العروبة والديمقراطية: علاقة الانتماء القومي بالدولة الوطنية

لو تحدثنا عن الحالة السعودية، سنجد ألا تعارض بين الانتماء القومي العروبي من جهة، وبين الدفع باتجها الإصلاح السياسي الداخلي من جهة أخرى. فالإصلاح السياسي داخل الدولة من خلال بناء عقد اجتماعي بين الدولة والمواطنين قائم على مفاهيم المواطنة والديمقراطية والعدل الاجتماعي أمر مطلوب وله الأولوية، ويجب السعي باتجاهه ودعمه، شرط أن يتم هذا ضمن حل لمعضلة الانقسامات الطائفية والقبلية والمناطقية، فلا يتم تفضيل أسرة أو قبيلة أو طائفة لتتمتع بامتيازات أكثر من سواها. وهذا ما يبدو بأنه غير وارد لا من خلال التجربة التاريخية للدولة، ولا من خلال رؤية الطبقة السياسية المهيمنة على خيراتها حاليا، ولا حتى مقارنة بدول عربية أخرى حاولت تعزيز هوية قطرية وطنية فانتهت إلى تفتت النسيج الاجتماعي طائفيا وقبليا. أغلب من يطرح مسألة الهوية السعودية اليوم هو من اليمين الليبرالي المدافع عن الأوضاع القائمة، الذي لا يدعو إلى عقد اجتماعي بين الشعب والحاكم لبناء دولة ديمقراطية، بل يريد أن يخلق هوية سعودية من خلال مناهج التربية الوطنية في المدارس أو التأكيد على أهمية رقم السجل المدني، باستثناءات محدودة بالتأكيد، حيث هناك قلة من المنافحين عن الهوية الوطنية السعودية بالتوازي مع الحديث عن تحول ديمقراطي أو في إطار إصلاحي شامل.

أهمية الحديث عن الهوية العربية في هذا السياق هو كونها هوية جامعة تتعالى على الانقسامات الطائفية والقبلية والمناطقية، فالعروبة تجيب على سؤال الهوية السياسية للشعب، ليكون الاختلاف بينهم في ظل إطار مشترك هو الانتماء للأمة، يرى الفيلسوف الكندي ويل كميلكا في هذا الإطار أن بناء دولة مواطنة هو المنطقة الوسط بين الرؤية الليبرالية لحقوق الأفراد، والرؤية الجمعانية لمسأل الانتماء، يقول كميلكا ” البحث عن سبيل لتجاوز التعارض بين الفردانية الليبرالية والجماعتية وقبول المطالب المتعلقة بالعدالة الليبرالية وتلك المقترنة بالانتماء إلى جماعة. وقد كانت، بلا ريب، فكرة المواطنة الفكرة المرشحة لإنجاز هذا العمل. فهي حميمة الصلة بالأفكار الليبرالية حول الحقوق الفردية وحقوق الملكية من جهة، وبأفكار الجماعتية حول الانتماء إلى جماعة والتشبث به من جهة أخرى. فهي تمدنا إذن بمفهوم يجسّر الهوة بين الليبراليين والجماعتيين ويجعل الحوار بينهما ممكنا.”  ويتبنى هذه الرؤية كذلك عزمي بشارة بتنظيراته حول “دولة المواطنة” التي تجمع جميع المواطنين بحقوق متساوية بغض النظر عن أديانهم وعرقياتهم.

كما أن محاولة فرض أيديولوجيا قومية شمولية على الشعوب أمر محال كما حصل في العراق / سوريا إبان تجربة حزب البعث، والتي انتهت نهايات دموية الأولى باحتلال ثم حرب طائفية والأخرى بثورة سلمية ثم عسكرية ثم حروب بالوكالة وصراع أهلي.  فإن محاولة صنع هوية وطنية قائمة على التعاقد الاجتماعي بين شعب وحاكم، أمر محال إن كان يراد منه عزل الشعوب العربية عن محيطها، ففي الحالة العربية لا يمكن أن تصنع هوية وطنية كبديلة عن هوية الشعب العربية / الإسلامية. وفي التجربة الكويتية مثال واضح على هذا. حيث فشلت هذا التجربة في أمرين: عزل المواطن الكويتي عن محيطه العربي / الإسلامي من جهة، وخلق هوية وطنية قطرية تتعالى على الانقسامات الطائفية والقبلية محليا من جهة اخرى. يمكن أن ينجح هذا التعاقد ويقود إلى دولة تحقق قدر أكبر من العدل، لكن دون توهم أن بإمكانها أن تخلق بديلا عن هوية الشعب، العربية الإسلامية. وفي هذا السياق الحديث عن الإسلام كثقافة لا يمكن فكر ارتباطها بالهوية العربية.

