العروبة والديمقراطية: علاقة الانتماء القومي بالدولة الوطنية

لو تحدثنا عن الحالة السعودية، سنجد ألا تعارض بين الانتماء القومي العروبي من جهة، وبين الدفع باتجها الإصلاح السياسي الداخلي من جهة أخرى. فالإصلاح السياسي داخل الدولة من خلال بناء عقد اجتماعي بين الدولة والمواطنين قائم على مفاهيم المواطنة والديمقراطية والعدل الاجتماعي أمر مطلوب وله الأولوية، ويجب السعي باتجاهه ودعمه، شرط أن يتم هذا ضمن حل لمعضلة الانقسامات الطائفية والقبلية والمناطقية، فلا يتم تفضيل أسرة أو قبيلة أو طائفة لتتمتع بامتيازات أكثر من سواها. وهذا ما يبدو بأنه غير وارد لا من خلال التجربة التاريخية للدولة، ولا من خلال رؤية الطبقة السياسية المهيمنة على خيراتها حاليا، ولا حتى مقارنة بدول عربية أخرى حاولت تعزيز هوية قطرية وطنية فانتهت إلى تفتت النسيج الاجتماعي طائفيا وقبليا. أغلب من يطرح مسألة الهوية السعودية اليوم هو من اليمين الليبرالي المدافع عن الأوضاع القائمة، الذي لا يدعو إلى عقد اجتماعي بين الشعب والحاكم لبناء دولة ديمقراطية، بل يريد أن يخلق هوية سعودية من خلال مناهج التربية الوطنية في المدارس أو التأكيد على أهمية رقم السجل المدني، باستثناءات محدودة بالتأكيد، حيث هناك قلة من المنافحين عن الهوية الوطنية السعودية بالتوازي مع الحديث عن تحول ديمقراطي أو في إطار إصلاحي شامل.

أهمية الحديث عن الهوية العربية في هذا السياق هو كونها هوية جامعة تتعالى على الانقسامات الطائفية والقبلية والمناطقية، فالعروبة تجيب على سؤال الهوية السياسية للشعب، ليكون الاختلاف بينهم في ظل إطار مشترك هو الانتماء للأمة، يرى الفيلسوف الكندي ويل كميلكا في هذا الإطار أن بناء دولة مواطنة هو المنطقة الوسط بين الرؤية الليبرالية لحقوق الأفراد، والرؤية الجمعانية لمسأل الانتماء، يقول كميلكا ” البحث عن سبيل لتجاوز التعارض بين الفردانية الليبرالية والجماعتية وقبول المطالب المتعلقة بالعدالة الليبرالية وتلك المقترنة بالانتماء إلى جماعة. وقد كانت، بلا ريب، فكرة المواطنة الفكرة المرشحة لإنجاز هذا العمل. فهي حميمة الصلة بالأفكار الليبرالية حول الحقوق الفردية وحقوق الملكية من جهة، وبأفكار الجماعتية حول الانتماء إلى جماعة والتشبث به من جهة أخرى. فهي تمدنا إذن بمفهوم يجسّر الهوة بين الليبراليين والجماعتيين ويجعل الحوار بينهما ممكنا.”  ويتبنى هذه الرؤية كذلك عزمي بشارة بتنظيراته حول “دولة المواطنة” التي تجمع جميع المواطنين بحقوق متساوية بغض النظر عن أديانهم وعرقياتهم.

كما أن محاولة فرض أيديولوجيا قومية شمولية على الشعوب أمر محال كما حصل في العراق / سوريا إبان تجربة حزب البعث، والتي انتهت نهايات دموية الأولى باحتلال ثم حرب طائفية والأخرى بثورة سلمية ثم عسكرية ثم حروب بالوكالة وصراع أهلي.  فإن محاولة صنع هوية وطنية قائمة على التعاقد الاجتماعي بين شعب وحاكم، أمر محال إن كان يراد منه عزل الشعوب العربية عن محيطها، ففي الحالة العربية لا يمكن أن تصنع هوية وطنية كبديلة عن هوية الشعب العربية / الإسلامية. وفي التجربة الكويتية مثال واضح على هذا. حيث فشلت هذا التجربة في أمرين: عزل المواطن الكويتي عن محيطه العربي / الإسلامي من جهة، وخلق هوية وطنية قطرية تتعالى على الانقسامات الطائفية والقبلية محليا من جهة اخرى. يمكن أن ينجح هذا التعاقد ويقود إلى دولة تحقق قدر أكبر من العدل، لكن دون توهم أن بإمكانها أن تخلق بديلا عن هوية الشعب، العربية الإسلامية. وفي هذا السياق الحديث عن الإسلام كثقافة لا يمكن فكر ارتباطها بالهوية العربية.

