وعود ميلان كونديرا في الرواية – الجهل

لم أشعر برغبة الكتابة عن رواية، مثل رواية ميلان كونديرا “الجهل”، العمل الذي شعرت به يطاردني لأسابيع، رغم قصره. لدي حب خاص لكونديرا رغم أنني لم أقرأ له – قبل الجهل – إلا عملاً واحداً، هو “كائن لا تحتمل خفته” أو “خفة الكائن التي لا تحتمل” باختلاف الترجمات التي فشلت غالباً في ترجمة عنوان الرواية الذي يتحدث عن “الكينونة” لا “الكائن” إن صحت ترجمة (Be) الإنجليزية إلى كينونة، لعدم وجود مرادف “مباشر” لها في اللغة العربية.
راودني السؤال التقليدي، الذي أظنه يصادف أي قارئ لكونديرا، ويتحدث عنه نقاده باستمرار، أعني ذلك المتعلق باستطراداته الفلسفية، وشخصياته التي تبدو غالباً بمستوى ثقافي واحد. وهنا أتذكر أن الروائي السعودي فهد العتيق، وهو بالمناسبة قد كتب إحدى أفضل الروايات السعودية رغم قصرها، أعني “كائن مؤجل”، تحدث مراراً عن تلك “المشكلة” عند كونديرا، مرة قبل سنتين أو ثلاثة إن لم تخني الذاكرة، ومرة قبل قرابة العشرة سنوات.
في رواية “الجهل” يبدو التنظير أكثر وضوحا، ومباشرة، من رواية “خفة الكائن التي لا تحتمل” بسبب الموضوع على الأرجح والذي يدور حول الغربة، وبسبب قصر الرواية. تداخل الأصوات في الرواية يصل لحدودة القصوى، تشعر هنا أن كونديرا يتكلم بنفسه، وهنا الراوي، وهنا الشخصية، لكن كل الأصوات لا تختلف عن كاتبها في طريقة التفكير، كما تشعر أن الشخصيات تتوافق ثقافيا، أو بتعبير أخر “كلهم فلاسفة” كما يعبر العتيق إن لم تخني الذاكرة. لكن السؤال فعلاً: ما المشكلة؟!
صحيح أن هناك نظرة كلاسيكية للرواية، تركز على تباين الشخصيات، وعمقها، وغياب الاستطرادات والتنظيرات المباشرة باعتبارها مملة، لصالح الحبكة والسرد والتنوع والعمق في القص والرواية، إلا أن وعود كونديرا تبدو مغايرة، فهو يقول لك أنه يكسر كل هذا، ويقدم تنظيراً محضاً تارة، وشخصيات متشابة تارة أخرى، واستطرادات فلسفية مطولة، ويستشهد بكتّاب وقواميس وكتب في روايته، إلا أن هذا لا يقلل من قيمة روايته!
وكأن وعود كونديرا أن يكتب بشكل يخالف القواعد، ليقول أنه لا توجد قواعد، وهذا صحيح. ربما يقوم كاتب بالكتابة بنفس الطريقة، لكننا نعتبر عمله تافهاً ومملاً، ومليئاً بالحشو والاستطرادات التي بلا قيمة، ثم نعود للحديث عن القواعد، وهذا يحدث أيضاً.
ربما نجد نفس هذه الملامح في روايات أخرى، إلا أننا لا نعتبرها سمة رئيسية كما نتحدث عنها في أعمال كونديرا. إن لم أكن واهماً، فقد قام بهذه الاستطرادات الفلسفية جوزية ساراماغو في رواية “قايين” وربما في “انقطاعات الموت”. في رواية “قايين” كان صوت ساراماغو صاخباً، وساخراً، وحاضراً بشكل مكثف في الرواية.
في رواية “الجهل” يتحدث كونديرا عن الغربة والوطن، والعودة بعد طول غياب. وتبدو استعارة الجهل لوصف الغربة ملفتاً ومثيراُ، يبدأ كونديرا روايته وكأنها كتاب لغوي، يتحدث فيه عن جذور كلمة غربة واستعارتها في لغات مختلفة، يكتب: “يبدو الحنين كأنه مكابدة الجهل. أنت بعيد ولا أعرف كيف أصبحت. بلدي بعيد ولا أعرف ما يحدث فيه”. ثم تأتي قصة مهاجرين من التشيك، هاجرا إلى فرنسا لعقدين من الزمن، ثم بعد انهيار النظام الشيوعي في براغ جاءت لحظة مواجهة أسئلة الوطن والغربة والعودة والمهجر من جديد. لحظة إعادة تعريف كل شيء.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s