“داعش إلى أين؟”: محاولة للتأريخ تتجاوز المغالطات السائدة

يعيد فوّاز جرجس في كتابه “داعش إلى أين؟ .. جهاديو ما بعد القاعدة” الاعتبار إلى السياق المحلي العراقي، وسياقات الثورة السورية، والصراعات الإقليمية، لدراسة نشأة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، في الوقت الذي حاول فيه الكثير من المحللين قراءة صعود التنظيم باعتباره نتيجة لتحولات عالمية أوسع مرتبطة بمشكلات الرأسمالية والليبرالية، أو من خلال قراءات لا تاريخية، جوهرانية للمنطقة العربية.

عند الحديث عن ظهور تنظيم الدولة، نجد عددا كبيراً من النظريات التي تحاول تفسير ما تراه غرائبياً ولامفسراً. من اعتبار التنظيم نتيجة لقراءات كتب ابن تيمية، إلى اعتباره مؤامرة على العرب، يقوم بها الصهاينة، أو الأميركيون، أو الإيرانيون… إلخ، وحتى تفسير ظهور التنظيم باعتباره “واجهة” دينية لضباط ورجال دولة عراقيين بعثيين تم تهميشهم بقوانين “اجتثاث البعث” فحاولوا استعادة أمجادهم من بوابة دينية هذه المرة.

يرفض جرجس هذه المغالطات، والتفسيرات “الشعبية” التي أصبح صداها يتردد في الإعلام العربي والغربي على السواء، ويقوم بتبنيها من يطلقون على أنفسهم ألقاب “خبراء في التنظيمات الإرهابية” دون أن يملكوا رؤية دقيقة لما يحدث في المنطقة. لذا يعيد جرجس الاعتبار إلى سياقات عراق ما بعد الاحتلال الأميركي في 2003، وما يدور في سورية، لقراءة صعود داعش كامتداد لظهور أبو مصعب الزرقاوي، وعلاقته المعقدة مع القاعدة.

الزرقاوي والقاعدة

يرى جرجس اختلافاً أساسياً بين استراتيجيات تنظيم القاعدة، وزعيمه الراحل أسامة بن لادن، وبين استراتيجيات القاعدة في بلاد الرافدين الذي أسسها أبو مصعب الزرقاوي، وفق فكرة أولوية “العدو البعيد أو العدو القريب”. فيرى أنه في الوقت الذي رسخ فيه بن لادن فكرة استهداف “العدو البعيد” أي الولايات المتحدة الأميركية، والتي يراها الداعم الأساسي للأنظمة العربية والإسلامية التي يقف ضدها، ويريد إسقاطها. تبنى الزرقاوي رؤية مغايرة، تستهدف “العدو القريب” والذي تحول من كونه المحتل الأميركي، أو الحكومة العراقية الموالية له، ليصبح كل “الشيعة” في حرب طائفية كان الزرقاوي أحد أركانها.

بهذا التفريق، نجد أن تنظيم داعش امتداد لسياسات الزرقاوي، وتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، لا “القاعدة المركزية”.  يكتب جرجس: “أحد الوجوه المميزة لاستراتيجية داعش على نقيض القاعدة المركزية هو أنه، وكامتداد لسلفه القاعدة في العراق، ذهب بعيدا في التركيز على الشيعة و العدو القريب، أي النظامين العراقي والسوري وحليفهما الإيراني”.

يضيف جرجس فكرة أخرى لداعش، تميزت بها عن القاعدة، وتتوافق بها مع رؤية الزرقاوي وهي “فكرة القتل الجماعي أو الإبادة”. لكن رغم تشديد جرجس على الاختلافات بين القاعدة وداعش، إلا أنه يراها تشترك في حلم “إقامة الخلافة”.

السياق المحلي العراقي

يرى جرجس أنه “ومع أن داعش هو امتداد للحركة الجهادية الدولية من حيث أيديولوجيته وأفكاره، إلا أن أصوله الاجتماعية متجذرة في سياق عراقي معيّن، وإلى درجة أقل في الحرب السورية التي اندلعت سنة 2011”.

يرى جرجس أن جذور نشأة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” موجودة في سياق تنظيم الزرقاوي “قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين” والذي أعلن الولاء لتنظيم القاعدة، وبايع زعيمه أسامة بن لادن، لأسباب تكتيكية. يكتب جرجس “تظهر قصة زواج المصلحة بين بن لادن والزرقاوي بوضوح أن الجهاديين، وكلاعبين سياسيين، تقودهم المصالح أكثر مما تفعل الأيديولوجيا والدين”.

هذا التنظيم ولد من عدة تداعيات، تمثلت في الاحتلال الأميركي للعراق، وفشل بناء نظام سياسي عراقي متجاوز للطوائف وقادر على حكم جميع العراقيين، إضافة إلى ما يصفه جرجس بـ “الحرب الأهلية السورية” وتداعيات “الربيع العربي”. والتي يراها نتاج فشل الدولة العربية الحديثة، سياسياً وتنموياً، ما أدى إلى انهيارها سريعا في سياق هذه التداعيات.