التجربة الكويتية  

لعبت الكويت في فترة ما قبل الاحتلال العراقي دورا مهما في العالم العربي، حيث انطلقت من الكويت مشاريع تنموية وثقافية شملت دول عربية مختلفة، في فترة انتعاش ثقافي وسياسي محلية، لكن هذا تغير بعد الغزو العراقي. حيث حاولت الكويت الالتفات إلى شأنها الداخلي أكثر فأكثر، كأحد أهم تداعيات العدوان العراقي على الكويت، أهم ما حدث بعد تحرير الكويت أمرين: صياغة خطاب مغرق في المحلية، و إحياء التعاقد بين الدولة / الشعب من خلال إعادة فاعلية مجلس الأمة والذي كان قد تم تعليق عمله قبل الغزو العراقي بسنوات، حيث كانت الكويت تعاني من أزمة سياسية وأفق مسدود حاول صدام حسين استغلاله لصالحه ولكنه لم ينجح.

بماذا نجح الخطاب الوطني المحلي في الكويت وبماذا فشل ؟

نجح الخطاب الوطني بإغراق الكويتيين بمشاكلهم الخاصة، ستجد الحديث عن الصحة في الكويت، والإعلام في الكويت، وإشكاليات مجلس الأمة الكويتي أكثر حضورا في الصحف الكويتية، واهتمامات النخب فيها.  لكن فشل هذا الخطاب بأمرين بشكل واضح: فشل في حل الإشكال الطائفي، والتمايز القبلي، أو إشكالية “الكويتي الأصلي..ابن بطنها ..داخل السور / خارج السور..الخ ” فما زالت الهوية الطائفية والهوية القبلية أقوى من هوية وطنية مفترضة يراد صنعها، فالتصويت في مجلس الأمة على سبيل المثال يتم على أسس قبلية وطائفية بشكل أكبر منه على أسس برامج سياسية وطنية تتعالى على هذه الهويات الطائفية /القبلية. وما يعرف بالانتخابات الفرعية داخل القبائل والممنوعة قانونا مثال على أولوية الانتماء القبلي على الانتماء الوطني. هنا نحن نتحدث عن انتخابات بناء على هويات طائفية وقبلية صغرى مفتتة للنسيج الاجتماعي، لا بناء على مشاريع سياسية.

الأمر الأخر الذي فشل فيه الخطاب الكويتي الوطني، هو عزل المواطن الكويتي عن محيطه العربي والإسلامي، هذا المواطن وإن تم إغراقه بخطاب وطني محلي يريد أن يصنع هوية تميز الكويتي عن ماعداه، لم تستطع خلق هوية لا تجعل الكويتي امتدادا لهوية أكبر دينية أو قومية. ظهر هذا من خلال الاهتمام الكويتي بالربيع العربي، واستجابته لهذه الثورات من خلال المسيرات التي تهدف للإصلاح الداخلي كامتداد لحالة الربيع العربي، كما يظهر من خلال دعم الكويتيين للثورة السورية، وكون التجاذبات السياسية في البلدان العربية كالعراق ومصر وسوريا ولبنان تحولت إلى أزمات سياسية في الداخل الكويتي ترجمت لتراشقات طائفية، أو خلافات داخل مجلس الأمة الكويتي حول شئون تلك الدول.

الكويت فشلت في تكوين هوية قائمة بذاتها، منعزلة عن محيطها، لا تكون امتداد لهوية أوسع منها إسلامية / عربية، وهذا الفشل لأن خلق هوية ثقافية /سياسية من هذا النوع يبدو مستحيلا في السياق العربي، فالروابط الثقافية / السياسية بين الدول العربية أكبر مما تبدو عليه. وهذه هي الحقيقة التي أكدها الربيع العربي وترجم إلى ما يمكن اعتباره تحالف الشعوب العربية ضد الاستبداد، وتحالف الحكومات العربية ضد حق هذه الشعوب، من أجل استقرار أنظمتها السياسية، حيث أثرت تحركات الشعوب العربية في بعضها، كما أثرت التغيرات السياسية في الأنظمة العربية على بعضها البعض.

