العروبة والديمقراطية: علاقة الانتماء القومي بالدولة الوطنية

لو تحدثنا عن الحالة السعودية، سنجد ألا تعارض بين الانتماء القومي العروبي من جهة، وبين الدفع باتجها الإصلاح السياسي الداخلي من جهة أخرى. فالإصلاح السياسي داخل الدولة من خلال بناء عقد اجتماعي بين الدولة والمواطنين قائم على مفاهيم المواطنة والديمقراطية والعدل الاجتماعي أمر مطلوب وله الأولوية، ويجب السعي باتجاهه ودعمه، شرط أن يتم هذا ضمن حل لمعضلة الانقسامات الطائفية والقبلية والمناطقية، فلا يتم تفضيل أسرة أو قبيلة أو طائفة لتتمتع بامتيازات أكثر من سواها. وهذا ما يبدو بأنه غير وارد لا من خلال التجربة التاريخية للدولة، ولا من خلال رؤية الطبقة السياسية المهيمنة على خيراتها حاليا، ولا حتى مقارنة بدول عربية أخرى حاولت تعزيز هوية قطرية وطنية فانتهت إلى تفتت النسيج الاجتماعي طائفيا وقبليا. أغلب من يطرح مسألة الهوية السعودية اليوم هو من اليمين الليبرالي المدافع عن الأوضاع القائمة، الذي لا يدعو إلى عقد اجتماعي بين الشعب والحاكم لبناء دولة ديمقراطية، بل يريد أن يخلق هوية سعودية من خلال مناهج التربية الوطنية في المدارس أو التأكيد على أهمية رقم السجل المدني، باستثناءات محدودة بالتأكيد، حيث هناك قلة من المنافحين عن الهوية الوطنية السعودية بالتوازي مع الحديث عن تحول ديمقراطي أو في إطار إصلاحي شامل.

أهمية الحديث عن الهوية العربية في هذا السياق هو كونها هوية جامعة تتعالى على الانقسامات الطائفية والقبلية والمناطقية، فالعروبة تجيب على سؤال الهوية السياسية للشعب، ليكون الاختلاف بينهم في ظل إطار مشترك هو الانتماء للأمة، يرى الفيلسوف الكندي ويل كميلكا في هذا الإطار أن بناء دولة مواطنة هو المنطقة الوسط بين الرؤية الليبرالية لحقوق الأفراد، والرؤية الجمعانية لمسأل الانتماء، يقول كميلكا ” البحث عن سبيل لتجاوز التعارض بين الفردانية الليبرالية والجماعتية وقبول المطالب المتعلقة بالعدالة الليبرالية وتلك المقترنة بالانتماء إلى جماعة. وقد كانت، بلا ريب، فكرة المواطنة الفكرة المرشحة لإنجاز هذا العمل. فهي حميمة الصلة بالأفكار الليبرالية حول الحقوق الفردية وحقوق الملكية من جهة، وبأفكار الجماعتية حول الانتماء إلى جماعة والتشبث به من جهة أخرى. فهي تمدنا إذن بمفهوم يجسّر الهوة بين الليبراليين والجماعتيين ويجعل الحوار بينهما ممكنا.”  ويتبنى هذه الرؤية كذلك عزمي بشارة بتنظيراته حول “دولة المواطنة” التي تجمع جميع المواطنين بحقوق متساوية بغض النظر عن أديانهم وعرقياتهم.

كما أن محاولة فرض أيديولوجيا قومية شمولية على الشعوب أمر محال كما حصل في العراق / سوريا إبان تجربة حزب البعث، والتي انتهت نهايات دموية الأولى باحتلال ثم حرب طائفية والأخرى بثورة سلمية ثم عسكرية ثم حروب بالوكالة وصراع أهلي.  فإن محاولة صنع هوية وطنية قائمة على التعاقد الاجتماعي بين شعب وحاكم، أمر محال إن كان يراد منه عزل الشعوب العربية عن محيطها، ففي الحالة العربية لا يمكن أن تصنع هوية وطنية كبديلة عن هوية الشعب العربية / الإسلامية. وفي التجربة الكويتية مثال واضح على هذا. حيث فشلت هذا التجربة في أمرين: عزل المواطن الكويتي عن محيطه العربي / الإسلامي من جهة، وخلق هوية وطنية قطرية تتعالى على الانقسامات الطائفية والقبلية محليا من جهة اخرى. يمكن أن ينجح هذا التعاقد ويقود إلى دولة تحقق قدر أكبر من العدل، لكن دون توهم أن بإمكانها أن تخلق بديلا عن هوية الشعب، العربية الإسلامية. وفي هذا السياق الحديث عن الإسلام كثقافة لا يمكن فكر ارتباطها بالهوية العربية.

التجربة الكويتية  

لعبت الكويت في فترة ما قبل الاحتلال العراقي دورا مهما في العالم العربي، حيث انطلقت من الكويت مشاريع تنموية وثقافية شملت دول عربية مختلفة، في فترة انتعاش ثقافي وسياسي محلية، لكن هذا تغير بعد الغزو العراقي. حيث حاولت الكويت الالتفات إلى شأنها الداخلي أكثر فأكثر، كأحد أهم تداعيات العدوان العراقي على الكويت، أهم ما حدث بعد تحرير الكويت أمرين: صياغة خطاب مغرق في المحلية، و إحياء التعاقد بين الدولة / الشعب من خلال إعادة فاعلية مجلس الأمة والذي كان قد تم تعليق عمله قبل الغزو العراقي بسنوات، حيث كانت الكويت تعاني من أزمة سياسية وأفق مسدود حاول صدام حسين استغلاله لصالحه ولكنه لم ينجح.

بماذا نجح الخطاب الوطني المحلي في الكويت وبماذا فشل ؟

نجح الخطاب الوطني بإغراق الكويتيين بمشاكلهم الخاصة، ستجد الحديث عن الصحة في الكويت، والإعلام في الكويت، وإشكاليات مجلس الأمة الكويتي أكثر حضورا في الصحف الكويتية، واهتمامات النخب فيها.  لكن فشل هذا الخطاب بأمرين بشكل واضح: فشل في حل الإشكال الطائفي، والتمايز القبلي، أو إشكالية “الكويتي الأصلي..ابن بطنها ..داخل السور / خارج السور..الخ ” فما زالت الهوية الطائفية والهوية القبلية أقوى من هوية وطنية مفترضة يراد صنعها، فالتصويت في مجلس الأمة على سبيل المثال يتم على أسس قبلية وطائفية بشكل أكبر منه على أسس برامج سياسية وطنية تتعالى على هذه الهويات الطائفية /القبلية. وما يعرف بالانتخابات الفرعية داخل القبائل والممنوعة قانونا مثال على أولوية الانتماء القبلي على الانتماء الوطني. هنا نحن نتحدث عن انتخابات بناء على هويات طائفية وقبلية صغرى مفتتة للنسيج الاجتماعي، لا بناء على مشاريع سياسية.

