عندما تستيقظ الحياة باكرا

هنا ..

إذا استيقظت باكرا؛

لا يصادفني غناء العصافير

 ولا تفتح الأزهار عند سور بيتي.

لا أرى السناجب تلاعب بعضها في الحديقة

تتسلق أشجارا لا أعرف اسمها.

هنا ..

لا يتساقط على كتفي رذاذ المطر،

وأنا في طريقي إلى محطة القطار.

لا أصادف – هنا – جاري العجوز يهرول مع جروه القبيح

فأحاول التبسم مخفيا تقززي من حيوانه الكريه.

هنا..

لا اشم رائحة العشب المشبع بالندى

ولا أرى فتاة تستر تكور نهدها،

 برفع طرف قميصها الشفاف الذي لا يستر شيئا من عريها.

لا يزعجني صوت الأوز الذي يستوطن نهرا يتدفق عنوة.

هنا..

عندما تستيقظ الحياة باكرا؛

بلهيبها وسمومها، بشمسها الحارقة وجفافها،

برسائل حالة الطقس، المشبع بالأتربة حسب وكالة الأنباء،

أهرب منها إلى النوم.

اللحظة الراهنة يا ابن …

كل المشكلة أننا لا نعرف كيف سينتهي كل هذا الأمر، نبدأ به، ونخوضه، نسير إثر خطاه، نتبعه، ونتيه في طرقاته، ولكننا حقيقة لا نعرف أي شيء عما سيحدث – إذا استثنينا أن العالم سنيتهي في 21/12/12 – فلا شيء يبدوا موكدا سوى شعورنا بالتيه..  التيه والألم.

دائما ما كان الحديث عن السعادة مرتبط بالحديث عن “العيش في اللحظة الراهنة”  و”الاستغراق في لحظتنا ” دع التفكير في الماضي وعذاباته، المستقبل وما هو  غيب في حياتك، وركز كل تفكيرك في لحظتك الراهنة ، لتعش السعادة الحقيقية.. جميل لكن هذا مجرد هراء.

إذا استثنينا أن اللحظة الراهنة هي لحظة بائسة اقتصاديا وسياسيا في كل العالم، وقلنا بأني أعيش بأنانية كافية لأصم أذني عن كل هذا، وأعيش لنفسي فقط، ومحيط أصدقائي في الإستراحة أو من أتابع في تويتر، فتبقى مقولة “اللحظة الراهنة” هراء أيضا.

حتى لو استثنينا كون بعض الشباب السعودي يشجع نادي النصر مما يسبب لهم عذابات مستمرة لا حد لها .. تبقى حكاية اللحظة الراهنة هراء أيضا.

حتى بالنسبة لعشاق الفنانة “مدونا” تبقى مقولة اللحظة الراهنة مجرد هراء، مدونا التي لا أحد أبدا اهتم بعرضها بأن تتعرى لو فاز باراك أوباما بفترة رئاسية ثانية، وقد فعل، ولا أدري إن فعلت، لأني لا أهتم.

حتى لو كنت من عشاق المطرب الإيرانية قوقوش واكتشفت أنها عادت للغناء قبل 13 سنة بعد انقطاع 30 سنة ، ستبقى مقولة اللحظة الراهنة مجرد هراء.

حتى وإن كنت من عشاق الفنان عوض دوخي وبالمصادفة سمعت له أغنية لم تسمعها من قبل، واستغرقت في لحظتك الراهنة، ستبقى هراء، حتى لو لم ينقطع الإنترنت أو يحبط تحميل الصفحة من موقع اليوتيوب. اللحظة الراهنة مجرد ترهات.

حتى لو فرحت بطلاق الفنانة صباح للمرة الألف، وقررت أن حلم طفولتك أصبحا قريب المنال، بل حتى لو كنت الزوج رقم ألف للفنانة صباج، ستبقى اللحظة الراهنة مجرد هراء.

لا يوجد شيء حقيقي يسمى “اللحظة الراهنة” لا توجد “لحظة راهنة” بل نحن رهائن لماضينا ومستقبلنا ومحكومون بهدر حاضرنا لهذا.

لا توجد لحظة راهنة لأننا مفتونون بالنهايات، والبدايات. لأنها دائما تسأل: ماذا أحببت بي عندما شاهدتني أول مرة ؟ وهل ستتركني؟ لأنها تفعل هذا.. ولأنك تكرر ذات الإجابات المملة،  فلا معنى لأي لحظة راهنة.