التجربة الكويتية  

لعبت الكويت في فترة ما قبل الاحتلال العراقي دورا مهما في العالم العربي، حيث انطلقت من الكويت مشاريع تنموية وثقافية شملت دول عربية مختلفة، في فترة انتعاش ثقافي وسياسي محلية، لكن هذا تغير بعد الغزو العراقي. حيث حاولت الكويت الالتفات إلى شأنها الداخلي أكثر فأكثر، كأحد أهم تداعيات العدوان العراقي على الكويت، أهم ما حدث بعد تحرير الكويت أمرين: صياغة خطاب مغرق في المحلية، و إحياء التعاقد بين الدولة / الشعب من خلال إعادة فاعلية مجلس الأمة والذي كان قد تم تعليق عمله قبل الغزو العراقي بسنوات، حيث كانت الكويت تعاني من أزمة سياسية وأفق مسدود حاول صدام حسين استغلاله لصالحه ولكنه لم ينجح.

بماذا نجح الخطاب الوطني المحلي في الكويت وبماذا فشل ؟

نجح الخطاب الوطني بإغراق الكويتيين بمشاكلهم الخاصة، ستجد الحديث عن الصحة في الكويت، والإعلام في الكويت، وإشكاليات مجلس الأمة الكويتي أكثر حضورا في الصحف الكويتية، واهتمامات النخب فيها.  لكن فشل هذا الخطاب بأمرين بشكل واضح: فشل في حل الإشكال الطائفي، والتمايز القبلي، أو إشكالية “الكويتي الأصلي..ابن بطنها ..داخل السور / خارج السور..الخ ” فما زالت الهوية الطائفية والهوية القبلية أقوى من هوية وطنية مفترضة يراد صنعها، فالتصويت في مجلس الأمة على سبيل المثال يتم على أسس قبلية وطائفية بشكل أكبر منه على أسس برامج سياسية وطنية تتعالى على هذه الهويات الطائفية /القبلية. وما يعرف بالانتخابات الفرعية داخل القبائل والممنوعة قانونا مثال على أولوية الانتماء القبلي على الانتماء الوطني. هنا نحن نتحدث عن انتخابات بناء على هويات طائفية وقبلية صغرى مفتتة للنسيج الاجتماعي، لا بناء على مشاريع سياسية.

الأمر الأخر الذي فشل فيه الخطاب الكويتي الوطني، هو عزل المواطن الكويتي عن محيطه العربي والإسلامي، هذا المواطن وإن تم إغراقه بخطاب وطني محلي يريد أن يصنع هوية تميز الكويتي عن ماعداه، لم تستطع خلق هوية لا تجعل الكويتي امتدادا لهوية أكبر دينية أو قومية. ظهر هذا من خلال الاهتمام الكويتي بالربيع العربي، واستجابته لهذه الثورات من خلال المسيرات التي تهدف للإصلاح الداخلي كامتداد لحالة الربيع العربي، كما يظهر من خلال دعم الكويتيين للثورة السورية، وكون التجاذبات السياسية في البلدان العربية كالعراق ومصر وسوريا ولبنان تحولت إلى أزمات سياسية في الداخل الكويتي ترجمت لتراشقات طائفية، أو خلافات داخل مجلس الأمة الكويتي حول شئون تلك الدول.

الكويت فشلت في تكوين هوية قائمة بذاتها، منعزلة عن محيطها، لا تكون امتداد لهوية أوسع منها إسلامية / عربية، وهذا الفشل لأن خلق هوية ثقافية /سياسية من هذا النوع يبدو مستحيلا في السياق العربي، فالروابط الثقافية / السياسية بين الدول العربية أكبر مما تبدو عليه. وهذه هي الحقيقة التي أكدها الربيع العربي وترجم إلى ما يمكن اعتباره تحالف الشعوب العربية ضد الاستبداد، وتحالف الحكومات العربية ضد حق هذه الشعوب، من أجل استقرار أنظمتها السياسية، حيث أثرت تحركات الشعوب العربية في بعضها، كما أثرت التغيرات السياسية في الأنظمة العربية على بعضها البعض.

في الأفق السعودي  

مثال الكويت جاء لتوضيح هذه المسألة، يجب الانخراط في الإصلاح في السعودية، والدعوة إلى بناء دولة الحقوق والمؤسسات، والإصرار على بناء دولة تعاقدية تساوي بين جميع المواطنين، هذا المشروع لا يتعارض مع الحديث عن هوية قومية عربية لأسباب مختلفة، أبرزها أن الدولة تتبنى الهوية العربية أساسا، كما أن غالبية من ينتمي إلى الفكر العروبي في السعودية داعم للمشاريع الإصلاحية الوطنية كمشروع حسم. الانتماء القومي في هذا السياق يأتي في إطار حل لاشكال الهويات الانقسامية طائفية وقلبية ومناطقية، وقضايا أخرى ليس لهذا مجال بسطها، فما أريد الحديث عنه هنا فقط مسألة الهوية الوطنية والعروبة.

