انقلاب المئة يوم على “القوميين البيض”: ترامب بقبضة الجنرالات

خطف تسارع وتيرة الأحداث المتعلقة في سورية وكوريا الشمالية والعلاقات الأميركية-الروسية والصينية، الضوء مؤقتاً من الصراعات الداخلية لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي تتشكّل أجندتها ببطء مع انتهاء الأيام المئة الأولى من حكم ترامب. وفي الوقت الذي يشير فيه التصعيد الأميركي دولياً، واستخدام القوة العسكرية في سورية، والتلويح باستخدامها مع كوريا الشمالية، إلى ميل الكفة لصالح “تيار الجنرالات” في إدارة ترامب، يبدو أن تيار “القوميين البيض” يعيش أسوأ أيامه، على الرغم من أن خطاب هذا التيار ساهم في صياغة حملة ترامب الانتخابية الشعبوية، وسياسات ترامب في أيامه الرئاسية الأولى.

يمكن تحديد قوتين رئيسيتين في إدارة ترامب، تتبنيان رؤى وأجندات متناقضة جذرياً: الأولى تتمثل بـ”القوميين البيض”، وتضم طيفاً متنوعاً من المستشارين العنصريين الشعبويين، والذين تتقاطع أفكارهم ورؤاهم مع اليمين البديل الأميركي ومجموعات النازيين الجدد، وأبرزهم وأكثرهم حضوراً هو كبير استراتيجيي البيت الأبيض ستيف بانون، وأهمهم في المناصب التنفيذية وزير العدل والمدعي العام جيف سيشنز. أما التيار الثاني فيمثله “جنرالات ترامب” من خلال وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس، ووزير الأمن الداخلي جون كيلي، ومستشار الأمن القومي إش آر ماكماستر، ورئيس هيئة الأركان جوزيف دانفورد. هؤلاء الجنرالات هم حراس السياسات الأميركية التقليدية “الصقورية” والتي يمكن تحديد خطوطها العريضة الثابتة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي على الأقل. وتتقاطع رؤى هذا التيار بصورة كبيرة مع التوجّهات الجمهورية التقليدية.

“القوميون البيض”

ليس بالضرورة أن يكون المحسوبون على تيار “القوميين البيض” منخرطين بصورة مباشرة بالمجموعات النازية الجديدة الأميركية، والتي يُتهم مدير “معهد السياسة الوطنية” ريتشارد سبنسر بنسج علاقات معها، أو مخلصين لتعاليم منظّر القومية البيضاء الأبرز، جاريد تايلور. لكن هؤلاء يحملون رؤية عرقية للهوية الأميركية، تمقت المهاجرين والإسلام، ويتبنون رؤية عنصرية مركزها العرق الأبيض، والتقليد المسيحي أو المسيحي-اليهودي باعتباره العمود الفقري لـ”الحضارة الغربية”.

يمثّل التيار المؤمن بهذه الأفكار في إدارة ترامب، كبير استراتيجيي البيت الأبيض ستيف بانون، والذي كان وما زال موقعه الإلكتروني (بريتبارت) ناطقاً باسم “اليمين البديل” الأميركي، الناقم على الاستبلشمنت في واشنطن، والذي يتبنّى رؤى عنصرية عرقية، علاوة على تعزيزه “رهاب الأجانب” والإسلاموفوبيا. يمكن اعتبار بانون قريباً أيضاً من “حزب الشاي” من خلال تبنّيه سياسات اقتصادية تدفع باتجاه “حكومة الحد الأدنى” إضافة إلى معارضته لهيمنة نخب “وول ستريت”، و”نخب دافوس” أو “الرأسمالية الدولية” التي يراها لا تهدد الاقتصاد الأميركي فحسب، بل “الحضارة الغربية” برمتها. من أقوى شخصيات هذا التيار في إدارة ترامب، وزير العدل والمدعي العام جيف سيشنز، المعروف بعنصريته وتعصبه عندما كان قاضياً في ألاباما، والذي رُفض ترشحه من قبل الكونغرس قاضياً فيدرالياً للولاية في 1986 بسبب اتهامه بالعنصرية ضد السود.