لا معنى للحظة الراهنة وأنت تتنظر بداية دراستك، نهاية دراستك، تخرجك، نتيجة اختباراتك، ونتائج قبولك، موعد المقابلة الشخصية للوظيفة الجديدة، موعدك في السفارة لإصدار فيزا هجرة، موعدك في المحكمة سبب رتويت ارتكبته  قد يكلفك خمس سنوات سجن وثلاث ملايين غرامة، موعد والدتك في المستشفى، موعد مباراة الديربي في الليجا، موعد سفر زوجة صاحبك لكي تواعد حبيبتك في شقته، موعد حصولك على رخصة قيادة، موعد موت حماتك لكي ترتاح من غثيانها على أذنيك ، ونتائج الاستفتاء على دستور بلدك … عفوا: نتيجة التصويت على بناء المراحيض في بلدك.

لا معنى للحظة الراهنة وأنت تنتظر راتبك أخر الشهر، وتنظر لحسابك البنكي كل دقيقة ولا تهدأ حتى تغير الرقم..لصالحك.

كيف يمكن أن أعيش في اللحظة الراهنة وأنت ترى حياتنا بكل هذا التعقيد والتشابك، هل أنت مجنون؟

من يخبرك بأن مفتاح السعادة هو أن تعيش في الحظة الراهنة، خذه واتركه في وسط الربع الخالي، وقل له: عش لحظتك الراهنة يا ابن …

http://www.wadmadani.com/html/mustafa/m014.htm

http://www.youtube.com/watch?v=yF6kqS7xFek

في مديح التجاهل

ليس للحياة أن تخضع للعقل، لأن هدفها العيش وليس العلم.
أونامونو

لحظة تعيسة تلك التي تحاول فيها أن تبرر نفسك للأخرين. تحاول أن تشرح لهم سببا لشيء ارتكبته.

مجرد محاولة تبرير أفعالك هي خيانة لإنسانيتك، فأغلب تصرفاتنا ليست مبررة وليست نتيجة تفكير عقلاني عميق، تصرفاتنا تحدث فقط، لا نستطيع تبريرها، وهي أقرب إلى العبثية منها إلى أي شيء قابل للعقلنة. وإن تحدثنا عن دوافعها الاجتماعية النفسية فإن حديثنا لا يعدو كونه تخمينات فاسدة على الأرجح، تزيد من كفاءة التحايل على الذات فقط.

لن اتحدث عن الأخرين، سأتحدث عن نفسي هنا أكثر.

نعم الكثير من تصرفاتي لا أستطيع تبريرها، لا أستطيع تبرير نومي لساعات طويلة، أو عدم ردي على أرقام الهاتف التي لا أعرفها، أو عنادي الشديد مع من يكرر اتصاله علي بحيث أني أقابل اتصالاته بالتجاهل التام.

لا أستطيع تبرير خوفي من كلمة “أحبك” أو كراهيتي لاهتمام الأخرين بي، وإحباطي لعدم اهتمامهم، أو عدم فتحي لبرنامج الواتساب لساعات، أو قضائي وقت طويل في المطبخ.

كثيرا ما كانت ردود فعلي على بعض الأخطاء أسوأ من الخطأ نفسه.

كثيرا ما كانت محاولة عقلنة هذه التصرفات وإيجاد مبرر لها عملية مزعجة بلا معنى، لن تصل إلى أي نتيجة .

كثيرا ما كانوا يطالبون مني أي تبرير، بل كانوا يوحون إلي ببعض الكذبات لاستخدامها، لكني أعرض عن هذا، واكتفي بالصمت. نعم أنا لا أجد تبريرا لتصرفاتي، واكتفي بالهروب فقط.

كثيرا ما كان الكسل، وانعدام المزاج، سببا كافيا لأشياء كثيرة، لكنه المبرر الذي لن يقبله منك أحد على الأرجح، ولا يعتبر سببا بقدر ما هو نتيجة لشيء ما، غير مبرر، ولا نستطيع فهمه.

من يدعي أن كل التصرفات البشرية مبررة عقلانيا هو كاذب أو مجنون.

حياتنا  لا تحكمها معادلات رياضية، حياتنا محكومة ببشريتنا، محكومة بضعفنا، بإدعاءاتنا، بتأرجح مشاعرنا، وبالأوهام التي نخلقها عن أنفسنا.

لا أستطيع تبرير أفعالي، كما أني لا أستطيع تبرير حبي لها، ولا أستطيع تبرر تضخم مخاوفي من الحياة، أو عدم اهتمامي بأحاديث الآخرين.

حياتنا محكومة بالكثير من الأوهام وبعض الأكاذيب التي نرتكبها ونصدقها في النهاية.