في الأفق السعودي  

مثال الكويت جاء لتوضيح هذه المسألة، يجب الانخراط في الإصلاح في السعودية، والدعوة إلى بناء دولة الحقوق والمؤسسات، والإصرار على بناء دولة تعاقدية تساوي بين جميع المواطنين، هذا المشروع لا يتعارض مع الحديث عن هوية قومية عربية لأسباب مختلفة، أبرزها أن الدولة تتبنى الهوية العربية أساسا، كما أن غالبية من ينتمي إلى الفكر العروبي في السعودية داعم للمشاريع الإصلاحية الوطنية كمشروع حسم. الانتماء القومي في هذا السياق يأتي في إطار حل لاشكال الهويات الانقسامية طائفية وقلبية ومناطقية، وقضايا أخرى ليس لهذا مجال بسطها، فما أريد الحديث عنه هنا فقط مسألة الهوية الوطنية والعروبة.

الانخراط في المشروع الوطني الإصلاحي يجب أن يتم دون توهم أن خلق هوية تعاقدية سعودية مرتبطة بالدولة قادر على فك ارتباط الشعب السعودية بمحيطه الإسلامي / العربي، فالهوية السعودية إن تم خلقها، فستكون هوية تعاقدية، هوية مواطنة قائمة على عقد اجتماعي، لا هوية ثقافية تستطيع عزل المواطن السعودي عن محيطه. لا يبدو بأنها قادرة على حل إشكالات الانقسامات الطائفية أو القبلية أو المناطقية، حتى أن الدولة في خطابها الوطني لا تحاول أن تبني شرعيتها لا على أساس إصلاح سياسي قائم على التعاقد مع الشعب كما في الحالة الكويتية، ولا على ممارسة حقيقية للمساواة بين المواطنين طائفيا وقبليا ومناطقيا، فالحديث عن مشاريع من هذا النوع جميل ورائع، لكن الدولة لم تتبنى هذه المشاريع حتى الآن، وبعض من يتحدث عن الهوية السعودية لا يطالب بها، بقدر ما يدعو إلى ترديد النشيد الوطني أو الاحتفال باليوم الوطني، وتدريس مادة التربية الوطنية في المدارس، ليتحول الحديث عن الهوية الوطنية مجرد كليشيهيات لا تعبر عن مضامين حقوقية وقانونية أو حل لمسألة تسيس الهويات الفرعية.

هذا الحديث يقود إلى حديث أخر، هل المشاريع القومية أساسا مشاريع ضد الهوية القطرية ؟ هل تريد تقويض الدولة العربية القائمة ؟ حقيقة الأمر أن هذه الدعوة قائمة على مغالطة، أن هناك مشروع عربي واحد.

مشروع قومي أم مشاريع قومية ؟  

لا يمكن اجتزاء مشروع قومي عربي واحد، وتعميم خطابه على كافة القوميين العرب، لا في الماضي ولا في الحاضر. وهذا ينتج عن جهل بتاريخ الحركات القومية وتنوعها ناصرية وبعثية وحركة القوميون العرب وغيرها واختلاف أفكار منظريها من جهة. وعدم إلمام بالأطروحات القومية الجديدة التي كتبها منظرون خلال العقديين الماضيين، من جهة أخرى، والتي تبنى روادها كالمحمد جابر الأنصاري ومحمد عابد الجابري وبرهان غليون وعزمي بشارة رؤى تعددية ديمقراطية. فقد تنوعت أفكار القوميين العرب وإن توافقوا على الهوية العربية كمنطلق والوحدة العربية كحلم. هنا سأشير إلى ميشيل عفلق وعزمي بشارة وسأفصل قليلا حول أطروحة ساطع الحصري، لأنني تحدثت عن أفكار ميشيل عفلق وحزب البعث في مقالات سابقة.

كان أبو خلدون ساطع الحصري يرى الأولوية في بث الاعتزاز بالهوية العربية وإحياء حلم الوحدة بين دولها، لذا لم يتحدث عن شكل الدولة “العربية الكبرى” المرتقبة أو تصوره لشكل الوحدة بين الدول العربية بقدر حديثه عن إصلاح التعليم العربي وبث الشعور القومي. كانت الأولوية في خطاب الحصري الحرص على وحدة العرب مهما كانت الظروف، حتى أنه كان يرى القبول بالوحدة حتى تحت الانتداب الفرنسي والبريطاني، كمرحلة تسبق التحرر الوطني، وهذا ما حدث فعليا فبعد انهيار دولة حلب تمت الوحدة بين حلب ووجبل الدروز وجبل العلويين ودمشق وتمت المناداة بالتحرر الكامل لكل تراب سوريا وطرد الانتداب الفرنسي من شخصيات سورية وطنية، وهذا ما سطره الحصري في كتابه “العروبة أولاً” حيث دعم هذا التوجه بشكل كامل.