ووصف سيشنز “الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين”، والتي تُعنى بسياسات التمييز الإيجابي للسود، بأنها “غير أميركية” باعتبارها لا تمثّل الأميركيين الأبيض. كما عُرف وزير العدل بسياساته التي أعاقت تصويت الأميركيين السود في ألاباما. وقال سيشنز ذات مرة عن المنظمة العنصرية المتطرفة “كو كلوكس كلان” إنه “كان يعتقد أنهم على حق، حتى علم أن بعضهم يدخن الحشيش” في إشارة لرفضه تدخين الماريوانا، لكن سخريته تحمل أيضاً معنى آخر، أنه يقلل من قيمة الجرائم التي ارتكبتها تلك المنظمة التي دُشنت بعد الحرب الأهلية الأميركية في 1865 وقام أفرادها بقتل آلاف السود وسحلهم في الشوارع وتعليقهم على الأشجار، خصوصاً في حقبة الحربين العالميتين.

الشخصية الثالثة المحسوبة على هذا التيار، مقربة من سيشنز وبانون على السواء، وهي كبير مستشاري الرئيس، الشاب ستيف ميلر، والذي لا يتجاوز عمره الواحد والثلاثين. عمل ميلر مع سيشنز عندما كان في مجلس الشيوخ لمنع المهاجرين غير الشرعيين من الدول اللاتينية من الحصول على الجنسية الأميركية. وعُرف ميلر المنحدر من أسرة ليبرالية-يهودية بعلاقته مع أحد أبرز المتهمين بعلاقات مع المجموعات النازية الأميركية، ريتشارد سبنسر، عندما كانا زميلين في جامعة ديوك. إلا أن ميلر يرفض ربطه بسبنسر. كما عُرف عنه حماسته للأفكار المحافظة المتطرفة لديفيد هورويتز، خصوصاً تلك المتعلقة بكراهية المسلمين، ودعا ميلر لاستضافة هورويتز في جامعة ديوك عندما كان طالباً فيها.

يُعتبر ميلر، الذي يُتهم بالوقوف وراء قوانين ترامب المتعلقة بمنع دخول مواطني دول إسلامية إلى الولايات المتحدة، من رافضي “التعددية الثقافية”، ووصفها بأنها “تقوّض أميركا”، نافياً أن تكون الولايات المتحدة “أمة مهاجرين”. كتب ميلر أن “أسامة بن لادن سيشعر بالترحاب في ثانوية سانت مونيكا”، في سياق انتقاده لما يراه تسامحاً “غير مقبول” مع الأعراق والأديان المختلفة. ويرى ميلر أن مهمة أوروبا وأميركا اليوم “حماية الحضارة والثقافة من غير المنتمين إلى التقليد اليهودي-المسيحي”. وهو من المؤكدين أن “الحرب على الإرهاب” يجب أن تكون حرباً دينية ضد الإسلام. وفي عام 2007، وخلال دراسته في جامعة ديوك، أسس ميلر “مشروع التوعية بالإرهاب” للتحذير من “الجهاديين الإسلاميين” و”الفاشية الإسلامية” للحديث عن حماية “الحضارة الغربية” من الإسلام. وبعد رفض وسائل إعلامية نشر إعلانات لمشروعه، تحدث ميلر عن أهمية “تسمية العدو باسمه” في حديثه عن الإسلام.

كتب ميلر أثناء دراسته الجامعية: “تسمع بصورة متكررة أن الإسلام دين سلام، لكن من غير المهم كم مرة يتكرر هذا الوصف، لن يستطيع التكرار تغيير حقيقة أن ملايين المسلمين الراديكاليين سيحتفلون بمقتلك لسبب بسيط، لكونك مسيحيا أو يهوديا أو أميركيا”. انضم ميلر لحملة ترامب في يناير/كانون الثاني 2016، في الوقت الذي كان فيه سيشنز أول جمهوري يدعم ترامب علانية. لكن الرئيس الأميركي يُنتقد لاختياره ميلر في طاقمه الاستشاري، بسبب عنصريته وأفكاره المتطرفة، وصغر سنّه وانعدام خبرته السياسية.

