عبء الرجل الأبيض

“عبء الرجل الأبيض” (The White Man’s Burden) عنوان لقصيدة شهيرة للشاعر البريطاني روديارد كيبلنغ (Rudyard Kipling) وقد نشرت سنة 1899م في الولايات المتحدة. القصيدة تمثل دعوة إلى “الرجل الأبيض” من أجل أن يقوم بواجبه تجاه “الأمم المتخلفة” ليقوم بتمدينهم وانتشالهم من البدائية التي يعيشون فيها. وقد جاءت القصيدة بالتوازي مع احتلال الولايات المتحدة للفلبين. فكأنت بمثابة الغطاء الفكري أو تبرير لهذا الاحتلال، وتعبير عن أحداث استعمارية سابقة لذلك التاريخ. تعتبر القصيدة بمثابة شعار غلف المرحلة الاستعمارية / الإمبريالية الأوروبية الحديثة فيما بعد. إدعاء تمدين الأمم المتخلفة إنطلاق من الإيمان بالتفوق الأخلاقي والحضاري للرجل الأبيض وخدمة للرب، كانت عناوين براقة وشعارا لواحدة من أبشع الحقب التاريخية، المليئة بالحروب والقتل والدمار، واستغلال الشعوب الأخرى، حتى خاضت تلك الشعوب نضالها من أجل التحرر فيما بعد، وما زالت بعض الدول تعاني من أثر تلك المرحلة الاستعمارية التي نهبت خيرات أراضيها.

يمكن اعتبار الصحفي الأمريكي إدوين لورانس غودكن (Edwin Lawrence Godkin ) من أبرز من انتقدوا هذا الاتجاه، وروديارد كيبلنغ شخصيا، حيث علق على القصيدة باعتبار كاتبها أعظم وغد في تلك الحقبة. وكان غودكن قد اعتبر احتلال الولايات المتحدة للفلبين علامة على الانحطاط الوطني.

لم يتغير الكثير من ذلك الوقت، فمازلت الحروب تخاض، والشعوب تستغل، تحت لافتات وعناوين جذابة تحاول أن تتلبس بمفاهيم أو أفكار سامية، إما باسم “نشر الديمقراطية” كما حدث في العراق 2003م، أو باسم “مكافحة الإرهاب” كما حدث في أفغانستان 2001م. دائما ما كان هناك لافتة تخبيء تحتها أو تبرر أفعال قبيحة. وعلى هذا المنوال يمكن قياس أفعال أخرى، على الصعيد الدولي أو الوطني، أو حتى الممارسات الشخصية.

220px-Edwin_Godkin

إدوين لورانس غودكن

الجاسوس الذي مات “بشكل عرضي” في حقيبة!

التقليل من قيمة البشر، وفهمهم ووعيهم، ليس حكرا على الحكومات المستبدة. حتى دول – ما يسمى – “العالم الحر”  تمارس الاستهانة بعقلية الجمهور، وتحاول أن تضللهم باستخدام وسائل غبية متى ما اتاحت لها الفرصة ذلك. اليوم وبعد سنوات على “موت” المخبر البريطاني غريث وليم، والذي وجد ميتا في شقته سنة 2010م بشكل غريب. حيث وجد جثة هامدة داخل حقيبة رياضية مغلقة من الداخل في “البانيو”. اليوم أكدت الشرطة البريطانية أنه غريث “مات” بشكل عرضي أو غير مقصود!  أي بلغة أخرى، قرر فجأة رجل المخابرات البريطاني أن يجرب النوم عاريا في حقيبة مغلقة في “البانيو” فأغلقها على نفسه من الداخل، ومات! الرواية تساوي بشكل فاتن النكتة التي تم تناولها في لبنان وسوريا سنة 2005م عن وزير الداخلية السوري “المنتحر” غازي كنعان والذي كان من ضمن المطلوبيين في محاكمة رفيق الحرير، حيث قيل وقتها: “وجدوا غازي كنعان منتحرا في مكتبه بأربع رصاصات في رأسه”.

 يبدو أن من يملك سلطة – أي سلطة – يعتقد بأنه أذكى من العادة، أكثرا حكمة ودهاء من الأخرين، لذا يبدأ بارتكاب حماقة الاستهانة بالجمهور، ليتعرى.

14britain2-articleLarge-v2صورة تمثيلية للواقعة

رابط الخبر من النيويورك تايمز لأني لم أجد الخبر باللغة العربية رغم انتشاره بوكلات الأنباء العالمية مثل رويترز والأسوشيتد برس:

سبب سعادة القرود

لا أعرف قردا واحدا – من بين كل القردة التي قابلتها في حياتي على الأقل – يتعاطى البروزاك (مضاد للإكتئاب) أو يشكو من قردة هجرته، أو يدخن سيجارته بعمق بعد أن فشل في توفير المال لسداد قسط منزله، أو يدفن له القليل من عصير التفاح ليتحول إلى نبيذ لذة للقردة الشاربين، أو يبحث عن قردة مسيار للزواج، أو بعقد عرفي.

لم أجد قردا يدافع في موقع تواصل اجتماعي للقردة بضراوة عن شيخ عشيرتهم القردية، أو يعتبرها أفضل من باقي العشائر، فلا قرد البامبو يرى قردة الشامبانزي أكثر أصالة من قردة الفليمنج، ولا يخطف قرد الماندريل قردا من فصيل إنسان الغاب ليحلل مستوى ذكاءه ثم يقرر بأنه أغبى من باقي القرود، ثم يأتي قرد من فصيلة الجيبون لينسف هذه الأفكار ويصفها بأنها مجرد أيديولوجيا لا تستند لمعطى علمي، ويؤلف منهج النقدية القردية.

لو حاولت التفتيش عن سبب سعادة القرود، قد أجد الكثير من الإجابات : لا توجد حكومة تعتقلهم تعسفيا، لا يمتلكون قضاة يمارسون الفوضى الخلاقة في أحكامهم على باقي القردة، لا يوجد قرد قادر على تشبيك مزرعة موز والاحتفاظ بها له وحرمان أقرانه القردة منها، والأهم من هذا كله: لا يوجد قرد يأمر باقي القردة بالسكوت لأنهم يعيشون في “أمن وآمان”، وأخيرا: لا يوجد قرد ممثل يدعى براد بت.

حقيقة كل هذا الإجابات مغلوطة، القردة تعيش في سعادة لأن لا أحد بينهم يستخدم “الكوت رتويت” ولا يوجد من يرد على قرد أخر بقوله “إذا مو عاجبك رح لمجموعة قردة أخرى” أو على الأرجح لا يوجد بينهم قرد سيجيبك على كل حرف تقوله بكلمة “طيب وش أسوي لك” ..القردة من التعقل والتآني بحيث أنها لا تفعل مثل تلك الرذائل.

لكن على الأرجح ليس هذا هو السر. سر سعاد القرود باختصار بأنها غير قادرة على تخيل سيناريو مستقبلي. القرد يهرب فور رؤيته لخطر ما، لكنه لا يهرب من “خطر ما” قبل أن يقترب ويراه. لا يتخيل القرد أي مخاطر، ثم يعكف على تدمير حياته من أجل تلك المخاطر المتخيلة، ثم لا تأتي تلك المنغصات، بعد أن يكون القرد قد تعاطى البروزاك وعانى الأرق، وفقد قدرته الجنسية، وأصيب بأمراض السكري والقولون وأدمن على أفلام البورنو.