إجابة “أخلاقية” لسؤال العنف

اشتبك الباحثون والدارسون مع ظواهر العنف في حياتنا المعاصرة على عدة مستويات، في ظل طغيان الرؤى التي تربط العنف بالدوافع السياسية والاقتصادية، أو المشكلات الاجتماعية، والتركيز على المعالجات الأمنية والعسكرية للتعامل معه. ومع هذا، تفشّى العنف بصورة غير مسبوقة، وبدأ يعبر عن نفسه بطرقٍ أكثر دموية وقسوة، يمكن رؤية ذروتها بالعنف الاستعراضي لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
يبدو أن ميدان دراسات العنف انغلق على نفسه، فمن الصعب الكتابة عن رؤىً جديدة، أو مثيرة للاهتمام (ولا أقول صائبة)، خصوصاً فيما يتعلق بدراسات عنف الحركات التي تعرف على نطاق واسع بالحركات الجهادية. لكن، دائماً هناك مجال لأطروحات جديدة، وأزعم أن جواب طه عبد الرحمن على “سؤال العنف” يأتي برؤية مختلفة، تستحق الاهتمام، والاشتباك معها.
يشتبك طه عبد الرحمن مع مسألة العنف من خلال رؤيته التي ترتكز على الحوار والأخلاق. وذلك في كتابه الذي صدر أخيراً “سؤال العنف … بين الائتمانية والحوارية” عن المؤسسة العربية للفكر والإبداع، والذي يتكون من جزأين، الأول حوار معه حول العنف، والثاني دراسة له عن إيمانويل ليفيناس.
يقرّر عبد الرحمن، ابتداء، أننا نواجه العنف اليوم، بسبب “فقد الحوار وفقد الأخلاق، وعندما يُفقد الحوار وتُفقد الأخلاق في الوقت نفسه، فلا مفر من مواجهة أبشع صور العنف”. ويسلط الضوء على “العنيف”، أو الشخص المرتكب للعنف، في وقتٍ يحلل المشهد الديني الذي يؤدي إلى غرس “القابلية للعنف”، فيرى أن العنيف “متجبر” بالضرورة، وأنه “يأتي من الأفعال ما يوقعه في نسبة الكمالات الإلهية إلى نفسه؛ ذلك أنه يتماهى مع معتقداته الغالية واجتهاداته الشاذّة، فينفذ إلى لاشعوره الاعتقاد بأنه يمثل في الناس إرادة الله”. أما مظاهر هذا “التجبّر”، فيراها في الرغبة بالتسيد على الآخرين، والتكفير، والتقتيل، والتعذيب.
ربما لا توجد لحظة تلخص مظاهر التجبّر التي يتحدّث عنها طه عبد الرحمن، أكثر من فيديوهات الإعدامات التي ينفذها تنظيم الدولة الإسلامية، وكانت حاضرة من دون شك في ذهن عبد الرحمن، وهو يجيب على “سؤال العنف”، فهي تجمع التسيد والتكفير والتقتيل والتعذيب.
يرى أن “التشدّد الديني” و”الإيذاء المسرف” ناتجان عن أمرين، “فساد فهم النص” و”فساد فهم الواقع”، فيرى أن العنيف “تعامى عن مقاصد الشرع وأسراره”، في وقت استهتر فيه “بسنن التاريخ وقوانين الاجتماع وضرورات الواقع”.
وهنا يُعالج العنف، من خلال نموذج ديني وفقهي مختلف عن النموذج السائد، فإذا كان هذا يقوم على “النموذج الأمري” الذي يؤدي إلى “القابلية للعنف”، من خلال “التذكير بالأوامر وما فيها من المنافع، وبالنواهي وما فيها من المضار” فإن عبد الرحمن يقترح ما يسميه “النموذج الشاهدي”، والذي يذكّر بـ “القيم الأخلاقية التي تتضمنها هذه الأوامر والنواهي”، فيقدم رؤية لعلاج العنف، قائمة على الحوار مع العنيف، وترسيخ قيم أخلاقية، تعالج “قابليته للعنف”.
تنطلق معالجة طه عبد الرحمن للعنف من رؤية مختلفة للإنسان والله والكون، قائمة على “الفلسفة الائتمانية” التي يدور مشروعه الفلسفي حولها بالكامل. لكن شمولية مشروع طه لا تنفي إمكانية الاستفادة جزئياً منها، خصوصاً في معالجته سؤال العنف، ورؤيته للفقه الديني، فحديث عبد الرحمن عن النموذج الفقهي السائد “الأمري” الذي حوّل الدين إلى مجموعة أوامر ونواهٍ، وتجاهل القيم الأخلاقية التي تقف خلفها، يقول الكثير عن المأزق الأخلاقي الذي نعيشه اليوم، وامتد من نفي الأخلاق عن السياسة والاقتصاد، ليصل، في نهاية المطاف، إلى نفيها عن “الفقه الديني”، والمفترض أن يكون آخر حصون “الأخلاق”، إلا أنه لم يكن كذلك، بحسب عبد الرحمن. وهنا، نعود مرة أخرى إلى الرؤى التي تطرح مشروعاً دينياً وفكرياً أوسع لمعالجة العنف، تتجاوز السياسة والاقتصاد والمشكلات الاجتماعية.

.

.

“داعش إلى أين؟”: محاولة للتأريخ تتجاوز المغالطات السائدة

يعيد فوّاز جرجس في كتابه “داعش إلى أين؟ .. جهاديو ما بعد القاعدة” الاعتبار إلى السياق المحلي العراقي، وسياقات الثورة السورية، والصراعات الإقليمية، لدراسة نشأة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، في الوقت الذي حاول فيه الكثير من المحللين قراءة صعود التنظيم باعتباره نتيجة لتحولات عالمية أوسع مرتبطة بمشكلات الرأسمالية والليبرالية، أو من خلال قراءات لا تاريخية، جوهرانية للمنطقة العربية.