الانخراط في المشروع الوطني الإصلاحي يجب أن يتم دون توهم أن خلق هوية تعاقدية سعودية مرتبطة بالدولة قادر على فك ارتباط الشعب السعودية بمحيطه الإسلامي / العربي، فالهوية السعودية إن تم خلقها، فستكون هوية تعاقدية، هوية مواطنة قائمة على عقد اجتماعي، لا هوية ثقافية تستطيع عزل المواطن السعودي عن محيطه. لا يبدو بأنها قادرة على حل إشكالات الانقسامات الطائفية أو القبلية أو المناطقية، حتى أن الدولة في خطابها الوطني لا تحاول أن تبني شرعيتها لا على أساس إصلاح سياسي قائم على التعاقد مع الشعب كما في الحالة الكويتية، ولا على ممارسة حقيقية للمساواة بين المواطنين طائفيا وقبليا ومناطقيا، فالحديث عن مشاريع من هذا النوع جميل ورائع، لكن الدولة لم تتبنى هذه المشاريع حتى الآن، وبعض من يتحدث عن الهوية السعودية لا يطالب بها، بقدر ما يدعو إلى ترديد النشيد الوطني أو الاحتفال باليوم الوطني، وتدريس مادة التربية الوطنية في المدارس، ليتحول الحديث عن الهوية الوطنية مجرد كليشيهيات لا تعبر عن مضامين حقوقية وقانونية أو حل لمسألة تسيس الهويات الفرعية.

هذا الحديث يقود إلى حديث أخر، هل المشاريع القومية أساسا مشاريع ضد الهوية القطرية ؟ هل تريد تقويض الدولة العربية القائمة ؟ حقيقة الأمر أن هذه الدعوة قائمة على مغالطة، أن هناك مشروع عربي واحد.

مشروع قومي أم مشاريع قومية ؟  

لا يمكن اجتزاء مشروع قومي عربي واحد، وتعميم خطابه على كافة القوميين العرب، لا في الماضي ولا في الحاضر. وهذا ينتج عن جهل بتاريخ الحركات القومية وتنوعها ناصرية وبعثية وحركة القوميون العرب وغيرها واختلاف أفكار منظريها من جهة. وعدم إلمام بالأطروحات القومية الجديدة التي كتبها منظرون خلال العقديين الماضيين، من جهة أخرى، والتي تبنى روادها كالمحمد جابر الأنصاري ومحمد عابد الجابري وبرهان غليون وعزمي بشارة رؤى تعددية ديمقراطية. فقد تنوعت أفكار القوميين العرب وإن توافقوا على الهوية العربية كمنطلق والوحدة العربية كحلم. هنا سأشير إلى ميشيل عفلق وعزمي بشارة وسأفصل قليلا حول أطروحة ساطع الحصري، لأنني تحدثت عن أفكار ميشيل عفلق وحزب البعث في مقالات سابقة.

كان أبو خلدون ساطع الحصري يرى الأولوية في بث الاعتزاز بالهوية العربية وإحياء حلم الوحدة بين دولها، لذا لم يتحدث عن شكل الدولة “العربية الكبرى” المرتقبة أو تصوره لشكل الوحدة بين الدول العربية بقدر حديثه عن إصلاح التعليم العربي وبث الشعور القومي. كانت الأولوية في خطاب الحصري الحرص على وحدة العرب مهما كانت الظروف، حتى أنه كان يرى القبول بالوحدة حتى تحت الانتداب الفرنسي والبريطاني، كمرحلة تسبق التحرر الوطني، وهذا ما حدث فعليا فبعد انهيار دولة حلب تمت الوحدة بين حلب ووجبل الدروز وجبل العلويين ودمشق وتمت المناداة بالتحرر الكامل لكل تراب سوريا وطرد الانتداب الفرنسي من شخصيات سورية وطنية، وهذا ما سطره الحصري في كتابه “العروبة أولاً” حيث دعم هذا التوجه بشكل كامل.

يقول ساطع الحصري عن النظريات التي كانت تطرح حول لا وحدة بلا تحرر وطني، أو نظرية إبقاء التوازن بين الدول العربية  ” كان من حسن حظ الشعب السوري والأمة العربية أن أمثال هذه الأراء والنظريات – من نظرية (لا اتحاد قبل التحرر)، إلى دستور (إبقاء ما كان على ما كان) لم تستول على الأذهان، في تلك الأزمان”.

الموقف من الدولة القطرية  

في ذات السياق، ورغم هوى الحصري الهاشمي، إلا أنه وقف مدافعا عن توحيد الملك عبدالعزيز للمملكة، وهو دعم لدولة قطرية ملكية، فكان يرى أن القضاء على إمارات الجزيرة العربية المتناثرة تحت راية واحدة يسهل في النهاية توحد العرب. لذا فند مخاوف القوميين العرب تجاه الدولة الناشئة آنذاك، واعتبر أن حكمة الملك عبدالعزيز والملك فيصل الأول ساهمت في إذابة الجليد بين العراق والسعودية وتعزيز التعاون العربي. كتب الحصري ” لا شك أن الحركات التوحيدية التي قام بها الملك عبدالعزيز بن السعود، انتهت إلى أوضاع موافقة لمصلحة الأمة العربية”.

