عرب مروا من هنا

لماذا لم نولد في جزر نائية هناك في أقاصي الأرض ؟

في مستشفيات قصية، طواقهما من كل الأجناس والألوان، لا نعرف لنا جنسا أو طعما أو نكهة . مجرد كائنات حية تسمى بشر.

ننمو ونكبر، نرتب أنفسنا في أنحاء الأرض عشوائيا. لا نعرف لأماكننا أسماء أو تاريخ، لا نملك  أعلاما ولا فخارا وطنيا نعتز به، لا أناشيد ولا أهازيج محلية، ولا أعراق أو لغات، لا شيء، مجرد بشر.

أن نعيش بلا تاريخ أو جذور، لا نعرف معنى كلمة “ماضي” ولا “مستقبل” لا ندرك تلك الدورة  ولا معنى لمفردة “تاريخ” أو “هوية” أو “وطن” في قاموسنا. نحن حيث نكون، زماننا ما دمنا أحياء، نعرف أننا نملك كل الأرض، وكل السماء، ولا نعرف بعيدا عن أرضنا وسمائنا مكان.

لكن هذا لا يحدث .. وعلى الأرجح لن يحدث.

كل منا ينتمي إلى قوم، ويعرف لنفسه ثقافة، ولهذه الثقافة تاريخ وجذور، وعقل، ولسان، وتشكل ما يعتصر قلوبنا لو أنكرناه وانسلخنا عن جلدنا.

لا يمكن أن يتحقق هذا الانسلاخ، ولا نستطيع أن نعيش غرباء مهما حاولنا، لن نكون سعداء عندما نعيش بلا كلمات كـ “ماضي” و “مستقبل”..  لا نملك إلا أن نكون “أمة” لها تاريخ وجذور وحضارة ومنجزات.

لا نملك إلا أن نكون  عربا مررنا من هنا مرارا ومرارا .

لا نملك إلا أن نتغنى بذي قار، ومعلقات العرب الأولى، فخار عمرو ابن كلثوم وتهتك الملك الضليل.

لا نملك إلا أن نردد حكايات “أبو ليلى المهلهل” و أيام طسم وجديس وثمود وعاد.

لا نملك إلا أن نفاخر الكون بخير البرية النبي الهاشمي محمد ابن عبدالله عليه الصلاة والسلام.

لا نملك إلا أن نفاخر بعرب فرس، وعرب أمازيغ، وعرب من الهند والسند، وعرب كرد، وعرب تركمان  وعرب أقباط … عرب رغم كل تنوع أعراقهم وأصولهم، أشكالهم وألوانهم، إلا أنهم عرب اللسان، والثقافة والعقل والمعارف.

لا نملك إلا أن تكون لنا ديار إليها نحن، وتاريخنا الذي به نفخر، وأرض إليها ننتمي، وأحلام تنتظرنا لتحقيقها.

لا نملك إلا أن تكون لنا أوطان لها نأوي ومن أجلها تتداعى أرواحنا، وتختنق أنفاسنا لو نسينا.

لا نملك إلا ديارا عليها نحافظ كالرجال وكالنساء، أو نبكيها كالحمقى أو العاجزين.

عرب مروا من هنا، عرب خالدين ما دام في الأرض بشر وسكن، وما دام في السماء هواء، وقطرات مطر.. بل ما دامت في عروقنا دماء.

فيلم «التطوع الأخير» .. قراءة هزلية مجحفة للأعمال التطوعية

ما تعريف الأعمال التطوعية ؟

“التطوع هو اللي فيه اختلاط وبنات وعيال وتصوير ..”.

هذا التعريف الذي يرى القائمون على فيلم “التطوع الأخير” أنه الدارج لدى “الشاب الطبيعي” في المجتمع السعودي! الفيلم نشر في موقع “اليوتيوب” في 12 نوفمبر، ويتطرق إلى الأعمال التطوعية بصورة ناقدة وهزلية، وهو من إخراج الأستاذ بدر الحمود.

غالباً ما رافق الصمت التجربة السينمائية في المملكة ، أو اتفاق ضمني بين الجميع على المجاملات، والتخلي عن النقد، بسبب كونها تجربة وليدة لم تأخذ مداها بعد، وهذا غير دقيق، فالتجربة وإن كانت وليدة إلا أنها بحاجة للنقد بصورة مستمرة من أجل تطويرها، وملامسة نقاط الضعف والقوة إما في الجوانب الفنية أو الفكرية لهذه الأعمال، وهنا أريد الحديث عن المضامين التي يطرحها فيلم “التطوع الأخير” ومغزى الرسالة الذي ينوي إيصالها إلى المجتمع، دون التطرق إلى الجانب الفني، لأن الفيلم كان أقرب إلى التقرير المصور – جيد الإخراج – من أي شيء آخر.

الفيلم ملتبس إلى حد كبير، فهو ينطلق من مسلمة كون الأعمال التطوعية “بصورتها المدنية” ظاهرة وليدة لم تبدأ إلا قبل سنتين في المنطقة الشرقية والغربية، و”تحبو” في الرياض، وبذات اللحظة خطاب الفيلم هو خطاب إلغائي، لا يقيم التجربة ويدعو إلى إعادة النظر في السلبيات التي ترافقها، ككل عمل في بدايته، بل كان مجمل خطاب الفيلم يدعو إلى إلغاء الأعمال التطوعية بصورة هزلية لمبررات عديدة، منها أن التطوع “سيئ” و “سخيف” ويهدف إلى “الوصول إلى المناصب” و “الترقيم” !!

وهذه “اللزمة” حول “الوصول إلى المناصب” و”الترقيم” أو العلاقة بين الرجال والنساء تكررت طوال الفيلم بصورة مملة، فأغلب ما جاء بعد الدقيقة الخامسة (مدة الفيلم ربع ساعة) هو تكرار لما تقرر في البداية، حول تفاهة الأعمال التطوعية وكون “ترقيم البنات” الهدف الأبرز للقائمين عليها.

وتأتي الشخصية المثيرة “المتطوع التائب” على وزن “مدمن سابق” أو “مفحط تائب” لتقرب لنا وجهة نظر القائمين على الفيلم بصورة أكبر، فالتطوع في الأعمال الخيرية – بصورتها الحالية- يعادل “إدمان المخدرات والمسكرات” أو “التفحيط” ويجب التوبة منه على غرار ما يفعل أولئك، وتبث توبتهم بالطريقة ذاتها، مع إخفاء الوجه، بخلفية موسيقية حزينة، كإكمال للمشهد المأساوي المراد تمريره، هنا يأخذ المشهد طابعاً يتجاوز المضحك والهزلي، ليؤصل لرؤية ضمنية حادة تجاه التطوع والمتطوعين.