عن الرجل الذي بلا دهشة

السأم يقتل كل شيء، كل ما هنالك حكاية صغيرة، وهشة، تتعلق بمهارة تافهة، وضئيلة – نظنها كذلك إلى أن نفتقدها- وبعد اختفائها نكتشف أنها كل ما نملك، لنعيش.. هنا على الأقل.
عندما نفقد القدرة على الدهشة، نفتقد القدرة على الحياة.
ما معنى أن تعيش بلا دهشة ؟!
أن تقتات على الروتين اليومي؟ أن تأكل يومياً ولأسابيع نفس الوجبة من المطعم ذاته؟ أن تستمع لأشهر لذات الأغنية ؟ أن تخرج يومياً في ذات الساعة ؟ تعود لذات اللحظة ؟ تشاهد ذات القناة ؟ تقابل – مساءً – الصديق ذاته ؟ تجلسون في نفس المكان ؟ تكررون الأحاديث ذاتها ؟ تراسل ذات الأصدقاء ؟ تكتب رسائل الـ SMS نفسها ؟ تنتظر نفس الإجابات ؟
أن تستمع ردود الفعل ذاتها من كل النساء ؟ أن يكررن ذات السيناريو كل مرة ؟ أو تفعل معهن ما تفعله دائماً ؟ أن تعاودك ذات المخاوف؟ أن تهرب بذات اللحظة ؟ أن تراهن متشابهات بشكل مرعب، أن تخمن ردود أفعالهن وتصدق، أن تنبهر بهن من بعيد، وحين تقترب يتطاير كل شيء؟!
أن تسير في الطريق ذاته، أن تخمن ما سيحدث لك بعد ثلاثة أشهر، فيحدث ما خمنته تماماً، أي لا يحدث شيء على وجه الدقة، أي أن تمارس ما هو معتاد، وتعيش ما هو عابر، وتتأمل فيما يغيب عنك، فيرتد كما كل شيء، بلا معنى.
السأم.. أن تعيش ولا تعيش وتموت ولا يأتي الموت ؟
هذا هو السأم .. السأم لا بصفته عدم القدرة على التواصل مع الأشياء من حولك كما يقول ألبرتو مورافيا.. بل السأم بكونه انعدام الدهشة، كما أعيشه تماما.
لا تعجبني كتاباتك يا عبده خال، ولو كنت تملك القليل من بعد النظر، لما كتبت “ليس هناك ما يبهج” بل كتبت “ليس هناك ما يدهش”.
ما يجعل الوضع الأكثر الأسوأ على الإطلاق، ألا خلاص، أبداً.
الموت نافذة وليس نهائية، وبالتالي لا جدوى من الانتحار.
الإنسان محكوم بشقائه وبالتالي لا معنى للهجرة، سوى استبدال بؤس ببؤس.
الحب لا يحمل إلا ما يخدر، ويزجي الوقت.
المال، لا يعني إلا امتلاك شيء من حريتي، كما يقول الممثل جوني ديب.
السلطة، لا أمتلك شهوتها.
لذا لا يتبقى أي شيء للخلاص، سوى الانتظار، والنظر، لعل خلاصاً يطل من حيث لا ندرك.

& & & &

نص قديم كتبته ونشرته في  أحد المنتديات قبل سنوات .

مالم تقله جدتي

 

في كل اللحظات السيئة أتذكرك، تتراءى لي ملامحك، أتهجاها في وجل، أستحضر اللحظات الجميلة التي قضيناها، الأشهر السعيدة التي عشناها، وفجأة تطل في الأفق الكوارث التي غرمتها عن السعادة اللحظية التي جنيت، حزن امتد ويمتد إلى ما لا يطاق، وما لا أدرك أو أعرف.

لم تقل لي جدتي ألا أحفل بالفرح الفاني، ولم أستوعب معنى أن تعول على ما يبيد، ولا معنى أن تحاول أن تعيش وبذات اللحظة أن تكون حارس لمقابر الآخرين، وتحاول أن تتلكأ في دفن جثثهم قدر ما تستطيع، ليحظى محبوهم بالنظرة الأخيرة الأثيرة.

لم أدرك أن كل ما هنا خلق للعبث والهباء، وأن كل ما حولنا عبارة عن فوضى نحاول أن نرتبها قصراً، وألا منطق يحكم ما حولنا، ولكننا نحاول بتفاهة أن نمنطق كل شيء فنفشل، وندرك أن لعبة كبيرة اقحمنا فيها، دون أن يكون للعبة أي قانون، فضلاَ عن فهم شيء.