الأمر الأخر الذي فشل فيه الخطاب الكويتي الوطني، هو عزل المواطن الكويتي عن محيطه العربي والإسلامي، هذا المواطن وإن تم إغراقه بخطاب وطني محلي يريد أن يصنع هوية تميز الكويتي عن ماعداه، لم تستطع خلق هوية لا تجعل الكويتي امتدادا لهوية أكبر دينية أو قومية. ظهر هذا من خلال الاهتمام الكويتي بالربيع العربي، واستجابته لهذه الثورات من خلال المسيرات التي تهدف للإصلاح الداخلي كامتداد لحالة الربيع العربي، كما يظهر من خلال دعم الكويتيين للثورة السورية، وكون التجاذبات السياسية في البلدان العربية كالعراق ومصر وسوريا ولبنان تحولت إلى أزمات سياسية في الداخل الكويتي ترجمت لتراشقات طائفية، أو خلافات داخل مجلس الأمة الكويتي حول شئون تلك الدول.

الكويت فشلت في تكوين هوية قائمة بذاتها، منعزلة عن محيطها، لا تكون امتداد لهوية أوسع منها إسلامية / عربية، وهذا الفشل لأن خلق هوية ثقافية /سياسية من هذا النوع يبدو مستحيلا في السياق العربي، فالروابط الثقافية / السياسية بين الدول العربية أكبر مما تبدو عليه. وهذه هي الحقيقة التي أكدها الربيع العربي وترجم إلى ما يمكن اعتباره تحالف الشعوب العربية ضد الاستبداد، وتحالف الحكومات العربية ضد حق هذه الشعوب، من أجل استقرار أنظمتها السياسية، حيث أثرت تحركات الشعوب العربية في بعضها، كما أثرت التغيرات السياسية في الأنظمة العربية على بعضها البعض.

في الأفق السعودي  

مثال الكويت جاء لتوضيح هذه المسألة، يجب الانخراط في الإصلاح في السعودية، والدعوة إلى بناء دولة الحقوق والمؤسسات، والإصرار على بناء دولة تعاقدية تساوي بين جميع المواطنين، هذا المشروع لا يتعارض مع الحديث عن هوية قومية عربية لأسباب مختلفة، أبرزها أن الدولة تتبنى الهوية العربية أساسا، كما أن غالبية من ينتمي إلى الفكر العروبي في السعودية داعم للمشاريع الإصلاحية الوطنية كمشروع حسم. الانتماء القومي في هذا السياق يأتي في إطار حل لاشكال الهويات الانقسامية طائفية وقلبية ومناطقية، وقضايا أخرى ليس لهذا مجال بسطها، فما أريد الحديث عنه هنا فقط مسألة الهوية الوطنية والعروبة.

الانخراط في المشروع الوطني الإصلاحي يجب أن يتم دون توهم أن خلق هوية تعاقدية سعودية مرتبطة بالدولة قادر على فك ارتباط الشعب السعودية بمحيطه الإسلامي / العربي، فالهوية السعودية إن تم خلقها، فستكون هوية تعاقدية، هوية مواطنة قائمة على عقد اجتماعي، لا هوية ثقافية تستطيع عزل المواطن السعودي عن محيطه. لا يبدو بأنها قادرة على حل إشكالات الانقسامات الطائفية أو القبلية أو المناطقية، حتى أن الدولة في خطابها الوطني لا تحاول أن تبني شرعيتها لا على أساس إصلاح سياسي قائم على التعاقد مع الشعب كما في الحالة الكويتية، ولا على ممارسة حقيقية للمساواة بين المواطنين طائفيا وقبليا ومناطقيا، فالحديث عن مشاريع من هذا النوع جميل ورائع، لكن الدولة لم تتبنى هذه المشاريع حتى الآن، وبعض من يتحدث عن الهوية السعودية لا يطالب بها، بقدر ما يدعو إلى ترديد النشيد الوطني أو الاحتفال باليوم الوطني، وتدريس مادة التربية الوطنية في المدارس، ليتحول الحديث عن الهوية الوطنية مجرد كليشيهيات لا تعبر عن مضامين حقوقية وقانونية أو حل لمسألة تسيس الهويات الفرعية.

هذا الحديث يقود إلى حديث أخر، هل المشاريع القومية أساسا مشاريع ضد الهوية القطرية ؟ هل تريد تقويض الدولة العربية القائمة ؟ حقيقة الأمر أن هذه الدعوة قائمة على مغالطة، أن هناك مشروع عربي واحد.

مشروع قومي أم مشاريع قومية ؟  

لا يمكن اجتزاء مشروع قومي عربي واحد، وتعميم خطابه على كافة القوميين العرب، لا في الماضي ولا في الحاضر. وهذا ينتج عن جهل بتاريخ الحركات القومية وتنوعها ناصرية وبعثية وحركة القوميون العرب وغيرها واختلاف أفكار منظريها من جهة. وعدم إلمام بالأطروحات القومية الجديدة التي كتبها منظرون خلال العقديين الماضيين، من جهة أخرى، والتي تبنى روادها كالمحمد جابر الأنصاري ومحمد عابد الجابري وبرهان غليون وعزمي بشارة رؤى تعددية ديمقراطية. فقد تنوعت أفكار القوميين العرب وإن توافقوا على الهوية العربية كمنطلق والوحدة العربية كحلم. هنا سأشير إلى ميشيل عفلق وعزمي بشارة وسأفصل قليلا حول أطروحة ساطع الحصري، لأنني تحدثت عن أفكار ميشيل عفلق وحزب البعث في مقالات سابقة.

كان أبو خلدون ساطع الحصري يرى الأولوية في بث الاعتزاز بالهوية العربية وإحياء حلم الوحدة بين دولها، لذا لم يتحدث عن شكل الدولة “العربية الكبرى” المرتقبة أو تصوره لشكل الوحدة بين الدول العربية بقدر حديثه عن إصلاح التعليم العربي وبث الشعور القومي. كانت الأولوية في خطاب الحصري الحرص على وحدة العرب مهما كانت الظروف، حتى أنه كان يرى القبول بالوحدة حتى تحت الانتداب الفرنسي والبريطاني، كمرحلة تسبق التحرر الوطني، وهذا ما حدث فعليا فبعد انهيار دولة حلب تمت الوحدة بين حلب ووجبل الدروز وجبل العلويين ودمشق وتمت المناداة بالتحرر الكامل لكل تراب سوريا وطرد الانتداب الفرنسي من شخصيات سورية وطنية، وهذا ما سطره الحصري في كتابه “العروبة أولاً” حيث دعم هذا التوجه بشكل كامل.

يقول ساطع الحصري عن النظريات التي كانت تطرح حول لا وحدة بلا تحرر وطني، أو نظرية إبقاء التوازن بين الدول العربية  ” كان من حسن حظ الشعب السوري والأمة العربية أن أمثال هذه الأراء والنظريات – من نظرية (لا اتحاد قبل التحرر)، إلى دستور (إبقاء ما كان على ما كان) لم تستول على الأذهان، في تلك الأزمان”.

الموقف من الدولة القطرية  

في ذات السياق، ورغم هوى الحصري الهاشمي، إلا أنه وقف مدافعا عن توحيد الملك عبدالعزيز للمملكة، وهو دعم لدولة قطرية ملكية، فكان يرى أن القضاء على إمارات الجزيرة العربية المتناثرة تحت راية واحدة يسهل في النهاية توحد العرب. لذا فند مخاوف القوميين العرب تجاه الدولة الناشئة آنذاك، واعتبر أن حكمة الملك عبدالعزيز والملك فيصل الأول ساهمت في إذابة الجليد بين العراق والسعودية وتعزيز التعاون العربي. كتب الحصري ” لا شك أن الحركات التوحيدية التي قام بها الملك عبدالعزيز بن السعود، انتهت إلى أوضاع موافقة لمصلحة الأمة العربية”.