أحد المتحدثين في الفيلم ينتقد أن يكون المتطوع “كاشخ” و “لبق” و “مبتسم” ! ويقرر أن هذا الشخص المهتم بلباسه ولبق بحديثه ومبتسم لا يفعل ذلك إلا ليتقرب من الجنس الآخر، المرافق في الأعمال التطوعية، وهذا لا يقلل من وجاهة الانتقاد الموجه إلى ملابس بعض الشباب، ولكن هذا الانتقاد عام على نمط سائد في المجتمع، دون أن يكون خاص بفئة معينة، فهذه الملاحظة تشمل الشباب عموماً، دون جزئية الانخراط في أي عمل، ولا يؤثر بصورة أساسية في كون الشخص متطوع أي غير متطوع، فهو اعتراض شكلي بحت.

التعميم الأساسي في الفيلم “أن هدف الأعمال التطوعية هو الترقيم” مثير للاهتمام، ومحاولة إلغاء هذه التجربة التي مازالت تحبو – لذلك السبب- أشد إثارة للاهتمام، لأن الحديث عن دوافع الشباب للأعمال التطوعية بهذا التعميم هو طعن سافر في النوايا، وتعميم بهذا الحجم يجرد الشباب المنخرطين في هذه الأعمال من أي فضيلة، ويحاول أن يحصر الدوافع في “المناصب” و “الترقيم” هو إدعاء معرفة ما لا يمكن الجزم به بالنسبة للفرد الواحد، فضلاً عن تعميمه على الجميع بهذه الصورة الفجة، والتي تأتي كامتداد لعقلية التعميم والإلغاء السائدة لدينا.

هناك من يذهب إلى الأسواق بهدف “الترقيم” لكن لم يقل أحد إن جميع من يذهب للأسواق يمتلكون هذا الدافع، كما أن التحرشات تحدث من بعض القابعين في مدرجات ملاعب كرة القدم، بل هناك من يذهب إلى هناك من أجل هذه الأعمال المسيئة، لكن أحدا لم يعمم من قبل بقوله “كل من يذهب إلى الملاعب هدفه التحرش” أو طالب بإلغاء مباريات كرة القدم أو مدرجات الجماهير لهذا السبب! تعميمات من هذا النوع خاطئة ومقززة، ومطلقها ينقصه وعي وإدراك معنى هذا التعميم ونتائجه، وقد علقت بعض الفتيات المشاركات في الأعمال التطوعية على الفيلم من خلال موقع اليوتيوب بأن الفيلم يجعل عملهم أصعب، ويؤدي إلى النظر لهؤلاء الفتيات بعين الريبة والشك من قبل ذويهم، ويسيء إلى سمعتهن بصورة مباشرة، وهذا كلام دقيق. بالإضافة إلى غياب أي رأي نسائي من المشاركات في الأعمال التطوعية، وهذا يجعل الفيلم يناقش القضية من زاوية ضيقة جدا، ويستبعد النساء من أي نشاط ابتداءً، ولو على مستوى إبداء الرأي!

إحدى الحجج التي تساق من خلال الفيلم لإثبات عدم أهمية الأعمال التطوعية، حديث أحد المشاركين أن الأعمال التطوعية قديمة في المجتمع، وأن أي عمل خيّر قام به شخص تجاه آخر هو عمل تطوعي، وهذا الكلام غير دقيق، وينم عن عدم فهم مغزى الأعمال التطوعية بصياغتها المدنية ممن يحاول انتقادها، فالأعمال التطوعية بمعناها المدني اليوم تختلف عن ممارسات الإنسان الخيّرة للآخرين. الممارسة التطوعية المدنية الحديثة هي ممارسة جماعية ومنظمة، بينما تلك الأعمال الخيّرة التي يقوم بها البشر تجاه بعضهم هي أعمال عفوية وتلقائية، حتى جماعيتها أحيانا تأتي على سبيل المصادفة، لا عن قصدية وتنظيم، بالإضافة إلى تنوع المجالات واختلافها، فبينما كانت الأعمال الفردية تقتصر على مساعدة الفقراء والمحتاجين من الأقارب والجيران..الخ أو مساعدة من يقع في كربة أو ضائقة مالية عابرة، فالأعمال التطوعية المدنية تنخرط في مجالات أوسع، وتستهدف في مراحل متقدمة وعي المجتمع وتحديثه، أي أنها لا تقتصر على الجوانب المادية البحتة.

من ضمن الحجج التي تساق ضد الأعمال التطوعية المدنية – من خلال الفيلم – أن القيام بخدمة العائلة، ومتطلبات الوالدين أفضل من الأعمال التطوعية التي تؤدى للآخرين، وهذا الحديث لا قيمة له، لأنه ينطبق على كل شيء، لا على الأعمال التطوعية فقط، فالقيام بخدمة الوالدين مقدم على الجهاد كما في الحديث النبوي الشهير، وخدمة الوالدين أهم من الأعمال التطوعية، ومن الدراسة، ومن محاولة تحسين الدخل، ومن الذهاب لشراء الملابس، أو حتى من إنتاج فيلم عن الأعمال التطوعية، أي هي أفضل – كما هو سائد اجتماعياً وكما تحث القيم الدينية- من الانخراط في أي نشاط شخصي أو اجتماعي، وبالتالي لا معنى لوضع هذه العلة في هذا السياق، لكونها لا تختص به فقط، وهو خلط بين ما هو واجب وما هو نفل.

يشير أحد المتحدثين في الفيلم عن “حقد المتطوعين على بعضهم” وعن “روح السيطرة ” وتحول البعض إلى قيادات داخل المجموعات، وإطلاق الألقاب المجانية كلقب “ناشط” وأن أقصى أمانيه أن تأتيه إضافات في موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”.. وهذه من النوازع البشرية التي لا يكاد أن يخلو منها إنسان، أن يكون في موضع قيادي، أو “يغار” من آخرين، أو يعتد بنفسه ويحاول أن يحقق ما يسميه ماسلو “الاحترام والتقدير” في هرمه للاحتياجات الإنسانية، وبالتالي فهذه المظاهر عامة لا يكاد يخلو منها أي نشاط بشري، ومتفهمة.

تجربة الأعمال التطوعية جديدة في مجتمعنا، كعمل مدني جماعي منظم، وأي تجربة حديثة لابد أن ترافقها الهفوات والإخفاقات، ولابد من نقد تلك التجربة بصورة متعقلة لتحديد جوانب الخلل وجوانب النجاح، دون الهدف إلى التجريح أو الإلغاء كما فعل فيلم “التطوع الأخير” باقتدار، ببث مجموعة من الانطباعات الشخصية دون معلومات إضافية، أو أرقام وإحصائيات، وإنما مجرد ادعاءات ألقيت بصورة فجة لمحاولة وأد تجربة مهمة ومميزة مازالت تعيش لحظاتها الأولى.