عند الحديث عن ظهور تنظيم الدولة، نجد عددا كبيراً من النظريات التي تحاول تفسير ما تراه غرائبياً ولامفسراً. من اعتبار التنظيم نتيجة لقراءات كتب ابن تيمية، إلى اعتباره مؤامرة على العرب، يقوم بها الصهاينة، أو الأميركيون، أو الإيرانيون… إلخ، وحتى تفسير ظهور التنظيم باعتباره “واجهة” دينية لضباط ورجال دولة عراقيين بعثيين تم تهميشهم بقوانين “اجتثاث البعث” فحاولوا استعادة أمجادهم من بوابة دينية هذه المرة.

يرفض جرجس هذه المغالطات، والتفسيرات “الشعبية” التي أصبح صداها يتردد في الإعلام العربي والغربي على السواء، ويقوم بتبنيها من يطلقون على أنفسهم ألقاب “خبراء في التنظيمات الإرهابية” دون أن يملكوا رؤية دقيقة لما يحدث في المنطقة. لذا يعيد جرجس الاعتبار إلى سياقات عراق ما بعد الاحتلال الأميركي في 2003، وما يدور في سورية، لقراءة صعود داعش كامتداد لظهور أبو مصعب الزرقاوي، وعلاقته المعقدة مع القاعدة.

الزرقاوي والقاعدة

يرى جرجس اختلافاً أساسياً بين استراتيجيات تنظيم القاعدة، وزعيمه الراحل أسامة بن لادن، وبين استراتيجيات القاعدة في بلاد الرافدين الذي أسسها أبو مصعب الزرقاوي، وفق فكرة أولوية “العدو البعيد أو العدو القريب”. فيرى أنه في الوقت الذي رسخ فيه بن لادن فكرة استهداف “العدو البعيد” أي الولايات المتحدة الأميركية، والتي يراها الداعم الأساسي للأنظمة العربية والإسلامية التي يقف ضدها، ويريد إسقاطها. تبنى الزرقاوي رؤية مغايرة، تستهدف “العدو القريب” والذي تحول من كونه المحتل الأميركي، أو الحكومة العراقية الموالية له، ليصبح كل “الشيعة” في حرب طائفية كان الزرقاوي أحد أركانها.

بهذا التفريق، نجد أن تنظيم داعش امتداد لسياسات الزرقاوي، وتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، لا “القاعدة المركزية”.  يكتب جرجس: “أحد الوجوه المميزة لاستراتيجية داعش على نقيض القاعدة المركزية هو أنه، وكامتداد لسلفه القاعدة في العراق، ذهب بعيدا في التركيز على الشيعة و العدو القريب، أي النظامين العراقي والسوري وحليفهما الإيراني”.

يضيف جرجس فكرة أخرى لداعش، تميزت بها عن القاعدة، وتتوافق بها مع رؤية الزرقاوي وهي “فكرة القتل الجماعي أو الإبادة”. لكن رغم تشديد جرجس على الاختلافات بين القاعدة وداعش، إلا أنه يراها تشترك في حلم “إقامة الخلافة”.

السياق المحلي العراقي

يرى جرجس أنه “ومع أن داعش هو امتداد للحركة الجهادية الدولية من حيث أيديولوجيته وأفكاره، إلا أن أصوله الاجتماعية متجذرة في سياق عراقي معيّن، وإلى درجة أقل في الحرب السورية التي اندلعت سنة 2011”.

يرى جرجس أن جذور نشأة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” موجودة في سياق تنظيم الزرقاوي “قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين” والذي أعلن الولاء لتنظيم القاعدة، وبايع زعيمه أسامة بن لادن، لأسباب تكتيكية. يكتب جرجس “تظهر قصة زواج المصلحة بين بن لادن والزرقاوي بوضوح أن الجهاديين، وكلاعبين سياسيين، تقودهم المصالح أكثر مما تفعل الأيديولوجيا والدين”.

هذا التنظيم ولد من عدة تداعيات، تمثلت في الاحتلال الأميركي للعراق، وفشل بناء نظام سياسي عراقي متجاوز للطوائف وقادر على حكم جميع العراقيين، إضافة إلى ما يصفه جرجس بـ “الحرب الأهلية السورية” وتداعيات “الربيع العربي”. والتي يراها نتاج فشل الدولة العربية الحديثة، سياسياً وتنموياً، ما أدى إلى انهيارها سريعا في سياق هذه التداعيات.

يتطرق الكاتب بصورة تفصيلية إلى ما يصفه بـ “إخفاق المؤسسات السياسية” العراقي في إدماج السنة بالدولة العراقية، تارة تحت لافتة “اجتثاث البعث” وأخرى بسبب اتهامات بالإرهاب، أو بسبب السياسات الطائفية التي انتهجها رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، وخشيته من إتاحة مجال لمشاركة السنة في حكم العراق.

هذا السياق العراقي، لم يؤثر فقط في ظهور التنظيم، وصعوده لاحقاً، لكن في أهم خصائصه، وهو ما يصفه الكاتب بـ “العنف الزائد” والذي يفسره باعتباره نتيجة لثلاثة عوامل، هي “انتسابه الأصلي إلى القاعدة في العراق، وموجدها أبو مصعب الزرقاوي… الذي ركز على مسألتي الهوية والسياسة المحلية” إضافة إلى “عراقيته (التنظيم) الغالبة واستعارته الأدوات البعثية في القمع إضافة إلى إرث البلاد المرّ من العنف” وأخيراً “ريفيه ضباط التنظيم وأفراده”.

