في الفيلم الرواية (العطر- قصة قاتل): طغيان الرائحة بوصفها بطلاً

الفيلم السينمائي المقتبس عن نص أدبي، هو تجسيد للخيال، وأي محاولة لتحويل عمل ما من مجال التخييل الأدبي إلى فلسفة الصورة والتجسيد السينمائي، هي خيانة للنص بشكل أو بآخر.

لذا لم يكن الممثل الأشهر “أنطوني كوين” زوربا كما كتبه الروائي اليوناني نيكوس كازنتزاكس، في روايته المسماة بذات الاسم، كما أن الأسترالية ” نيكول كيدمان” في فيلم ” الجبل البارد” لم تكن ” إيدا” كما كتبها الروائي الأمريكي تشارلز فريزير في روايته الجبل البارد، والتي صدرت ترجمتها العربية عن دار الأهرام سنة 2002م.

الإشكالية تتكرر مع فيلم ” Perfume: The Story of a Murderer ” أو ” العطر: قصة قاتل”، المقتبس عن الرواية الأشهر للكاتب الألماني باتريك زوسكيند والتي تحمل الاسم ذاته، رغم كل الإبداع الإخراجي الذي واكب العمل، إلا أن تجسيد الخيال محال كما بدا.

الفيلم يبدأ من طرف النهاية، ثم يعود لسرد حكاية “جرينوي”، والفيلم كما الرواية، همش البطل وجسد الروائح بأفضل ما يكون، بأقصى درجة ممكنة في عمل سينمائي، حيث كانت محورية السرد الحكائي، الحديث عن البطل أكثر من تجسيده، واختزال حضوره في الشم، أكثر من أي شيء آخر، مما عزز غياب البطل وجسد الروائح، هذا السرد الحكائي خدم الفكرة الرئيسية باحتراف، كما أراد كاتب الرواية، بوضع جرينوي في الهامش تماماً، لكنه بذات اللحظة خلق سيناريو سينمائيا أقل إمتاعاً.

جرينوي غير موجود، لا تكاد تشعر بوجوده، بل لا وجود له حتى برؤيته لنفسه، بدأ بالبحث عن ذاته، عن رائحته، حتى دون أن يدرك أنه بلا رائحة، وهكذا سار في طريق طويل من قصص القتل المتسلسلة من أجل حفظ روائح الفتيات العذارى وخلق رائحته الخاصة.

في الفيلم “والرواية بشكل أوضح” حديث عن كائن مختلق، لا من قبيل التخييل الروائي أو الفني، لكن من حيث الحضور والفاعلية، فكل شيء للعطر ومن أجل العطر وفي سبيل العطر، لذا كان العطر هو البطل لا جرينوي على أي حال، وكيف بدأت القصة من أقذر شيء يمكن أن يكون في سوق السمك، لحظة الولادة، وحتى الرؤية الملائكية النهائية للحياة.

ولد مؤلف الرواية الكاتب الألماني باتريك زوسكيند، عام 1949م في بلدة ” أمباخ”، ودرّس التاريخ في جامعة ميونخ بين عام 1968م-1974م، وكتب عدة أعمال قصصية ومسرحية وعدة سيناريوهات تلفزيونية وسينمائية، تعد العطر روايته الأولى والتي صدرت عام 1985م وجسدت كفيلم سينمائي سنة 2006م، والرواية، في ترجمتها العربية، من إصدارات دار المدى للثقافة والنشر، الطبعة الثالثة عام 2003م وترجمها نبيل الحفار.

أما الفيلم فكان “بالإضافة إلى العطر” من بطولة الممثل الألماني Ben Whishaw والممثل الأمريكي الشهير ديستن هوفمان، ومن إخراج المخرج الألماني العالمي توم تويكبر والذي شارك أيضاً في كتابة السيناريو، بعيداً كل البعد عن باتريك زوسكيند “كاتب السيناريوهات المحترف” الذي لم يتدخل في أي جانب من جوانب الفيلم المقتبس عن روايته.