 

 

صحيفة الرياض – 23 نوفمبر 2010م

قراءة في وجه الموت

   يقول أميل حبيبي في المتشائل “الموت ليس منفذاً بل نهاية” بينما تشخص أحلام مستغانمي الموت بمعيار مختلف إذ كتبت في ذاكرة الجسد “أليس الموت في النهاية شيئاً عادياً، تماماً كالميلاد، والحب، والزواج، والمرض، والشيخوخة، والغربة والجنون، وأشياء أخرى؟” يوافقها واسيني الأعرج إذ كتب “الموت في الجماعة لا يخيف” لكن آخرين كوهيب سراي الدين يرون أن هناك “موتا للإنسان من نوع آخر” فالموت “ليس توقف الرئتين عن التنفس، والقلب عن الخفقان، والشريان عن النبض” مما يدفعنا للخوف من هذا الموت المختلف، لنعود للحظة أحلام مستغانمي التي كتبت الرجل الذي رفضه الموت ورفضته الحياة! أو نرى عجزنا عن أي شيء حيال الموت، كما تصرخ إحدى بطلات ليلى الجهني كما في “الفردوس اليباب”: وما دمنا لا نتقن غير الشجب والإدانة فإني سأشجب موتك يا صبا. أجل أشجب موتك الجبان الذي لا يقدم ولا يؤخر، الموت التافه إن جاز لي أنه اسميه.

الموت يتشكل أحياناً على صورة بهجة واحتفال، كما كان للمعتقلين في سجن “تزمامارت” حين صورهم الطاهر بن جلون في “تلك العتمة الباهرة” إذ يعني الموت الخروج لدفن الميت، ومن ثم رؤية النور، والتعرض لهواء نقي، يأتي الموت هنا كدافع للحياة، فالموت “يدفع الإنسان لأن يكون أكثر تيقظاً للحياة” كما كتب باولو كويليو في “الخيميائي”، أما كازنتزاكس وعلى لسان “زوربا” يرى أن المشكلة ليست في الموت، بل في الحياة! فالموت خلاص، أما الحياة فتعني انتظار المزيد من المشكلات.

السؤال هنا: كيف نرى الموت؟

يكتب عبدالرحمن منيف في “النهايات” انتظار الموت في هذه الصحراء أصعب من الموت آلاف المرات. فالموت هنا لا يأتي فجأة، لا يأتي متنكراً، ولا يأتي بسرعة ويقضي على كل شيء، وإنما يكشر عن أنيابه في البداية ثم يقف على شبابيك السيارات، وبين لحظة وأخرى يعربد، يصرخ، يلطم الوجوه، يسفّ حفنة من الرمال في الأفواه والعيون. وبعد أن يمل من هذا المزاح يتراجع قليلاً، ليقعي مثل ذئب، انتظاراً لجولة أخرى. والجولة الأخرى لا تنتظر طويلاً، إذ تصعد مثل البخار مسرعة جارفة قوية، فتولد يبوسة في الحلوق، هلعاً في العيون، انتظاراً آخر قاسياً ممضاً، بالخشونة الكاوية نفسها، بالجبروت نفسه الذي لا يعرف التراجع، يدق الشبابيك مرة أخرى دقات قوية متواصلة.

ولرؤية هذا الموت كتبت لنا الشاعرة هدى الدغفق: طرحك للموضوع جاء في وقته تماماً بالنسبة لي، جاء هذا الوقت بأزمة لا محدودة لوفاة كثير من الأحبة، الموت بالنسبة لي فلسفة الكون المبتورة في الأعمار وفي أعماقنا بئرها خوف لا ينضب، الموت جنين منبعث بين نطفتين، روح تتراسل بين جسدين، ليموت طفل ويولد شيخ، لا أفقه حكمته حتى الآن وهو يعلمني إياها كلما جلدني بسياط الفقد، لا يمكنني الاعتماد سوى على قولي المؤجل لمستقبله والمؤرخ بفقدي لأقول بملء فمي: كلنا.. أنت وهمو وهن وأنا.. الموت، كلنا تاريخه المجهول وحيرته، مشهده الضاحك المضحك لسريرته.. نحن.. ينقض فينا ونكون فريسة الحياة فيه وموتها فينا، وبين الألم والوجع والشجن والكآبة والبكاء الحاضر والتباكي: ذاكرة لا تتوقف سوى لحظة السكتة الأخيرة عن النبض.. ليتنا.. بلا لحظة. أو أننا اللحظة كي لا نفقد سوانا، ولا يفقدنا سوانا أيضاً.

وتضيف الدغفق: يمكنني أن أكون ذلك الكائن الذي لا يستكين، حتى يسكننا عذاباته ويستطعمنا ويطعمنا إرادته ويعلمنا كم نحن لا شيء، لا شيء على الإطلاق، أمام الموت من نكون من؟ سوى حياة ميتة، نحن ليس إلا. نحن قلب وروح زئبق لا أطراف لها، لا دم فيها، نحن الأطراف كلها، أرواحنا الزئبق المتجدد في أجيال لا تنظر إلى أعمار في الكون سوى أنها الموت الذي يلي.

وللإجابة عن ذات التساؤل الأزلي الذي شغل الكون، كتب الشاعر إبراهيم الوافي: الموت ذاكرة للنسيان، شيخ تلفع بالسواد متجهاً للزوال، حين يبشر بالعودة إلى الطين، الموت أسورة صغيرة على معصم فتاة مشلول..!

عمود رخامي في ميدان المزدحمين، علقت عليه ساعة ضخمة لا تتكرر أجراسها..!

ثقبُ في طبقة الشجون ينفذ عبره بخار المواقف والتواريخ والأحداث، فلا يتكثف السحاب، ولا تحمله الرياح بمشيئتها حتى وإن أذن لها الرشيد..!

الموت عود كبريت هاجع لا يشتعل وحده، إلا حينما يأكل الذئب من الأمم القاصية..!

إنه لحظة أفول مذهولة، ولفظة ذهول مأهولة بنوم القلوب واستراحة الدم من رحلات الفصول الأربعة!

بكاء من بعدنا عليهم حينما يشبهوننا آخر الطريق..!

ليس بين الشاعر والشاعر إلا الموت، وليس بين الموت والموت إلا ما يدركه الشاعر..!

لهذا فقط مات طرفة بن العبد مبكراً، وعمّر لائمه طويلاً، ولهذا فقط كلما هيأنا للموت ذاكرة حية اعاد (موت) الشاعر لذاكرتنا الحياة..!

والموت كظاهرة شعرية في الشعر العربي تشكلت على موت وجودي كما هو الحال عن طرفة، وموت رومانسي كما جاء به شعراء الرومانسية العربية على رأسهم الشابي لكن وكما يتبدى لي يبقى الشاعر العراقي بدر شاكر السياب (نموذجاً تطبيقياً) لكل أبعاد هذه الظاهرة، فالموت عنده يتمرحل بصورة مذهلة ومثيرة حين يجئ في البدايات رومانتيكياً متماهياً مع أقرانه أو من سبقوه بفترة قصيرة من أمثال الشابي وعلي محمود طه وآخرين، لكنه في الفترة التموزية الأهم في شعره يتبدل إلى موت آخر موت تنبعث في أعقابه الحياة من خلال الأساطير والرموز الإغريقية التي عج به شعره في تلك الفترة (وأعني بها الفترة التموزية) والتي شهدت النصوص الأكثر خلوداً في الشعر العربي الحديث، ثم بعد ذلك المرحلة الثالثة وهي مرحلة المرض والموت الحقيقي وتختلف كثيراً عن البعد الرومانتيكي للبدايات حينما يكون الموت مخلصاً من قيود الحياة وأعبائها، وكذلك تختلف من جهة أخرى عن الموت الذي تنبعث بعده الحياة، لقد كان موتاً حقيقياً يستشعره في كل لحظة في حقنة الطبيب وينتظر خروجه عليه من ثقب في الجدار..!.