وهنا يقرأ جرجس العنف باعتباره امتدادا لسياق العنف في العراق بعد 2003، وامتدادا للاستبداد وقمعية دولة حزب البعث التي حكمت العراق من 1968 حتى الاحتلال الأميركي. وهنا يمكن إضافة أن هذا العنف مرتبط بالدولة الحديثة، لا التراث. على غرار أوصاف عالم الاجتماع الأميركي تشارلز تيلي، والتي تعتبر إنشاء الدول الحديثة “جريمة منظمة” قام بها سياسيون يحاكون أعمال العصابات.

مستقبل التنظيم

يختم جرجس كتابه بقراءة لـ “مستقبل داعش” تدمج ما بين رؤيته لمستقبل التنظيم، والمنطقة، على حد سواء. يرى الكاتب أنه إذا كان صعود التنظيم ناتج عن “تحطّم مؤسسات الدولة في قلب الوطن العربي، وصراع الهويات بين المسلمين السنة والشيعة” فإن مواجهة داعش محكومة بـ “قدرة المجتمعات العربية، مع القوى الإقليمية والدولية، على توفيق حل سلمي للنزاعات الأهلية ولدعم إعادة بناء الدول العربية ومؤسساتها وفق قواعد شفافه وشرعية”.

لكن هناك مشكلة أكبر تلوح في الأفق، صحيح أن داعش تنظيم يمكن هزيمته، على خلاف ما يحاول قادة التنظيم الترويج له، إلا أن هزيمة التنظيم، دون معالجة الأسباب البنيوية التي خلقته وساهمت في صعوده أول الأمر، ستعني أن التنظيم سيختفي من الساحة، لكن أفراده سيكونون قادرين على إعادة تجربة تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، عندما هزم التنظيم، وذاب أفراده في المنطقة، ثم عادوا بعد سنوات، ليساهموا في صعود جماعة إرهابية أكبر وأخطر، وأكثر قسوة: داعش.

لا يتجاهل جرجس عوامل أخرى، يراها هامة في حسم مستقبل التنظيم، مثل ترسيخ فصل الدين عن الدولة في المنطقة، ومواجهة الرؤية السلفية المتشددة، إضافة إلى إيجاد حل للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، كمشاكل مؤثرة في ظهور تنظيمات “السلفية الجهادية” في المنطقة، وإن كانت أقل حسما في ظهور هذه التنظيمات، من تلك المتعلقة بانهيار الدولة، والتدخلات الأجنبية، وصراع الهويات.

لكن جرجس يتجاهل في مقاربة موضوع “فصل الدين عن الدولة” أن الأنظمة التي فشلت في بناء الدولة العربية الحديثة، في العراق وسورية، وساهم انهيارها في ظهور التنظيمات السلفية الجهادية، لم تكن أنظمة “دينية” بل “عَلمانية” ولكنها وإن واجهت الأدبيات السلفية ثقافياً، إلا أنها وضعت بذور الخلافات الطائفية التي اشتعلت في المنطقة مؤخراً.

كتاب “داعش إلى أين؟ … جهاديو ما بعد القاعدة” من إصدارات “مركز دراسات الوحدة العربية” وصدرت طبعته الأولى في 2016، وهو من ترجمة محمد شيّا، في الوقت الذي صدرت فيه النسخة الأصلية، الإنكليزية، من الكتاب، في العام ذاته، بعنوان (ISIS: A History).

بدر الراشد / موقع ضفة ثالثة

https://www.alaraby.co.uk/diffah/books/2017/3/1/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A3%D9%8A%D9%86-%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%88%D9%84%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%AA%D8%A3%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D8%AA%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D9%88%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%A6%D8%AF%D8%A9

د. العيسى يسائل «التعليم العالي» في «رحلة البحث عن هوية»

 كما هو ظاهر من العنوان، فالدكتور أحمد العيسى في كتابه الجديد “التعليم العالي في السعودية: رحلة البحث عن هوية” يؤكد أن حجر الزاوية في أي إصلاح تعليمي على مستوى التعليم العالي لابد أن ينطلق من هذه الزاوية تحديداً.. خلق هوية مميزة لكل جامعة، وهذه الهوية لا يمكن خلقها إلا من خلال إتاحة المجال للجامعات لأن تستقل وتتخفف من قيود البيروقراطية والمركزية.

لذا يؤكد العيسى في كتابه أن إشكالية التعليم العالي الأولى هي التنميط، أو كما كتب المؤلف: النظام الحالي لمجلس التعليم العالي والجامعات الذي صدر قبل نحو عشرين عاما، ساهم في طمس هوية الجامعات، وخنق فرص التنوع والاختلاف بينها، فكانت جامعاتنا الست والعشرون وكأنها جامعة واحدة.

ومن هذه النقطة تحديداً يرى العيسى أننا أصبحنا لا نعرف فيما تتميز تلك الجامعة عن الأخرى، فكأنما صبت تلك الجامعات في قالب واحد، طمس معه أي احتمالية تنوع أو اختلاف، من الناحية الإدارية البيروقراطية، والأسوأ من الناحية الأكاديمية كذلك، فلم تستطع أي من تلك الجامعات الستة والعشرين أن تخلق لها هوية مميزة.

يحدد العيسى هدف الكتاب في قراءة واقع التعليم في المملكة قراءة فكرية، إذ يقول: الكتاب ليس كتابا تاريخيا يرصد مسيرة مؤسسات التعليم العالي ويؤرخ لإنجازاته، وإنما هو كتاب نقدي فكري يهتم بتلمس الإنجازات والإشادة بها، ويحرص على فحص العيوب وكشفها.

