأهواء البشر»، سواء في سجالي لثالوث البليهي أو في الأمثلة الأخيرة التي أوردتها لأقترح أن سباب البليهي للتجربة التاريخية الإسلامية هي متحاملة وغير موضوعية ومتماهية في إعجابها بالآخر. السؤال المشروع: لماذا تقترن الليبرالية عند البعض ( كما البليهي ) لهذه النمط الفكري ؟؟.
في بداية هذه المقالات اقترحت أن الحقائق التاريخية تخبرنا أن الفلسفة والفكر والثقافة تلاحق العلم (كانت يلاحق نيوتن، بوبر يلاحق إنشتاين) وقبله فكر مابعد الدارونية. في منطقتنا حيث لاحراك علمي.. الحالة مختلفة. المثقف لاهم له إلا ملاحقة الأحداث. فلدينا النكسة وأكتوبر والثورة الخمينية وكامب ديفيد وجهيمان وحرب الكويت وانهيار السوفيت وسبتمبر 11 وغزو العراق وغيرها. المثقف هنا تغيره الأحداث أو قل هي السبب الرئيسي في إعادة تشكله. الأحداث لا التفكير ولا القراءات هي مايغير المثقف، وليس من الحصافة أن يبرئي أحد نفسه. هذا يؤدي إلى التشكل السريع للعقلية المثقفة (Rapid Reformatting). ومن طبيعة التشكل السريع أن يؤدي إلى تغيير في المنتج دون تغيير حقيقي في الأدوات ودون النضج المنهجي. هذه التقلبات السريعة للمثقفين يمكن تسميتها تجاوزا في موضوعنا الذي نناقشه
(Born Again Liberals) أو المعمودية الليبرالية. من العدالة أن نقرر أن الحركة هي بكل الاتجاهات مع تغيير فقط في (المصطلحات) لتوصيف كل حالة. شاهدنا ذلك في المد الإسلامي مابعد النكسة ثم الخمينية. وشاهدنا ذلك في تحول اليسار العربي بعد البيروستوريكا. ونشاهده الآن مع تشكل الليبرالية. لو قبلنا أدبيات دارسي (الولادة الجديدة) فإن العقل الجديد المعمد ينتقل للتمذهب الجديد وهو هنا الليبرالية في المحتوى دون الأدوات والتحلليل. بل يدعي دارسو (الولادة الجديدة) أن المتمذهب الجديد يبقى على نفس أدواته السابقة ــ السلفية في حالة البليهي ــ مع الشلل التحليلي والعمى تجاه المعطيات (data blindness) والدوغمائية وصفات أخرى ليست محل اهتمامنا كالتبشير ورؤية ذاته على أنه مخلص (أنظر لويس رامبو 98 وديفيد أوين 2008). وليس أدل على ماذكرت هو خطاب البليهي نفسه فهو ينادي بالعقلانية كخير مطلق دون أن يعرفها لنا (أنظر الحلقة الثانية). وهو يرى الليبرالية شيئا واحدا وخيرا مطلقا وغيرها ضلال مبين «فما بعد الحق إلا الضلال». وهو كثيرا يرفض أي حلول جزيئة كما في إجابته عن حقوق المرأة في السعودية صارخا: «إن الإنسان لم يأخذ حقه» وكأنه يذكر بعبارة سيد قطب الشهيرة «خذوا الإسلام كله أو دعوه»..
إذا استثنينا التزام البليهي بالمتن الديني الرسمي الذي نستطيع تفهمه فإن كل نتاجه هو هجاء مطلق لحالنا وتاريخنا بعضه من بقايا الكتاب الإسلامي المعاصر وبعضه من قراءات فلسفية أزعم أني جادلت في أنها لامنهجية يقابله تماه ومديح مطلق للآخر الغربي ومن هنا أتى هذا العنوان.

روابط المقالات في صحيفة عكاظ:

http://www.okaz.com.sa/new/index.cfm?method=home.authors&authorsID=525