فوضى الصناديق

في محاضرته الشهيرة “قصة عقلين” والتي يتحدث فيها مارك جونجر عن الاختلافات بين طريقة تفكير المرأة وطريقة تفكير الرجل، وبغض النظر عن صحة أفكاره تلك وصياغتها الكوميدية، إلا أن فكرة “الصناديق” المنفصلة استهوتني.

قمت بتسمية صناديق عقلي المتخيلة، وأصبحت أًخمن أحجامها وأشكالها، والقصص التي بداخلها. لا أستطيع أخذكم في جولة عبر كل الصناديق، لكن سأحاول الحديث عن بعضها.

سأتحدث أولاً عن صندوقي المفضل، وهو “الفراغ” وهو الذي تحدث عنه جونجر بشكل حرفي “Nothing Box”.

الفراغ صندوق متوسط الحجم (أفهم أن الفراغ لا يستلزم مساحة، ويمكن أن يكون الصندوق شديد الصغر، لكنه متوسط الحجم لسبب أجهله، كما أجهل أن يكون للفراغ حيز، صندوق). أقوم باستخدامه عدة مرات يومياً. في هذا الصندوق الفارغ أسرح أوقات طويلة، وعندما يسألني أحدهم: بماذا تفكر؟ وأجيبه “لا شيء” أكون صادقاً تماماً لحظتها، أو أظن ذلك على الأقل.

الصندوق الثاني كثير الاستخدام هو “قصص تنساها خلال 24 ساعة” وهو صندوق بمثابة سلة مهملات محددة الوقت، تبرمجت وفق شعار “المحتويات تحذف بعد 24 ساعة”. كل اللحظات الحرجة العابرة، هفوات اللسان المؤذية، الحماقات اليومية المعتادة، توضع في هذا الصندوق. بعضها يحذف فعلاً بعد 24 ساعة، لكن بعضها يبقى في الذاكرة بصورة غامضة، كجرثومة أو فايروس خامل، قد ينشط في أي لحظة، قد يتحول لصناديق أخرى رغم إرادتي، وهذا مزعج.

الصندوق الثالث  اكتشفته مؤخراً، يحمل عنوان “مشاريع ملعونة”. لا أعرف إن كان صندوقاً قديماً اختار أن يثور فجأة، أو صندوق جديد كلياً.

كانت المشاريع المؤجلة في السنوات السابقة تهيم على وجهها في عقلي دون مستقر. اتعثر بها أحياناً بين الصناديق، ويطويها النسيان غالباً. لكن بعد بلوغي الثلاثين غيرت “مشاريعي المؤجلة” من نمط تعاملها معي، وأصبحت أكثر قوة وتماسكاً، وتجمعت في صندوق بشع وثقيل، يقلق راحتي كل لحظة، أصبحت لعنة. لا أظن أنني قادر على تجاهلها بعد الآن. لن أقول أنه صندوق متعفن كجثة، لكنه معتم، ولا يشبه الشعارات المشرقة التي تطلق على المستقبل عادة، ذلك الذي لن نراه على الأرجح بسبب حرب نووية قريبة، مؤجلة، مثل مشاريع هذا الصندوق.

أكثر الصناديق إثارة للجدل في عقلي، صندوق “النسيان”. وهو يحوي كل ما لا أريد تذكره. عندما أقذف شيئاً في صندوق النسيان، يبدأ بمطاردتي. رائحته تصبح في كل خلاياي. أستطيع أن أراه في كل النواحي. صندوق النسيان هو أكثر صناديقي اضطراباً، وكلما ألقيته بعيداً في مخازن العقل، وجدته مرتزاً في صدارة الأشياء. صندوق النسيان ضد اسمه، وكأنه صندوق التذكر الأبدي.

للصناديق روح، ولها مادة تكونها. للصناديق رائحة، وسطح يمكن لمسه. للصناديق صوت تصدره عند ارتطامها بأرضية مكان، وبعضها يعزف كعلبة موسيقى، وأخرى تنشز وتزعج مثل التنك . للصناديق تاريخ صلاحية لا نعرفه. للصناديق لون، بل لها طعم يمكن تذوقه، يشبه طعم أشجار الغابات الاستوائية. للصناديق أنظمة سلامة، ومخارج طوارئ، لو أخفقنا في صيانتها قد نخسر كل شيء، فالصناديق في نهاية المطاف، قابلة للاشتعال. لكن، هل تعرفون الفوضى الهائلة التي تحيط بكل هذه الصناديق لحظات ما قبل النوم؟

عشرة أغاني عراقية عليك أن تسمعها قبل أن تموت

يمكن وضع قوائم تحوي مئات الأغاني العراقية الرائعة، لا 11 أو 12 أغنية كما فعلت في هذه التدوينة. لكن الاختيار هنا شخصي إلى حد كبير.