 

صحيفة الاقتصادية

8 مايو 2005م

 

http://www.aleqt.com/2007/05/08/article_90797.html

الغانمي يستعيد كتاب «الفلاحة النبطية» بالدراسة والتحليل

 في كتابه الجديد “حراثة المفاهيم: الثقافة الزراعية والشيتية والفلسفة في كتاب الفلاحة النبطية” يتطرق الكاتب والناقد العراقي سعيد الغانمي إلى كتاب “الفلاحة النبطية” لمؤلفه قوثامي الكسداني، والذي يعود تاريخ تأليفه – كما يرجح الغانمي- إلى القرن الثاني بعد الميلاد، وقد نقل الكتاب إلى العربية أبا بكر بن وحشية في أواخر القرن الثالث للهجرة.

يتطرق الغانمي إلى التاريخ والأفكار والفلسفات التي نُثرت في كتاب يتحدث عن الفلاحة والنباتات بشكل رئيسي، لكن استطرادات الكاتب شملت صراعات دينية، وأحداثا تاريخية، وشذرات فلسفية، يستخلصها الغانمي ويطرح من خلالها رؤية قوثامي الكسداني للثقافة الزراعية والفلسفة الشيتية.

يركز الغانمي على الصراعات التي كانت دائرة بين الشيتيين ورؤاهم الخرافية، مقابل محاولات قوثامي الكسداني انطلاقاً من فلسفته الرواقية أن يعقلن هذه الخرافات نسبياً أو يرفضها، كما يشير قوثامي إلى خطر الأفكار الشيتية على الحياة وعمارة الأرض، حين يدعون للزهد في الدنيا وترك العمل فيها، مما يصد الناس على الزراعة ويؤدي إلى فساد الكون.

كما يشير الغانمي إلى الالتباس الذي وقع فيه المترجم ابن وحشية في فهم حقيقة التوحيد الذي يدعو إليه قوثامي الكسداني، فظنه كالتوحيد في الديانات التوحيدية الثلاثة، بينما يشير الغانمي إلى أن التوحيد لدى الكسداني هو “التفريد” كتحديد إله متعال يكون “إله الآلهة” لا بتوحيد “الله” الخالق.

ويتطرق الغانمي إلى آراء المستشرقين حول كتاب “الفلاحة النبطية” وكونه كتابا منحولا ومزيفا قبل الإسلام بقليل، ولا يتنمي إلى العصر الهلنستي، فيؤكد الغانمي على أن المحتوى الديني والثقافي للكتاب “يحتفظ بوثاقته التاريخية”، ويضيف بأن ” معرفته تتعدى بكثير أفق التوقع المنتظر من الثقافة الإسلامية والمثقفين المسلمين”. ويتطرق الغانمي بالتفصيل إلى بعض الشخصيات الواردة أسماؤهم في كتاب “الفلاحة النبطية” من أنبياء وحكماء وفلاسفة وآلهة، كدواناي، وصغريث، وينبوشاد، وأدمي، وأشيتا، وماسي السوراني، وأخنوخا، وأنوخا، وإبراهيم، وأسقلبيوس، كشخصيات تعبر عن تلك الحقبة التاريخية، وصراعتها.

يقع الكتاب في 224 صفحة من القطع المتوسط، الطبعة الأولى 2010م، عن منشورات الجمل.