ربما كانت أبرز الصعوبات التي تواجه الكاتب – كما يذكر – الخوف من اعتباره سائراً عكس التيار في التعاطي مع وزارة التعليم العالي، التي لا يخفي كونها حققت قفزات مميزة خلال السنوات القليلة الماضية، من خلال الجامعات الجديدة التي أنشئت ومن خلال برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث والذي أدارته الوزارة كذلك.

يرى المؤلف أن التغيرات الأخيرة ما زالت دون المأمول، إذ جاءت خارجية ولم تنفذ إلى عمق العمل الأكاديمي، أو تغير من “فلسفة التعليم” السائدة لعقود مضت، لذا ما زالت الرؤية الفكرية حول واقع التعليم في الجامعات السعودية غائبة.

ينقسم الكتاب إلى خمسة فصول، بالإضافة إلى المقدمة والتمهيد.

جاء الفصل الأول من الكتاب بعنوان “قراءة في الفصل الراهن ” ويتطرق المؤلف من خلاله إلى بدايات التعليم، وفترة الركود والتي حددها بالفترة بين 1980م و2000م، وذكر أزمة القبول والاستيعاب التي كانت بين عامي 1990م و2005م، ثم تحدث عن التوسع المفاجئ بين 2002م و2010م.

وتطرق كذلك إلى برنامج الابتعاث للخارج، وبدايات التعليم العالي الأهلي، وكذلك التعليم العالي للبنات، وختم الفصل بالحديث عن جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية “كاوست” وما تحمله من مميزات تؤكد إشكاليات التعليم العالي بالمملكة، فهي – كما يراها المؤلف – ولدت خارج سياق النظام التعليمي العالي تماما من الناحية الإدارية، ومن الناحية الفكرية والثقافية كذلك، مما يؤكد في نظر المؤلف على الإشكاليات التي يعاني منها التعليم العالي، وتجعل الجامعة الحلم خارج أنساقه تماما.

في الفصل الثاني وتحت عنوان “ماذا عن سؤال الهوية في الجامعات السعودية؟” يبحث الكاتب تلاشي هويات الجامعات العريقة، وقولبة الجامعات الجديدة، ويتطرق إلى مجانية التعليم الذي يصفه بأنه “بلا قيمة .. بلا هوية” ثم يتحدث عن أهم نقطة شغلت الجامعات في المملكة مؤخرا وهي مسألة التصنيفات الدولية، والتي أثارت الرأي العالم ضد الجامعات، التي تنبهت لهذه المسألة، فطورت مواقعها الإلكترونية سريعاً لتحقق مراكز متقدمة في تصنيف “ويبوماتريكس” الإسباني ثم بدأت في تطوير برامجها الأكاديمية، لتحقق مراكز جيدة في تصنيفات أخرى كتصنيف “شنجهاي” لكن العيسى يتطرق إلى الانقسام حول هذه التصنيفات نفسها، بين من يعتبرها مفيدة وهامة وتحدد مستوى الجامعات ومخرجاتها، وبين من يراها ارتبطت بشركات ومكاتب استشارية ويغلب عليها الطابع التجاري.

ويشير العيسى في ذات الفصل إلى الحرية الأكاديمية، ومسألة لغة التعليم “العربية أو الإنجليزية” والحياة الأكاديمية، إذ يتساءل “لماذا يكره طلابنا جامعاتهم؟”.

ويشير إلى دور الجامعات في التنمية، وما يصفه ب”الطلاق البائن” بين الجامعة وتيارات الفكر والثقافة، والذي يرى سببه في “التوجس المبالغ فيه لدى المسؤولين في الجامعات، ولدى المسؤولين في وزارة التعليم العالي، من منح الجامعات فرصة الانفتاح على قضايا المجتمع وإطلاق الحريات في مناقشة القضايا الحساسة؛ فحرصوا على ألا يكون للجامعات موقف من هذه القضية أو تلك”.

أما الفصل الثالث فجاء تحت عنوان “كيف غابت هوية الجامعات السعودية” ويتطرق فيه إلى سياسات التعليم ومجلس التعليم العالي، ويطرح دور الأنظمة واللوائح في طمس هوية الجامعات وقولبتها ومنعها من التحرك باستقلالية على كافة المستويات.

وفي الفصل الرابع “يتطرق الكاتب إلى التعليم في الخارج، فتحت عنوان “نافذة على التعليم العالي خارج الحدود” يتحدث عن التعليم العالي العريق في أوروبا، والتعليم العالي في أمريكا، ثم يشير إلى الشرق الأقصى، ودول الخليج العربي بما وصفه ب”حراك جديد وأسئلة صعبة” ويتطرق في هذا الفصل إلى تجربة التعليم الأجنبي في منطقة الخليج العربي، وهي تجربة حديثة، وحدد المؤلف بعض إيجابياتها “تأهيل الكفاءات العلمية في مناخ تعليمي مختلف، ويماثل ما يتوفر لدى الجامعات العالمية المحترمة، بالإضافة إلى اختصار كثير من الوقت والجهد في بناء مؤسسات تعليمية رائدة وفق الأنظمة والمعايير والأعراف الأكاديمية والعلمية الدولية”.

يختم المؤلف كتابه بالفصل الخامس “جامعاتنا إلى أين؟” بعد أن كتب رؤيته وشخص ما يراه في التعليم العالي بالمملكة، مقيما ما يحدث اليوم من تغيرات بقوله: هذا الحراك كله، وتلك الجهود جميعها – مهما عظمت ومهما أنجزت- فإنها تبقى عرضة للرياح، والتقلبات، والانتكاس؛ لأنها لا تستند إلى هوية واضحة، وفكر راسخ، وأسس قانونية متينة، وسياسات عامة واضحة ومعتمدة.