يقول ساطع الحصري عن النظريات التي كانت تطرح حول لا وحدة بلا تحرر وطني، أو نظرية إبقاء التوازن بين الدول العربية  ” كان من حسن حظ الشعب السوري والأمة العربية أن أمثال هذه الأراء والنظريات – من نظرية (لا اتحاد قبل التحرر)، إلى دستور (إبقاء ما كان على ما كان) لم تستول على الأذهان، في تلك الأزمان”.

الموقف من الدولة القطرية  

في ذات السياق، ورغم هوى الحصري الهاشمي، إلا أنه وقف مدافعا عن توحيد الملك عبدالعزيز للمملكة، وهو دعم لدولة قطرية ملكية، فكان يرى أن القضاء على إمارات الجزيرة العربية المتناثرة تحت راية واحدة يسهل في النهاية توحد العرب. لذا فند مخاوف القوميين العرب تجاه الدولة الناشئة آنذاك، واعتبر أن حكمة الملك عبدالعزيز والملك فيصل الأول ساهمت في إذابة الجليد بين العراق والسعودية وتعزيز التعاون العربي. كتب الحصري ” لا شك أن الحركات التوحيدية التي قام بها الملك عبدالعزيز بن السعود، انتهت إلى أوضاع موافقة لمصلحة الأمة العربية”.

أما عن الهوية الوطنية، فيرى الحصري في نقاشه لأفكار وتساؤلات فتحي رضوان وأخرين حول “هوية المصريين” أنه لا تناقض بين الهوية القومية والهوية الوطنية. فيرى أن المجتمع يصبح متقدما كلما “كانت الجماعات التي يرتبط بها وينتسب إليها كل فرد من أفراده، كثيرة ومتنوعة”. لذلك لم ينفي الرابطة الوطنية أو يقف ضدها ابتداء. إذ يرى الحصري وجود رابطة مصرية وطنية “لا مجال للشك في أن هناك قضايا أقليمية ومحلية بحتة، تستلزم المعالجة كمسائل مصر وحدها” لكنه يرى أن السياسة العليا المصرية الخارجية يجب أن تبنى على أساس “العروبة أولاُ” بما يخدم مصر على المدى البعيد كجزء من الأمة العربية.

من هنا نجد عدة سمات لمشروع ساطع الحصري القومي، فهو متصالح مع الحكومات العربية وإن كان ينتقدها، إلا أنه ليس ضدها، ولا يسعى إلى تقويضها، بل كان يعول عليها أحيانا بالقيام بواجب توحيد، ومن ناحية أخرى، لا يرى الحصري تناقضا بين الهويات الوطنية وبين الهوية القومية، ولا يرى نفي الرابطة الوطنية، فيرى وجود خصوصيات وطنية بسياق ما، مع أهمية المصالح القومية للعرب كأمة. هذا التوازن خاضعة لتقدير المصالح والمفاسد والموازنة بين الأولويات الوطنية والقومية كأمر سياسي متغير بحسب الظروف والأوضاع.

مشاريع أخرى

على النقيض من الحصري، معالجة أوضاع العرب مختلفة لدى مشيل عفلق كما كتباها في أعماله الكاملة “في سبيل البعث”، وقد كنت قد ألمحت إليها في مقال سابق، يرى عفلق حلم الأمة يتجسد في بناء طليعة مؤمنة بالأفكار البعثية، تقوم بالاستيلاء على السلطة، وفرضها على المواطنين. من خلال تنظيره لفكرة “الانقلاب” ولا يقصد في هذا السياق انقلابا على السلطة فقط، بل يرى انقلابا في المفاهيم، فيرى أن على الدولة بناء المواطنين بشكل مبرمج وقسري وكشف التزييف الذي لحق وعيهم جراء خضوعهم لهيمنة استعمارية، ولحكومات فاسدة. يمكن اعتبار هذه الأفكار جذر للدولة الشمولية المتسلطة في العراق وسوريا إبان حكم البعث، أي دعوة الدولة لقولبة المواطنين. هذه المشروع مختلف تماما عن مشروع الحصري الوحدوي التربوي القائم على التبشير بالهوية العربية دون تنظير لدولة شمولية، كما يختلف عن التطورات اللاحقة للمشاريع القومية التي طرحت أولوية بناء عقد اجتماعي عربي ودول ديمقراطية في طريق الوصول إلى تكامل سياسي واقتصادي بين الكيانات العربية القائمة.