أما الشخصية الرابعة المحسوبة على تيار القوميين البيض في إدارة ترامب، فهي المستشار المساعد في البيت الأبيض، سيباستيان غوركا، المنحدر من أصول هنغارية، والمولود في لندن سنة 1970، والذي تم تداول اسمه عربياً على نطاق واسع أخيراً بعد تسريبات عن خططه لتقسيم ليبيا إلى ثلاث دول. يخدم غوركا ضمن طاقم مستشار الأمن القومي (الذي شكّله الجنرال المستقيل مايكل فلين)، ويُتهم بمعاداة السامية، وتبنّيه رؤية مسيحية-عسكرية تنتمي للتقليد القومي الهنغاري، علاوة على تطرفه ضد الإسلام، وعلاقته بحزب “فيتيزي ريند” (Vitezi Rend) الهنغاري المتعاون مع الألمان إبان الاحتلال النازي، والمساهم في إبادة اليهود الهنغاريين.

تعود علاقة غوركا ببانون إلى عمله محرراً في موقع “بريتبارت”، منبر اليمين المتطرف. وأثار ارتداء غوركا ميدالية حزب “فيتيزي ريند” الهنغاري خلال حفل تنصيب ترامب الكثير من الجدل في الولايات المتحدة، بسبب تعاون الحزب مع النازيين وتورطه في جرائم ضد اليهود، إلا أن غوركا اعتبر أن ارتداءه الميدالية يأتي تخليدا لذكرى والده “المحارب للشيوعية”. وأصبح غوركا، المنحدر من مهاجرين هنغاريين إلى بريطانيا، مواطناً أميركياً سنة 2012، وكان قد عمل في الجيش البريطاني، ومستشاراً لوزير الدفاع الهنغاري، علاوة على عمله بالتحليل العسكري لوسائل إعلامية مختلفة.

أنصار “أميركا أولاً”

يُعتبر بانون وميلر من أنصار سياسات “أميركا أولاً”، فيما يتهمان خصومهما بأنهم يعملون لأجندة “غير أميركية”. فالقضايا الأساسية الشاغلة لهؤلاء تتعلق بالوضع الاقتصادي، لذا يعطون أولوية لعداوة الصين، ومنظمة التجارة الدولية، والاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي، باعتبار هذه الجهات والتحالفات تستنزف أميركا اقتصادياً، أو تساهم في إضعاف اقتصادها بصورة مباشرة.

من هنا تأتي رؤية بانون “التحالف مع روسيا ضد الصين” لإخماد ثورة التنين الصيني الاقتصادية، وتبنّي أجندة وطنية حمائية اقتصادياً، تتضمن إلغاء اتفاقية التبادل التجاري الحر مع كندا والمكسيك، علاوة على رغبات بـ”الانكفاء” الأميركي، وإصلاح المجتمع، لتجاوز مشكلات “التعددية العرقية والثقافية” و”انتشار الأفكار اليسارية والاشتراكية” التي يراها خطراً أخلاقياً وسياسياً. إضافة إلى هذا، يرى بانون في الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حليفاً له، بسبب توجّهات الرئيس الروسي القومية المتطرفة، وتبنّيه أجندة فاشية مسيحية.

لا يخفي هذا التيار في البيت الأبيض عداءه للإسلام، ورفضه للتوسع الأميركي عسكرياً. فسياسات “أميركا أولاً” تعني عدم التورط في نزاعات دولية، وعدم التدخّل العسكري ضد أي كان بأي حجة. ويمكن اعتبار رؤية ترامب للعالم أثناء الحملة الانتخابية من صياغة هذا التيار. الرؤية القائمة على التحالف (أو التهدئة) مع روسيا، والتصعيد ضد الصين، والتخلي عن حلف شمال الأطلسي والذي وصفه ترامب مراراً بـ”المؤسسة البالية”. وتلك التي لا ترى مشكلة في التحالف مع أي كان ضد “الإرهاب الإسلامي” حتى لو كانت هذه الجهة النظام السوري.