 

صحيفة الرياض – 13 يوليو 2008م

شبكة الإنترنت: ثقافة المرأة .. العالم الإلكتروني .. الصحف الورقية.. من خدم من؟

  دخلت المرأة العالم الافتراضي من أوسع أبوابه، وتمتعت بحريتها في الكتابة وإثبات فاعليتها الثقافية، وتباين الحديث عن الصحافة من ناحية أخرى، التباين بين العالم الإلكتروني والعالم الورقي الصحافي، فكيف نقرأ دخول المرأة للعالم الافتراضي؟ والعلاقة بين الإعلام الورقي والإعلام الإلكتروني؟

بداية تقول القاصة الدكتورة هناء حجازي: المواقع الالكترونية لم تقدم مساحة للمرأة فقط، هي قدمت مساحة للناس، كل الناس كي تمارس دورها في التصريح بآرائها والإعلان عما تريد ، ولم يحدث ذلك هنا فقط، اقصد في بلادنا فقط، بل حدث في كل بلاد العالم، الانترنت فتح للعالم كله مساحات شاسعة أصبح بالإمكان من خلالها التواصل وإبداء الرأي والتحدث بكل حرية في كل ما يمس الإنسان، بدءا من السياسة والواقع الاجتماعي وانتهاء بالثقافة. هنا في بلادنا يصبح الأمر أشد ضرورة نظرا للواقع الاجتماعي الذي تعيشه كثيرا من النساء عندنا، فالمرأة المحصورة في منزل لا تستطيع الخروج منه، اصبحت قادرة على التجول في المواقع الالكترونية، ابداء رأيها، كتابة إبداعها، عرضه على العالم، مناقشة افكارها، كل ذلك بدون عناء الخروج من منزلها أو الاضطرار إلى التصادم مع محظور اجتماعي أو محرم غير متفهم .. نعم بالتأكيد قدمت المواقع الثقافية الالكترونية للمرأة مساحة شاسعة لتمارس دورها الثقافي بشكل أكبر، والمسألة لم تعد مقارنة بين دور الصحف الورقية وبين الانترنت، المسألة اصبحت تكاملاً واستفادة متبادلة، والدليل هو سعي الصحف للتعرف على واستكتاب المثقفين الذين عرفوا عن طريق الانترنت بالإضافة إلى أن أغلبية المثقفين الذين يشرفون على الصفحات الثقافية في الجرائد مطلعون على ما يكتب في الانترنت ويشاركون فيه في أغلب الأحيان، بالإضافة إلى أن جميع الصحف تقريبا أصبحت تعتمد النشر الالكتروني بالإضافة إلى الورقي.

وتضيف حجازي: المواقع الالكترونية أكثر جرأة على الخوض في الأمور الشائكة، ما لا تستطيع الصحف مناقشته أو عرضه في صفحاتها بحكم التعود على عدم الشفافية، أو الخوف من المساءلة الإعلامية، أو المنع أو عدم النشر بعد الكتابة، أصبح العاملون في الصحف لديهم رقيب داخلي يمنعهم من الخوض في أمور معينة. هذه المسألة غير موجودة في النشر الالكتروني، فليس هناك ما يمنع من طرح أي قضية، سوى جرأة الشخص نفسه، أحيانا قد يصل النقاش إلى حد الإسفاف أو غلبة الصوت الأعلى والذي ليس بالضرورة أن يكون عقلانيا أو موضوعيا، لكن هذه هي ضريبة الكتابة بلا رقيب، وهو أمر علينا أن ندفع ثمنه. حتى يتعود الناس على أدبيات الكتابة في المواقع الالكترونية، وهي مسألة في أحيان كثيرة تعتمد على المشرف على الموقع الالكتروني وقدرته على ضبط الأمور.

وتختم الدكتورة هناء بقولها: أثرت – المواقع الإلكترونية- بمقدار جدية المرأة في الاستفادة منها، بمعنى أن المرأة التي تكتب وتقرأ وتتواصل عبر هذه المواقع، إذا كانت تتعاطى مع موهبتها بجدية واهتمام فالتفاعل مع هذه المواقع بالتأكيد.

ومن ناحيتها ترى الكاتبة والقاصة طفول العقبي: منذ أن بدأ تيار (شبكة العنكبوت) يشاغب فضاء ساحة الصحف والمطبوعات الورقية وأنا أتساءل بيني وبيني عن هذه الظاهرة التي صعدت فجأة على السطح كنت أرقب من بعد ، هل ستكون هذه الظاهرة يا ترى كباقي تلك المظاهر الطارئة على مجتمعنا العربي بشكل عام والسعودي بشكل خاص، متغيرة ما تلبث أن تطفو على السطح لبعض من الوقت فقط كقطعة (فيلين) لتختفي سريعا وفجأة كبقايا ضباب ، أم تراها ظاهرة ظهرت لتبقى وتترك بصمة عميقة على عالم الأدب والثقافة!!

لا أستطيع أن أحدد إجابتي حتى الآن هذه الظاهرة في نظري لازلت في طور التبلور والتشكل فلا هي يرقة وليست بعد فراشة تستطيع أن تفرد اجنحتها وتطير وحدها.

وتضيف بقولها: فعلى الرغم من أن الكتابة الإلكترونية قد أعطت للكلمة مساحة حرة فلا ترد أو تصطدم بجدران مكاتب التحرير وأسوار الجرائد العاجية إلا أنها بنظري لا تزال تجربة فتية بعد. فلا أستطيع أن أحكم بعد هل يعود نجاحها الآن إلى كونها طازجة وجديدة أم لأنها لا تخضع تماما لسربلة الحصار ومقص الرقيب أم لنجاح حقيقي.

وتختم العقبي بقولها: بالطبع الجازم قد فتحت المواقع الإلكترونية نوافذ مشعة للمرأة خاصة لجيل الشابات ، كما أنها أعطتهن مجالا للنشر ، لممارسة التحرير ، للتعاطي مع الطرف الآخر(الرجل) بندية وحرية سواء أكان القريب داخل نفس المدينة والشارع أحيانا أم هو البعيد والمختلف في قارة أخرى ربما. مما لاشك فيه أن التكنولوجيا قد ساهمت في نقل الثقافة وتبادلها كما أنها فتحت الأبواب لتجربة جديدة على مصراعيها ولكن في نفس الوقت يبقى الحيز الإلكتروني حيزا يتسم بالنخبوية فلم نصل بعد إلى أن تكون خدمات الانترنت خدمات ميسرة لكل مواطن مما قد يحد البعض من القدرة على المواكبة والتعاطي بشكل دائم مع هذا الكائن الجديد.