أما عن الهوية الوطنية، فيرى الحصري في نقاشه لأفكار وتساؤلات فتحي رضوان وأخرين حول “هوية المصريين” أنه لا تناقض بين الهوية القومية والهوية الوطنية. فيرى أن المجتمع يصبح متقدما كلما “كانت الجماعات التي يرتبط بها وينتسب إليها كل فرد من أفراده، كثيرة ومتنوعة”. لذلك لم ينفي الرابطة الوطنية أو يقف ضدها ابتداء. إذ يرى الحصري وجود رابطة مصرية وطنية “لا مجال للشك في أن هناك قضايا أقليمية ومحلية بحتة، تستلزم المعالجة كمسائل مصر وحدها” لكنه يرى أن السياسة العليا المصرية الخارجية يجب أن تبنى على أساس “العروبة أولاُ” بما يخدم مصر على المدى البعيد كجزء من الأمة العربية.

من هنا نجد عدة سمات لمشروع ساطع الحصري القومي، فهو متصالح مع الحكومات العربية وإن كان ينتقدها، إلا أنه ليس ضدها، ولا يسعى إلى تقويضها، بل كان يعول عليها أحيانا بالقيام بواجب توحيد، ومن ناحية أخرى، لا يرى الحصري تناقضا بين الهويات الوطنية وبين الهوية القومية، ولا يرى نفي الرابطة الوطنية، فيرى وجود خصوصيات وطنية بسياق ما، مع أهمية المصالح القومية للعرب كأمة. هذا التوازن خاضعة لتقدير المصالح والمفاسد والموازنة بين الأولويات الوطنية والقومية كأمر سياسي متغير بحسب الظروف والأوضاع.

مشاريع أخرى

على النقيض من الحصري، معالجة أوضاع العرب مختلفة لدى مشيل عفلق كما كتباها في أعماله الكاملة “في سبيل البعث”، وقد كنت قد ألمحت إليها في مقال سابق، يرى عفلق حلم الأمة يتجسد في بناء طليعة مؤمنة بالأفكار البعثية، تقوم بالاستيلاء على السلطة، وفرضها على المواطنين. من خلال تنظيره لفكرة “الانقلاب” ولا يقصد في هذا السياق انقلابا على السلطة فقط، بل يرى انقلابا في المفاهيم، فيرى أن على الدولة بناء المواطنين بشكل مبرمج وقسري وكشف التزييف الذي لحق وعيهم جراء خضوعهم لهيمنة استعمارية، ولحكومات فاسدة. يمكن اعتبار هذه الأفكار جذر للدولة الشمولية المتسلطة في العراق وسوريا إبان حكم البعث، أي دعوة الدولة لقولبة المواطنين. هذه المشروع مختلف تماما عن مشروع الحصري الوحدوي التربوي القائم على التبشير بالهوية العربية دون تنظير لدولة شمولية، كما يختلف عن التطورات اللاحقة للمشاريع القومية التي طرحت أولوية بناء عقد اجتماعي عربي ودول ديمقراطية في طريق الوصول إلى تكامل سياسي واقتصادي بين الكيانات العربية القائمة.

نجد اليوم التنظيرات القومية قد اختلفت تماما، فلم تعد الأولوية الوحدة بأي ثمن كما يرى الحصري، بل التحول الديمقراطي، كما يطرحه عزمي بشارة في “المسألة العربية” أو “أن تكون عربيا في أيامنا” أو برهان غليون في “بيان من أجل الديمقراطية”. لم تعد فكرة عفلق عن حلول جاهزة لكل مسائل العرب والتنظير لدولة شمولية مستساغة لدى بشارة الذي يرى أن العروبة هوية وليست أيدولوجيا تتوسم حلول لكل المشكلات، لذلك يقول بشارة “يمكن أن يكون القومي العربي ديمقراطيا أو فاشيا، يساريا أو يمينيا ” من هنا يطرح بشارة القومية العربية كهوية سياسية لا مشروعا شموليا استبداديا كما في تنظيرات عفلق وتجسيد البعث لها. من هنا كان الحديث عن مشروع قومي واحد مجرد مغالطة لا تصمد لا أمام الحاضر ولا التاريخ، فالقوميين ليسوا مختلفين ومتنوعين كتجربة تاريخية فقط، بل باتوا ينظرون لهذه التعددية داخل تيارهم كما في الدولة الديمقراطية التي يسعون إليها.

خاتمة

في هذا السياق أود الختام بحادثة تاريخية أراها شديدة الدلالة، على عدم التعارض بين الانتماء للدولة القطرية، والانتماء القومي، وهي قصة أهم شخصية بعثية كويتية، فيصل الصانع، كما سردها الدكتور فلاح المديرس في كتابه “البعثيون في الخليج والجزيرة العربية” حيث كان الصانع من القيادات البعثية الرفيعة في الكويت وصديق شخصي للرئيس العراقي صدام حسين، ورغم هذا وقف الصانع ضد الاحتلال العراقي، ورفض التعاون لتشكيل حكومة موالية للعراق. يسرد المديرس القصة كالتالي: “وفي غضون فترة احتلال الكويت من قبل النظام العراقي في الثاني من أغسطس عام 1990م تم أسر فيصل الصانع من قبل جيش الاحتلال العراقي، لرفضه التعاون مع سلطات الاحتلال العراقي وترجيح انتمائه الوطني على ولائه الحزبي. حيث حاولت سلطات الاحتلال تشكيل حكومة من المعارضة السياسية عن طريق الصانع”.  ويضيف المديرس ” على الرغم من أن فيصل الصانع من البعثيين المقربيين لصدام حسين حيث كانت تربطه بالأخير علاقات قديمة أثناء دراستهما في القاهرة من خلال نشاطهما في منظمة الحزب في القاهرة، وكان صدام كثير التردد على المنزل الذي كان يسكن فيه الصانع في ذلك الوقت. على الرغم من التدخلات التي قامت بها منظمة حزب البعث في تونس عن طريق أحد قيادات التنظيم لدى صدام حسين حيث رفض الأخير إطلاق سراحه على الرغم من مرور أكثر من عشر سنوات على اعتقاله”.

يبدو هذا السؤال، سؤال التعارض بين الانتماء القومي والانتماء للدول الوطنية، مشابه لتلك الأسئلة التي تطرح على الشيعة وعلاقتهم بالمرجعية الدينية خارج الدولة للتشكيك في وطنيتهم، أو تلك التي تطرح على الإسلاميين وانتمائاتهم الأممية، أو تلك التي كانت تطرح على الشيوعيين وعلاقتهم بالاتحاد السوفييتي في فترة سابقة، فهو طرح تشكيكي تحريضي أكثر من كونه سؤال حقيقي يريد الوصول إلى الحقيقة أو طرح استشكال واقعي، وإلا لما تجاهل من يطرحه أن الدول القطرية التي يتحدث عنها تتبنى العروبة كمكون من مكونات هويتها الوطنية، وإن لم تترجم هذا الانتماء إلى أفعال.

بابا نويل: أبيض ..أسود ..أم بطريق!

نقاش طريف ومهم يدور هذه الأيام في الولايات المتحدة الأمريكية حول العرق الذي ينتمي له “بابا نويل” أو لون بشرته. بعد أن كتبت إحدى المدونات تدوينة تعبر فيها عن رفضها أن يكون بابا نويل “رجل أبيض” وتطالب بأن يتم اسخدام “بطريق” بدلا عن العجوز الأبيض جالب الهدايا في أعياد الميلاد المسيحية.