أما عن الهوية الوطنية، فيرى الحصري في نقاشه لأفكار وتساؤلات فتحي رضوان وأخرين حول “هوية المصريين” أنه لا تناقض بين الهوية القومية والهوية الوطنية. فيرى أن المجتمع يصبح متقدما كلما “كانت الجماعات التي يرتبط بها وينتسب إليها كل فرد من أفراده، كثيرة ومتنوعة”. لذلك لم ينفي الرابطة الوطنية أو يقف ضدها ابتداء. إذ يرى الحصري وجود رابطة مصرية وطنية “لا مجال للشك في أن هناك قضايا أقليمية ومحلية بحتة، تستلزم المعالجة كمسائل مصر وحدها” لكنه يرى أن السياسة العليا المصرية الخارجية يجب أن تبنى على أساس “العروبة أولاُ” بما يخدم مصر على المدى البعيد كجزء من الأمة العربية.

من هنا نجد عدة سمات لمشروع ساطع الحصري القومي، فهو متصالح مع الحكومات العربية وإن كان ينتقدها، إلا أنه ليس ضدها، ولا يسعى إلى تقويضها، بل كان يعول عليها أحيانا بالقيام بواجب توحيد، ومن ناحية أخرى، لا يرى الحصري تناقضا بين الهويات الوطنية وبين الهوية القومية، ولا يرى نفي الرابطة الوطنية، فيرى وجود خصوصيات وطنية بسياق ما، مع أهمية المصالح القومية للعرب كأمة. هذا التوازن خاضعة لتقدير المصالح والمفاسد والموازنة بين الأولويات الوطنية والقومية كأمر سياسي متغير بحسب الظروف والأوضاع.

مشاريع أخرى

على النقيض من الحصري، معالجة أوضاع العرب مختلفة لدى مشيل عفلق كما كتباها في أعماله الكاملة “في سبيل البعث”، وقد كنت قد ألمحت إليها في مقال سابق، يرى عفلق حلم الأمة يتجسد في بناء طليعة مؤمنة بالأفكار البعثية، تقوم بالاستيلاء على السلطة، وفرضها على المواطنين. من خلال تنظيره لفكرة “الانقلاب” ولا يقصد في هذا السياق انقلابا على السلطة فقط، بل يرى انقلابا في المفاهيم، فيرى أن على الدولة بناء المواطنين بشكل مبرمج وقسري وكشف التزييف الذي لحق وعيهم جراء خضوعهم لهيمنة استعمارية، ولحكومات فاسدة. يمكن اعتبار هذه الأفكار جذر للدولة الشمولية المتسلطة في العراق وسوريا إبان حكم البعث، أي دعوة الدولة لقولبة المواطنين. هذه المشروع مختلف تماما عن مشروع الحصري الوحدوي التربوي القائم على التبشير بالهوية العربية دون تنظير لدولة شمولية، كما يختلف عن التطورات اللاحقة للمشاريع القومية التي طرحت أولوية بناء عقد اجتماعي عربي ودول ديمقراطية في طريق الوصول إلى تكامل سياسي واقتصادي بين الكيانات العربية القائمة.

نجد اليوم التنظيرات القومية قد اختلفت تماما، فلم تعد الأولوية الوحدة بأي ثمن كما يرى الحصري، بل التحول الديمقراطي، كما يطرحه عزمي بشارة في “المسألة العربية” أو “أن تكون عربيا في أيامنا” أو برهان غليون في “بيان من أجل الديمقراطية”. لم تعد فكرة عفلق عن حلول جاهزة لكل مسائل العرب والتنظير لدولة شمولية مستساغة لدى بشارة الذي يرى أن العروبة هوية وليست أيدولوجيا تتوسم حلول لكل المشكلات، لذلك يقول بشارة “يمكن أن يكون القومي العربي ديمقراطيا أو فاشيا، يساريا أو يمينيا ” من هنا يطرح بشارة القومية العربية كهوية سياسية لا مشروعا شموليا استبداديا كما في تنظيرات عفلق وتجسيد البعث لها. من هنا كان الحديث عن مشروع قومي واحد مجرد مغالطة لا تصمد لا أمام الحاضر ولا التاريخ، فالقوميين ليسوا مختلفين ومتنوعين كتجربة تاريخية فقط، بل باتوا ينظرون لهذه التعددية داخل تيارهم كما في الدولة الديمقراطية التي يسعون إليها.