وهنا أتساءل هل تريد المرأة لنفسها هذه الساحة والمساحة فقط؟! هل تقبل وترضى بحرية في الفضاء المتخيل أو الفضاء الإلكتروني أم انها أيضا تحتاج إلى حرية في الحيز المعاش؟ هل يستطيع الفضاء الإلكتروني وحده أن يحقق ذلك؟

من ناحيتها تقول الكاتبة ضياء يوسف في سؤال عن المواقع الثقافية الإلكترونية كبديل وهروب عن النشر الورقي: الأمر ليس بحدية الهرب وحتمية اختيار البديل الأبدي فأكثر كتاب الصحافة متواجدون على الإنترنت بشكل سلس وتلقائي. أظن أن الصحافة الورقية تتفوق بمردودها المادي أما الصحافة النتية فتتفوق بكونها حرة من مزاحمة الإعلانات و ضرورة الالتزام بمساحات محددة لذلك الثقافة التي تقدمها الصحافة الإلكترونية أكثر دسامة بما لا يقارن مع صحافة الورق. قابلة للإخراج بشكل أجمل وبأدوات أكثر جذبا هذا و الانترنت يعتبر أرشيفا ضخما وفي متناول الجميع ..فبينما ينتهي الموضوع الموجود في الصحيفة بعد أيام من نشره تبقى الصحافة الإلكترونية حية حتى بما سبق نشره بشهور. ولولا أن الكمبيوتر مازال يصعب الوصول إليه للبعض ولولا أن الاستثمار الثقافي على الإنترنت مازال ضعيفا لتفوقت الصحافة الإلكترونية حتما .

وعن أفضلية أو تميز العالم الإلكتروني أو الورقي فتقول ضياء يوسف: العمل الثقافي يسير بشكل موازٍ في كلا العالمين بفارق أن الإنترنت يكسر هيمنة الإقليمية ويقدم فاعلية وسرعة تتجاوب مع قابلية الثقافة للتداول والتطور وتجعل من الفعل الثقافي بيئة تستوعب المرسل والمستقبل ..هذه بالطبع حركة إعلامية متطورة تمنح الجمهور فرصة المشاركة في صنع المادة الإعلامية . لكن ليس الجميع من جمهور الإنترنت . كما أنه ليس الجميع من جمهور الورق .

وتختم بقولها: أظن أن العالم الافتراضي يدعم العالم الورقي، نستطيع ملاحظة هذا من خلال استفادة الصحف الكبرى من نقل موادهم للشبكة ومنح المتلقي إمكانية التفاعل.

 

 

صحيفة الرياض – 25 نوفمبر 2007م

شبكة الإنترنت: المنتديات الثقافية.. المدونات الشخصية.. المواقع المتخصصة.. بأيهم يحفل المثقفون؟!

  في عالم شبكة الإنترنت، وتحديداً عالمها الأدبي الثقافي، بين المنتديات الثقافية والمدونات الشخصية والمواقع المتخصصة، لمن الأفضلية اليوم؟ ولماذا؟ وأيهم أكثر فاعلية في المجال الثقافي على المدى البعيد؟ وهل يمكن تحويل التجارب الثقافية الافتراضية إلى تجارب ثقافية حقيقية فاعلة في المجتمع؟

 

بداية يتحدث القاص سعيد الأحمد: يقول أخي محمد – أثابه الله – إن الإنسان حيوان إعلامي. وأكاد أجزم أنني لم أسمعها من سواه، فالجميع يقول إن الإنسان حيون ناطق، والنطق مرحلة بدائية جدا لابد أن يتبعها – بحكم سلّم الرغبات – مرحلة أخرى. فبتسليمنا بإعلامية الإنسان (الحيوان الناطق)، نستطيع أن نجد مدخلا ملائما لكل أسئلتك التي بعثتها لي، ولكي أكون أكثر دقة فسأبدأ بإجابة السؤال الثالث أولا، لأن إجابته تؤسس للإجابة على السؤالين الأولين، وتجعلهما أكثر وضوحا ومنطقية. بخصوص تحويل التجارب الثقافية الافتراضية إلى تجارب حقيقية فاعلة في المجتمع يقول الأحمد: لايوجد – من وجهة نظري – ثقافة إفتراضية وثقافة واقعية، فالثقافة معطى وعالم التقنية (العالم الإليكتروني الإفتراضي) مجرد أداة أو قناة لتعاطي وتبادل ثقافة سائدة: كالسقائف، ثم الدور والمساجد وإعلامها المنبري، ثم الصحائف والصحف وإعلامها المقروء، ثم الإعلام المسموع ثم المرئي. إذن هي مجرد منبر أو قناة جديدة لتداول ثقافة المجتمع المهيمنة. وكون الإنسان حيواناً إعلامياً – كما ذكرنا أعلاه – فسيظل يركض لاهثا خلف أي منبر جديد يبث من خلاله رؤاه وتصوراته ويثبت عن طريقه وجوديته. ولأكون أكثر دقة وصدقا، فالأداة مجرد أداة، وليست عالما افتراضيا، أو واقعيا، بينما ثقافتنا برمتها تستحق أن تنعت بالافتراضية، حيث أنها – إلى هذه اللحظة – لاتعدو التكون في أكثر من مجموعة من التنظيرات والخطب والشعارات المنطوقة لا المفعولة: بمعنى آخر؛ هناك فجوة فاضحة بين مايقال ومايمارس على جميع المستويات، وهذا مايثبت افتراضية ثقافتنا وأعرافنا السائدة.

يضيف الأحمد: وهذا سيعيدنا عكسيا إلى السؤال الثاني، ثم الأول.. ففي الثاني تقول: (لمن المستقبل في الفعل الثقافي على شبكة الإنترنت؟)

وانطلاقا من اجابتي السابقة، أستطيع الجزم أن ليس هناك (فعل) ثقافي، بل مجرد تنظيرات متتالية ومتعددة مع اختلاف القنوات، ولم يتشكل أي منها في صيغة فعل بعد. غير أنني أرى بجدوى الفردانية أولا وقبل كل شيء، فمصداقية الفرد – مع طروحاته ومبادئه – هي اللبنة الأولى لتسويقها، أما انصهارية هذا الفرد ورؤاه داخل منظومة ما – وإن كانت من خلال قنوات الشبكة العنكبوتية – فلن تنتج أكثر من انتمائية إلى تجمع جديد يسوّق للمعطيات والأفكار السائدة ويروج لها، دون أن يستغل المستجدات الأدواتية في تجاوز المطروح أو في مساءلة السائد والتأسيس لرؤى مقوّضة.