المدونة ساقت عدة دعائم لرأيها. كتبت على سبيل المثال أنها في طفولتها كانت ترى بابا نويل أبيض في الطرقات والأسواق وكل الأماكن التي تحبها، حتى أنها كانت تراه على هذه الهيئة في بعض بيوت الأمريكيين السود، بينما تجد بابا نويل أسود في بيتها، شخص يشبهها، ويبدوا أقرب إليها. تقول المدونة أنها عندما سألت ولدها عن شكل بابا نويل الحقيقي، هل هو الأسود الذي تراه في بيتها، أم الأبيض الذي يظهر في الإعلام والأسواق والاحتفالات العامة ..الخ. أجابها بأنه بابا نويل يكون بأي لون. لكنها عبرت عن إلتباس هذا الأمر عليها.

حقيقة قد يبدوا الحوار لأول وهلة تافها، لكنه ليس كذلك على الإطلاق، بل هو ينطلق من رؤية الأمة الأمريكية نفسها كأمة بيضاء مسيحية إنجلوسكسونية أو متعددة الأعراق والثقافات والأديان. تأتي هذه الأطروحة انطلاقا من هذا التساؤل حول الهوية الأمريكية التي تتجدد باستمرار خاصة بعد انتخاب الرئيس أوباما كأول رئيس أمريكي أسود.

قرأت أحد الردود على هذه التدوينة، وكان مليئ بالتعيقات العنصرية ضد السود، والصور النمطية عنهم، ووصفهم بأنهم يفضلون العيش على برامج الرفاه الاجتماعي بدلا عن العمل بجد لاكتساب رزقهم لذا يفضلون للحزب الذي يدعم هذه البرامج المجانية “الحزب الديقراطي حسب الكاتب”.

أظن الاطلاع على مثل هذه النقاشات مهم، لنقارنها مع الكيفية التي يتم من خلالها تصوير الأعراق الأخرى في الإعلام السعودي، وكيف يتم التعامل مع العمالة على سبيل المثال، أو كيف يتعامل الإعلام مع الثقافات المحلية التي لا تظهر بشكل طبيعي في الإعلام، كثقافة فيفاء أو المهرة، والتي يتم التعامل معها بكثير من الأحايين في خانة “التقارير عن الغرائبيات”.

 blacksantaروابط باللغة الإنجليزية للتدوينة والمقال والمشار إليها أعلاه:

Santa Claus Should Not Be a White Man Anymore by Aisha Harris

Santa Claus Black or White? Why it Matters by Graham J Noble

قمع المتظاهرين السلميين في “الأحد الدامي”

يظهر فيلم “الأحد الدامي” أو” Bloody Sunday” طرق العسكر في قمع المظاهرات والمطالب السلمية، وكيف يستغل المتطرفون الراديكاليون هذا القمع لصالح حراك عنيف ودموي. الفيلم مقتبس من أحداث المذبحة التي ارتكبها البريطانيون ضد الإيرلنديين في يناير 1972م. حيث تم قمع إحدى المظاهرات وقتل قرابة 13 محتج عند معارضتهم قانون الاعتقال التعسفي الذي أقرته السلطات آنذاك.

بعد قمع هذه المظاهرة خاب أمل الكثيرين بالتغيير بشكل سلمي في إيرلندا، فبادروا إلى الانضمام إلى الجيش الجمهوري الإيرلندي والذي ينتهج نهجا دمويا من أجل تحقيق مطالبه بتحرير إيرلندا وطرد الإنجليز. حيث بدأ أفراد الجيش الجمهوري الإيرلندي بالمزايدة على الأخرين بأن طرقهم السلمية لتحقيق التغيير لم تنتج إلا عنف السلطة ضد الشعب الإيرلندي، وقتل المتظاهرين الذين لم يستخدموا العنف، مما يعني أن العنف هو الطريق الوحيد لتحقيق التغيير.

يظهر الفيلم أن تفكير الجنود كان منصبا على شيء واحد فقط، وهو القمع. كيف يتم القضاء وتفرقة المحتجين، دون التفكير في سبب خروج هؤلاء وما هي مطالباتهم. كما يظهر الفيلم رعونة العسكر ومبادرتهم إلى القتل. إذ مارس الجيش البريطاني في الفيلم القمع والقتل، وقام بفبركة الأدلة ضد المتظاهرين الجرحى من خلال دس قنابل وأسلحة في ملابسهم.

يبين الفيلم كيف يمكن للعنف أن يكون مبررا لعنف أكبر وأوسع، وكيف يتشابه التفكير القمعي من خلال فبركة الأدلة وملاحقة الناشطين والتشهير بهم وقمعهم ..الخ. هذا التشابه بين الفيلم وبين ما يحدث يوميا في كثير من الدول حول العالم أمر مثير للدهشة والانتباه.

bloody_sundayصورة لمظاهرات الأحد الدامي

العربي في هوليود : المليونير الإرهابي*

 هناك عدة أسباب حسب الدكتور جاك شاهين المتخصص في الإعلام، والذي نشر عدة كتب عن صورة العرب في هوليود؛ إضافة إلى الأسباب السياسية، قادت إلى تشويه صورة العرب في هوليود، منها أن تشويه العرب في السينما مربح ماديا، بالإضافة إلى غياب العرب عن صناعة السينما الأمريكية كمنتجين. لكن السبب الأهم، هو عدم وجود أي مخاطر من تشويه صورة العرب سينمائيا، فبينما لا يستطيع المنتج تشويه صورة اليهود أو السود، فلديه من يستطيع امتهان صورته بالمجان، دون تبعات قانونية أو اخلاقية داخل المجتمع الأمريكي.

يرى الدكتور شاهين أن الثيمة الأساسية للعرب في هوليود قائمة على ثلاث شخصيات: مليونير ، مفجر، راقصة.  ويرى أن أفلام ما بعد سبتمبر ضخمت من هذه العناصر، فالعربي في الأفلام أصبح أكثر ثراء، وأكثر إرهابا.

مع أن المسلمين العرب لا يمثلون إلا 12% من عدد المسلمين حول العالم، إلا أن السينما الأمريكية ربطت بين العرب والإسلام بشكل يكاد أن يكون كلي، فيظهر كل العرب على أنهم مسلمين، وكل المسلمين على أنهم عرب، حسب جاك شاهين.

لفهم خطورة تشويه العرب في السينما الأمريكية، يذكر جاك شاهين أن قرابة 15 / 20 فيلم يتم إعادة بثهم بشكل أسبوعي من منتصف الثمانينات الميلادية تقوم على تشويه صورة العرب والمسلمين، مما يساهم في تنميط صورتهم في الذهنية الأمريكية المستهلكة للإعلام.

يقارن شاهين مقارنة طريفة بين صورة العرب في السينما الأمريكية، وصورة اليهودي في السينما الألمانية النازية، ليراها تقوم بنفس الدور وتستخدم نفس الطريقة أحيانا، انطلق في هذه المقارنة من كون العرب واليهود كليهما من الشعوب السامية.

The_Sheik_-_Rudolph_Valentino_and_Agnes_Ayresمن فيلم “الشيخ” المنتج سنة 1921م

*ملاحظات بتصرف من كتاب جاك شاهين “Reel Bad Arabs” .