جنرالات ترامب

كان طريق ترامب إلى البيت الأبيض محفوفاً بالجدل والخلافات. فترامب لم يحظَ بإجماع الحزب الجمهوري، إضافة إلى وقوف الإعلام التقليدي والتيارات الليبرالية والديمقراطيين ضده. كما جاءت نتائج الانتخابات الرئاسية على المستوى الشعبي بفارق كبير لصالح منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون، إذ تفوقت بما يقارب الثلاثة ملايين صوت، في الوقت الذي فاز ترامب به بالرئاسة بسبب تفوقه بعدد المندوبين على مستوى الولايات. وواجهت إدارة ترامب الكثير من الفضائح الاستخباراتية، التي تتعلق بتدخّل روسيا في الانتخابات، واتصال أعضاء حملة ترامب الانتخابية بمسؤولين روس. افتقار ترامب للخبرة السياسية، وهو الذي لم يتولَ أي موقع سياسي طوال حياته، والانقسام حوله والفضائح المحيطة بفريقه الانتخابي، جعله يملأ المناصب الحساسة في إدارته بجنرالات من قوات البحرية والجيش، باعتبار المؤسسة العسكرية الأميركية “أكثر احترافية” من سياسيي واشنطن، إضافة إلى أنهم فوق الخلافات الحزبية. كما أن أحداً لا يشكك في أولوية الأمن القومي الأميركي عند هؤلاء، ورؤيتهم غير المتسامحة مع روسيا والصين، أهم منافسي الولايات المتحدة دولياً.

عيّن ترامب الجنرال جيمس ماتيس وزيراً للدفاع، والجنرال جون كيلي وزيراً للأمن الداخلي، وكلاهما من قوات البحرية. كما عيّن الجنرال إش آر ماكماستر مستشاراً للأمن القومي خلفاً للجنرال المستقيل المثير للجدل بسبب علاقاته بالروس، مايكل فلين. وكل من فلين وماكماستر من ضباط الجيش. وهناك جنرال رابع، لم يعيّنه ترامب، لكنه قريب من الدائرة المحيطة به، وهو رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال جوزيف دانفورد. وتم تعيين دانفورد من قبل الرئيس السابق باراك أوباما في 2015، ووافق مجلس الشيوخ المسيطر عليه من قبل الجمهوريين آنذاك بشكل تلقائي، فغالباً ما كان الجيش الأميركي، وجنرالاته، موضع إجماع وثقة، طالما كانوا “عسكريين احترافيين” بمعنى عدم تورطهم بخلافات “مستنقع واشنطن” الذي رفع ترامب شعار تجفيفه في حملته الانتخابية.

هذه الدائرة من الجنرالات الكبار، أصبحت مؤثرة في سياسات وقرارات ترامب، بما يتجاوز تأثير “القوميين البيض” في إدارته. فجنرالات ترامب يشرفون بصورة مباشرة على الملفات الأمنية الحساسة، وهم في مناصب تنفيذية رئيسية. بينما يقبع “القوميون البيض” في كواليس البيت الأبيض بمهام ومناصب استشارية، باستثناء سيشنز (وزير العدل والمدعي العام).

تشير مصادر من داخل إدارة ترامب، بحسب صحيفة “واشنطن تايمز”، إلى أن ترامب يستمع لجنرالاته، وينفذ ما يقولون. وترى مصادر مقربة من إدارة ترامب أن وزير الدفاع جيمس ماتيس، ووزير الأمن الداخلي جون كيلي، هما الأقرب للرئيس، والأكثر تأثيراً في سياساته.

وتعيد “واشنطن تايمز” ضعف ترامب أمام جنرالاته لأسباب عدة، أبرزها أنهم “يقرأون أكثر من الرئيس” فهم ليسوا مجرد عسكر، بل منظّرين في الأمن القومي والاستراتيجيات العسكرية. كما أن الرئيس يراهم أرقى من “مستنقع واشنطن”، علاوة على كونهم يمثلون ذروة “النجاح الأميركي” لأنهم من “المؤسسة العسكرية الاحترافية”. كل هذه الأسباب تجعل ترامب ضعيفاً أمام سطوة جنرالاته. وكتبت “واشنطن تايمز” أن “الجنرالين كيلي وماتيس وجدا رجلاً يستمع إليهما، ولا يدعي مثل أوباما والآخرين أنه يعرف كل شيء”. الأمر الآخر الذي يجعل ترامب أسير سياسات جنرالاته في مقاربته للمنطقة العربية، أنهم جميعاً قاتلوا في المنطقة. فالجنرالات الأربعة شاركوا في احتلال أفغانستان والعراق 2001 و2003، ما يعني بنظر ترامب أنهم أكثر قرباً ومعرفة بـ”حربه على الإسلام الراديكالي” بحسب تعبير الرئيس، التعبير الذي يرفضه ماكماستر.