نجد اليوم التنظيرات القومية قد اختلفت تماما، فلم تعد الأولوية الوحدة بأي ثمن كما يرى الحصري، بل التحول الديمقراطي، كما يطرحه عزمي بشارة في “المسألة العربية” أو “أن تكون عربيا في أيامنا” أو برهان غليون في “بيان من أجل الديمقراطية”. لم تعد فكرة عفلق عن حلول جاهزة لكل مسائل العرب والتنظير لدولة شمولية مستساغة لدى بشارة الذي يرى أن العروبة هوية وليست أيدولوجيا تتوسم حلول لكل المشكلات، لذلك يقول بشارة “يمكن أن يكون القومي العربي ديمقراطيا أو فاشيا، يساريا أو يمينيا ” من هنا يطرح بشارة القومية العربية كهوية سياسية لا مشروعا شموليا استبداديا كما في تنظيرات عفلق وتجسيد البعث لها. من هنا كان الحديث عن مشروع قومي واحد مجرد مغالطة لا تصمد لا أمام الحاضر ولا التاريخ، فالقوميين ليسوا مختلفين ومتنوعين كتجربة تاريخية فقط، بل باتوا ينظرون لهذه التعددية داخل تيارهم كما في الدولة الديمقراطية التي يسعون إليها.

خاتمة

في هذا السياق أود الختام بحادثة تاريخية أراها شديدة الدلالة، على عدم التعارض بين الانتماء للدولة القطرية، والانتماء القومي، وهي قصة أهم شخصية بعثية كويتية، فيصل الصانع، كما سردها الدكتور فلاح المديرس في كتابه “البعثيون في الخليج والجزيرة العربية” حيث كان الصانع من القيادات البعثية الرفيعة في الكويت وصديق شخصي للرئيس العراقي صدام حسين، ورغم هذا وقف الصانع ضد الاحتلال العراقي، ورفض التعاون لتشكيل حكومة موالية للعراق. يسرد المديرس القصة كالتالي: “وفي غضون فترة احتلال الكويت من قبل النظام العراقي في الثاني من أغسطس عام 1990م تم أسر فيصل الصانع من قبل جيش الاحتلال العراقي، لرفضه التعاون مع سلطات الاحتلال العراقي وترجيح انتمائه الوطني على ولائه الحزبي. حيث حاولت سلطات الاحتلال تشكيل حكومة من المعارضة السياسية عن طريق الصانع”.  ويضيف المديرس ” على الرغم من أن فيصل الصانع من البعثيين المقربيين لصدام حسين حيث كانت تربطه بالأخير علاقات قديمة أثناء دراستهما في القاهرة من خلال نشاطهما في منظمة الحزب في القاهرة، وكان صدام كثير التردد على المنزل الذي كان يسكن فيه الصانع في ذلك الوقت. على الرغم من التدخلات التي قامت بها منظمة حزب البعث في تونس عن طريق أحد قيادات التنظيم لدى صدام حسين حيث رفض الأخير إطلاق سراحه على الرغم من مرور أكثر من عشر سنوات على اعتقاله”.

يبدو هذا السؤال، سؤال التعارض بين الانتماء القومي والانتماء للدول الوطنية، مشابه لتلك الأسئلة التي تطرح على الشيعة وعلاقتهم بالمرجعية الدينية خارج الدولة للتشكيك في وطنيتهم، أو تلك التي تطرح على الإسلاميين وانتمائاتهم الأممية، أو تلك التي كانت تطرح على الشيوعيين وعلاقتهم بالاتحاد السوفييتي في فترة سابقة، فهو طرح تشكيكي تحريضي أكثر من كونه سؤال حقيقي يريد الوصول إلى الحقيقة أو طرح استشكال واقعي، وإلا لما تجاهل من يطرحه أن الدول القطرية التي يتحدث عنها تتبنى العروبة كمكون من مكونات هويتها الوطنية، وإن لم تترجم هذا الانتماء إلى أفعال.