كاتب القدر / حول نظرية المؤامرة

 

هل ترى حياتك ؟ هل ترى ما حدث وما يحدث ؟  هل تعرف السبب الذي جعل موظف التسجيل في الجامعة يكذب ويخبرك بأن تخصص الطب قد تم إقفاله ولا خيار لك إلا دراسة الهندسة ؟ هل تعرف ذلك الذي دس اسمك في قائمة طلاب الهندسة المدنية بدل الكهربائية ؟ ومدير القسم الذي أقسم لك بأنه لا يملك شيء حيال أمرك ؟ هل تعرف الشاحنة السوداء التي توقفت فجأة أمام سيارتك في الطريق السريع لتصطدم بها وتنام في المشفى لأسابيع ؟ وبسبب هذا الحادث فاتك اختبار مهم أجل تخرجك لثلاث أشهر إضافية.

وبعد الثلاثة أشهر اكتشفت أن برنامج الإبتعاث قد أغلق في وجهك، وذهبت للعمل في شركة كبرى فاكتشفت أن المقابلات الشخصية تبدأ بعد 6 أشهر فاضطررت للانتظار، حتى أقنعك والدك بالسفر لدراسة اللغة الإنجليزية، لكن السفارة الأجنبية رفضت إعطائك الفيزا وعطلتك لأربعة أشهر ثم سافرت و بدأت الشركة الكبرى باستقبال طلبات التوظيف وبدأ المقابلات الشخصية، لكنك نسيت ولم تتوظف ..الخ الخ الخ

هل ترى كل هذه التفاصيل ؟

ماذا لو أخبرتك، أن كل هذه الأحداث ليست مصادفة، وأن هناك مكتب يعمل به ثلاث أشخاص في نيويورك هم من يخططون حياتك منذ لادتك، هم من دفع أموال للموظف ليخبرك أن التخصصات الطبية قد أقفلت ، وهم من تسبب في راستك للهندسة المدنية، وهم من برمج حادث الشاحنة ..الخ الخ هم من جعلوك تفعل ما فعلت، هم من نصبوا لك كل هذه الفخاخ والحيل ليسيطروا عليك. ويجعلونك تفعل ما تفعل. هم يسيروك لمصالحهم تماما بدون أن تعي هذا.

بالتأكيد يبدوا مجرد تخيل هذا أمر جنوني، أن شخصا قادر على التحكم بحياة شخص وتسييرها كما يشاء، مثل هذه السيناريوهات لا توجد إلا في الأفلام السينمائية.

حسن لأخبرك بشيء مختلف قليلا، هل تعلم أن هناك عدة أشخاص في الولايات المتحدة الأمريكية وضعوا خطة تتحكم بما يزيد عن 300 مليون إنسان عربي منذ ما قبل سايس-بيكو إلى ما بعد الربيع العربي؟ ! وتسير هذه الخطة كما أرادوا تماما منذ قرون خلت .. هذا بالضبط ما يقوله المؤمن بنظرية المؤامرة. بل لا يكتفي بـ 300 ألف إنسان، بل قد يجعلهم مليار مسلم، أو حتى يجعل هؤلاء البشر يتحكمون في حياة 7 مليارات إنسان.

رغم أن الفكرة تبدوا سخيفة وتافهة بالنسبة إلى حياة شخص واحد، لكن الكثير يصدقونها عندما يصفون مئات الملايين!! وهنا أكثر من مفارقة وسخرية، حتى أوحى بعض المهووسيين بالنظرية أن الخطط التي تطبق اليوم وضعت قبل زمن الإستعمار !!

قد يقسم المؤمن بنظرية المؤامرة تقسيما يبدوا عقلانيا، قد يسقط إسقاطات تاريخية، ويجمع تصريحات حقيقية عن مصالح ومتغيرات، لكن هذه المتفرقات لا تجعل الهذيان حقيقة أبدا.

خطورة هذه الفكرة وسخفها لا يرتكز فقط على إستحالة هذا الأمر، إستحالة أن يضع أحد سيناريو ويطبقه بحذافيره ويحصد نتائجه كما يشاء، هذه أفعال إله لا بشر ولا دولة.

هذه الإستحالة قد تشمل حياتك الشخصية، فكيف بالحديث عن أبنائك أو زوجك؟  بل كيف بالحديث عن خطة يدخل فيها مئات الملايين من البشر.. الصورة تبدوا هزلية جدا.

أكبر كارثة في نظرية المؤامرة خاصة المتطرفين منهم، ليس في كونها غير قابلة للنقض لأنها تتحدث عن افتراضات وأنصاف حقائق، وكونها نظرية مؤامرة ودسائس تجعلها أقرب للميتافيزيقا منها إلى عالمنا الطبيعي. المشكلة الحقيقية في كونها تأليها حقيقيا للغرب والولايات المتحدة تحديدا، بحيث يكرر أنها قادرة على فعل أي شيء وأنها تقصد فعل كل شيء وتخطط له تماما. إعطاء أمريكا نصيبا من إدارة الكون وهي العاجزة عن حل مشاكلها الداخلية!!!

لأنه من الصعب جدا أن تتحكم في حياتك، وبذات اللحظة يصعب بشكل أكبر التحكم في أسرتك، ومن باب أولى أنك لا تتحكم في جيرانك، والدولة لا تستطيع أن تتآمر ضدك وتحكم تصرفاتك.. من باب أولى أن أمريكا لن تستطيع أن تحكم البشر كما يروج أصحاب نظرية المؤامرة.

المضحك أن من يروج للمؤامرة يكون غالبا ضد الهيمنة الأمريكية، لكنه يروج لها، ويضخمها، ويجعلها حتمية ولا مفر منها، ويعطي أمريكا صفة الإله.

هنا يخلط بين سعي أمريكا لتجيير أي شيء لمصلحتها، وهذا ما تفعله كل الدول، وبين اعتبار ما يجري  – كل ما يجري – مخطط له منذ عشرات وربما مئات السنين وها هي أمريكا تحصد خططها . إنها فكرة مقاربة للماسونية التي تحكم العالم، وحكومة العالم الخفية، والكون الذي يدار من مثلث برمودا، وتلك الهلاوس التي تنفع لحكايات الأطفال.

 

شاعر من العتمة

موضوع كتبته في منتدى شظايا الأدبي قبل سبع سنوات  عن الشاعر العراقي الكبير من أصول نجدية “محمود البريكان”

مقدمة عن الشاعر/

{ شاعر عظيم , لكنه مغمور بسبب نفوره من النشر . سأحاول بذل كل جهد لإخراجه من صمته ليتبوأ المكانة اللائقة به .}
بدر شاكر السياب , جريدة الشعب-1957م

ولد محمود البريكان عام 1931م في الزبير / العراق , درس الحقوق في جامعة بغداد في نهاية الأربعينيات , عمل في مجال التعليم, لم ينشر شعرة في مجموعة , مات مقتولاً في البصرة 28 شباط عام 2002م .