 

صحيفة الرياض – 11 أبريل 2004م

“أن ترحل” .. آخر روايات الطاهر بن جلون .. مشاكل الوطن وإشكاليات الهجرة ..ككل مرة

رغم مواقف الكاتب المغربي الطاهر بن جلون الثقافية والسياسية والتي تبدو مطابقة إلى حد ما لنظرة الحكومة الفرنسية للمهاجرين وذوبانهم في المجتمع الفرنسي، ومنطقها كذلك في التعاطي مع العرب عموماً والمغاربة بوجه خاص، وكذلك نظرته التقليدية الأوروبية الإتهامية للمسلمين، إلا أن هاجساً واحداً يعتبر بمثابة القضية الكبرى أو القوة الدافعة التي يكتب من أجلها الطاهر بن جلون روايته، ألا وهي المغرب، فهو يكتب عن المغرب وللمغرب، يكتب تفاصيل الأزقة في طنجة، ونكهة الدار البيضاء، أحلام المغاربة ومشاكلهم وآمالهم، يخط كل في الوسط الثقافي الفرنسي.

حين أتحدث عن روايات الطاهر بن جلون، فإني ألج منظومة غريبة وفوضوية، أفكار أصبحت بمثابة “ثيمة” في نصوصه الروائية، الحديث عن الفساد الإداري وأصحاب النفوذ، التفكك الاجتماعي، الحديث عن الفقر، البغاء، المخدرات، الشذوذ الجنسي، كما أن الشخصيات تفرض نفسها على النص الروائي كل مرة، شخصية المتدين الجشع، شخصية الشاب الحالم التائه الطموح، الفتاة المضطهدة، المسلم التقليدي الهادئ أو المسالم، الفتاة المتمردة، العجوز ذات النوايا الحسنة، شخصيات يكررها بن جلون كثيراً في أعماله.

في “طفل الرمال” و”ليلة القدر” كان الإشكالية الرئيسية هي حياة الأنثى، مأزقها الوجودي في المجتمع المغربي كما تصوره الكاتب، أما “الرجل المحطم” فكان الطاهر بن جلون يهجس بالرشوة وكيف تفسد حياة الإنسان، وجاءت “تلك العتمة الباهرة” لتمس تلك الحرية السليبة، وفي مجموعته القصصية “الحب الأول، الحب الأخير” كان الحب والجنس محور الحديث، أما الكتابة عن الفقر فكانت في “نزل المساكين” و”الكاتب العمومي” واختصر الحديث عن الهجرة في “أعناب مركب العذاب” لكن قضية كقضية الهجرة من المغرب تستحق أن يكتب عنها المزيد والمزيد، لذا عاد هنا في “أن ترحل” ليخوضها من جديد، لذا تجد أن الطاهر بن جلون مع أنه يتحدث عن كل هذه الإشكاليات في كل أعماله، إلا أنه يفرد نصيب الأسد لإحداها فيضعها في مركزية الحدث، فيسهب الحديث عن أسبابها وتجلياتها الاجتماعية، وأثرها على الفرد والمجتمع المغربي.

روايته “أن ترحل” تعد بمثابة مدخل إلى أحلام الهالكين كما صورهم، أولئك التواقين إلى الهجرة من المغرب بسبب الفقر، الحديث عن الشاب المسحوق، لم تكن مراكب الموت هي المحور الرئيسي في الرواية كما في “أعناب مركب العذاب” بل الخوض في هاجس الهجرة ككل، فكرة الهروب من الوطن التي ما إن أصبحت محورية في ذهن “عز العرب” أو “عازل” المثقف، وخريج كلية القانون، حتى اختزلت كل حياته، وأصبح بإمكان هذا الشاب ارتكاب أي شيء في سبيل هذا الهدف، التخلي عن كل شيء، وربما أغلى شيء، مع فقر والفاقة تفقد الكثير من المعاني السامية مرادها، فلا يغدو للحياة، للشرف، للكرامة، أي قيمة، حين يسيطر هاجس الهجرة على الإنسان، لا يفكر إلا بتلك الأربعة عشر كيلومترا الفاصلة بين “طنجة” والشواطئ الأسبانية.