خاتمة

في هذا السياق أود الختام بحادثة تاريخية أراها شديدة الدلالة، على عدم التعارض بين الانتماء للدولة القطرية، والانتماء القومي، وهي قصة أهم شخصية بعثية كويتية، فيصل الصانع، كما سردها الدكتور فلاح المديرس في كتابه “البعثيون في الخليج والجزيرة العربية” حيث كان الصانع من القيادات البعثية الرفيعة في الكويت وصديق شخصي للرئيس العراقي صدام حسين، ورغم هذا وقف الصانع ضد الاحتلال العراقي، ورفض التعاون لتشكيل حكومة موالية للعراق. يسرد المديرس القصة كالتالي: “وفي غضون فترة احتلال الكويت من قبل النظام العراقي في الثاني من أغسطس عام 1990م تم أسر فيصل الصانع من قبل جيش الاحتلال العراقي، لرفضه التعاون مع سلطات الاحتلال العراقي وترجيح انتمائه الوطني على ولائه الحزبي. حيث حاولت سلطات الاحتلال تشكيل حكومة من المعارضة السياسية عن طريق الصانع”.  ويضيف المديرس ” على الرغم من أن فيصل الصانع من البعثيين المقربيين لصدام حسين حيث كانت تربطه بالأخير علاقات قديمة أثناء دراستهما في القاهرة من خلال نشاطهما في منظمة الحزب في القاهرة، وكان صدام كثير التردد على المنزل الذي كان يسكن فيه الصانع في ذلك الوقت. على الرغم من التدخلات التي قامت بها منظمة حزب البعث في تونس عن طريق أحد قيادات التنظيم لدى صدام حسين حيث رفض الأخير إطلاق سراحه على الرغم من مرور أكثر من عشر سنوات على اعتقاله”.

يبدو هذا السؤال، سؤال التعارض بين الانتماء القومي والانتماء للدول الوطنية، مشابه لتلك الأسئلة التي تطرح على الشيعة وعلاقتهم بالمرجعية الدينية خارج الدولة للتشكيك في وطنيتهم، أو تلك التي تطرح على الإسلاميين وانتمائاتهم الأممية، أو تلك التي كانت تطرح على الشيوعيين وعلاقتهم بالاتحاد السوفييتي في فترة سابقة، فهو طرح تشكيكي تحريضي أكثر من كونه سؤال حقيقي يريد الوصول إلى الحقيقة أو طرح استشكال واقعي، وإلا لما تجاهل من يطرحه أن الدول القطرية التي يتحدث عنها تتبنى العروبة كمكون من مكونات هويتها الوطنية، وإن لم تترجم هذا الانتماء إلى أفعال.

بابا نويل: أبيض ..أسود ..أم بطريق!

نقاش طريف ومهم يدور هذه الأيام في الولايات المتحدة الأمريكية حول العرق الذي ينتمي له “بابا نويل” أو لون بشرته. بعد أن كتبت إحدى المدونات تدوينة تعبر فيها عن رفضها أن يكون بابا نويل “رجل أبيض” وتطالب بأن يتم اسخدام “بطريق” بدلا عن العجوز الأبيض جالب الهدايا في أعياد الميلاد المسيحية.

المدونة ساقت عدة دعائم لرأيها. كتبت على سبيل المثال أنها في طفولتها كانت ترى بابا نويل أبيض في الطرقات والأسواق وكل الأماكن التي تحبها، حتى أنها كانت تراه على هذه الهيئة في بعض بيوت الأمريكيين السود، بينما تجد بابا نويل أسود في بيتها، شخص يشبهها، ويبدوا أقرب إليها. تقول المدونة أنها عندما سألت ولدها عن شكل بابا نويل الحقيقي، هل هو الأسود الذي تراه في بيتها، أم الأبيض الذي يظهر في الإعلام والأسواق والاحتفالات العامة ..الخ. أجابها بأنه بابا نويل يكون بأي لون. لكنها عبرت عن إلتباس هذا الأمر عليها.

حقيقة قد يبدوا الحوار لأول وهلة تافها، لكنه ليس كذلك على الإطلاق، بل هو ينطلق من رؤية الأمة الأمريكية نفسها كأمة بيضاء مسيحية إنجلوسكسونية أو متعددة الأعراق والثقافات والأديان. تأتي هذه الأطروحة انطلاقا من هذا التساؤل حول الهوية الأمريكية التي تتجدد باستمرار خاصة بعد انتخاب الرئيس أوباما كأول رئيس أمريكي أسود.

قرأت أحد الردود على هذه التدوينة، وكان مليئ بالتعيقات العنصرية ضد السود، والصور النمطية عنهم، ووصفهم بأنهم يفضلون العيش على برامج الرفاه الاجتماعي بدلا عن العمل بجد لاكتساب رزقهم لذا يفضلون للحزب الذي يدعم هذه البرامج المجانية “الحزب الديقراطي حسب الكاتب”.