الدكتور أحمد العيسى، كاتب وباحث، عمل مديراً لجامعة اليمامة الأهلية سابقا، وعضواً في عدد من الهيئات ومجالس التعليم المحلية والدولية، وصدر له “التعليم في المملكة العربية السعودية: سياساته، نظمه، استشراف مستقبله” و”إصلاح التعليم في المملكة العربية السعودية”.

“التعليم العالي في السعودية: رحلة البحث عن هوية” صدر عن دار الساقي، ويقع في 188 صفحة من القطع الكبير.

 

صحيفة الرياض – 25 نوفمبر 2010م

د.محمد عابد الجابري يفند أمية الرسول عليه السلام ويماهي بين قصص الأنبياء والسيرة!

 يعد المفكر محمد عابد الجابري من أبرز من كتب عن التراث الإسلامي، بل يُنظر لأعماله على أنها الأكثر تأثيراً في أحايين كثيرة، من خلال مناقشته للتراث والتعاطي معه وفق أدوات نقدية حديثة، بعيداً عن الهاجس الأيديولوجي، ومس قداسة النص القرآني، وكذلك بعيداً عن الدعوة لإقصاء الشريعة الإسلامية وتبني فصل الدين عن الحياة، كما يعلن هذا جلياً في كتابه “الدين والدولة وتطبيق الشريعة”.

لكن الملفت دائماً في ما يكتب الجابري، وعلى امتداد مشروعة من كتابة “نحن والتراث” وخاصة في عمله الرئيسي “نقد العقل العربي” المؤلف من أربعة كتب “تكوين العقل العربي، بنية العقل العربي، العقل السياسي العربي، العقل الأخلاقي العربي” إلى ما قبل “مدخل إلى القرآن الكريم” أنه لا يتحدث عن النص القرآني المؤسس للتراث، بل كان على امتداد ما يكتب يؤكد على أن عمله على ضفاف هذا النص، وهذا ما جعل الكثير من التساؤلات تُطرح حول مشروع الجابري النقدي، لماذا لم يتحدث الجابري عن النص المؤسس لهذا التراث؟

نجد الإجابة في كتب الجابري السابقة بشكل عابر، حيث يتحدث عن اعتباره منطقة النص منطقة مختلفة عن التراث، لكن هذا المبدأ لم يكن مقنعاً للبعض لشعورهم أنه نابع من مناورة أيديولوجية لا لأسباب معرفية، ليأتي الجابري في مشروعه الأخير المكون من جزأين “مدخل إلى القرآن الكريم” والذي نشر منه الجزء الأول “في التعريف بالقرآن” وسينشر لاحقاً الجزء الثاني تحت عنوان “موضوعات في القرآن” ليؤكد قدسية النص في خطه الفكري والنقدي، واعتبار منطقة القرآن منطقة مختلفة عن التراث ومتعالية عليه، لكون القرآن نصا مطلقا ووحيا إلهيا.

لذا يؤكد الجابري في مقدمة كتابه على أنه لن يأتي بجديد في علوم القرآن، بقدر ما أنه سيحرص على إعادة دراسة الأسئلة القديمة وما دار حولها في الكتب التراثية التي اختصت بعلوم القرآن، وما يترتب على هذه الدراسة من طرح لتساؤلات أخرى معاصرة، الهدف منها كما يقول الجابري: “جعل المقروء معاصراً لنفسه ومعاصراً لنا” ومن هنا يؤكد على أهمية كون القرآن “يشرح بعضه بعضا” دون إقصاء المرويات المأثورة التي تُعتمد في التفاسير عادة.

ينقسم “في التعريف بالقرآن” إلى ثلاثة أقسام: “قراءات في محيط القرآن” و”مسار الكون والتكوين” و”القصص في القرآن”، حيث يناقش في القسم الأول، وحدة الأصل في الديانات السماوية، في الحديث عن ارتباط القرآن بغيره من الكتب المنزلة، والحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام في التوراة والإنجيل، والإشارة إلى النصارى المخاطبين بالنص القرآني “الآريوسيون”، ثم الإشارة إلى عقيدة الحنفاء ووجودهم في جزيرة العرب.

ثم يتحدث عن الفضاءات الخارجية، وعلاقة الدعوة المحمدية بالحضارات والأديان القائمة من حولها، ويناقش كذلك إحدى المسائل الهامة، وهي مسألة المقصود “بالنبي الأمي” حيث يرجح الجابري من خلال بحثه في كتب التراث ومعاني الآيات القرآنية أن المقصود بالأمة الأمية ونبي الأميين عدم امتلاكهم لكتاب سماوي، لا عدم الإلمام بالقراءة والكتابة كما هو دارج، حيث يسمي اليهود غيرهم من الأمم “الأميين” لاعتقادهم أن الكتب السماوية والنبوات مختصة بهم “بني إسرائيل” ولا تخرج عن دائرتهم، حيث كانوا بانتظار الرسول منهم وفي امتداد تاريخهم وعلى أساس موروثهم الديني والكتب السماوية التي يملكون، لا أن يخرج النبي في العرب “الأميين” الذين لم يعرفوا الكتب السماوية من قبل محمد عليه الصلاة والسلام، والذي لا تمثل نبوته امتدادا للنبوات في بني إسرائيل كما يتوقعون، ولذلك جاءت التسمية “الرسول الأمي” و”نبي الأميين” تبعاً لنظرة اليهود لهذه الأمة.

ويختم الجابري القسم الأول بالحديث عن الوحي ومفهومة، ثم سرد بعض الأفكار حول إثبات حقيقة النبوة من خلال دراسة مختلف رؤى أهل السنة، والفرق الكلامية، والشيعة والمتصوفة والفلاسفة.