يضطرب الموقف في الرواية، بين “أن ترحل” وبين “أن تعود” عندما يفقد هذا المهاجر الجنة الموعودة، يصبح من العسير عليه أن ينسجم أو يتواءم مع نفسه وطموحاته، فيفقد كل شيء قيمته، بما فيها الحياة ذاتها، التي لا تغدو في النهاية إلا كماً هائلاً من الإخفاقات والخيبات المتسلسلة، فتضطرب معاني الأشياء، تصبح العنصرية موجهة ضد الوطن، والشوق للحياة الأخرى في المنفى، وإمعاناً في السخرية والاضطراب، يكتشف الأسباني “ميكال” والذي ساعد “عازل” وأخته “كنزة” على الهجرة، أن والده الشيوعي هاجر أيضاً، لكنها هجرة مغايرة، هاجر من أسبانيا أيام قمع “فرانكو” إلى المغرب، وبالطريقة المجنونة التقليدية ذاتها.في الرواية الكثير من الشخصيات العابرة، تظهر وتختفي وتعود، سهام، سمية، ناظم، فلوبير، موحا، العافية، عباس، نور الدين، الفتاة النيجيرية، الدكتور الفرنسي، الحاج، والأسطورة توتيا، كل هذه الشخصيات تدور حول الشخصيات الرئيسية، “عازل” الشاب المغربي المهاجر، وعشيقة “ميكال” الأسباني، ثم “كنزة” أخت “عازل”، ثم تنتهي الرواية نهاية أسطورية أكثر من كونها نهاية تقليدية، فكل شيء ممكن في عالم الهجرة. الطاهر بن جلون، كاتب مغربي يكتب باللغة الفرنسية، وترجمت أعماله إلى العديد من اللغات، حازت روايته “ليلة القدر” على جائزة “غونكور” الفرنسية، ويعتبر من أبرز كتاب فرنسا، وروايته “أن ترحل” هي آخر أعماله، وصدرت عن المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى سنة 2007م، وتقع في 317صفحة من القطاع المتوسط، وهي من ترجمة بسام حجّار.

 

صحيفة الرياض – 30 سبتمبر 2007م

في رواية: جنوب الحدود غرب الشمس..روعة السرد رغم المصادفات الفجة

  في الرواية التي تبدأ بحلم، وعالم وردي، وعقدة الوحدة لطفل وحيد، لا يمكن أن تتخيل الحياة إلا مثار صراع هائل وإن كانت هادئة ومريحة، لا الصراع المعتاد في العالم الروائي المتخيل، الذي يأتي هادراً ليضطرب القارئ في دهاليزه، بل صراع من نوع آخر، يأتي باسترسال وهدوء، يتغاضى من أجله القارئ عن فجاجة بعض المواقف، ليفتش عن الاشكالية في هذا التيه الذي يبدو مثالياً ولوهلة، عالم محوره الأنثى، العلاقة بها، ذلك الكائن المكمل لنقص ما، عالم هاجسه الأول الفقد، وعلاقة جدلية بين الوجود وعدمه.

في كل بداية، هناك احساس بالاختلاف، اختلاف الطفل الوحيد هذه المرة، الكائن الذي يأتي دون إخوة، في المجتمع الياباني الذي تحوك الرواية طرفاً منه، المجتمع الذي اعتاد على طفلين أو ثلاثة، يأتي الوعي بالاختلاف كأول وعي سلبي يعايشه البطل، لكنه استطاع أن يبني حياته المثالية، بعد تجاهل الخيبات الأولى، انغمس في حياته ومغامراته مع النساء، ليحيا الروتين المعتاد، أب لطفلتين، وصاحب أعمال، وبضع خيانات، ومتورط في حياة لا يشعر حيالها بشيء، إلى أن يعود ماضيه ليهدم عالمه المثالي، ويثبت له أنه إنسان لا يكتمل، ومدار للتشظي والألم، بإطلالة صديقة الطفولة “شيماموتو” التي تأتي لتغيب، وتحيل كل شيء إلى أشياء لا يدركها ولا يستطيع أن يعرف ماهيتها أو إى أين تتجه. رواية “جنوب الحدود غرب الشمس” متماسكة سردياً رغم مصادفاتها الفجة المتكررة، أو العالم الواقعي الفنتازي الذي يقال دائماً بأن موراكامي يكتبه، رواية كتبت بنفس سردي رتيب، يشبه اعترافاً أخيراً، واعتمدت على الحوار كتقنية سردية رئيسية أجاد الكاتب استخدامها دون بهرجة أو تحذلق في صلب النص، الذي جاء بسيطاً وممتعاً، بترجمة جيدة جداً.