لم تخبرني أبداً تلك الجدة أي شيء عن الحياة، بالثمانين عاماً التي قضتها على هذا الكون، لم تعرف شيئاً، كل ما عرفته منها أن الحياة ساخرة وعابثة ولا شيء غير هذا، لأي عبثٍ نعيش يا الله؟   

لم تخبرني عن قدري، عن وجوب نزع جلدي لأعيش، لم تقل لي حاول أن تكون وحيداً وهادئاً كي لا تصاب بجلطة عابرة، ولم تقل إلى أي مدى يجب أن أبقى وديعاً ومسالماً حتى لا أدمر الأشياء من حولي، ولا عن الإستراتيجية الأمثل للتخلص من سطوة خيارات الآخرين، اختياراتهم البائسة، حياتهم المقيتة، كيف أمنعهم من هتك روحي، لم تخبرني عن شيء كهذا، كانت فقط تنتظر وتفكر ولا تبالي.

سأخبرها بأني حين أكون وحيداً سأفعل أشياء كثيرة، سأغير جلدي، أبدله مثل ثعبان، ولن يكون لي لون كحرباء سائمة، ولن أكتفي بالابتعاد، بل سأقطع كل شيء، سأجعل ذاكرتي تتمزق وتختبئ، وأعيش حياة أخرى تماماً، ربما سأرتكب الكثير من الحماقات لأمزق ذكريات مدفني المدنسة، ساسم جسدي بالوشوم ، وأطعم أعضائي لقطط جائعة، وأهدي عقلي لعاهرة قبيحة، وسأمارس الصلوات في المقابر، لن أفعل شيئاً كنت أفعله، لن أسمح لأحد بأن يستبيح عقلي أكثر، لن أجعلهم يظهروني كمجنون كلما دعت الحاجة لهذا، ليذهبوا كلهم إلى الجحيم، ليحترقوا في جهنم، ويسمهم مالك سوء العذاب، لا رحمة في قلبي اليوم على أحد، لن أرحم أحداً منهم ولن أجل أحداً منهم ولن أكبر أحداً، كلهم حمقى، وكلهم ناضجون، يجب أن يقفوا أمام خياراتهم وأخطاء حياتهم، لن أكون من ضحاياهم، ولن أعبأ بهم، سأقاتل من أجل تحرر روحي من سطوتهم، أمقتهم كما لم أمقت بشر من قبل، لأنهم يستحقون، لأنهم يستحقون، لأنهم يستحقون.

 

كتبتها 2008 أو 2009 ونشرتها في أحد المنتديات بإسم مستعار.

شاعر من العتمة

موضوع كتبته في منتدى شظايا الأدبي قبل سبع سنوات  عن الشاعر العراقي الكبير من أصول نجدية “محمود البريكان”

مقدمة عن الشاعر/

{ شاعر عظيم , لكنه مغمور بسبب نفوره من النشر . سأحاول بذل كل جهد لإخراجه من صمته ليتبوأ المكانة اللائقة به .}
بدر شاكر السياب , جريدة الشعب-1957م

ولد محمود البريكان عام 1931م في الزبير / العراق , درس الحقوق في جامعة بغداد في نهاية الأربعينيات , عمل في مجال التعليم, لم ينشر شعرة في مجموعة , مات مقتولاً في البصرة 28 شباط عام 2002م .

من (متاهة الفراشة ) اختيار وتقديم باسم المرعبي


——————————————–
عند الحديث عن الشاعر محمود البريكان, يتبادر إلى الذهن بئر غامض لا قعر له, غموض لا حدود له, وكلمات سهلة وعميقة والرمزية جذرية في كل نص, قصائد تحمل الكثير من المضامين, ما لا يستطيع أي شاعر نثرها بين طيات ما يكتب, لم ينشر إلا فتات وقصاصات قد تفقد الكثير من عظمتها عند العثور على كنز البريكان الحقيقي والذي لم ينشر, ما جمع كان مختارات مما نشرة الشاعر في المجلات والصحف بعد عقود من الكتابة.
من خلال كتابتي موضوعثائرون على ورق” والذي تطفلت فيه على مائدة شعراء عمالقة ” نزار قباني / أحمد مطر / غازي القصيبي ” تعلمت أن النص يعبر عن نفسه بشكل صارخ دون الحاجة إلى أي مقدمات, لنقف مذهولين أمام عظمة تلك النصوص الباهرة الخارجة من العتمة


وأعددت من سم الخطيئات جرعة
بها حمم من شهوة الحس والجسد
وقلت لنفسي: دونك الموت, فكرعي!
وخلي فؤادي يستريح إلى الأبد
فقالت وقد كادت تغص بيأسها:
رويداً! فما زالت لنا فسحة وغد!
وداعبها حلم الكمال, فأغمضت
عن الكأس, وانداح الحنين بلا أمد!