أظن الاطلاع على مثل هذه النقاشات مهم، لنقارنها مع الكيفية التي يتم من خلالها تصوير الأعراق الأخرى في الإعلام السعودي، وكيف يتم التعامل مع العمالة على سبيل المثال، أو كيف يتعامل الإعلام مع الثقافات المحلية التي لا تظهر بشكل طبيعي في الإعلام، كثقافة فيفاء أو المهرة، والتي يتم التعامل معها بكثير من الأحايين في خانة “التقارير عن الغرائبيات”.

 blacksantaروابط باللغة الإنجليزية للتدوينة والمقال والمشار إليها أعلاه:

Santa Claus Should Not Be a White Man Anymore by Aisha Harris

Santa Claus Black or White? Why it Matters by Graham J Noble

قمع المتظاهرين السلميين في “الأحد الدامي”

يظهر فيلم “الأحد الدامي” أو” Bloody Sunday” طرق العسكر في قمع المظاهرات والمطالب السلمية، وكيف يستغل المتطرفون الراديكاليون هذا القمع لصالح حراك عنيف ودموي. الفيلم مقتبس من أحداث المذبحة التي ارتكبها البريطانيون ضد الإيرلنديين في يناير 1972م. حيث تم قمع إحدى المظاهرات وقتل قرابة 13 محتج عند معارضتهم قانون الاعتقال التعسفي الذي أقرته السلطات آنذاك.

بعد قمع هذه المظاهرة خاب أمل الكثيرين بالتغيير بشكل سلمي في إيرلندا، فبادروا إلى الانضمام إلى الجيش الجمهوري الإيرلندي والذي ينتهج نهجا دمويا من أجل تحقيق مطالبه بتحرير إيرلندا وطرد الإنجليز. حيث بدأ أفراد الجيش الجمهوري الإيرلندي بالمزايدة على الأخرين بأن طرقهم السلمية لتحقيق التغيير لم تنتج إلا عنف السلطة ضد الشعب الإيرلندي، وقتل المتظاهرين الذين لم يستخدموا العنف، مما يعني أن العنف هو الطريق الوحيد لتحقيق التغيير.

يظهر الفيلم أن تفكير الجنود كان منصبا على شيء واحد فقط، وهو القمع. كيف يتم القضاء وتفرقة المحتجين، دون التفكير في سبب خروج هؤلاء وما هي مطالباتهم. كما يظهر الفيلم رعونة العسكر ومبادرتهم إلى القتل. إذ مارس الجيش البريطاني في الفيلم القمع والقتل، وقام بفبركة الأدلة ضد المتظاهرين الجرحى من خلال دس قنابل وأسلحة في ملابسهم.

يبين الفيلم كيف يمكن للعنف أن يكون مبررا لعنف أكبر وأوسع، وكيف يتشابه التفكير القمعي من خلال فبركة الأدلة وملاحقة الناشطين والتشهير بهم وقمعهم ..الخ. هذا التشابه بين الفيلم وبين ما يحدث يوميا في كثير من الدول حول العالم أمر مثير للدهشة والانتباه.

bloody_sundayصورة لمظاهرات الأحد الدامي

العربي في هوليود : المليونير الإرهابي*

 هناك عدة أسباب حسب الدكتور جاك شاهين المتخصص في الإعلام، والذي نشر عدة كتب عن صورة العرب في هوليود؛ إضافة إلى الأسباب السياسية، قادت إلى تشويه صورة العرب في هوليود، منها أن تشويه العرب في السينما مربح ماديا، بالإضافة إلى غياب العرب عن صناعة السينما الأمريكية كمنتجين. لكن السبب الأهم، هو عدم وجود أي مخاطر من تشويه صورة العرب سينمائيا، فبينما لا يستطيع المنتج تشويه صورة اليهود أو السود، فلديه من يستطيع امتهان صورته بالمجان، دون تبعات قانونية أو اخلاقية داخل المجتمع الأمريكي.

يرى الدكتور شاهين أن الثيمة الأساسية للعرب في هوليود قائمة على ثلاث شخصيات: مليونير ، مفجر، راقصة.  ويرى أن أفلام ما بعد سبتمبر ضخمت من هذه العناصر، فالعربي في الأفلام أصبح أكثر ثراء، وأكثر إرهابا.

مع أن المسلمين العرب لا يمثلون إلا 12% من عدد المسلمين حول العالم، إلا أن السينما الأمريكية ربطت بين العرب والإسلام بشكل يكاد أن يكون كلي، فيظهر كل العرب على أنهم مسلمين، وكل المسلمين على أنهم عرب، حسب جاك شاهين.

لفهم خطورة تشويه العرب في السينما الأمريكية، يذكر جاك شاهين أن قرابة 15 / 20 فيلم يتم إعادة بثهم بشكل أسبوعي من منتصف الثمانينات الميلادية تقوم على تشويه صورة العرب والمسلمين، مما يساهم في تنميط صورتهم في الذهنية الأمريكية المستهلكة للإعلام.

يقارن شاهين مقارنة طريفة بين صورة العرب في السينما الأمريكية، وصورة اليهودي في السينما الألمانية النازية، ليراها تقوم بنفس الدور وتستخدم نفس الطريقة أحيانا، انطلق في هذه المقارنة من كون العرب واليهود كليهما من الشعوب السامية.