رؤية ماكماستر

شكك مستشار الأمن القومي الأميركي إش آر ماكماستر باحتمال إرسال قوات أميركية إلى الأرض في سورية، مؤكداً أن الولايات المتحدة ستتعاون مع “شركائها على الأرض” في سورية. ويأتي تصريح ماكماستر بعد أيام من شائعات تداولتها وسائل إعلامية أميركية حول دفع ماكماستر باتجاه نشر قوات أميركية في سورية لمحاربة تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) وربما نظام بشار الأسد، في الوقت الذي أوردت فيه تقارير أخرى معارضة وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس، مثل هذا التوجه. وينتمي ماكماستر إلى المدرسة العسكرية التي تشكك بإمكانية كسب الحروب عن بُعد، أو من خلال عمليات استخباراتية وضربات جوية من دون تدخّل على الأرض. إذ يرى أن هذا غير ممكن، وأن الحروب، خصوصاً ضد المنظمات الإرهابية، لا تُكسب إلا من خلال التعاون مع المجتمع المحلي، ومعالجة الأوضاع الاقتصادية، وفهم المجتمع وثقافته، مستلهماً تجربته في مدينة تلعفر العراقية بعد 2003.

وفي مقالة لماكماستر نُشرت في “نيويورك تايمز” في 21 يوليو/تموز، أكد أن الولايات المتحدة لم تستفد كثيراً من دروس حروبها السابقة، مشدداً على ثلاث نقاط تتعلق بطبيعة الحرب. أولها “الحرب سياسية” باعتبار أن الحرب “أداة للسياسة وليست فعلاً مستقلاً بنفسه”. كما أنه يؤكد أن الحرب “بشرية”، مضيفاً أن “دوافعها لم تتغير منذ 2500 سنة، وهي الخوف، والشرف، والمصالح”. أما النقطة الثالثة البالغة الأهمية بالنسبة للحرب، فإنها عدم إمكانية الوثوق بها، أو التأكد من نتائجها، لأنها “بشرية وأداة سياسية”. يراجع ماكماستر تجارب الحروب الأميركية الأخيرة، في العراق وأفغانستان، ليؤكد أن “حروباً مثل تلك في أفغانستان والعراق لا يمكن أن تُشن عن بعد”. وفي هذا السياق، تأتي الشائعات حول دعم ماكماستر تدخّلاً عسكرياً على الأرض ضد تنظيم “داعش” متوائمة مع رؤيته للحرب والعمل العسكري، والتي ترتكز على العمل على الأرض بالتشارك مع السكان المحليين.

وشارك ماكماستر في عمليات عاصفة الصحراء 1991، كما عمل في العراق بعد 2003، وأرسل إلى افغانستان في 2010. الرتبة العسكرية لماكماستر أقل من بقية جنرالات ترامب، فلم يحظَ بالنجمة الرابعة، إلا أن وجوده على رأس مجلس الأمن القومي الأميركي يعطيه دوراً كبيراً في التنسيق بين أجهزة الاستخبارات الأميركية، والبنتاغون، والبيت الأبيض.

الجنرالات بمواجهة القوميين البيض

بعد تعيين الجنرال ماكماستر مستشاراً للأمن القومي، قام بإلغاء عضوية ستيف بانون، في مجلس الأمن القومي. كما قام بتعيين الجنرال جوزيف دانفورد، ورئيس الاستخبارات الوطنية دان كوتس، المعروف بعدائه للروس، في المجلس. كان تعيين ترامب لبانون في مجلس الأمن القومي أبرز مؤشرات تنامي نفوذه في البيت الأبيض. وأثار التعيين الكثير من الجدل في حينه، باعتبار بانون شخصية سياسية ذات أجندة متطرفة، ومن الخطأ وجوده في مجلس يفترض أن يقدّم للرئيس رؤى أمنية واستخباراتية تتجاوز الأهواء السياسية والانقسامات الحزبية.

وجاء إبعاد بانون من المجلس مؤشراً إلى تراجع نفوذه أيضاً، في ظل دخول ماكماستر في إدارة ترامب، وتنامي سطوة الجنرالين كيلي وماتيس. وكان كيلي يقف وراء استثناء العراق من قانون حظر دخول مواطني دول إسلامية إلى الأراضي الأميركية، كما نصحه (بحسب واشنطن تايمز) بتجنّب تكرار الإشارة إلى مسألة بناء جدار مع المكسيك.