من (متاهة الفراشة ) اختيار وتقديم باسم المرعبي


——————————————–
عند الحديث عن الشاعر محمود البريكان, يتبادر إلى الذهن بئر غامض لا قعر له, غموض لا حدود له, وكلمات سهلة وعميقة والرمزية جذرية في كل نص, قصائد تحمل الكثير من المضامين, ما لا يستطيع أي شاعر نثرها بين طيات ما يكتب, لم ينشر إلا فتات وقصاصات قد تفقد الكثير من عظمتها عند العثور على كنز البريكان الحقيقي والذي لم ينشر, ما جمع كان مختارات مما نشرة الشاعر في المجلات والصحف بعد عقود من الكتابة.
من خلال كتابتي موضوعثائرون على ورق” والذي تطفلت فيه على مائدة شعراء عمالقة ” نزار قباني / أحمد مطر / غازي القصيبي ” تعلمت أن النص يعبر عن نفسه بشكل صارخ دون الحاجة إلى أي مقدمات, لنقف مذهولين أمام عظمة تلك النصوص الباهرة الخارجة من العتمة


وأعددت من سم الخطيئات جرعة
بها حمم من شهوة الحس والجسد
وقلت لنفسي: دونك الموت, فكرعي!
وخلي فؤادي يستريح إلى الأبد
فقالت وقد كادت تغص بيأسها:
رويداً! فما زالت لنا فسحة وغد!
وداعبها حلم الكمال, فأغمضت
عن الكأس, وانداح الحنين بلا أمد!

عند الحديث عن البريكان, يتجلى لك ” مصرع خيال” بوضوح وغموض
وهل تموت الأخيلة ؟!
إنها تصرع وتضج بالوحشة, لنقرأ ” مصرع خيال” هذه المرة ..

يا جنون الرياح , يا ظلمة الليل, ويا وحشة التخوم العرايا
ما لهذا الوجود , ينهد في النوء , وينهار في مطاوي رؤايا ؟
ما له كالذبيح , يخنقه الرعب , وفي صدره المدمى بقايا
محجري ملؤه الدخان وكفي تترامى على لظى وشظايا
كانفجار الطوفان, يندفق الليل, ومثل الهباء يفنى البرايا
كل شئ يغيم , والدهر ينماع , وفي الأرض ثورة وشكايا

 

ترى نقمة من ضمير السماء
تمطت بصدر الزمان المبيد
أرى كل منطلق في خطاي
يضيق وكل طريق يميد
وأشعر آنا كأني هرمت
ومت, وآنا كأني وليد
ينوح في ضحكتي مأتم
ويضحك في عبرتي أي عيد

جزء من مصرع خيال, جزء من وحشة وألم ومأتم وعبرات أبدية .
كون شاعرنا من العراق يعني الكثير, العراق ثورات ودماء وقتلا , وكان لـ”قتيل في الشارع” نصيب أيضاً مما كتب شاعرنا ..

وتوارت الأصوات, وابتعدت خطى المتظاهرين
وانشقت السحب الثقال الغبر عن جسد طريح
وسط الطريق, وأطبقت أيادي قساة قاتلين
غضبي تقلبه, وند وراءها صوت قبيح:
كلب قتيل أو جريح ؟

 

 

عندما تحدث البريكان عن الشعر قال : ” منطقته هي منطقه الذات العميقة, فالشعر هو ابن النزوع الإنساني ” , وهذا ما يتجسد هنا في هذه القصائد, تنبع من الذات لا تعالج سطحية الأشياء, تثور بعمق

 


ومن الصباح إلى المساء
تسري وتتبعني, وتبرز كالوحوش على طريقي
تلك العين الغائرات, الشاخصات بلا بريق
الخائفات من الضياء
خلفي, تدور على محاجرها, وتنفذ في عروقي
وتغل وقع خطاي, والأنفاس, في الطرق الطوال
حتى أهيم, ولا تزال
تلك العيون على طريقي!

إنه يتحدث عن ذاك المرصود, وحين يحل المساء , وتأتي الأحلام ..

النوم يأتي والكوابيس الرهيبة في انتظار!
وأنا أحدق في الجدار وفي رؤى عبر الجدار
وأصيخ للريح التي تهتز والباب الثقيل ..
(
قد يطرقون الآن, قد يصلون قبل سنا النهار!)
وتموج أغلال وأسواط وقهقهة انتقام
فيجن حقد لا ينام
في وحشة الليل الطويل

عندما تقرأ البريكان, وأنت لا تعرف شيء عن سيرته, تجزم أنه قضى أكثر من نصف عمره معتقل في سجن ما, مطارداً لجريمة ما لم يرتكبها, ولكنك تصاب فعلاً بالصدمة, حين تعلم أنا شاعرنا لم يدخل السجن قط !..


الرجل السادس والتسعون
لا اسم لي الآن: أنا السادس والتسعون
ما أنا إلا رقمان لا يحددان
شيئاً, على قميصي الأغبر راسخان
تنتصب الستة كالمشنقة الصفراء!
وتصلب التسعة
كرأس أفعى ضخمة غريبة بشعة!

ويضيف هذا المعتقل السادس والتسعون ..

والصمت كم يزيد قساوة الحديد
والأرض والأحلام والعتمة؟
يغوص في بعده
يغوص في اضطرابه, العالم, يستمر
في لهوه, يرقص في شقاه, يقشعر
في برده, يشيح بالقسوة والنسيان
عن وجهنا القبيح, عن كياننا الكسيح
عن شعرات الشيب في مفارقنا-يشيح
عن يدنا الخشنة عن انفاسنا النتنة
عن حبنا! نحن الذين اقتبلوا القيود
شوقاً إلى مجده!
نذوب في الصقيع. نلتف على الوحده
بحلمنا, بحزننا الطويل!
وفي شرود نزرع الأزهار والورد
في عالم جميل!

وهل هذا شئ أيها المسجون ؟!
نص من عشر صفحات, ما أصعب أن تختار منه المقاطع الأبرز, أيها الحزين
ها أنت تسوق لنا ” هواجس عيسى بن أزرق في الطريق إلى الأشغال الشاقة


يصطخب القطار في طريقه الطويل
في نفق الظلمة نحو مطلع النهار
وددت لو يموت عنا ذلك النهار
وددت لو ينحرف القطار
عن دربه المشؤوم

وما حالك يا سيدي؟!

فوق الخشب البارد
والمعدن الصليب أطوي جسمي الراعد
يداي تجمدان في الكبل وتبكيان
والحارسان لا يكفان يحدقان
في وجهي العليل
لا أعرف الشكوى, ولا يدهشني العدم

وماذا كنت تفعل قبل الآن ؟!

كنت أغنيك إذا اشتقت إلى الغناء
وأذخر الحنين للربيع والشتاء
كنت أمني الحب بالزواج. والسهاد
ما كان يشجيني, بلى, والليل إذ يطول
كنت أحس في مداه فرح الحياة!
وكنت في كل مساء أشهد الزهور
في المعرض الجميل- كم وقفت بالزهور
في ذلك الطريق- كم سعدت بالعبور
مفكراً في بيتنا: (( سأغرس الزهور
في كل صوب منه! بل سأشتري بذور
أغرسها ..!
حديقة صغيرة .. تحوممن حولها الطيور ))

……………………

أربع ساعات وسوف يشرق النهار
إلا على قلبي
تراكم الغبار.
والحارس الجالس في صمت إلى جنبي
يغلق في فظاظة نافذة القطار
علي أن أنام, لا أحب أن أطيل
تأمل الوجوه
إيه! أحس جهشة الأعماق من نفسي:
ما أطول الطريق
ما أبعد العالم! ما أغربه كله!


أعرفه, فهو طريق موحش سحيق
ولم تكد تبتدئ الرحله.