عند الحديث عن البريكان, يتجلى لك ” مصرع خيال” بوضوح وغموض
وهل تموت الأخيلة ؟!
إنها تصرع وتضج بالوحشة, لنقرأ ” مصرع خيال” هذه المرة ..

يا جنون الرياح , يا ظلمة الليل, ويا وحشة التخوم العرايا
ما لهذا الوجود , ينهد في النوء , وينهار في مطاوي رؤايا ؟
ما له كالذبيح , يخنقه الرعب , وفي صدره المدمى بقايا
محجري ملؤه الدخان وكفي تترامى على لظى وشظايا
كانفجار الطوفان, يندفق الليل, ومثل الهباء يفنى البرايا
كل شئ يغيم , والدهر ينماع , وفي الأرض ثورة وشكايا

 

ترى نقمة من ضمير السماء
تمطت بصدر الزمان المبيد
أرى كل منطلق في خطاي
يضيق وكل طريق يميد
وأشعر آنا كأني هرمت
ومت, وآنا كأني وليد
ينوح في ضحكتي مأتم
ويضحك في عبرتي أي عيد

جزء من مصرع خيال, جزء من وحشة وألم ومأتم وعبرات أبدية .
كون شاعرنا من العراق يعني الكثير, العراق ثورات ودماء وقتلا , وكان لـ”قتيل في الشارع” نصيب أيضاً مما كتب شاعرنا ..

وتوارت الأصوات, وابتعدت خطى المتظاهرين
وانشقت السحب الثقال الغبر عن جسد طريح
وسط الطريق, وأطبقت أيادي قساة قاتلين
غضبي تقلبه, وند وراءها صوت قبيح:
كلب قتيل أو جريح ؟

 

 

عندما تحدث البريكان عن الشعر قال : ” منطقته هي منطقه الذات العميقة, فالشعر هو ابن النزوع الإنساني ” , وهذا ما يتجسد هنا في هذه القصائد, تنبع من الذات لا تعالج سطحية الأشياء, تثور بعمق

 


ومن الصباح إلى المساء
تسري وتتبعني, وتبرز كالوحوش على طريقي
تلك العين الغائرات, الشاخصات بلا بريق
الخائفات من الضياء
خلفي, تدور على محاجرها, وتنفذ في عروقي
وتغل وقع خطاي, والأنفاس, في الطرق الطوال
حتى أهيم, ولا تزال
تلك العيون على طريقي!

إنه يتحدث عن ذاك المرصود, وحين يحل المساء , وتأتي الأحلام ..

النوم يأتي والكوابيس الرهيبة في انتظار!
وأنا أحدق في الجدار وفي رؤى عبر الجدار
وأصيخ للريح التي تهتز والباب الثقيل ..
(
قد يطرقون الآن, قد يصلون قبل سنا النهار!)
وتموج أغلال وأسواط وقهقهة انتقام
فيجن حقد لا ينام
في وحشة الليل الطويل

عندما تقرأ البريكان, وأنت لا تعرف شيء عن سيرته, تجزم أنه قضى أكثر من نصف عمره معتقل في سجن ما, مطارداً لجريمة ما لم يرتكبها, ولكنك تصاب فعلاً بالصدمة, حين تعلم أنا شاعرنا لم يدخل السجن قط !..


الرجل السادس والتسعون
لا اسم لي الآن: أنا السادس والتسعون
ما أنا إلا رقمان لا يحددان
شيئاً, على قميصي الأغبر راسخان
تنتصب الستة كالمشنقة الصفراء!
وتصلب التسعة
كرأس أفعى ضخمة غريبة بشعة!

ويضيف هذا المعتقل السادس والتسعون ..

والصمت كم يزيد قساوة الحديد
والأرض والأحلام والعتمة؟
يغوص في بعده
يغوص في اضطرابه, العالم, يستمر
في لهوه, يرقص في شقاه, يقشعر
في برده, يشيح بالقسوة والنسيان
عن وجهنا القبيح, عن كياننا الكسيح
عن شعرات الشيب في مفارقنا-يشيح
عن يدنا الخشنة عن انفاسنا النتنة
عن حبنا! نحن الذين اقتبلوا القيود
شوقاً إلى مجده!
نذوب في الصقيع. نلتف على الوحده
بحلمنا, بحزننا الطويل!
وفي شرود نزرع الأزهار والورد
في عالم جميل!