ويتبنّى ماكماستر رؤية معاكسة تماماً لرؤية “القوميين البيض” وترامب في ما يتعلق بالإسلام. إذ إنه يرى أن “التطرف” لا علاقة له بالدين الإسلامي، الذي يؤكد احترامه. في الوقت الذي يرفض فيه قول كلمة السر المفضلة لدى ترامب “التطرف الإسلامي” لوصف الإرهاب.

إلا أن دلائل وقوع ترامب في قبضة جنرالاته تذهب أبعد من عزل بانون من مجلس الأمن القومي، من خلال تتبّع سياسات البيت الأبيض أخيراً، والتي تمثّل إلى حد كبير عودة للسياسات الصقورية للبنتاغون، في ظل تراجع أجندة “أميركا أولاً” التي حاول “القوميون البيض” رفعها أثناء حملة ترامب الانتخابية وأيامه الأولى في الرئاسة. تراجعَ ترامب عن التهدئة مع روسيا، وبدأ بالتصعيد ضد بوتين في الملف السوري بعد استخدام نظام بشار الأسد للسلاح الكيميائي في خان شيخون، ورد بالقصف بالتوماهوك الأميركي. الحدث يمثّل بحد ذاته قطيعة مع “عقيدة أوباما” وتراجعاً عن أجندة “أميركا أولاً” الرافضة للتورط في صراعات المنطقة العربية، علاوة على أنه تراجع عن شعارات رفض التدخّل العسكري أو ما كانت توصف بـ”السياسات الانعزالية” التي قال محللون إن ترامب قد يتبناها في ظل التفاته لإصلاح الأوضاع الداخلية الأميركية. كما تراجع ترامب عن التصعيد ضد الصين، ووصف لقاءه مع الرئيس الصيني شي جين بينغ بـ”الممتاز”، معتبراً أن مسألة التجارة سيبحث بها الطرفان لاحقاً. كذلك تراجع ترامب عن انتقاداته لحلف شمال الأطلسي ووصفِه بـ”المؤسسة البالية التي تجاوزها الزمن”، فاعتبر أن الحلف “حصن للسلام والأمن العالمي” في ظل تأييد أوروبي (ألماني وبريطاني وفرنسي) واسع للتصعيد الأميركي في سورية.

لا يمكن عزل سياسات ترامب تلك، عن أمرين رئيسيين: هيمنة الجنرالات على قرارات البيت الأبيض، ومحاولة ترامب الخروج من مأزق التحقيقات بشأن التدخّل الروسي في الانتخابات الأميركية، وعلاقات أعضاء حملته الانتخابية بروسيا، القضية التي أطاحت بفلين، وكادت أن تطيح بسيشنز، وما زالت لعنتها تلاحق أعضاء إدارة ترامب، من غير جنرالاته.

ترامب جاء بشعارات وأجندة سياسية صيغت أثناء الحملات الانتخابية وفق أهواء “القوميين البيض”، تلك الشعارات التي نجحت في إيصال ترامب إلى البيت الأبيض، لكنه فشل في ترجمتها سياسياً من خلال إدارته. فقرار ترامب حظر دخول مواطني سبع دول إسلامية، ثم ست دول إسلامية، أو ما يعرف بقرار حظر دخول المسلمين، كلها عُطلت من القضاء الأميركي. ومحاولات استبدال قانون التأمين الصحي (أوباما كير) فشلت أيضاً، على الرغم من كون رفض (أوباما كير) محط دعم جمهوريي الكونغرس. كما أن رغبة ترامب بالتقارب مع روسيا أُفشلت، ودفعه للتصعيد مع الصين كذلك. وفي ظل التصعيد ضد كوريا الشمالية والنظام السوري وإيران، يبدو ترامب بحاجة أكثر إلى حلفاء أميركا التقليديين في أوروبا والمنطقة العربية وبحر الصين الجنوبي.