سنعود الآن إلى سؤالك الأول عن المنتديات الثقافية والمدونات الشخصية (الثقافية بالطبع)، ومن سيصمد ويستمر منها. وهنا يجب أن نشير- أولا – إلى أن الإبداع حالة فردانية، وليس عرفاً جمعياً، فالمبدع حالة مستقلة، صارخة متمردة، قائمة بذاتها، وليست مجرد (عود من حزمة) تنتسج وتتكامل مع غيرها لتشكيل فرد ثقافي افتراضي؛ تم تجميعه. فالمبدع حالة فردية، والإبداع تراكم لعدة حالات فردية مبدعة ومتجاوزة، وليس قطيعا من المنمنمات الصغيرة المتراصة جنباً إلى جنب لتكوين فرد ثقافي أو ابداعي افتراضي يمثل غيره. كافكا لم يكن مجرد منمنمة تكمل مضمومة، وبورخيس لم يكن منمنمة أخرى، وكل مبدعي امريكا اللاتينية المميزين لم يكونوا مجرد خيوط تتراص وتتكامل لتنتج مضمومة لاتينية إبداعية، بل كان كل منهم حالة قائمة بذاتها تستحق الدراسة لوحدها وبمعزل عن الجمع. لذلك ستنز- دائما- فردانية الإبداع على السطح، وستخلد الأسماء الإبداعية ونتاجها بشكل مستقل وممثل لذواتها. وهذا، بكل تأكيد يعني أن النتاج الشخصي، أو التدوين الشخصي هو المخلد وهو الدائم، بينما يظل التثاقف والتواصل الجمعي كمجرد مرحلة تأسيسية لفردانية جديدة، وتستمر ملتقياته ومنتدياته كمجرد أمكنة للتسلية أو للتواصل أو الدربة التي تفنى بمجرد اتخاذ المبدعين لقرار الاشتغال على مشروعاتهم ونتاجهم الخاص.

من ناحية أخرى يقول الكاتب عبد الحليم البراك: يبدو أن الرهان لم تتضح معالمه بعد، أو أن الرهان كان يحمل صورة فلاشية سريعة الخطوات، تجعل الحكم بينهما ليس حاسماً، فما إن استولت المنتديات – حتى وقت ليس بالقليل – على المشهد الثقافي الإلكتروني، إلا جاءت المدونات وزاحمتها وأخذت وهجاً لامعاً، إلا أنها سرعان ما تراجعت بنفس السرعة التي ظهرت فيها، والذي يبدو لمن يتابع المشهد الثقافي الإلكتروني أن حجر الزاوية هي المصداقية، فالمنتديات بدأت بمصداقية مقبولة، سرعان ما تراجعت، ثم تدهورت المصداقية أيضاً في المدونات مع الفرص المتاحة لأي أحد!! (ناهيك عن عيب كبير في المدونة؛ وهي تفردها بشخص واحد أو فكر واحد أو لون ثقافي واحد) قلل من أهميتها، وفي نظري أن الأفضلية الآن والمستقبل للمواقع الثقافية لسببين رئيسيين هما:

المصداقية المبنية على مرجعية قوية وذات اعتبار شخصي أو مؤسساتي.. والآخر على تنوع مطلوب لدى المتلقي للفعل الثقافي.

لكن من المهم الإشارة إلى أمر مؤثر جداً، أن الفعل الثقافي الإلكتروني مرتبط بشكل كبير جداً بالتطور التقني، فتسارع الخطوات التقنية، يتبعها نوع من الارتباك في أن يأخذ كل منها وقته كاملاً مما لا يسمح بنضج التجربة بل احتضارها في مهدها أحياناً، لذلك يبدو الحكم عليها مرتبكاً أيضاً إذا ما أخذنا هذه النقطة في الاعتبار.

ثم يضيف البراك عن إمكانية تحويل التجارب الثقافية الافتراضية إلى تجارب ثقافية حقيقية فاعلة في المجتمع بقوله: بالتأكيد، هي كذلك، فرغم الشخوص الافتراضية التي تقبع خلف الفعل الإلكتروني للثقافة، إلا أنها تعبر عن ذوات حقيقية، ورغم أن الشخوص الافتراضية تكون عرضة للأمراض الاجتماعية والنفسية التي لا تستطيع إبرازها عندما تكون مسؤولة بشكل شخصي (أي اعتباري) عن أخطائها وتصرفاتها، إلا أنها مؤشر هام معبر؛ وعليه فإنه لا مناص في رأيي أن تعبر عن تجارب حقيقة فاعلة، ناهيك عن قضية هامة للغاية، وهي: أن البعد التفاعلي السريع في المواقع الثقافية الإلكترونية يمنح تجربة ممتازة للكاتب أو لأي تجربة فنية بغض النظر عن لون هذه التجربة، والذي لا شك فيه أن ميلاد بعض (الأسماء/ التجارب) من خلال الشبكة العنكبوتية قبل أن تخرج للنور الحقيقي هو حقيقة لا يمكن تجاهلها فقد أصبح النشر الالكتروني تمريناً رائعاً للمبتدئين، مهما يكن من أمر، تحول التجارب الثقافية الافتراضية إلى تجارب حقيقية لا يحتاج سوى لوقت قصير لإثباته، فالرهان الآن على آلة الزمن فقط.

أما الكاتبة هديل ناصر العبدان فتقول: من يمرّ عليها جميعاً في الإنترنت الآن سيجد الإجابة لديه واضحة تماماً، فالازدياد في إنشاء المدونات الشخصية آخذ بالارتفاع، فالمنتديات الثقافية تفرض شروطها وقوانينها على الأعضاء، فتحرر وتحذف مايخالف، ويشعر العضو هناك بأنه تحت سيطرة إدارة عُليا، أما في المدونات الشخصية فإن الشخص سيشعر بأن هذا المكان موطنه الشخصي، يكتب فيه مايشاء دون أن يُقيد بأي قوانين تفرض عليه اتجاهاً معيناً، وبلا أي حدود يخشى تجاوزها دائماً، فيكتب مايشاء حين يشاء، أما المواقع الثقافية، لشحّ “بعض الشيء” العطاء فيها من حيث الردود والمشاركات الخارجية فغالباً لا تكون الحركة فيها ذات مردود جيّد، إذا الأفضلية للمدونات دون شكّ.

وتضيف العبدان: حينما ننظر إلى الجانب المستقبلي الثقافي قد لا تتضح الرؤية لدينا كثيراً، فالمنتديات الثقافية بدأت بالانتشار بشكل كبير، وأحياناً دون حتى مقاييس ثقافية صحيحة، ودون تعريف صحيح للثقافة، والمدونات الشخصية قد تفرض فيها النزعة المركزية والحرية بعض التجاوزات التي قد تتفاقم، والمواقع الثقافية من بنيها جميعاً تجد الصدى الأقلّ، ولكن إذا كانت إدارة المنتدى الثقافي إدارة واعية تماماً، وقادرة على التحكم في المسارات بصورة جيّدة أظنّها هي الأقدر على البقاء الثقافي، لأنّ اليد الواحدة لا تصفق!، وفي المنتديات هناك الآلاف من الأيادي المُشاركة في أي فعل أو حركة.