وهل هذا شئ أيها المسجون ؟!
نص من عشر صفحات, ما أصعب أن تختار منه المقاطع الأبرز, أيها الحزين
ها أنت تسوق لنا ” هواجس عيسى بن أزرق في الطريق إلى الأشغال الشاقة


يصطخب القطار في طريقه الطويل
في نفق الظلمة نحو مطلع النهار
وددت لو يموت عنا ذلك النهار
وددت لو ينحرف القطار
عن دربه المشؤوم

وما حالك يا سيدي؟!

فوق الخشب البارد
والمعدن الصليب أطوي جسمي الراعد
يداي تجمدان في الكبل وتبكيان
والحارسان لا يكفان يحدقان
في وجهي العليل
لا أعرف الشكوى, ولا يدهشني العدم

وماذا كنت تفعل قبل الآن ؟!

كنت أغنيك إذا اشتقت إلى الغناء
وأذخر الحنين للربيع والشتاء
كنت أمني الحب بالزواج. والسهاد
ما كان يشجيني, بلى, والليل إذ يطول
كنت أحس في مداه فرح الحياة!
وكنت في كل مساء أشهد الزهور
في المعرض الجميل- كم وقفت بالزهور
في ذلك الطريق- كم سعدت بالعبور
مفكراً في بيتنا: (( سأغرس الزهور
في كل صوب منه! بل سأشتري بذور
أغرسها ..!
حديقة صغيرة .. تحوممن حولها الطيور ))

……………………

أربع ساعات وسوف يشرق النهار
إلا على قلبي
تراكم الغبار.
والحارس الجالس في صمت إلى جنبي
يغلق في فظاظة نافذة القطار
علي أن أنام, لا أحب أن أطيل
تأمل الوجوه
إيه! أحس جهشة الأعماق من نفسي:
ما أطول الطريق
ما أبعد العالم! ما أغربه كله!


أعرفه, فهو طريق موحش سحيق
ولم تكد تبتدئ الرحله.

نيام أيها البشر, ها أنتم نيام لا تعرفون ما يخبئ القدر, ولا تعرفون ما تفعلون
نيام أيها البشر, وها هي ” أسطورة السائر في نومه” …

أروي لكم عن كائن يعرفه الظلام
يسير في المنام أحيانا، ولا يفيق
أصغوا اليّ أصدقائي! وهو قد يكون
أي امرئ يسير في الطريق
في وسط الزحام.
وقد يكون بيننا الآن، وقد يكون
في الغرفة المجاورة. يمط حلمه العتيق!

اعتاد أن ينهض حين تقرع الساعة
دقاتها السبع، ويعلو صخب الباعة
يفتح مذياعه
يصلح شاربيه أو يدهن عارضيه
ويرسم ابتسامة غبراء خداعه
على زوايا شفتيه، ثم في عجل
يمضي إلى العمل.
يمر بالناس الكثيرين وبالأشجار
فلا يرى شيئا.. وقد يبتاع في الطريق
جريدة يقرأ منها آخر الأخبار
وهو غريق يعد في سباته العميق

اعتاد أن يقوم من منامه الطويل
بعض الليالي ثم ينسل إلى مكان
يشرب في عتمته ما شاء من خمره
ثم يعود وهو لا يذكر كم مره
أضاءت الكأس لعينيه، وفي الصباح
لا يذكر السكره!

إن له وجها كوجه الناس أجمعين
لكن إذا رأيته يلهث في العتمة
تجده كالذئب الذي أيقظت الظلمة
أسراره، فهو مخيف خشن حزين

يجلس في أبهي المقاهي، ينفث الدخان
ويلعب الشطرنج، أو يندس في الزحام
يغشى بلا اهتمام
معارض الرسوم أو متاحف الآثار،
أو مسرحاً يعلن عما فيه بالأنوار.
وربما رأى صديقا فروى نكات
وقهقها، وربما زارا معا فتاة
تستقبل الزوار!
وهو كظل باهت يسير أو ينهار
في ذلك السبات!

ماضيه لا يعرف الا انه بعيد
بداية غامضة من حلم مديد
ليس له مدى.
حاضره ليس له صوت ولا صدى.
منشودة! يفلت من كفيه ما يريد.
فهو هنا شبح
وكائن وحيد
لا يعرف الفرح!
وهو نداء ميت أبح
في مجهل بعيد
. . . . . . . . . . .
يا أصدقائي هل عرفتم ذلك المخلوق
الشاحب الذي يجف صوته المخنوق؟
الكائن المخدر الهائم في المنام؟
الكائن الذي تبثّ كفه الصفراء
من حوله أشياء
ترعبه
أشياء
لا يمكن القبض عليها مرة أخرى!؟
يعرفه الظلام
تعرفه برودة الليل! وقد يكون
أي امرئ ترونه يسير في الطريق.