نيام أيها البشر, ها أنتم نيام لا تعرفون ما يخبئ القدر, ولا تعرفون ما تفعلون
نيام أيها البشر, وها هي ” أسطورة السائر في نومه” …

أروي لكم عن كائن يعرفه الظلام
يسير في المنام أحيانا، ولا يفيق
أصغوا اليّ أصدقائي! وهو قد يكون
أي امرئ يسير في الطريق
في وسط الزحام.
وقد يكون بيننا الآن، وقد يكون
في الغرفة المجاورة. يمط حلمه العتيق!

اعتاد أن ينهض حين تقرع الساعة
دقاتها السبع، ويعلو صخب الباعة
يفتح مذياعه
يصلح شاربيه أو يدهن عارضيه
ويرسم ابتسامة غبراء خداعه
على زوايا شفتيه، ثم في عجل
يمضي إلى العمل.
يمر بالناس الكثيرين وبالأشجار
فلا يرى شيئا.. وقد يبتاع في الطريق
جريدة يقرأ منها آخر الأخبار
وهو غريق يعد في سباته العميق

اعتاد أن يقوم من منامه الطويل
بعض الليالي ثم ينسل إلى مكان
يشرب في عتمته ما شاء من خمره
ثم يعود وهو لا يذكر كم مره
أضاءت الكأس لعينيه، وفي الصباح
لا يذكر السكره!

إن له وجها كوجه الناس أجمعين
لكن إذا رأيته يلهث في العتمة
تجده كالذئب الذي أيقظت الظلمة
أسراره، فهو مخيف خشن حزين

يجلس في أبهي المقاهي، ينفث الدخان
ويلعب الشطرنج، أو يندس في الزحام
يغشى بلا اهتمام
معارض الرسوم أو متاحف الآثار،
أو مسرحاً يعلن عما فيه بالأنوار.
وربما رأى صديقا فروى نكات
وقهقها، وربما زارا معا فتاة
تستقبل الزوار!
وهو كظل باهت يسير أو ينهار
في ذلك السبات!

ماضيه لا يعرف الا انه بعيد
بداية غامضة من حلم مديد
ليس له مدى.
حاضره ليس له صوت ولا صدى.
منشودة! يفلت من كفيه ما يريد.
فهو هنا شبح
وكائن وحيد
لا يعرف الفرح!
وهو نداء ميت أبح
في مجهل بعيد
. . . . . . . . . . .
يا أصدقائي هل عرفتم ذلك المخلوق
الشاحب الذي يجف صوته المخنوق؟
الكائن المخدر الهائم في المنام؟
الكائن الذي تبثّ كفه الصفراء
من حوله أشياء
ترعبه
أشياء
لا يمكن القبض عليها مرة أخرى!؟
يعرفه الظلام
تعرفه برودة الليل! وقد يكون
أي امرئ ترونه يسير في الطريق.

عندما تعزف الأحزان, لا يملك الزمان إلا أن يستمع, وهو يبكي وينتحب, فكيف يعزف الرعب ..” أغنية رعب هادئ” ..

لأن للشتاء عنفوان
لأن للخريف
جماله, لأن للحديث والأغان
صدى بلا زمان
لأن للنار, وراء رقصها العنيف
جسماً من الرماد, أو روحاً من الدخان
لأن للصحو مدى, وللرؤى رفيف
مع انفتاح الليل لا يحدها مكان
لأن للسقوط
فديته, فيعتق القلب من القنوط
لأن الهوان
منعته, إذ يصلب القلب على الزمان
لأن البكاء
حداً, وللدمع أن تكون خيط ماء!
لأن للصخرة أن تكون في التعب,
وسادة. لأن في دوامة الصخب
ما يغرق الروح إذا اشتاقت إلى الفناء!
لأنه ليس وراء الموت من عذاب!
ليس علي تمد ليس على اغتراب
عقوبة أقسى من الموت ولا أكبر!
لأننا جميعنا نأوي إلى التراب
يوماً,لأن جوعنا المخيف لا يقهر!
لأننا نحتمل المحال
في دغلنا, ونطرح الشكوك في الظلال
لأننا لا بد أن نعيش
نعيش, لا أكثر!
هذا هو السد الذي يبنى على الرمال.

لنتحدث عن التاريخ قليلاً, ما هو تاريخنا يا سيدي وماذا يخبئ؟
في الرياح التاريخية

حين توارث جثث الأموات
وأتضح المشهد
تجسدت فظاعة المأساة
عن إرثنا الأسود

ميراثنا المشؤوم جوع القبور
عار ضحايانا
ميراثنا كل عقاب العصور
عن كل ما كانا

أنا تخليت أمام الضباع
والوحش, عن سهمي
لا مجد للمجد, فخذ يا ضياع
حقيقتي واسمي

وتأتي ” قصائد تجريدية” تعني الكثير, دون رتوش ….


1-
في السقوط الجماعي
دموع الحب جاهزة ومختومة
بأنواع القوارير
دم الأحياء ممزوجاً بأصناف من الخمر
ولا يكشف عن سر المقادير
خلاصات من الأحلام
في صورة أقراص,شراب, حقن في الدم, تحت الجلد.
أصوات الصراصير
مسجلة لمن يرغب
مجاناً
فخذ ما شئت من سوق الأساطير.


ويضيف بأكثر من تجرد


ليس الحب مستحيل
ولا الجمال خدعة-ولا ندى السحر
خرافة.. لكن يفيض مرقص البشر
بالعنف والعويل

عن الحرية ” يتحدث , وأي حرية تلك

جئتم بوجه آخر جديد
لي, متقن حسب المقاييس المثاليه
شكراً لكم.. لا أشتهي عيناً زجاجيه
فماً من المطاط.
لا أبتغي إزالة الفرق. ولا أريد
سعادة التمثال الكامل
شكراً لكم. دعوه يبقى ذلك الفصل
أليس عبداً في الصميم سيد العبيد؟

يتحدث شاعرنا عن ” النوافذ” وأي نوافذ تلك التي يراها البريكان ويحترف فلسفتها

نافذة حب
نافذة مسدلة الستائر
يرشح منها الضوء
وظل موسيقى
وقهقهات
وغمغمات طفلة
وصوت أطباق
وأصداء من السكون

نافذة الشاعر
يفتحها للنور والريح وعطر الأرض
يهجم منها صخب العالم
يغلقها كأنما لآخر الزمان
ومثلما يغلق تابوت إلى الأبد


وللنوافذ بقية.
لم تكن الكتابة عن البريكان سهلة, كانت أصعب مما ظننت بمراحل, يصعب هنا اختيار النصوص, فضلاً عن المفاضلة بينها أو اجتزاء جزء من النص, يصعب أن تصل لخلاصة أي مقطع, قصائد عميقة لا يمكن سبر أغوارها .
أكتفي هنا بما كتبت, وتطفلت على عالم هذا الشاعر, وسأحاول أن أضيف المزيد من النصوص كلما حانت لي الفرصة, وأتمنى أن لا أحرم من إضافاتكم لكل من يملك أي نص للبريكان .

8/3/2005م


الباحث عن النظرية النهائية

يصفونه بغريب الأطوار، يخرج ممسكنا حاسبه الكفي، لا يكاد أن يفعل أي شيء دون أن يفتش فيه لدقائق.

تروى حوله الكثير من القصص التي لا يعرف أحد حقيقتها.