The_Sheik_-_Rudolph_Valentino_and_Agnes_Ayresمن فيلم “الشيخ” المنتج سنة 1921م

*ملاحظات بتصرف من كتاب جاك شاهين “Reel Bad Arabs” .

عندما قال أستاذي الأمريكي : لديكم شوارع وجسور لا تتهدم

دار حوار طريف بيني وبين أحد أساتذتي الأمريكيين في الجامعة يوم أمس. كنا نتحدث في مسألة أكاديمية، ثم بدأنا الحديث عن الاختلافات بين الطلاب الأجانب والطلاب الأمريكيين في الجامعة. ثم عن الفروقات الأكاديمية بين الجامعات الأمريكية والسعودية. خلال حديثي أخبرته أن الجامعات السعودية عموما لا تهتم بالتخصصات الآدبية مثلما تهتم بالتخصصات الطبية أو الهندسية، حيث لهذه الأخيرة كل الاهتمام أكاديميا وحتى على المستوى الشعبي. هنا ابتسم وأطلق استنتاج مثير، قال : لهذا لديكم جسور وشوارع جيدة لا تتهدم .. بينما الشوارع والجسور في أمريكا ليست جيدة .. لأن لديكم مهندسين منكم يشرفون على المشاريع، بينما في أمريكا لا نهتم بالتخصصات الهندسية، فكل المشرفين على المشاريع أجانب.

هنا أصبت بالدهشة مما قال! طبعا هذا الدكتور ليس بالشخص الساذج أو الجاهل، إنما أنه ارتكب مغالطة دارجة، أي أنه ربط بين مسألة ما، وعامل واحد، وتجاهل العوامل الأخرى. لذا استنتج أن الدولة التي تهتم بالتخصصات الهندسية ستنتج مهندسين أكفاء يشرفون على المشاريع، وستكون هذه المشاريع ممتازة. لكنه لم يضع في حسبانه عوامل أخرى: مثل إنعدام الرقابة على المشاريع، وتنفيذها بشكل سيء، والمبالغة في تكاليفها، والرشاوى، وعقود المقاولات من الباطن..الخ. مجموعة من العوامل تندرج تحت كلمة واحدة: الفساد.

BZNwNbVIQAAFTHaصورة عن أمطار الرياض تداولها مغردون في تويتر

دعوة إلى التدوينات العفوية

خلال السنوات السابقة، مر السعوديون بحقب إنترنتية مختلفة، إن صحت التسمية. فمن الشات والمنتديات مرورا بالبالتوك، ثم المدونات، فالفيس بوك والآن تويتر والباث..الخ. لكل حقبة خصائصها واستخداماتها المختلفة بشكل جذري أحيانا. وإن كانت المنتديات هي الحقبة الأطول والأكثر زخما، ربما  – وهذا مجرد انطباع – كانت التدوينات الفترة الأقصر والأقل انتشارا. ربما لأنها حاولت أن تكون أكثر نخبوية، بحيث أن المدونين يمارسون أدوارا كتابية أدبية أو غيرها، مما وضع معيار معين للكتابة لا ينجح من ينزل عنه.

أعتقد أن هذه الفكرة زائفة، بمعنى أن التدوينات لا تلزم معايير كتابية معينة، بالتأكيد الموضوع يعتمد على الشريحة التي يستهدفها المدون بالكتابة، لكن تستطيع أن تختار شريحة معينة في ذهنك، وتمارس لها التدوين بالأسلوب الذي تراه يوصل أفكارك.

أظن أن وسائط التواصل الاجتماعي يمكن لها أن تتيح فرصة جديدة مميزة للممدونات، للانتشار والتأثير. وفعلا هناك الكثير من الشباب ما زالوا يمارسون التدوين. وأعتقد أننا بحاجة لنشر وتعزيز هذا التوجه.

الفكرة التي أطرحها هنا، هي العودة للتدوين بشكل أكثر عفوية، بحيث يتخلى الكاتب قليلا عن الرغبة بممارسة كتابة نخبوية أو متخصصة، ليخاطب جمهور عام يمكن الوصول إليه من خلال تويتر والفيس بوك وغيرها.

وهنا ا أدعوا إلى تدوينات  ثقافية أو سياسية فقط، لكن متنوعة. أتخيل لو دون كل طالب جامعي 200 كلمة أسبوعيا عن شيء جديد تعلمه في مجال دراسته. أو كتب كل شخص عن تجربة عايشها، أو فكرة خطرت إلى ذهنه. أتوقع أن المحتوى الذي سيبقى يستحق هذا الجهد. خاصة مع وجود عشرات الآلاف من طلاب الدراسات العليا السعوديين حول العالم.

فعليا هناك الكثير ممن يكتب بشكل يومي في تويتر، لكن هذه التغريدات تذهب مع الريح. تويتر وقتي جدا وعابر، ربما كان مفيد في لفت الانتباه إلى أمر ما، أو كتابة ملاحظة سريع على حدث عابر. لكن استخدامه لكتابات فكرية أو نقاشات ثقافية غير مجدي على المدى الطويل.