ولد الروائي الياباني هاروكي موراكامي سنة 1949م بمدينة كيوتو، بدأ حياته كإداري في نادي لموسيقى الجاز، ثم تحول للكتابة الروائية، وترجمت أعماله إلى ما يقارب الأربعين لغة، وفاز بجائزة فرانز كافكا الأدبية، والرواية من إصدارات المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى سنة 2007م، وتقع في 238صفحة من القطع المتوسط، من ترجمة صلاح صلاح، وصدر للروائي عن ذات الدار “الغابة النرويجية” و”سبوتنيك الحبيبة” و”كافكا على الشاطئ”.

 

صحيفة الرياض – 29 مارس 2008م

رواية “برهان العسل” بحث ركيك حول الجنس في التراث العربي

 لعل الفن في أهم صياغة له أو تعريف، هو ثورة على القوالب والصيغ والأشكال المتداولة، إعادة خلق أو تشكل كما في نظرية أرسطو القديمة. رواية “برهان العسل” لسلوى النعيمي، جاءت لتحاول أن تصنع هذا الفن وتخرجه كرواية، جاءت بصفحة تحوي “محتويات” الرواية وكانت كالتالي: ” باب أزواج المتعة وكتب الباه، باب المفكر والتاريخ الشخص، باب الجنس والمدنية العربية، باب الماء، باب الحكايات، باب المدلكة وزوجة الزاني، باب شطحات الجسد، باب زمن التقية في المجتمعات العربية، باب اللسانيات، باب التربية والتعليم، باب الحيل” وجاءت الرواية بمقدمة عبارة عن أربعة اقتباسات ل “أنسي الحاج، كافافي، سليم رزق الله، كافافي مرة أخرى”. ثم تأتي أول سطور الرواية لتعلن: هناك من يستحضر الأرواح، أنا استحضر الأجساد. لا أعرف روحي ولا أرواح الآخرين، أعرف جسدي وأجسادهم. بعد هذا، ربما، ترفع سقف التوقعات عند المتلقي، قد ينتظر سردا روائياً يخوض في أعماق هذه المنطقة المسكوت عنها عادة “الجنس” أو التي تخاض بشكل رديء في الرواية العربية، وجود فهرس بهذا الشكل وبهذه العبارات، تبويب الرواية، ومن ثم سرد كميات هائلة من الاقتباسات حول الجنس ” ألبرتو مورافيا، رونيه شار.. محمد بن زكريا، ابن الأزرق، الجنيد..” بالذات من التراث العربي، إعادة اكتشاف الكتب التي تتحدث عن هذه المنطقة ككتاب رجوع الشيخ إلى صباه” أو كتاب “روضة العاطر في نزهة الخاطر” ، قد يكون هاجسا أو هدفا رئيسا للرواية، لكنها لم تعد رواية بلغتها التقريرية، وبمشاهدها التي لم تشكل بمقربتها للعبارات المقتبسة وحده فنية ملفتة أو ذات مغزى، وبسرد ألفاظ متعددة لوصف الممارسات الجنسية، ومن ثم مناقشة أحكام الزواج ومشروعية أنواعه من خلال التراث في رواية!!. اللغة التقريرية والاقتباسات خطت بلغة بطلة الرواية المثقفة والتي تعمل في مكتبة، لكنها لم تسرد ما تريد من خلال حبكة روائية، أو تجارب ملفتة أو ذات قيمة، بشيء يضعنا في عمق حكاية الغريزة البشرية، كما كتب باولو كويليو على سبيل المثال في “إحدى عشرة دقيقة” عن العاهرة ماريا كحدث حمل أبعاداً إنسانية وفلسفية، بل خطت كبحث ضم أفكارا متناثرة حول الجنس والجسد، ومشاهد ساخنة كثيرة، تشعرك بأن العمل ككل عبارة عن بحث حول الجنس في التراث العربي، وممارسات جنسية جاءت في سياقها بشكل عبثي، لتشعر القارئ بأن هدف العمل جاء ليقول: ها أنا أدخل هذه المنطقة المحظورة. دون أي إبداع روائي أو كتابي.

سلوى النعيمي، شاعرة وصحافية سورية صدر لها عدة مجموعات شعرية، منها “متوازيات” و “غواية موتى” ومجموعة قصصية بعنوان “كتاب الأسرار” كما صدر لها مجموعة مقابلات أدبية تحت عنوان “شاركتُ في الخديعة”. والرواية صدرت عن دار رياض الريس للنشر عام 2007م، وتقع في 151صفحة من القطاع المتوسط، وترجمت مؤخراً إلى اللغة الفرنسية، وصدرت عن دار “لافون” وقام بالترجمة أوسكار حلياني.

 

صحيفة الرياض – 20 مايو 2008م

“عقيدة رقص” تتأرجح بين “رجاء” وحال “نرد”

  في رواية ميس خالد العثمان الأخيرة “عقيدة رقص” دخول لعالم مضى، لكنه أكثر حداثة عن عوالمها السابقة، فالرواية الأولى “غرفة السماء” كانت تخوض سواحل الغوص العتيقة، وروايتها الثانية “عرائس الصوف” جاءت بلا مكان أو زمان محددين، ولكنها في الأجواء القديمة ذاتها، لكن في “عقيدة رقص” جاء الزمان والمكان محددين تماماً، فمن بغداد هروباً إلى الجنوب حيث الكويت كان المكان، أما الزمان فبعد نهاية الحرب العراقية الإيرانية وقبل اجتياح القوات العراقية للكويت.

الحكاية حكاية سجن وهرب، الحدث يغيب في الرواية، تكاد أن تكون الرواية سجالاً داخلياً نفسياً، وصفاً للشعور الداخلي للبطلة “رجاء السيد هادي” أو نرد، ولاسم “نرد” حكايته أيضاً.

تتشابه الأقدار في الرواية، بين العراق ولبنان وفلسطين، رجاء ومريم وأبي العز، ولكل منهم مأساته، أحكاها مباشرة، أو يمكنك تخمينها، بالتعمق في ملامحه أكثر.

الرواية شِعرية بامتياز، يمكن قراءتها كنص شعري إنساني بشكل بحت، فالقصة هي الإنسان ولا شيء غير الإنسان، واستخدام بعض مفردات اللهجة العراقية واللبنانية جاء محدوداً ومعقولاً، ليعزز جو السرد الروائي أكثر.

اسم البطلة بتأرجح بين حالتين إنسانيتين عميقتين، فهو بين “الرجاء” وبين الدخول في لعبة “نرد”، فرجاء تطلب وتنتظر وتسعى، تحاول وتطمح، أما نرد فتسلم أمورها بعبث، وتأتي الأحداث كما تشاء.

دخول “أكرم” على ساحة الرواية غريب، يمثل دخول حكاية حب مفتعلة أو تائهة، وجاء -ربما- في إطار تعزيز حضور حالة “النرد” التي تعيشها “رجاء”، أي العيش بالكثير من المفاجآت والارتجالية، ولتأتي الحياة بما تشاء، في إطار سياق الرواية الهادئ.

من الملفت بالرواية تدخل صوت الراوي بشكل مستمر، لتحديد شعور البطلة تماماً، إحساسها، وما تشعر به، بلغة العارف الموقن بالشيء كمثل “وتستذكرين مسبحة أمك وهي تتمتم، الإنسان مخير يا رجاء، فلا تضجري” أو “تعلمين بأن هناك من يولد وجرحه خفي لا يُرى” و “كنتِ تنتظرين إشارة من الماضي تفتت السأم المتمدد بداخلك” و “إغماضة عينيك أخفت وراءها عطبك التام”.

الرواية من إصدارات المؤسسة العربية للنشر، الطبعة الأولى في 2008م، وتقع في 146صفحة من القطع المتوسط.

صحيفة الرياض – 2 سبتمبر 2008م

عتيق رحيمي .. سرد الطمأنينة وتيه الواقع في «ألف منزل للحلم والرعب»

سيرة للخوف والخشية، والبطش، والتباس ما هو واقع وما هو حلم.

في رواية الكاتب الأفغاني عتيق رحيمي “ألف منزل للحلم والرعب” والصادرة عن دار الجمل 2009م بترجمة اسكندر حبش، نكتشف مدى هشاشة أرواحنا كبشر، حينما يصبح الحلم امتداداً للواقع، والواقع جزء مما هو متخيل ومنتظر، وما نتخيله في ذروة لا معقوليته وجنونه وخوضنا فيه لا يتجاوز كونه هامشاً من منزلق تيهنا اليومي، نعيش الحب مع القهر، والطمأنينة ممتزجة بالرعب.

في سرد رحيمي تجد روحاً أفغانية حقيقة، يوظف من خلالها السارد الموروث الثقافي لتلك البقعة من الأرض التي أصبحت وعلى مدى ما يزيد عن ثلاثة عقود أرضاً للدمار والخراب، لا نعرف عنها إلا حكايات القتال وعبق الحروب، وأوهام الخشخاش.

عتيق رحيمي يستغرق في استحضار الموروث الشعبي والديني، من حكايات الملا “دام الله سعيد مصطفى” لجد “فرهد” بطل الرواية، أفكاره حول أرواح البشر، الحلم واليقظة، قراءة التعاويذ حتى لا يستولي الجان على الجسد فتضيع الروح في السماء، ثم توظيفه لسورة يوسف، مماهاة للضياع والضياع.

يستلهم رحيمي أجواء الرواية من الإرث المرعب للنظام الشيوعي، حكاية شاب يتأخر عن منزله ليلاً، فيسير في الطريق أثناء حظر للتجوال فرضه العسكر في تلك الحقبة الحمراء المريرة، ليمرر من خلال هذه الحكاية التي لا يتجاوز مداها اليوم والليلة إرثاً كاملاً من القهر والعذاب، في المعتقلات والسجون، بين قتلى ومجانين أفقدهم الرعب عقولهم ونزع حياتهم، فارتد من عاش منهم ذاهلاً عما حوله، وقد غمر شعره البياض.

رحيمي في روايته خلق الحلم، وشيد منازل للرعب، وربما تهاوى بين يديه الكثير من الأمل.

ولد عتيق رحيمي في أفغانستان سنة 1962م، من أسرة ليبرالية، وبعد الاجتياح السوفييتي لأفغانستان وانهيار النظام السياسي غادر إلى فرنسا، حيث أتم دراسته وحصل على الدكتوراه في الاتصالات البصرية، وفي عام 2008م حاز على جائزة غنكور، الجائزة الفرنسية الأدبية الأبرز، عن روايته “حجر الصبر”.

يقول عتيق رحيمي في روايته: ألا يتراءى في الحلم، بالضبط، كل شيء أكثر واقعية من الواقع. في العمق، هكذا يعمل الفكر الإنساني. علينا أن نؤمن بأن الإنسان يميل إلى أحلامه أكثر مما يميل إلى الواقع. وإلا كيف أمكن لكل هذه الثورات والحروب والإيديولوجيات أن تنوجد؟.

 

صحيفة الرياض – 28 أكتوبر 2009م