يتطرق الكاتب بصورة تفصيلية إلى ما يصفه بـ “إخفاق المؤسسات السياسية” العراقي في إدماج السنة بالدولة العراقية، تارة تحت لافتة “اجتثاث البعث” وأخرى بسبب اتهامات بالإرهاب، أو بسبب السياسات الطائفية التي انتهجها رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، وخشيته من إتاحة مجال لمشاركة السنة في حكم العراق.

هذا السياق العراقي، لم يؤثر فقط في ظهور التنظيم، وصعوده لاحقاً، لكن في أهم خصائصه، وهو ما يصفه الكاتب بـ “العنف الزائد” والذي يفسره باعتباره نتيجة لثلاثة عوامل، هي “انتسابه الأصلي إلى القاعدة في العراق، وموجدها أبو مصعب الزرقاوي… الذي ركز على مسألتي الهوية والسياسة المحلية” إضافة إلى “عراقيته (التنظيم) الغالبة واستعارته الأدوات البعثية في القمع إضافة إلى إرث البلاد المرّ من العنف” وأخيراً “ريفيه ضباط التنظيم وأفراده”.

وهنا يقرأ جرجس العنف باعتباره امتدادا لسياق العنف في العراق بعد 2003، وامتدادا للاستبداد وقمعية دولة حزب البعث التي حكمت العراق من 1968 حتى الاحتلال الأميركي. وهنا يمكن إضافة أن هذا العنف مرتبط بالدولة الحديثة، لا التراث. على غرار أوصاف عالم الاجتماع الأميركي تشارلز تيلي، والتي تعتبر إنشاء الدول الحديثة “جريمة منظمة” قام بها سياسيون يحاكون أعمال العصابات.

مستقبل التنظيم

يختم جرجس كتابه بقراءة لـ “مستقبل داعش” تدمج ما بين رؤيته لمستقبل التنظيم، والمنطقة، على حد سواء. يرى الكاتب أنه إذا كان صعود التنظيم ناتج عن “تحطّم مؤسسات الدولة في قلب الوطن العربي، وصراع الهويات بين المسلمين السنة والشيعة” فإن مواجهة داعش محكومة بـ “قدرة المجتمعات العربية، مع القوى الإقليمية والدولية، على توفيق حل سلمي للنزاعات الأهلية ولدعم إعادة بناء الدول العربية ومؤسساتها وفق قواعد شفافه وشرعية”.

لكن هناك مشكلة أكبر تلوح في الأفق، صحيح أن داعش تنظيم يمكن هزيمته، على خلاف ما يحاول قادة التنظيم الترويج له، إلا أن هزيمة التنظيم، دون معالجة الأسباب البنيوية التي خلقته وساهمت في صعوده أول الأمر، ستعني أن التنظيم سيختفي من الساحة، لكن أفراده سيكونون قادرين على إعادة تجربة تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، عندما هزم التنظيم، وذاب أفراده في المنطقة، ثم عادوا بعد سنوات، ليساهموا في صعود جماعة إرهابية أكبر وأخطر، وأكثر قسوة: داعش.

لا يتجاهل جرجس عوامل أخرى، يراها هامة في حسم مستقبل التنظيم، مثل ترسيخ فصل الدين عن الدولة في المنطقة، ومواجهة الرؤية السلفية المتشددة، إضافة إلى إيجاد حل للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، كمشاكل مؤثرة في ظهور تنظيمات “السلفية الجهادية” في المنطقة، وإن كانت أقل حسما في ظهور هذه التنظيمات، من تلك المتعلقة بانهيار الدولة، والتدخلات الأجنبية، وصراع الهويات.

لكن جرجس يتجاهل في مقاربة موضوع “فصل الدين عن الدولة” أن الأنظمة التي فشلت في بناء الدولة العربية الحديثة، في العراق وسورية، وساهم انهيارها في ظهور التنظيمات السلفية الجهادية، لم تكن أنظمة “دينية” بل “عَلمانية” ولكنها وإن واجهت الأدبيات السلفية ثقافياً، إلا أنها وضعت بذور الخلافات الطائفية التي اشتعلت في المنطقة مؤخراً.

كتاب “داعش إلى أين؟ … جهاديو ما بعد القاعدة” من إصدارات “مركز دراسات الوحدة العربية” وصدرت طبعته الأولى في 2016، وهو من ترجمة محمد شيّا، في الوقت الذي صدرت فيه النسخة الأصلية، الإنكليزية، من الكتاب، في العام ذاته، بعنوان (ISIS: A History).

بدر الراشد / موقع ضفة ثالثة

https://www.alaraby.co.uk/diffah/books/2017/3/1/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A3%D9%8A%D9%86-%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%88%D9%84%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%AA%D8%A3%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D8%AA%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D9%88%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%A6%D8%AF%D8%A9

One thought on ““داعش إلى أين؟”: محاولة للتأريخ تتجاوز المغالطات السائدة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s