أما في القسم الثاني “مسار الكون والتكوين” فهو يتحدث بشكل مباشر عن القرآن، تسميته وأسمائه المختلفة ” الذكر، الحديث، الفرقان، الكتاب ..” وعن الأحرف والقراءات المتعددة، ويؤكد في هذا السياق عدم إمكانية ترجمته للغات أخرى، بل كل ما نستطيعه هو نقل بعض معانيه، ومن ثم تحدث عن إعجاز القرآن وفصل الحديث حول ترتيب المصحف وعن سقوط بعض آياته، حيث يناقش المسألة من خلال أقوال المفسرين والمؤرخين، ويكاد ألا يضيف شيئا ذا بال في هذا الإطار على ما جاء في كتب علوم القرآن.

أما في القسم الأخير “القصص في القرآن” فينطلق فيه من فكرة مفادها أن “الغرض من المثل والقصص في القرآن غرض واحد” أي أن الهدف من قصص القرآن ضرب الأمثال واستخلاص العبر لا سرد التفاصيل التاريخية، ومن هنا لا يُستخلص من القصص حقائق تاريخية، لأن هذا مجال غير مجالها، مع أن هذه القصص ليست خيالية ومختلقة كما يذهب البعض، بل حقيقية وتتحدث عن وقائع تاريخية تدخل ضمن معهود العرب، لكنها ذكرت للعظة والعبرة.

ثم ينطلق الجابري في دراسته القصص، بناء على ترتيب نزولها، بحيث تأخذ الدراسة مساراً متماهياً مع أحداث الدعوة، بحيث تقارب القصة من خلال سبب نزولها، موقفاً يمر به الرسول عليه الصلاة والسلام، ويتحدث عن المشترك بين القصة والحالة أو الموقف.

وأخيراً وبعد الحديث عن القصص القرآنية في هذا القسم، والذي يأخذ الحيز الأكبر مما كتب، يختتم الجابري كتابه بالحديث عن العلاقة “الحميمية” بين القرآن والرسول عليه الصلاة والسلام، بين الوحي الإلهي والرسول المبلغ، لتعتبر بمثابة خاتمة للجزء الأول تمهيد للجزء الثاني من الكتاب، والذي ينوي الجابري الحديث فيه عن “موضوعات في القرآن” كما ذكر.

“مدخل إلى القرآن الكريم/ الجزء الأول: في التعريف بالقرآن” صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى سنة 2006م، ويقع في 456صفحة من القطاع الكبير.

 

صحيفة الرياض – 23 يناير 2008م

“سيجيء الموت .. وستكون له عيناكِ” لجمانة حداد.. رعشة الشعر انتحاراً!

 منذ اللحظة الأولى، لا يمكن أن تنزع عنك رهبة الموت وجبروته، وربما مراوغته، أمامك تجربة مختلفة تحاول مقاربتها، قد تتعمدها بعد أن وُلدت، القراءة لشعراء انتحاريون.

لم يكن الكتاب فقط كما كتب نقش عليه “كتاب أنطولوجي مستفز وعدواني بسبب هويته الانتحارية” بل كان أكثر من ذلك بكثير، حمل شيئاً من هيبة لهذا الموت المرتكب، هيبة انعكست على كل نص وعلى كل صورة، وعلى كل اسم نقش في عداد الشعراء المنتحرين، هؤلاء اختاروا الاستقالة من الحياة، وذهبوا فرادى يجرجرون الخطى نحو شيء مختلف، هذا الهاجس يتملك القارئ من البداية، ويجعله يعيش رعشته.

لم تعد الشاعرة والمترجمة جمانة حداد قائمة اعتباطية بشعرائنا، ولم تجنح للعشوائية في نثر رائحتهم، رائحة الموت الذي عاشوا، بل فتشت عن هذا الموت، بحثته عن تفاصيله، وجاءت بالكثير عنه، لذا يتجاوز الكتاب العمل البيوجرافي التوثيقي، ليكون بحثاً أعمق في هوية الكلمات الانتحارية، فجاء الكتاب محملاً ببعض التفاصيل عن حياة هؤلاء الشعراء -حسب توفرها- وأبراج مولدهم، وأبرز المحطات المفصلية في حياتهم، وشيء من إحباطاتهم، كما أضيفت ترجمة لبعض نصوصهم، قامت الشاعرة بترجمتها وانتقائها خصيصاً للكتاب من عدة لغات، مما يعني نكهة أخرى مركزة لكل نص، نكهة لنصوص هؤلاء كما صاغتها الشاعرة، المترجمة التي تشربت هذا الهاجس، فهنا لا تكتفي بتأمل الموت، بل تقتحمه من بوابة الشعر أو الروح، كما أرادت لك الكاتبة.

جاء اختيار هؤلاء أولاً وآخراً لأنهم شعراء، ولأنهم انتحروا، ولأن القرن العشرين كان لحظة موتهم، فجاءوا من جنسيات وأعراق وثقافات وأديان وطبقات اجتماعية مختلفة ومتباينة، فرقهم امتداد الأرض، ووحد بينهم الشعر والموت ولحظته، أو كما كتبت المؤلفة ” نعم. مئة وخمسون، في القرن العشرين، انتحروا. مئة وخمسون شاعراً وشاعرة، من ثمانية وأربعين بلداً، من جهات الأرض الأربع، احتقروا، بعشرين لغة مختلفة، وباثنتي عشرة طريقة مختلفة، هذه الحياة الإنتحارية”.