قد يتقاطع اختياري مع تفضيلات الفنان أو الجمهور، على الأرجح سيعتبر جمهور فؤاد سالم أغنية (مشكورة) أهم أغانيه، لكن هذا لا يحدث كثيراً في هذه القائمة، ولم اختار الأغاني وفق هذا المعيار. اخترت أغنية “مسافرين” لياس خضر، بينما جمهور ياس خضر قد يفضل “حن وأنا احن” وقد يفضل ياس أغنيته “اعزاز” كما يقول في مقابلاته. اخترت أغنية “البارحة” لسعدون جابر بينما الفنان قد يفضل “يا طيور الطايرة” وجمهوره قد يفضل “عشرين عام”.

اخترت أغنية فاضل عواد “حاسبينك” ليس لأنها أجمل من “لاخبر” فقط، ولكن لأن الأغنية الأخيرة مشهورة جداً، وأشعر أن “حاسبينك” لم تُسمع كما يليق بها أن تُسمع. وهذا ينطبق على ناظم الغزالي أيضاً، والذي لم أختر له أغنية رغم أنه واحداً من أهم الفنانين العراقيين في القرن العشرين، وهذا مرتبط بمحدودية القائمة وشهرة الغزالي الهائلة. وهذا ينطبق على سليمة مراد، ومحمد القبنجي، وغيرهم من الفنانين العراقيين الكبار الغائبين عن هذه التدوينة.

استبعدت مطربي الريف العراقي رغم روعة أغانيهم، حضيري بوعزيز وداخل حسن يستحقون أيضاً أن يكونوا في القائمة، ولكن هذا لم يحدث. ربما لأن المزاج العام الذي حكم هذه القائمة أن تكون مختصرة، وطربية، وبتسجيلات واضحة قدر الإمكان.

ترددت كثيراً في وضع أغنية ليوسف عمر في القائمة، رغم كونه أفضل فنان عراقي عندي مطلقاً. والسبب أن صوته وأسلوبه في الغناء قد لا يعجب الكثير، وتسجيلاته الواضحة قليلة، لكن هذه القائمة أيضاً لا تخضع لهذا المعيار.

لا يوجد معيار يتعلق بالزمن، أو نوع الأغاني. كما أن الترتيب “شبه” عشوائي.

كنت أود الكتابة عن كل أغنية بصورة محددة، لكنني تراجعت، الكتابة عن الأغاني صعبة جداً، خاصة تلك التي تتعلق بمشاعرك تجاه هذه الأغنية أو تلك، لذا تركت الأغاني “عارية” أدناه.

 

 

ياس خضر – مسافرين

https://soundcloud.com/ali-mansoury-1/sbcaewkisggd

 

فاضل عواد – حاسبينك

https://soundcloud.com/dayes-m/rgpowsjbvg63

 

رياض أحمد – مرة ومرة

https://soundcloud.com/maharezeq/vr2vlscsrtc4

 

حسين نعمة – شكَد صار أعرفك

https://soundcloud.com/ab_eer-1/p0sx7vz17plp

 

حسين الأعظمي – مقام نهاوند

https://soundcloud.com/shadymasood/maqam-nahawand-hussein-al-adhami

 

حميد منصور – سلامات

https://soundcloud.com/balrashed5/lpqvigvn63iz

 

فؤاد سالم – مشكورة

https://soundcloud.com/10planet/qrzqmviypgjf

 

سعدون جابر – البارحة

 

https://soundcloud.com/balrashed/i2atk8bmvyfo

 

طالب القرغولي – الخلخال

https://soundcloud.com/balrashed555/hkc6fjidytpi

 

 

قحطان العطار – على الميعاد

https://soundcloud.com/bassam-alkhalde/uxnf074uxo3z

 

يوسف عمر – مالي أرى القلب (مقام نهاوند)

https://soundcloud.com/balrashed55/ppo4jtdmuj0s

 

صالح الكويتي وداود الكويتي – وين العهد

https://soundcloud.com/saad_f/wain_al3had

 

 