وتختم هديل العبدان بقولها: هناك الكثير من التجارب نستطيع أن نأخذها كدليل في هذا التحول الثقافي من عالم الشبكة الالكترونية إلى المجتمع الواقعي، لأن الشبكة الآن أصبحت هي الأفضل – تقريباً – بأن تكون أرضاً خصبة للتجارب، حيث أيضاً أن صاحب التجربة مثلاً لن يجده وحيداً في ظل محاولاته، بل سيستفيد بشكل أكبر كثير بكلّ الأجواء المحيطة حوله هناك، شيئاً فشيئاً يصلُ إلى مرحلة التطبيق، فكم من مثقف استطاع الوصول إلى هدفه في المجتمع ابتداء من الشبكة الالكترونية، لذلك نجد أن الكثير يلجأون إليها ليكسبوا مايبحثون عنه، وما يشهد على هذا الانزياح المشترك من الناحية الثقافية الأدبية إصدار “المغزل” المجموعة القصصية التي أصدرها موقع جسد الثقافة واحتوت على مجموعة قصص لأعضاء في المنتدى، وكذلك مجلة أدب البيكسل عن موقع رحلة حياة، وغيرها الكثير من التجارب الناجحة التي تشهد بوجود عالم ثقافي حقيقي الكتروني قادر على التواجد بشكل مبدع في المجتمع وخلق التأثير فيه.

 

 

صحيفة الرياض – 24 نوفمبر 2007م

فيلم (1408).. بين أوهام النفس وحكايات الكون..

   فيلم (1408) من أحدث أفلام الرعب والإثارة الأمريكية، وأكثرها إمتاعاً، ربما لأنه حاول كسر النمط التقليدي لهذه الأفلام، فجاء بقدر ضئيل من اللون الأحمر، والكثير من العمق وتقاطع الأحداث وروعة حبكتها. وقد لا يعني لي هذا الرقم “1408” أي شيء، فأتجاوزه وأعتبره خالياً من أي دلالة، مجرد رقم غرفة مخيفة أو مجنونة في فندق (دولفين) في احدى زوايا نيويورك كما جاء في الفيلم، وقد أقرأ هذا الرقم بأكثر من صورة متشابهة أو مختلفة، ( 8++40+1=13)أستطيع أن أقول بأن رقم 13مجرد نتيجة لعملية حسابية، وهذا وجيه جداً، وأستطيع أن أعتبره مجرد رقم شؤم، كما ترسخ في الثقافة الغربية، بغض النظر عن أسباب هذا الشؤم أو معناه، ومن ناحية أخرى، أستطيع أن أعتبر الرقم 13محملاً بدلالة دينية مستوحاة من الإرث المسيحي حول صلب المسيح، فعدد حواريي المسيح عليه السلام 12أما “يهوذا الإسخريوطي” الذي خان المسيح وقدمه للجيش الروماني كي يصلب كما جاء في الأسطورة المسيحية، يفترض بأنه يحمل الرقم 13، وجسد الحادثة أيضاً الفنان ليوناردو دافنشي في لوحته “العشاء الأخير”.

كما تختلف قراءة هذا الرقم، ولا ندرك تماماً ماذا فهم منه “مايكل آنسلين” الكاتب الروائي الفاشل، والذي جسد شخصيته بطل الفلم “جون كوزاك” حين قام بالعملية الحسابية أعلاه، أستطيع أن أقرأ الفيلم ككل، مغزى الفيلم النهائي، بأكثر من طريقة متوازية أو مختلفة ولكل منها مسوغاتها المنطقية ودلالاتها في الإشارات والأحداث التي حواها الفيلم ومشاهده.

عندما أحاول قراءة الفيلم قراءة ذات معان دينية أو عقائدية، سأجير من أجل هذه القراءة العديد من الأحداث والدلالات وأحللها لأصل للفكرة النهائية التي ارتسمت في ذهني كمتلق، من هذه الإشارات، الصلوات المسيحية في أول مشاهد الفيلم التي كان “مايكل آنسلين” الملحد يستمع إليها عبر مذياع سيارته، “مايكل آنسلين” الذي غضب من زوجته وتشاجر معها عندما تحدثت مع ابنتهما عن “السماء”، كما أنه يكتب بشكل دائم عن الأرواح الشريرة، ويذهب إلى أماكنها المخيفة والنائية المزعومة كما يدعي، لأنه بكل بساطة لا يؤمن بشيء، ومن هنا أستطيع أن أذهب بعيداً في التفسير، فأقول بأن الغرفة 1408ترمز للكون، في البداية كان جو الغرفة معتدلا، ثم جاءت موجة حر شديدة “صيف”، أعقبها تحول في الطقس، فأصبح بارداً نوعاً ما “شتاء” وتساقطت الأمطار “مضخة الماء المضادة للحرائق أعلى سقف الغرفة” ومن ثم اشتد الصقيع، والجليد غطى الغرفة، هنا نتعاطى مع الغرفة على أنها “الأرض” بفصولها المتغيرة، ثم ننتقل لمرحلة أخرى كونية، أكثر إثارة للجدل، حين نتحدث عن إشارات أخرى أكثر عمقاً، وغير مفهومة بشكل مفرط بالنسبة “لمايكل آنسلين” المشوش والمسجون، فالغرفة ترتب نفسها بنفسها بشكل لا يدركه هذا النزيل الملحد، ويكاد أن يجن بسبب عدم قدرته على التفسير، فحين استخدم أوراق الحمام -كمثال- جاء بعد دقائق ليجدها على ترتيبها القديم كأن لم يستخدمها أحد، وهكذا كانت أشياء هذه (الغرفة – الكون)، بحوادثها المختلفة، محكمة ومبهمة وغير مفسرة على الإطلاق.

سأسرد باختصار بعض الدلالات الإضافية، نجد أيضاً أن الغرفة تُغمر بالماء، وكأنه يتحدث عن طوفان نوح علية السلام الذي عم (الكون – الغرفة)، كما نجد إشارة الجدران المصمتة، كدلالة على محدودية معرفة مايكل آنسلين – الإنسان، بهذا الكون من حوله، ثم تطرأ متغيرات أخرى عاصفة على المكان، وكأن هذه المتغيرات ترمز لأشراط القيامة، أحداث كبرى غير مفهومة وغير مفسرة، وبعد هذا كله، يأتي الحريق – جهنم أو الجحيم، وكأنها عاقبة مايكل آنسلين – الإنسان الملحد.

