خواطر حول الكتابة في زمن الحرب

تصعب الكتابة في زمن الحرب. خاصة في بداياتها وذروتها، قبل أن ينقسم الناس حولها إن طالت وملتها الجماهير، أو غيرت حياتهم اليومية، أو بدأت تنزفهم خسائر.

لن يغير الناس رأيهم بالحرب وهم يشاهدونها في التلفاز، لن تتغير نظرتهم لها إن لم تمسهم شخصيا.

الحرب – أي حرب – فعل اضطرار لا يحتمل التصفيق “لا تتمنوا لقاء العدو”. لذا من المرعب أن تجد من الناس من يفرح بالحرب ويهتف لها، وهذا مختلف تماما عن تقبلها أو الدفاع عنها أو الدعوة لخوضها أو القتال على جبهاتها. قد تبرر حرب سياسيا وأنت كاره، بل لا أظن الإنسان يقبل على القتل إلا كارها لهذا ومضطرا إليه. لهذا يبدو فعل الابتهاج والفخر بالحرب أمر غامض، وغير مفهوم.

أصعب ما يواجه الإنسان في زمن الحرب عدم قدرته على النقد. وهذا يجعل الفضاء مفتوح للهتاف فقط، فمن ينتقد الحرب سوف يخوّن وتدهسه جماهير غفيرة، أو يلاحق ممن يخوض الحرب ويقمع باسمها، حتى وإن كان من ناحية المبدأ مؤيدا لها. فلا مجال في زمان القتال إلا للدعم الكامل للمقاتلين دون شروط، أو تحمل لعناتهم. وهنا لن يقدم على انتقاد الحرب إلا من يرفضها كلية، أما من يريد أن ينتقد تفاصيلها، فسوف يحجم؛ وحده من يملك موقفا متطرفا سوف يتحمل لعنات الأخرين بسبب مواقفه. فلا مجال هنا لأي رؤية نقدية وأنصاف الحلول.

أما انتقاد الحرب كلية فأمر معقد. منذ إيمانويل كانت وحتى هوارد زن كانت هناك حالمين بأن تنتهي الحرب يوما ما، ويعم السلام هذا العالم. من الصعب أن تناقش فكرة رفض الحرب كلية، أو تدافع عنها، بسبب واقع الحياة اليومية، وتاريخ البشر. هناك حروب تُفرض على أشد دعاة السلام حماسة، وتثبت الأيام دائما أن السلام يحدث نتيجة للخوف من الحرب، لا نتيجة لانعدام فرص حدوثها.

 إذا كان رفض الحرب كلية مجرد وهم، وربما فعل هروب، فالنقاش عن الحرب سيتحول إلى نقاش سياسي-أخلاقي لوقائع بعينها. وهنا أذكر “أخلاقي” لا من باب فصل الأخلاق عن السياسية، لكن لأن كلمة “سياسة” عندما تفرد غالبا ما يتخيل الإنسان أمر بلا أخلاق. أنا أكتبها هنا “سياسي-أخلاقي” تأكيد على تلازم الأمرين واتصالهم ببعضهم بصورة ما.

هل يمكن تبرير الحرب أخلاقيا؟ كالحديث عن حرب عادلة وأخرى غير عادلة؟

لا أدري. كلما قرأت مصطلح “حرب عادلة / غير عادلة” تبادر إلى ذهني سؤال واحد: عادلة بالنسبة إلى من؟ الحرب بالتعريف معركة بين أطراف متعددة، وبالتالي فالتضارب في رؤية الحرب والحكم عليها أمر معطى مقدما.

إذا كانت الحرب حديثا سياسيا-أخلاقيا فهنا ندخل إلى عالم ممتد من النظريات وتبريرها، والوقائع وتفسيرها. هذا يجعل الحديث التفصيلي عن الحرب، النظر للحرب بعين نقدية، واجب مضاعف. هنا قد يتحول الهتاف للحرب لعامل من عوامل خسارتها، إذا كان سيحجب أراء الأخرين فيها.

فمهما حدث، يجب أن يستمر النقاش والحوار. وهنا لا يكون النقاش إلا بين مختلفين إما نسبيا أو بشكل جذري، فلا فائدة للنقاش بين متفقين.