وعود ميلان كونديرا في الرواية – الجهل

لم أشعر برغبة الكتابة عن رواية، مثل رواية ميلان كونديرا “الجهل”، العمل الذي شعرت به يطاردني لأسابيع، رغم قصره. لدي حب خاص لكونديرا رغم أنني لم أقرأ له – قبل الجهل – إلا عملاً واحداً، هو “كائن لا تحتمل خفته” أو “خفة الكائن التي لا تحتمل” باختلاف الترجمات التي فشلت غالباً في ترجمة عنوان الرواية الذي يتحدث عن “الكينونة” لا “الكائن” إن صحت ترجمة (Be) الإنجليزية إلى كينونة، لعدم وجود مرادف “مباشر” لها في اللغة العربية.
راودني السؤال التقليدي، الذي أظنه يصادف أي قارئ لكونديرا، ويتحدث عنه نقاده باستمرار، أعني ذلك المتعلق باستطراداته الفلسفية، وشخصياته التي تبدو غالباً بمستوى ثقافي واحد. وهنا أتذكر أن الروائي السعودي فهد العتيق، وهو بالمناسبة قد كتب إحدى أفضل الروايات السعودية رغم قصرها، أعني “كائن مؤجل”، تحدث مراراً عن تلك “المشكلة” عند كونديرا، مرة قبل سنتين أو ثلاثة إن لم تخني الذاكرة، ومرة قبل قرابة العشرة سنوات.
في رواية “الجهل” يبدو التنظير أكثر وضوحا، ومباشرة، من رواية “خفة الكائن التي لا تحتمل” بسبب الموضوع على الأرجح والذي يدور حول الغربة، وبسبب قصر الرواية. تداخل الأصوات في الرواية يصل لحدودة القصوى، تشعر هنا أن كونديرا يتكلم بنفسه، وهنا الراوي، وهنا الشخصية، لكن كل الأصوات لا تختلف عن كاتبها في طريقة التفكير، كما تشعر أن الشخصيات تتوافق ثقافيا، أو بتعبير أخر “كلهم فلاسفة” كما يعبر العتيق إن لم تخني الذاكرة. لكن السؤال فعلاً: ما المشكلة؟!
صحيح أن هناك نظرة كلاسيكية للرواية، تركز على تباين الشخصيات، وعمقها، وغياب الاستطرادات والتنظيرات المباشرة باعتبارها مملة، لصالح الحبكة والسرد والتنوع والعمق في القص والرواية، إلا أن وعود كونديرا تبدو مغايرة، فهو يقول لك أنه يكسر كل هذا، ويقدم تنظيراً محضاً تارة، وشخصيات متشابة تارة أخرى، واستطرادات فلسفية مطولة، ويستشهد بكتّاب وقواميس وكتب في روايته، إلا أن هذا لا يقلل من قيمة روايته!
وكأن وعود كونديرا أن يكتب بشكل يخالف القواعد، ليقول أنه لا توجد قواعد، وهذا صحيح. ربما يقوم كاتب بالكتابة بنفس الطريقة، لكننا نعتبر عمله تافهاً ومملاً، ومليئاً بالحشو والاستطرادات التي بلا قيمة، ثم نعود للحديث عن القواعد، وهذا يحدث أيضاً.
ربما نجد نفس هذه الملامح في روايات أخرى، إلا أننا لا نعتبرها سمة رئيسية كما نتحدث عنها في أعمال كونديرا. إن لم أكن واهماً، فقد قام بهذه الاستطرادات الفلسفية جوزية ساراماغو في رواية “قايين” وربما في “انقطاعات الموت”. في رواية “قايين” كان صوت ساراماغو صاخباً، وساخراً، وحاضراً بشكل مكثف في الرواية.
في رواية “الجهل” يتحدث كونديرا عن الغربة والوطن، والعودة بعد طول غياب. وتبدو استعارة الجهل لوصف الغربة ملفتاً ومثيراُ، يبدأ كونديرا روايته وكأنها كتاب لغوي، يتحدث فيه عن جذور كلمة غربة واستعارتها في لغات مختلفة، يكتب: “يبدو الحنين كأنه مكابدة الجهل. أنت بعيد ولا أعرف كيف أصبحت. بلدي بعيد ولا أعرف ما يحدث فيه”. ثم تأتي قصة مهاجرين من التشيك، هاجرا إلى فرنسا لعقدين من الزمن، ثم بعد انهيار النظام الشيوعي في براغ جاءت لحظة مواجهة أسئلة الوطن والغربة والعودة والمهجر من جديد. لحظة إعادة تعريف كل شيء.