على مدى أربع سنوات خاضت جمانة حداد في الانتحار، حفرت القبور، وفتشت التوابيت، وعاشت لحظاتهم المضطربة، لتخلق نصها الخاص، وهاجسها الخاص، الهاجس الذي – ربما – ولد عندها عند تلك الصبية التي رأت انتحار جدتها سنة 1976م ” لأن ابنة السنوات الخمس التي لم تنس، رغم غبش المسافة، مشهد جدتها المنتحرة المسجاة على الأرض”.

قسمت جمانة حداد الانطولوجيا إلى ثلاث أقسام، الأول اختارت الشعراء الأهم، والأكثر غزارة في نصوص مما أعطاها حرية أكبر في انتقائية الأعمال الشعرية التي ترجمتها، وكله بناء على مزاج شخصي لشاعرة ومترجمة، وبنفس الوقت ذائقة نقدية، تمازجت للاختيار، وفي القسم الثاني جاءت الاقتباسات مصغرة والترجمة موجزة، أما القسم الثالث فجاء بظلال للشعراء المنتحرين.

في آخر المدخل، تحدثت عن هواجس الترجمة الشعرية، أن تكون شاعراً وتترجم نصاً شعرياً، خاضت في هذه الثنائية في “استطراد” حول ” تأملات لمترجمة شغوف … وشاعرة!”.

عنوان الكتاب جاء ليحمل عنوان قصيدة الشاعر الإيطالي “تشيزاري بافيز” المولود عام 1908م والمنتحر عام 1950م.

” سيجيء الموت وستكون له عيناكِ

هذا الموت الذي يرافقنا

من الصباح إلى المساء،

أرقاً، وأصم،

كحسرة عتيقة

أو رذيلة بلا جدوى

ستكون عيناك حينئذ

كلمة قيلت سدى،

صرخة مكتومة، صمتاً ستكونان،

مثلما تتراءيان لكِ كل صباح

حين تنحنين على ذاتكِ في

المرآة…”

المترجمة والشاعرة اللبنانية جمانة حداد، صدر لها خمسة دواوين شعر، آخرها كان “النمرة المخبوءة عند مسقط الكتفين” 2007م، وثلاث ترجمات أبرزها ترجمة لانطولوجيا الأدب اللبناني إلى اللغة الأسبانية، كما أصدرت مجموعة حوارات أدبية بعنوان ” صحبة لصوص النار”، كما ترجم لها عدة دواوين للأسبانية والألمانية والإنجليزية.

” سيجيء الموت وستكون له عيناكِ” من إصدارات الدار العربية للعلوم- ناشرون، ودار النهار، اللبنانيتين، الطبعة الأولى سنة 2007م ويقع في 654صفحة من القطع الكبير.

 