ليس بالضرورة أن تكون كاتبا محترف، أو تكتب عن أفكار جديدة وخلاقة .. دون بشكل عفوي ومختصر ما تفكر فيه فقط.

الأسئلة المزيفة حول المعتقلين

ما إن تطرح مسألة المعتقلين تعسفيا في السعودية حتى تنهال عليك بعض الأسئلة، والسؤال حق مشروع بالتأكيد، لكن في بعض الحالات ومن طبيعة بعض الأسئلة يتضح أن الغرض غير بريء أبدا، بل هو مغالطة هدفها التزييف لا الوصول إلى الحقيقة.

من هذه الأسئلة على سبيل المثال : لماذا تدافعون عن إرهابيين  ؟ هل تدافعون عن مجرمين؟

وهذا السؤال مغالطة كبرى، فكون الدولة اعتقلت مواطنا أو مقيما فهذا لا يعني أنه إرهابي، بل يعني بأنه “مشتبه به” أو “متهم” فالمباحث والشرطة وهيئة التحقيق والإدعاء العام ليست جهة حكم على الناس، بل جهات ضبط وتحقيق، ووصف إرهابي وإن كان ملتبس ولم يكن يوما من الأيام وصفا قانونيا، إلا أن هناك إمكانية لقبوله بعد حكم القاضي على متهم بعد إثبات مسئوليته عن عملية إجرامية/سياسية.

إذا ؛ ما دام المتهم لم يحاكم لسنوات في مخالفة لنظام الإجراءات الجزائية الذي وضعته الدولة، فوضعه القانوني هو “معتقل تعسفيا” وليس إرهابي. لأن “إرهابي” وهو وصف يحمل قيمة وحكم واتهام، لا معنى له قبل حكم قضائي في محاكمة تحقق العدالة ووفق الإجراءات الجزائية والتي تشترط وجود محامي، وعلانية المحاكمة، وإتمامها في فترة لا تتجاوز 6 أشهر. بينما أغلب المتهمين اليوم جاوز وجوده في السجون 6 أشهر إلى سنوات يصل بالنسبة لبعضهم إلى عشر سنوات أو يزيد!

ومن الأسئلة الزائفة كذلك، هل قضية الاعتقال حقوقية أم سياسية ؟

هذا السؤال لا معنى له، وسؤال مزيف كلية، فالأهم من السؤال والإجابة الاتفاق على تطبيق القانون الذي وضعته الدولة لكنها تخالفه،  وهناك خلاف بين المدافعين عن حقوق المعتقلين أصلا حول هذا السؤال بين من يرى القضية حقوقية بحتة/ وبين من يراها مرتبطة بالسياسة ارتباطا عميقا . لكن المثير للسخرية في هذا الطرح عندما يأتي ممن لم يتحدث يوما عن المعتقلين، ويسميهم “إرهابيين” ثم يناقش إن كانت القضية سياسية أو حقوقية وهي لا تعنيه أساسا ويعمل ضدها ويشكر الجهود الأمنية في اعتقال الناس تعسفيا. هنا السؤال داخل في إطار تزييف الوعي لا أكثر.

من الأسئلة المزيفة كذلك، أين حق ضحايا الإرهاب ؟

حق ضحايا الإرهاب في رقبة الدولة التي أخرت القصاص من مرتكبيه، واعتقلت الآلاف من المواطنين دون محاكمات فلم نعرف من هو المذنب ومن هو البريء. من يتحمل وزر تأخير القصاص من الإرهابيين هو من تلكأ في محاكمتهم، لا من يطالب بحقوق المعتقلين تعسفيا، والتي طالت مدد اعتقال بعضهم إلى سنوات .

ومن المغالطات التي تطرح: هل تطالبون بالإفراج عن إرهابيين ؟

السؤال يحمل حكما في طياته بوصف المتهمين بأنهم إرهابيين، هذا ابتداء، لكن بتجاوز هذه المسألة والتي فصلتها في النقطة الأولى من هذا المقال، أقول متحدثا عن نفسي، أنا أطالب بسرعة المحاكمة وتعجيلها ليسجن من سجن على بينة وبحكم قضائي وفق نظام الدولة، وهذا الحد الأدنى على ما أظن. لكن من يطالب بالإفراج عن المعتقلين تعسفيا لديه سند قانوني، وهو الإفراج الفوري عن من جاوزت فترة اعتقاله 6 أشهر دون محاكمة. ومن هنا كانت هذه المطالبة مشروعة وتملك حجيتها القانونية، ومتوافقة مع النظام أكثر من مطالبتي بتعجيل المحاكمات.

هذه الأسئلة تطرح غالبا لتشويش، ولتشويه الحراك من أجل إنهاء ملف المعتقلين تعسفيا في المملكة، وليس من أجل الوصول إلى حق أو كشف باطل.