عندما تعزف الأحزان, لا يملك الزمان إلا أن يستمع, وهو يبكي وينتحب, فكيف يعزف الرعب ..” أغنية رعب هادئ” ..

لأن للشتاء عنفوان
لأن للخريف
جماله, لأن للحديث والأغان
صدى بلا زمان
لأن للنار, وراء رقصها العنيف
جسماً من الرماد, أو روحاً من الدخان
لأن للصحو مدى, وللرؤى رفيف
مع انفتاح الليل لا يحدها مكان
لأن للسقوط
فديته, فيعتق القلب من القنوط
لأن الهوان
منعته, إذ يصلب القلب على الزمان
لأن البكاء
حداً, وللدمع أن تكون خيط ماء!
لأن للصخرة أن تكون في التعب,
وسادة. لأن في دوامة الصخب
ما يغرق الروح إذا اشتاقت إلى الفناء!
لأنه ليس وراء الموت من عذاب!
ليس علي تمد ليس على اغتراب
عقوبة أقسى من الموت ولا أكبر!
لأننا جميعنا نأوي إلى التراب
يوماً,لأن جوعنا المخيف لا يقهر!
لأننا نحتمل المحال
في دغلنا, ونطرح الشكوك في الظلال
لأننا لا بد أن نعيش
نعيش, لا أكثر!
هذا هو السد الذي يبنى على الرمال.

لنتحدث عن التاريخ قليلاً, ما هو تاريخنا يا سيدي وماذا يخبئ؟
في الرياح التاريخية

حين توارث جثث الأموات
وأتضح المشهد
تجسدت فظاعة المأساة
عن إرثنا الأسود

ميراثنا المشؤوم جوع القبور
عار ضحايانا
ميراثنا كل عقاب العصور
عن كل ما كانا

أنا تخليت أمام الضباع
والوحش, عن سهمي
لا مجد للمجد, فخذ يا ضياع
حقيقتي واسمي

وتأتي ” قصائد تجريدية” تعني الكثير, دون رتوش ….


1-
في السقوط الجماعي
دموع الحب جاهزة ومختومة
بأنواع القوارير
دم الأحياء ممزوجاً بأصناف من الخمر
ولا يكشف عن سر المقادير
خلاصات من الأحلام
في صورة أقراص,شراب, حقن في الدم, تحت الجلد.
أصوات الصراصير
مسجلة لمن يرغب
مجاناً
فخذ ما شئت من سوق الأساطير.


ويضيف بأكثر من تجرد


ليس الحب مستحيل
ولا الجمال خدعة-ولا ندى السحر
خرافة.. لكن يفيض مرقص البشر
بالعنف والعويل

عن الحرية ” يتحدث , وأي حرية تلك

جئتم بوجه آخر جديد
لي, متقن حسب المقاييس المثاليه
شكراً لكم.. لا أشتهي عيناً زجاجيه
فماً من المطاط.
لا أبتغي إزالة الفرق. ولا أريد
سعادة التمثال الكامل
شكراً لكم. دعوه يبقى ذلك الفصل
أليس عبداً في الصميم سيد العبيد؟

يتحدث شاعرنا عن ” النوافذ” وأي نوافذ تلك التي يراها البريكان ويحترف فلسفتها

نافذة حب
نافذة مسدلة الستائر
يرشح منها الضوء
وظل موسيقى
وقهقهات
وغمغمات طفلة
وصوت أطباق
وأصداء من السكون

نافذة الشاعر
يفتحها للنور والريح وعطر الأرض
يهجم منها صخب العالم
يغلقها كأنما لآخر الزمان
ومثلما يغلق تابوت إلى الأبد


وللنوافذ بقية.
لم تكن الكتابة عن البريكان سهلة, كانت أصعب مما ظننت بمراحل, يصعب هنا اختيار النصوص, فضلاً عن المفاضلة بينها أو اجتزاء جزء من النص, يصعب أن تصل لخلاصة أي مقطع, قصائد عميقة لا يمكن سبر أغوارها .
أكتفي هنا بما كتبت, وتطفلت على عالم هذا الشاعر, وسأحاول أن أضيف المزيد من النصوص كلما حانت لي الفرصة, وأتمنى أن لا أحرم من إضافاتكم لكل من يملك أي نص للبريكان .