هذه القراءة مجرد افتراض، أستطيع أن أقول أيضاً بأن “مايكل آنسلين” إنسان معذب ومضطرب نفسياً، فقد ابنته الصغيرة والوحيدة التي ذهبت ضحية لمرض السرطان، وانفصل عن زوجته التي يحب، كما أنه انخرط في سلسلة كتابات فاشلة، جاء إلى فندق “دولفين” بحثاً عن إثارة ما، فوجد مبتغاه في تلك الحكاية المتوهمة، أو الحكاية الشؤم، وجد في دفتر ضحايا الغرفة والذي أعطاه إياه مالك الفندق “جيرالد أولين” والذي جسده في الفيلم الممثل “صامويل جاكسون” وما يحويه من صور وحكايات بيئة صالحة لأوهامه، وفي حالته النفسية المتردية الفاقدة لابنته ما عزز بناء هذه الخيالات، كما وجد في إيحاءات “جيرالد أولين”، نبرة صوته، كلماته، رجاؤه أن يعدل عن قراره وأن يتراجع عن خوض مغامرة ولوج غرفة الموتى ما عزز هذه الأوهام والخيالات، فانعكس كل هذا وتجسد في رؤيته للغرفة المشؤومة، مما أدخله عالماً من الخوف والرعب الممتد، وربما ساهمت قارورة النبيذ العتيقة التي أهداه إياها “جيرالد أولين” في صنع تلك الهلوسات، المعالجة هنا نفسية بشكل محض، وتحمل شيئاً من وجاهة أيضاً، خاصة مع تداخل الأحداث وترابطها مع حياته التي انقضت، والحضور القوي لابنته وزوجته في المتغيرات المتلاحقة، من هنا نستطيع قراءة أحداث الفيلم بأكثر من قراءة مختلفة وممتعة، ولكل منها ما يبررها أيضاً.

الفيلم مقتبس عن قصة قصيرة للكاتب ستيفن كينج بعنوان “الغرفة 1408″، وهو من بطولة جون كوزاك وصامويل جاكسون، ومن إخراج ميكال هافستروم، أما كتاب السيناريو فهم مات جرينبرج وسكوت الكسندنر ولاري كاراسكزيويكس.

 

صحيفة الرياض – 20 سبتمبر 2007م

أبوكاليبتو: الإنسان هو الإنسان.. لم يتطور بعد!

 “ميل جيبسون” من الأسماء المثيرة للجدل، وهو المخرج الأشهر والمثير للكثير من النقاشات حول أعماله ممثلاً ومخرجاً، والمسيحي المؤمن المحافظ، صنع العديد من الأفلام التي كانت دائماً محل تساؤل، ولا يعدو فيلمه الأخير (أبوكاليبتو-Apocalypto) إلا جزءاً من هذه السلسلة، فقد اتهم سابقاً بمعادة السامية بعد فلمه الرسالي أو التبشيري “آلام المسيح” لأنه يُحمّل اليهود وزر صلب المسيح، كما في الرواية التاريخية المسيحية، وانتقدت الكنيسة الفاتيكانية الكاثوليكية الفيلم على استحياء لأنه -ربما- كان تعبيراً دينياً وتبشيرياً عظيماً في نظرها.

في فيلمه (أبوكاليبتو) والذي عرض في أواخر عام 2006م لا يخرج “غيبسون” عن “ثيمته” المعتادة، هاجس الحرية الذي صبغ العديد من أفلامه، لكنه كان أقل مباشرة وأكثر رمزية، فلم يكن فيلماً رسالياً مباشراً أو نقداً صارخاً لممارسة سياسية، مما جعل قراءات الفيلم تتنوع من النظر إليه في سياق التبشير بالدين المسيحي وحضارة الرجل الأبيض بسبب آخر مشاهد الفيلم، حين جاءت السفن العملاقة بالحضارة لتوقف قتل أفراد قبائل المايا لبعضهم البعض، إلى قراءات أخرى متعددة سأحاول الخوض في إحداها هنا.

الفيلم يتحدث عن حضارة المايا البائدة، إحدى حضارات أمريكا الجنوبية، ويتمحور حول حكاية الآلهة المتعطشة للدماء، حيث يبدأ الفيلم من حياة القبيلة البسيطة الآمنة، وأفراد القبيلة يتحلقون حول النار، والعجائز يروين الحكايات والحكم للأطفال، ويأتي الحوار باللغة المحلية لقبائل المايا، ثم يتحول مسار الحدث بشكل دراماتيكي إلى غزوٍ دموي ومطاردات عنيفة للقبض على رجال هذه القبيلة من قبل قبيلة أخرى عدوه، ثم تأتي مرحلة قطع الرؤوس ودحرجتها على المذبح العظيم إرضاء للآلهة التي كسفت الشمس، في طقوس دينية بدائية، حيث الدماء تروي عطش الآلهة لترفع غضبها عن البشر وتعيد لهم الشمس. وهنا ومن خلال هذه المشاهد لا يمكن إلا أن نخرج بانطباعات عاصفة عن مدى وحشية ودموية وتخلف هذه الحضارة البائدة، وأخيراً تأتي الصدمة الحضارية الكبرى، حيث تطأ سفن الفاتحين، الرجال البيض أصحاب الديانة المسيحية، أرض بلاد المايا، لتكون شاهدة على هذه الحضارة المتوحشة وتُمدنهم أو تنقلهم نحو حياة أكثر نهذيباً ورقياً.

وقد تسببت هذه النهاية في تعدد القراءات واختلافها ما بين من يعتقد أنه نقد للفكر الاستعماري وبين نظرة أخرى ترى بأنه تمجيد لغزو الرجل المسيحي لبلاد الأنكا والمايا والإزتك. أما أنا فأرى بأن الفيلم جاء منتقداً للحضارة العالمية اليوم، الحضارة الأمريكية المهيمنة، أكثر منه فيلماً يبشر بعظمة الرجل الأبيض وتفوقه على الحضارة البائدة للشعوب المتوحشة والمتخلفة، فعلى العكس تماماً، جاء الفيلم بهذا التوقيت وهذه اللحظة العالمية ليصرخ بأن الإنسان لم يتغير، منذ شعوب المايا ودحرجة الرؤوس، وحتى اليوم والعالم يدعي العقلانية والتفوق والتمدن وربما نهاية التاريخ!، إلا أن منطق الإنسان لم يتغير، الإنسان الذي يُخضع نظيره الإنسان بالقوة والبطش متى امتلكها، أو كما يعبر المفكر اللبناني علي حرب “كلما قتل إنسان نظيره فزعت من نفسي” في إطار حديثه عن الحرب الأهلية اللبنانية، وكيف أن الدموية قد تنبع من الذات البشرية.

إن الفيلم ينتقد حضارة الرجل الأبيض، لا يمجدها أو يعلي من شأنها، الرجل الأبيض الذي كان شاهداً على هذه البدائية وعاش أخر أحقاب حضارة المايا وحضارات أخرى متوحشة، هو ذاته من يمارس الوحشية اليوم، وهو الذي يتصرف مثل تلك الشعوب البائدة. فالفيلم ككل يستلهم هذا الجزء القديم من التاريخ الإنساني، الجزء المختفي والذي لا يكاد يراه أحد، يستلهمه ويبرزه ليخلق مقارنة مع العالم اليوم، عالم الحروب، وتقطيع الرؤوس، والأسلحة النووية، هذا العالم الذي لا يختلف كثيراً عن عالم المايا، إلا أن أدوات القتل اليوم أصبحت أكثر جدوى وأشد فتكاً. إن الإنسان لم يتغير.. ولم يتطور.. ولا يزال هو ذلك الوحش القديم.

 

صحيفة ارياض – 15 نوفمبر 2007م