عندما تستيقظ الحياة باكرا

هنا ..

إذا استيقظت باكرا؛

لا يصادفني غناء العصافير

 ولا تفتح الأزهار عند سور بيتي.

لا أرى السناجب تلاعب بعضها في الحديقة

تتسلق أشجارا لا أعرف اسمها.

هنا ..

لا يتساقط على كتفي رذاذ المطر،

وأنا في طريقي إلى محطة القطار.

لا أصادف – هنا – جاري العجوز يهرول مع جروه القبيح

فأحاول التبسم مخفيا تقززي من حيوانه الكريه.

هنا..

لا اشم رائحة العشب المشبع بالندى

ولا أرى فتاة تستر تكور نهدها،

 برفع طرف قميصها الشفاف الذي لا يستر شيئا من عريها.

لا يزعجني صوت الأوز الذي يستوطن نهرا يتدفق عنوة.

هنا..

عندما تستيقظ الحياة باكرا؛

بلهيبها وسمومها، بشمسها الحارقة وجفافها،

برسائل حالة الطقس، المشبع بالأتربة حسب وكالة الأنباء،

أهرب منها إلى النوم.

اللحظة الراهنة يا ابن …

كل المشكلة أننا لا نعرف كيف سينتهي كل هذا الأمر، نبدأ به، ونخوضه، نسير إثر خطاه، نتبعه، ونتيه في طرقاته، ولكننا حقيقة لا نعرف أي شيء عما سيحدث – إذا استثنينا أن العالم سنيتهي في 21/12/12 – فلا شيء يبدوا موكدا سوى شعورنا بالتيه..  التيه والألم.

دائما ما كان الحديث عن السعادة مرتبط بالحديث عن “العيش في اللحظة الراهنة”  و”الاستغراق في لحظتنا ” دع التفكير في الماضي وعذاباته، المستقبل وما هو  غيب في حياتك، وركز كل تفكيرك في لحظتك الراهنة ، لتعش السعادة الحقيقية.. جميل لكن هذا مجرد هراء.

إذا استثنينا أن اللحظة الراهنة هي لحظة بائسة اقتصاديا وسياسيا في كل العالم، وقلنا بأني أعيش بأنانية كافية لأصم أذني عن كل هذا، وأعيش لنفسي فقط، ومحيط أصدقائي في الإستراحة أو من أتابع في تويتر، فتبقى مقولة “اللحظة الراهنة” هراء أيضا.

حتى لو استثنينا كون بعض الشباب السعودي يشجع نادي النصر مما يسبب لهم عذابات مستمرة لا حد لها .. تبقى حكاية اللحظة الراهنة هراء أيضا.

حتى بالنسبة لعشاق الفنانة “مدونا” تبقى مقولة اللحظة الراهنة مجرد هراء، مدونا التي لا أحد أبدا اهتم بعرضها بأن تتعرى لو فاز باراك أوباما بفترة رئاسية ثانية، وقد فعل، ولا أدري إن فعلت، لأني لا أهتم.

حتى لو كنت من عشاق المطرب الإيرانية قوقوش واكتشفت أنها عادت للغناء قبل 13 سنة بعد انقطاع 30 سنة ، ستبقى مقولة اللحظة الراهنة مجرد هراء.

حتى وإن كنت من عشاق الفنان عوض دوخي وبالمصادفة سمعت له أغنية لم تسمعها من قبل، واستغرقت في لحظتك الراهنة، ستبقى هراء، حتى لو لم ينقطع الإنترنت أو يحبط تحميل الصفحة من موقع اليوتيوب. اللحظة الراهنة مجرد ترهات.

حتى لو فرحت بطلاق الفنانة صباح للمرة الألف، وقررت أن حلم طفولتك أصبحا قريب المنال، بل حتى لو كنت الزوج رقم ألف للفنانة صباج، ستبقى اللحظة الراهنة مجرد هراء.

لا يوجد شيء حقيقي يسمى “اللحظة الراهنة” لا توجد “لحظة راهنة” بل نحن رهائن لماضينا ومستقبلنا ومحكومون بهدر حاضرنا لهذا.

لا توجد لحظة راهنة لأننا مفتونون بالنهايات، والبدايات. لأنها دائما تسأل: ماذا أحببت بي عندما شاهدتني أول مرة ؟ وهل ستتركني؟ لأنها تفعل هذا.. ولأنك تكرر ذات الإجابات المملة،  فلا معنى لأي لحظة راهنة.