8/3/2005م


الكتابة عن الكتابة بأثر رجعي

  

يبدو بأنني كتبت عن الكتابة أكثر مما أكتب فعلاً، أو لنقل أن جل كتاباتي كانت حول اليأس من الكتابة ! مفارقة ليست لطيفة مطلقا. الكتابة تتحول إلى حالة مرضية أحيانا، تكتب لتعيش، كأن تحمي جسدك من بعض السوائل بتفريغها بين فينة وأخرى، تحمي جسدك بنفث الحبر هنا وهناك أيضا بصورة غريزية مفضوحة كأخطبوط. عندها فقط تكون الكتابة شيء شبيها بالعادة السرية، والبعد عنها يسبب احتقانا لا مفر منه، وتفريغها يعقبه قرف أو إنهاك، وربما راودتك مع الكتابة تلك الأوهام الشريرة حول العقم، أو العمى !

أسوأ أنواع الكتابة هي الكتابة عنها، أن تكون الكتابة موضوعا لكتاباتك، فمعناها أنك خسرت كل مخيلتك، كل إحساسك بما حولك، وأصبحت تسرد معانتك مع الخيال الذي لا يريد أن يغمرك.

أن تعاني مع الكلمات وهي إدمانك يعني أن تصل قمة اليأس، فلا كلمات إضافية يمكن أن تحميك من الكآبة أو تقيك من القرف الذي تمارسه يوميا بحق الحروف، ويتواصل تقززك من الحروف، كعذراء شاهدة جسم عارِ. تقززك من الحروف لا يفعل أي شيء على المدى البعيد، فقط يشعرك بتصاغر حروفك عند أخرين يوازونك في ذات الهم لكنهم يجيدون الكذب أكثر منك.

في الكتابة، كما في الجنس، ينصب تركيزك على اللحظة.تستغرق فيها تماما وتنسى كل العالم. لا ينجيك من الحياة إلا الكتابة أو الجنس حتى القراءة لا تفعل ذلك أبدا. فالقراءة تعطيك تلك اللحظة المملة التي تتوقف خلالها لتفكر في ما حولك. في الكتابة لا تفعل ذلك، لا تستطيع أن تفكر خارج موضوعك الذي تصنعه، تنسى ذاتك داخل الكلمات والحروف والفواصل، تماما كما أنك لا تستطيع أن تفكر إلا في خليلتك في لحظاتها الأثيرة.. حيث يتقلص الكون إلى زوايا محدودة تضمكما معا على سرير.

لكن لا الكتابة ولا القراءة ولا أي شيء يمكن أن ينقذك مما أنت فيه على المدى الطويل، ينقذك من بؤسك الذاتي الذي تتجرعه، لا شيء ينجيك عندما تستغرق وتنطوي على ذاتك، وتتأمل نواقصك واحدة تلو الأخرى، عندما تكون وحيدا أعزل من الأصدقاء. وحدهم البشر من حولك، بصياحهم وحديثهم، ضحكهم وخيالهم الواسع، نقمتهم وتسامحهم، وحدهم قادرون على إخراجك من أي شيء أنت فيه. صحيح أن البشر لا يعزلونك عن ما أنت فيه كالكتابة والجنس، لكنهم يقحمونك في ما هم فيه غير الكتابة والجنس.

هناك علاقة بين البياض والطهر، رغم أن الكتابة فعل دنس.

البياض ليس محايدا أبدا، الورقة والصفحة ليست بيضاء تماما، لا يعني أنك تجلس خلف الكيبورد أو تمسك بالقلم وأمامك مساحة بيضاء بأنك حر أبدا.أن تكون حرا لا أن تتحرر من قيودك كما في التشبيه الممل ولا أن تتحرر من خوفك كما في خزعبلات الحديث عن إدارة الذات، بل أن تتحرر من رغباتك.

رغباتك، أمنياتك وما تطمح إليه، هي قيودك الحقيقية التي لا تملك حريتك إلا بالتخلص منها.

المسألة في الكتابة  ليست لمن تكتب ولا ماذا تكتب ولا كيف تكتب، كل القضية ألا تعبأ بالأخرين ونظراتهم، ألا تعبأ بشيء وتكتب وحسب. أحيانا تصبح الكتابة استفرغا لذا تثير الإشمئزاز حولنا.

لا حد للكتابة ولا سقف، هناك بشر قادرون على كتابة قائمة طلبات من البقالة لكنها مذهلة، كما أن أخرين يكتبون عبارات سامجة مملة ويسمونها شعرا.

 

كانسس سيتي – 4 يناير 2012م