يقال بأنه في إحدى الليالي الشديدة الظلمة، مرة بالقرب من فتاة تغتصب في إحدى الطرقات، فصرخت به مستنجدة، فبادلها النظر باهتمام شديد، وبدأ يقلب في جهازه الكفي لبضعة دقائق، ثم مضى في حال سبيله، بينما انشغلت الفتاة عن مغتصبها بالنظر إليه، ثم بادرت بالبصاق خلفه حينما ولى مبتعدا عنها.

ذات مرة ، بينما كان يسير بالقرب من النهر، وبينما شاهد أحدهم يغرق ويصرخ طلبا للمساعدة، بدأ بالبحث في حاسبه الكفي سريعا، فجأة إنطلق محاولا إنقاذ الرجل الغريق، لكنه اكتشف أن التيار أخذه إلى نقطة لا ترى.

يقال أنه تعرض في إحدى الليالي لعملية سطو،  إذ اقتحم أحدهم شقته، وكان جالسا في إحدى زوايا غرفته، ممسكا حاسبه الكفي، وعندما رأى اللص، غرق في شاشة جهازه، وبدأ بالقراءة، والتأمل، حتى غادر اللص المنزل، ثم بعد ثلاث ساعات اتصل على مركز الشرطة ليبلغ عن الحادثة!

بعد انتشار تلك القصص في المدينة، قرر أحد العابثين تقصي حقيقة ما يجري، ومعرفة دقة القصص التي تنسب إلى الرجل غريب الأطوار، فقام باختطافه في إحدى الليالي، وأخذه إلى مكان قصي خارج المدينة، وبعد أن وثقه بالحبال، وثبت جسده النحيل على الكرسي، بدأ بطرح الأسئلة :

من أنت ؟

“عذرا سيدي، لن أستطيع فعل أي شيء دون حاسوبي الكفي.”

لا وقت لهذا الهراء، لن أؤذيك، أريد أن أطرح عليك بعض الأسئلة فقط، فإن جاوبتها، أعدتك إلى مقر سكنك.

“لا أستطيع يا سيدي – بدأت عيناه تغرورقان بالدموع – أنا حقيقة لا أعرف ماذا أفعل، أرجوك أريد حاسوبي الشخصي.”

وقام بإعطاه حاسوبه الكفي، وبدأ بالبحث فيه، وبعد 17 دقيقة قال:

“هل أنا مخطوف أم رهينة ؟”

لا يهم لا يهم ..أنت مخطوف وستخبرنا ما نريد ..

هالة من الصمت حلت على المكان، قاطعها صوت الرجل غريب الأطوار قائلا:

“لا يا سيدي ..الموضوع غاية في الأهمية، إن كنت رهينة لديك فلا يحق لك الحديث معي، وإنما تتفاوض مع الحكومة من أجل الإفراج عني، أما إن كنت مخطوفا فهذا يعني أنك تريد مني شيء محدد، وربما تريد ابتزاز أحد أقاربي، فمسألة الرهائن قضية سياسية على الأرجح، أما عملية الخطف فغالبا ما تكون قضية شخصية، وحسب قاموس “أكوا” للمصطلحات، فلا يمكن لك الحديث مع الرهينة أو استجوابه وأما في حالة الخطف فمن عوامل الابتزاز أن تقوم بتعذيب الضحية واستجوابها،، من أجل الضغط على طرف ثالث من أجل تحقيق ما تريد، أنت لم تتفاوض مع الحكومة حتى الآن فهذا ينفي كوني رهينة، كما أنك لم تعذبني وهذا ينغي مسألة الاختطاف.. أنا في حيرة من أمري.. هل أنا مخطوف أو رهينة ؟ أم ماذا؟ ..”

أجابه الخاطف متهكما : أنت أسير حرب!! .. تحدث..  أخبرني عن حياتك وإلا سأغير الخطة وأقتلك!

” لا يا سيدي، معذرة، أسير الحرب هو الذي يقع في قبضة الأعداء، في معركة بين جيشين نظاميين، لم تكن هناك معركة، لذا فمؤكد أنني لست أسير حرب، وإلا لوجب عليكم مراعاة اتفاقية الأسرى الدولية، أما عن تغيير الخطط.. سيدي.. لا يمكن تنفيذ أي خطة بحذافيرها، دائما تتغير الخطط، فنحن عندما نضع خطة معينة نسير في العملية حتى نقطة ما، لكن ردات الفعل تحتم علينا أن نتعامل مع واقع جديد ….”

هنا صرخ الخاطف “لا تتحدث أكثر .. أريد إجابة واضحة على سؤالي: من أنت ؟

“حسنا حسنا، مع أني لا أستطيع الحديث معك بأريحية لأنك لم تكيف وضعي منطقيا، فلم أعرف حتى اللحظة هل أنا مخطوف أو رهينة ! لكن إجابة على سؤالك “من أنا” هذا يتوقف على الطرف الأخر، وهنا مسألة من مسائل الهوية، فعندما أكون أمام طرف ينتمي لدين مختلف عن ديني سأعرف نفسي بناء على الدين، وعندما أكون أمام طرف ينتمي لمدينة مختلفة فسأقوم بتعريف نفسي بناء على انتمائي للمدينة ..”

صرخ الخاطف : أخبرني من أنت فورا بكلمات مختصرة واضحة وإلا قتلتك!

“حسنا حسنا سيدي .. سأخبرك .. بما أنك اعتديت علي بصورة ما، وبما أن وضعي غير محدد حتى الآن كأسير أو مخطوف أو رهينة .. فلا أستطيع أن أضع تعريفا لنفسي، ما لم أعرف من أنت تحديدا ..”

لا يهم أن تعرف من أنا .. نفذ ما أقوله لك : من أنت ؟

“الأمر يتوقف، إن كنت سأعتبر نفسي ضحية، وأنت شخص يعتدي على حريتي، لكن الأمر يتوقف على أمر أخر، هل حريتي أصيلة أم مكتسبة ؟ لو كانت حريتي مكتسبة فأنا لا استحقها لأنني لم أقاومك ..لكن لو افترضنا أن حريتي أصيلة، لكنت أنت منتهك لحريتي الأصيلة، وبالتالي أن شخص تم انتهاكه ..”

هنا لم يتمالك الخاطف نفسه، فانتحر برصاصة فجرت رأسه .

بعد أيام، تم العثور على جثة الخاطف، وبالقرب منها جثة صاحبنا غريب الأطوار، والذي مات من العطش والجوع بعد أيام، عكف خلالها على تكييف وضعه، لأنه لم يفهم ما حدث بالضبط : تم اختطافه، ثم انتحر الخاطف، ماذا يتوجب على المخطوف فعله ؟ ما هي النظرية التي يجب أن يتحرك من خلاها؟ هل هو مخطوف فعلا أم رهينة ؟ ماذا يتوجب عليه فعله وفق القيم والفلسفات المعاصرة ؟ ما اسم الحالة التي يمر بها؟ ما هي المنظمات والهيئات الدولية التي تدافع عن حقوقه أو تكيف وضعه قانونيا؟   وخلال تلك الأيام من البحث المرهق في الكتب، مات جوعا، ولم يستطع أن يفعل شيء لإنقاذ حياته، ولم يلاحظ حتى أن سيارة الخاطف تقف بالقرب منه، ومفاتيحها في جيب الرجل المنتحر، والمدينة على بعد 10 كيلومترات من مكانه.