أولويات “القوميين البيض” المتمثلة بإلغاء اتفاقيات التجارة العالمية والانكفاء، وترسيخ سياسات عنصرية في الداخل، لم تعد أولويات الرئيس الأميركي، في ظل تبنّيه سياسات البنتاغون التقليدية تجاه الأمن العالمي. سياسات البنتاغون “الصقورية” ستبهج ترامب أيضاً، فهي تُظهر قطيعة مع أوباما الذي وقف وحيداً ضد جنرالاته الذين تم تحجيمهم خلال فترتيه الرئاسيتين. كما أنها تظهر ولو شعبياً أن ترامب نجح في “جعل أميركا عظيمة” لا عبر إلغاء اتفاقيات التجارة العالمية، وإنما بضربات التوماهوك على سورية، واستخدام “أم القنابل” في أفغانستان، وتحريك ثلاث حاملات طائرات (كارل فينسون ورونالد ريغان ونيمتز) باتجاه شبه الجزيرة الكورية، أي عودة الولايات المتحدة للعب دور “شرطي العالم”.

ترامب: أنا صانع استراتيجيتي

خرج الرئيس الأميركي عن صمته بعد تصاعد الخلافات بين كبير استراتيجيي البيت الأبيض ستيف بانون، وصهر ترامب، جاريد كوشنر، وأدلى بتصريحات قُرئت على نطاق واسع بأنها مقدّمة لطرد بانون من دائرة التأثير في الإدارة الأميركية. وقال ترامب في تصريحات لصحيفة “نيويورك بوست” في 11 إبريل/نيسان الحالي: “يعجبني ستيف، لكن كما تذكر هو لو ينضم إلى حملتي (الانتخابية) إلا متأخراً جداً”. وأضاف الرئيس الأميركي: “لقد هزمت كل أعضاء مجلس الشيوخ وكل حكّام الولايات (المرشحين في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري) قبل أن أعرف ستيف. أنا صانع استراتيجيتي، ولم أكن لأغير استراتيجيتي لأواجه هيلاري”، في إشارة إلى عدم لعب بانون أي دور هام في صياغة استراتيجية ترامب الانتخابية.

وختم ترامب حديثه للصحيفة بالقول: “ستيف رجل جيد، لكنني أخبرتهما (ستيف وكوشنر) إن لم يصلحا الأمور سأقوم أنا بإصلاحها”. ومن المستبعد أن يقوم ترامب بـ”إصلاح الأوضاع” ضد أهواء صهره كوشنر، ما يضع بانون في دائرة الخطر حتى حين. ووُصف بانون بأنه “رئيس الظل” في البيت الأبيض في أسابيع إدارة ترامب الأولى، إلا أن دوره بدأ بالخفوت بعد تبنّي ترامب سياسات خارجية جمهورية تقليدية، وفشل إدارته في فرض أجندة بانون والمقربين منه والتي تتعلق بالتجارة العالمية وتغيير قانون التأمين الصحي، ومنع دخول مواطني دول إسلامية إلى الأراضي الأميركية.

وكان بانون قد اتهم كوشنر بأنه “ديمقراطي” بسبب خلافاتهما حول الأجندة الاقتصادية، خصوصاً بعد تعيين كوشنر مقربين منه من مؤسسة “غولدمان ساكس”، وهما غاري كوهن ودينا باول، في مناصب بإدارة ترامب. وشنّ موقع “بريتبارت” المقرب من بانون، هجوماً على كوشنر، واصفاً إياه بـ”الديمقراطي عديم الخبرة”. وبهذا يصبح بانون على عداء معلن مع مستشار الأمن القومي ماكماستر، الذي طلب إقالته من مجلس الأمن القومي. علاوة على كوشنر، زوج إيفانكا ابنة ترامب، في ظل تسريبات حول لعب الأخيرة دوراً كبيراً في التأثير على قرارات والدها السياسية، ولا سيما بعد أن أصبح لها مكتب في البيت الأبيض، باعتبارها “مستشارة” للرئيس، من دون أن يكون لها منصب رسمي بهذا المسمى.

(صحيفة العربي الجديد)

https://www.alaraby.co.uk/politics/2017/4/28/%D8%A7%D9%86%D9%82%D9%84%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A6%D8%A9-%D9%8A%D9%88%D9%85-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D9%85%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%8A%D8%B6-%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%85%D8%A8-%D8%A8%D9%82%D8%A8%D8%B6%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%B1%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA