“أن ترحل” .. آخر روايات الطاهر بن جلون .. مشاكل الوطن وإشكاليات الهجرة ..ككل مرة

رغم مواقف الكاتب المغربي الطاهر بن جلون الثقافية والسياسية والتي تبدو مطابقة إلى حد ما لنظرة الحكومة الفرنسية للمهاجرين وذوبانهم في المجتمع الفرنسي، ومنطقها كذلك في التعاطي مع العرب عموماً والمغاربة بوجه خاص، وكذلك نظرته التقليدية الأوروبية الإتهامية للمسلمين، إلا أن هاجساً واحداً يعتبر بمثابة القضية الكبرى أو القوة الدافعة التي يكتب من أجلها الطاهر بن جلون روايته، ألا وهي المغرب، فهو يكتب عن المغرب وللمغرب، يكتب تفاصيل الأزقة في طنجة، ونكهة الدار البيضاء، أحلام المغاربة ومشاكلهم وآمالهم، يخط كل في الوسط الثقافي الفرنسي.

حين أتحدث عن روايات الطاهر بن جلون، فإني ألج منظومة غريبة وفوضوية، أفكار أصبحت بمثابة “ثيمة” في نصوصه الروائية، الحديث عن الفساد الإداري وأصحاب النفوذ، التفكك الاجتماعي، الحديث عن الفقر، البغاء، المخدرات، الشذوذ الجنسي، كما أن الشخصيات تفرض نفسها على النص الروائي كل مرة، شخصية المتدين الجشع، شخصية الشاب الحالم التائه الطموح، الفتاة المضطهدة، المسلم التقليدي الهادئ أو المسالم، الفتاة المتمردة، العجوز ذات النوايا الحسنة، شخصيات يكررها بن جلون كثيراً في أعماله.

في “طفل الرمال” و”ليلة القدر” كان الإشكالية الرئيسية هي حياة الأنثى، مأزقها الوجودي في المجتمع المغربي كما تصوره الكاتب، أما “الرجل المحطم” فكان الطاهر بن جلون يهجس بالرشوة وكيف تفسد حياة الإنسان، وجاءت “تلك العتمة الباهرة” لتمس تلك الحرية السليبة، وفي مجموعته القصصية “الحب الأول، الحب الأخير” كان الحب والجنس محور الحديث، أما الكتابة عن الفقر فكانت في “نزل المساكين” و”الكاتب العمومي” واختصر الحديث عن الهجرة في “أعناب مركب العذاب” لكن قضية كقضية الهجرة من المغرب تستحق أن يكتب عنها المزيد والمزيد، لذا عاد هنا في “أن ترحل” ليخوضها من جديد، لذا تجد أن الطاهر بن جلون مع أنه يتحدث عن كل هذه الإشكاليات في كل أعماله، إلا أنه يفرد نصيب الأسد لإحداها فيضعها في مركزية الحدث، فيسهب الحديث عن أسبابها وتجلياتها الاجتماعية، وأثرها على الفرد والمجتمع المغربي.

روايته “أن ترحل” تعد بمثابة مدخل إلى أحلام الهالكين كما صورهم، أولئك التواقين إلى الهجرة من المغرب بسبب الفقر، الحديث عن الشاب المسحوق، لم تكن مراكب الموت هي المحور الرئيسي في الرواية كما في “أعناب مركب العذاب” بل الخوض في هاجس الهجرة ككل، فكرة الهروب من الوطن التي ما إن أصبحت محورية في ذهن “عز العرب” أو “عازل” المثقف، وخريج كلية القانون، حتى اختزلت كل حياته، وأصبح بإمكان هذا الشاب ارتكاب أي شيء في سبيل هذا الهدف، التخلي عن كل شيء، وربما أغلى شيء، مع فقر والفاقة تفقد الكثير من المعاني السامية مرادها، فلا يغدو للحياة، للشرف، للكرامة، أي قيمة، حين يسيطر هاجس الهجرة على الإنسان، لا يفكر إلا بتلك الأربعة عشر كيلومترا الفاصلة بين “طنجة” والشواطئ الأسبانية.

يضطرب الموقف في الرواية، بين “أن ترحل” وبين “أن تعود” عندما يفقد هذا المهاجر الجنة الموعودة، يصبح من العسير عليه أن ينسجم أو يتواءم مع نفسه وطموحاته، فيفقد كل شيء قيمته، بما فيها الحياة ذاتها، التي لا تغدو في النهاية إلا كماً هائلاً من الإخفاقات والخيبات المتسلسلة، فتضطرب معاني الأشياء، تصبح العنصرية موجهة ضد الوطن، والشوق للحياة الأخرى في المنفى، وإمعاناً في السخرية والاضطراب، يكتشف الأسباني “ميكال” والذي ساعد “عازل” وأخته “كنزة” على الهجرة، أن والده الشيوعي هاجر أيضاً، لكنها هجرة مغايرة، هاجر من أسبانيا أيام قمع “فرانكو” إلى المغرب، وبالطريقة المجنونة التقليدية ذاتها.في الرواية الكثير من الشخصيات العابرة، تظهر وتختفي وتعود، سهام، سمية، ناظم، فلوبير، موحا، العافية، عباس، نور الدين، الفتاة النيجيرية، الدكتور الفرنسي، الحاج، والأسطورة توتيا، كل هذه الشخصيات تدور حول الشخصيات الرئيسية، “عازل” الشاب المغربي المهاجر، وعشيقة “ميكال” الأسباني، ثم “كنزة” أخت “عازل”، ثم تنتهي الرواية نهاية أسطورية أكثر من كونها نهاية تقليدية، فكل شيء ممكن في عالم الهجرة. الطاهر بن جلون، كاتب مغربي يكتب باللغة الفرنسية، وترجمت أعماله إلى العديد من اللغات، حازت روايته “ليلة القدر” على جائزة “غونكور” الفرنسية، ويعتبر من أبرز كتاب فرنسا، وروايته “أن ترحل” هي آخر أعماله، وصدرت عن المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى سنة 2007م، وتقع في 317صفحة من القطاع المتوسط، وهي من ترجمة بسام حجّار.

 

صحيفة الرياض – 30 سبتمبر 2007م

في رواية: جنوب الحدود غرب الشمس..روعة السرد رغم المصادفات الفجة

  في الرواية التي تبدأ بحلم، وعالم وردي، وعقدة الوحدة لطفل وحيد، لا يمكن أن تتخيل الحياة إلا مثار صراع هائل وإن كانت هادئة ومريحة، لا الصراع المعتاد في العالم الروائي المتخيل، الذي يأتي هادراً ليضطرب القارئ في دهاليزه، بل صراع من نوع آخر، يأتي باسترسال وهدوء، يتغاضى من أجله القارئ عن فجاجة بعض المواقف، ليفتش عن الاشكالية في هذا التيه الذي يبدو مثالياً ولوهلة، عالم محوره الأنثى، العلاقة بها، ذلك الكائن المكمل لنقص ما، عالم هاجسه الأول الفقد، وعلاقة جدلية بين الوجود وعدمه.

في كل بداية، هناك احساس بالاختلاف، اختلاف الطفل الوحيد هذه المرة، الكائن الذي يأتي دون إخوة، في المجتمع الياباني الذي تحوك الرواية طرفاً منه، المجتمع الذي اعتاد على طفلين أو ثلاثة، يأتي الوعي بالاختلاف كأول وعي سلبي يعايشه البطل، لكنه استطاع أن يبني حياته المثالية، بعد تجاهل الخيبات الأولى، انغمس في حياته ومغامراته مع النساء، ليحيا الروتين المعتاد، أب لطفلتين، وصاحب أعمال، وبضع خيانات، ومتورط في حياة لا يشعر حيالها بشيء، إلى أن يعود ماضيه ليهدم عالمه المثالي، ويثبت له أنه إنسان لا يكتمل، ومدار للتشظي والألم، بإطلالة صديقة الطفولة “شيماموتو” التي تأتي لتغيب، وتحيل كل شيء إلى أشياء لا يدركها ولا يستطيع أن يعرف ماهيتها أو إى أين تتجه. رواية “جنوب الحدود غرب الشمس” متماسكة سردياً رغم مصادفاتها الفجة المتكررة، أو العالم الواقعي الفنتازي الذي يقال دائماً بأن موراكامي يكتبه، رواية كتبت بنفس سردي رتيب، يشبه اعترافاً أخيراً، واعتمدت على الحوار كتقنية سردية رئيسية أجاد الكاتب استخدامها دون بهرجة أو تحذلق في صلب النص، الذي جاء بسيطاً وممتعاً، بترجمة جيدة جداً.

ولد الروائي الياباني هاروكي موراكامي سنة 1949م بمدينة كيوتو، بدأ حياته كإداري في نادي لموسيقى الجاز، ثم تحول للكتابة الروائية، وترجمت أعماله إلى ما يقارب الأربعين لغة، وفاز بجائزة فرانز كافكا الأدبية، والرواية من إصدارات المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى سنة 2007م، وتقع في 238صفحة من القطع المتوسط، من ترجمة صلاح صلاح، وصدر للروائي عن ذات الدار “الغابة النرويجية” و”سبوتنيك الحبيبة” و”كافكا على الشاطئ”.

 

صحيفة الرياض – 29 مارس 2008م

رواية “برهان العسل” بحث ركيك حول الجنس في التراث العربي

 لعل الفن في أهم صياغة له أو تعريف، هو ثورة على القوالب والصيغ والأشكال المتداولة، إعادة خلق أو تشكل كما في نظرية أرسطو القديمة. رواية “برهان العسل” لسلوى النعيمي، جاءت لتحاول أن تصنع هذا الفن وتخرجه كرواية، جاءت بصفحة تحوي “محتويات” الرواية وكانت كالتالي: ” باب أزواج المتعة وكتب الباه، باب المفكر والتاريخ الشخص، باب الجنس والمدنية العربية، باب الماء، باب الحكايات، باب المدلكة وزوجة الزاني، باب شطحات الجسد، باب زمن التقية في المجتمعات العربية، باب اللسانيات، باب التربية والتعليم، باب الحيل” وجاءت الرواية بمقدمة عبارة عن أربعة اقتباسات ل “أنسي الحاج، كافافي، سليم رزق الله، كافافي مرة أخرى”. ثم تأتي أول سطور الرواية لتعلن: هناك من يستحضر الأرواح، أنا استحضر الأجساد. لا أعرف روحي ولا أرواح الآخرين، أعرف جسدي وأجسادهم. بعد هذا، ربما، ترفع سقف التوقعات عند المتلقي، قد ينتظر سردا روائياً يخوض في أعماق هذه المنطقة المسكوت عنها عادة “الجنس” أو التي تخاض بشكل رديء في الرواية العربية، وجود فهرس بهذا الشكل وبهذه العبارات، تبويب الرواية، ومن ثم سرد كميات هائلة من الاقتباسات حول الجنس ” ألبرتو مورافيا، رونيه شار.. محمد بن زكريا، ابن الأزرق، الجنيد..” بالذات من التراث العربي، إعادة اكتشاف الكتب التي تتحدث عن هذه المنطقة ككتاب رجوع الشيخ إلى صباه” أو كتاب “روضة العاطر في نزهة الخاطر” ، قد يكون هاجسا أو هدفا رئيسا للرواية، لكنها لم تعد رواية بلغتها التقريرية، وبمشاهدها التي لم تشكل بمقربتها للعبارات المقتبسة وحده فنية ملفتة أو ذات مغزى، وبسرد ألفاظ متعددة لوصف الممارسات الجنسية، ومن ثم مناقشة أحكام الزواج ومشروعية أنواعه من خلال التراث في رواية!!. اللغة التقريرية والاقتباسات خطت بلغة بطلة الرواية المثقفة والتي تعمل في مكتبة، لكنها لم تسرد ما تريد من خلال حبكة روائية، أو تجارب ملفتة أو ذات قيمة، بشيء يضعنا في عمق حكاية الغريزة البشرية، كما كتب باولو كويليو على سبيل المثال في “إحدى عشرة دقيقة” عن العاهرة ماريا كحدث حمل أبعاداً إنسانية وفلسفية، بل خطت كبحث ضم أفكارا متناثرة حول الجنس والجسد، ومشاهد ساخنة كثيرة، تشعرك بأن العمل ككل عبارة عن بحث حول الجنس في التراث العربي، وممارسات جنسية جاءت في سياقها بشكل عبثي، لتشعر القارئ بأن هدف العمل جاء ليقول: ها أنا أدخل هذه المنطقة المحظورة. دون أي إبداع روائي أو كتابي.

سلوى النعيمي، شاعرة وصحافية سورية صدر لها عدة مجموعات شعرية، منها “متوازيات” و “غواية موتى” ومجموعة قصصية بعنوان “كتاب الأسرار” كما صدر لها مجموعة مقابلات أدبية تحت عنوان “شاركتُ في الخديعة”. والرواية صدرت عن دار رياض الريس للنشر عام 2007م، وتقع في 151صفحة من القطاع المتوسط، وترجمت مؤخراً إلى اللغة الفرنسية، وصدرت عن دار “لافون” وقام بالترجمة أوسكار حلياني.

 

صحيفة الرياض – 20 مايو 2008م