لا معنى للحظة الراهنة وأنت تتنظر بداية دراستك، نهاية دراستك، تخرجك، نتيجة اختباراتك، ونتائج قبولك، موعد المقابلة الشخصية للوظيفة الجديدة، موعدك في السفارة لإصدار فيزا هجرة، موعدك في المحكمة سبب رتويت ارتكبته  قد يكلفك خمس سنوات سجن وثلاث ملايين غرامة، موعد والدتك في المستشفى، موعد مباراة الديربي في الليجا، موعد سفر زوجة صاحبك لكي تواعد حبيبتك في شقته، موعد حصولك على رخصة قيادة، موعد موت حماتك لكي ترتاح من غثيانها على أذنيك ، ونتائج الاستفتاء على دستور بلدك … عفوا: نتيجة التصويت على بناء المراحيض في بلدك.

لا معنى للحظة الراهنة وأنت تنتظر راتبك أخر الشهر، وتنظر لحسابك البنكي كل دقيقة ولا تهدأ حتى تغير الرقم..لصالحك.

كيف يمكن أن أعيش في اللحظة الراهنة وأنت ترى حياتنا بكل هذا التعقيد والتشابك، هل أنت مجنون؟

من يخبرك بأن مفتاح السعادة هو أن تعيش في الحظة الراهنة، خذه واتركه في وسط الربع الخالي، وقل له: عش لحظتك الراهنة يا ابن …

http://www.wadmadani.com/html/mustafa/m014.htm

http://www.youtube.com/watch?v=yF6kqS7xFek

في مديح التجاهل

ليس للحياة أن تخضع للعقل، لأن هدفها العيش وليس العلم.
أونامونو

لحظة تعيسة تلك التي تحاول فيها أن تبرر نفسك للأخرين. تحاول أن تشرح لهم سببا لشيء ارتكبته.

مجرد محاولة تبرير أفعالك هي خيانة لإنسانيتك، فأغلب تصرفاتنا ليست مبررة وليست نتيجة تفكير عقلاني عميق، تصرفاتنا تحدث فقط، لا نستطيع تبريرها، وهي أقرب إلى العبثية منها إلى أي شيء قابل للعقلنة. وإن تحدثنا عن دوافعها الاجتماعية النفسية فإن حديثنا لا يعدو كونه تخمينات فاسدة على الأرجح، تزيد من كفاءة التحايل على الذات فقط.

لن اتحدث عن الأخرين، سأتحدث عن نفسي هنا أكثر.

نعم الكثير من تصرفاتي لا أستطيع تبريرها، لا أستطيع تبرير نومي لساعات طويلة، أو عدم ردي على أرقام الهاتف التي لا أعرفها، أو عنادي الشديد مع من يكرر اتصاله علي بحيث أني أقابل اتصالاته بالتجاهل التام.

لا أستطيع تبرير خوفي من كلمة “أحبك” أو كراهيتي لاهتمام الأخرين بي، وإحباطي لعدم اهتمامهم، أو عدم فتحي لبرنامج الواتساب لساعات، أو قضائي وقت طويل في المطبخ.

كثيرا ما كانت ردود فعلي على بعض الأخطاء أسوأ من الخطأ نفسه.

كثيرا ما كانت محاولة عقلنة هذه التصرفات وإيجاد مبرر لها عملية مزعجة بلا معنى، لن تصل إلى أي نتيجة .

كثيرا ما كانوا يطالبون مني أي تبرير، بل كانوا يوحون إلي ببعض الكذبات لاستخدامها، لكني أعرض عن هذا، واكتفي بالصمت. نعم أنا لا أجد تبريرا لتصرفاتي، واكتفي بالهروب فقط.

كثيرا ما كان الكسل، وانعدام المزاج، سببا كافيا لأشياء كثيرة، لكنه المبرر الذي لن يقبله منك أحد على الأرجح، ولا يعتبر سببا بقدر ما هو نتيجة لشيء ما، غير مبرر، ولا نستطيع فهمه.

من يدعي أن كل التصرفات البشرية مبررة عقلانيا هو كاذب أو مجنون.

حياتنا  لا تحكمها معادلات رياضية، حياتنا محكومة ببشريتنا، محكومة بضعفنا، بإدعاءاتنا، بتأرجح مشاعرنا، وبالأوهام التي نخلقها عن أنفسنا.

لا أستطيع تبرير أفعالي، كما أني لا أستطيع تبرير حبي لها، ولا أستطيع تبرر تضخم مخاوفي من الحياة، أو عدم اهتمامي بأحاديث الآخرين.

حياتنا محكومة بالكثير من الأوهام وبعض الأكاذيب التي نرتكبها ونصدقها في النهاية.