صحيفة الرياض – 31 أكتوبر 2007م

“هذه ليست سيرة” لحازم صاغية

 اسم الكتاب: هذه ليست سيرة

المؤلف: الكاتب اللبناني حازم صاغية

الناشر: دار الساقي

عدد صفحات الكتاب: 110صفحات من القطع الكبير

سنة الطباعة: الطبعة الأولى، 2007م

ربما كانت كتابة السيرة الذاتية من أكثر الأمور تعقيداً وتداخلاً في عالمنا العربي، مما جعل الكثير من الكتاب يهربون من كتابة سيرهم الذاتية، أو يلجؤون للتمويه عبر الكتابة الروائية، مما خلق تياراً للروايات الذاتية، إما أن تكون الشخصية الروائية هي شخصية الكاتب بشكل كامل وواضح كرواية “الخبز الحافي” للكاتب المغربي محمد شكري، أو تحمل شذرات من شخصية الكاتب أو تحولات جيله، كثلاثية الروائي تركي الحمد “العدامة – الشميسي – الكراديب” أو أن تساق بلا تصنيف من كاتبها كما فعل عبد الله ثابت مع حياة زاهي الجبالي في “الإرهابي 20” وإن صنفت من قبل دار النشر على أنها رواية، وصنفت من قبل المتابعين على أنها سيرة ذاتية، كل هذا جعل الكُتاب يقعون في مأزق النظرة المتباينة تجاه ما كتبوا، بين ما هو حقيقي فيه وينتمي لجنس السيرة الذاتية وما هو تخييل ينتمي للرواية. ربما كان هذه المأزق هو الذي دفع حازم صاغية لتبرير العمل في مقدمته، أن يسرد الأسباب التي تسوقه لنفي السيرة الذاتية عن عمله، فهو يؤرخ لتحولات سياسية وما ارتبط بها، وكتب ليعبر عن الأنا الممقوتة في العالم العربي، وليوثق تحولات سياسية عاشها هي أقرب للواقعية السحرية كما يعبر، بما ارتبط بها من ميثولوجيا وخرافات وفلكلور سياسي عاشه الكاتب، كما أنه يبرر كتابته برغبته بأن يعرفه القارئ، ليتعرف على حازم صاغية الذي “ابتلي” الجمهور العربي بمقالاته بشكل يومي كما يقول. لماذا لم تكن سيرة؟ هناك المزيد أيضاً، فهو لم يتم الأربعين بعد وحياته عامرة بتقلبات لم تنته، فهو مزاجي ومتقلب كما يؤكد ويتضح من خلال هذه اللا سيرة التي اقتبس عنوانها كما أشار من عبارة الفنان البلجيكي رينيه ماغريت “هذا ليس غليوناً”. في البداية يقفز قلق الهوية، وكأن قُدر على العربي أن يكون مريضاً بالهوية لأي مهما كان انتماؤه الطائفي أو الديني، في “لاهوت جدتي وناسوتها” يظهر هذا القلق بشكل صارخ، يتحدث الكاتب عن التباين في تشكيل وعي جدته بالهوية، فهي مسيحية ببعض العادات وبعض الطقوس الدينية الدنيا كما وصفها، لكنها مسلمة وعربية في وعيها الأعلى بالهوية، يتحدث عن اعتزاز الجدة بالشخصيات الإسلامية وكيف سمت بكرها خالد على اسم خالد بن الوليد رغماً عن جده، وهو الاسم غير المألوف عند الروم الأرثوذكس في لبنان ولم تسمه أنطوان أو إلياس كما هو دارج هناك. هنا لا يتحدث حازم صاغية عن جدته، أو عن نفسه حتى وتشكل قلقه الوجودي، هنا يسوق الحديث بشكل مجمل عن الإشكاليات التي يعيشها الإنسان حين يولد ابناً لطائفة، لا مجال ساعتها للتفكير، فأنت ترث كل شيء مع وجودك، ترث الطائفة وانتماءها الديني والسياسي وتوجهاتها الفكرية، يتحدث بشكل يكاد أن يبرر كل ما سيأتي فيما بعد من التحولات الفكرية والسياسية التي عاشها والتي واكبت الأحداث الضخمة في التاريخ العربي الحديث. فمن “أبطال عهدي القديم” والأسطرة التي كان يعيشها مع صوت العرب والتجاذبات السياسية في ذلك الوقت بين الأحزاب القومية والصراعات على جمال عبدالناصر، ثم يسرد تقلباته السياسية، ومن العبارات الإنشائية التي يسوقها خلال حديثه من خطابات ميشيل عفلق وسليمان العيسى والتي كانت كفيلة باتهامه بنشر “الجرثومة البعثية” من قبل مدير مدرسة “الروضة” الثانوية، ثم ترقب الحزب الناصري وتلهفهم لمعرفة ما إن كان صاغية قد آمن بانسداد الأفق البعثي وأصبح ناصري الهوى، خاصة مع استلهامه شخصية البطل المخلّص، وحتى الحزب القومي السوري، والذي وصف انتماءه إليه بالعار، ثم الدخول في الدوائر الشيوعية، وكما قال حازم صاغية ابتداءً في المقدمة، إنها حياة حافلة بالتقلبات والأمزجة والأهواء التي لن تنتهي. أكثر ما يلفت النظر فيما كتب صاغية، تلك الحالة التي تكاد أن تكون حتمية في تناول العرب للأفكار المتنوعة من حولهم، وفي لبنان بصورة خاصة، لكونها منطقة مشتعلة ونشطة، ودائرة استقطابات ثقافية وفكرية عنيفة، في هذه الحالة من التجاذبات السياسية والقلق الوجودي والفكري المرتكز على الهوية، كانت التحولات الفكرية حتمية، من زخم الأفكار البعثية مروراً بالجنة الناصرية، ثم تتالي الخيبات مع المشروع الشيوعي، وربما هذه الدائرة مستمرة إلى اليوم بحتميتها وصراعاتها بأسماء وألوان أخرى، خاصة مع “مأزق الفرد في الشرق الأوسط” كما في كتاب آخر لصاغية عن الفردانية في تلك البقعة من الأرض.

 

صحيفة الرياض  – 15 ديسمبر 2007م

جداريات بيروتية ولوحات قاهرية لنواف القديمي..يوميات سياسيّة مختلفة لصحفي سعودي

من ساحة رياض الصلح ببيروت التي تغطيها خيم اعتصام المعارضة اللبنانية، إلى ميدان طلعت حرب التاريخي في وسط القاهرة، كانت هذه اليوميات التي دوّنها الكاتب والصحافي نواف القديمي خلال زياراته المتكررة إلى مصر ولبنان، يقارب فيها المكان، ويتحاور مع بعض المثقفين والحزبيين الذين التقى بهم، ويشارك في بعض المظاهرات السياسية، ويسرد تفاصيل بعض سجالاته الفكرية التي خاضها مع أطياف فكرية وسياسية متعددة، يشاركه عدد من رفاقه في بعض تلك المشاهد.

فبين ليلة “مع التيار العوني .. سجال في خيم الاعتصام” نُبشت فيها المواقف المتحولة للتيار الوطني الحر في لبنان والتقلّبات الحادة للعماد ميشيل عون عبر حوار مع بعض قادة التيار، مروراً ب “أهتف مع 14آذار : الله مع السنيّة” التي ما فتئت تتردد في ساحة الشهداء في الحشد الكبير الذي تجمع بمناسبة الذكرى الثانية لاغتيال الحريري، و”أهتف مع حزب الله: هيهات منّا الذلة” التي هتف بها أنصار حزب الله في حشد الضاحية الجنوبيّة بمناسبة مرور عام على حرب تمّوز أو “النصر الإلهي” كما يسمّيه الحزب، والدخول في سجالات حول مواقف الحزب السياسية مع الدكتور حسين رحال مسؤول العلاقات الإعلامية في حزب الله، و”مع حزب التحرير .. أرى الخلافة تلوح من وراء الدخان” حين حضر مؤتمراً لحزب التحرير في بيروت يضج بهتافات الخلافة تبعه حوار ساخن مع بعض قادة الحزب، حتى الحديث الساخر مع د.رفعت السعيد رئيس حزب التجمع اليساري في مصر عن جماعة الأخوان المسلمين، والدردشة حول الحركات الإسلامية مع وكيل مؤسسي حزب الوسط المهندس أبو العلا ماضي، و”إجراءات أمنيّة وتمويه حركي قبل لقاء شباب الإخوان”. وبين هذا وذاك تطل الكثير من التفاصيل، المذهلة أحياناً كما في دخول القديمي إلى مخيم عين الحلوة رغم رفض الجيش اللبناني لدخوله، ومن ثم خروجه “مُهرَّباً” من المخيم بعد أن اكتشف الجيش أنه دخل دون إذن، والملفتة كما في حديثه عن خطوط التماس زمن الحرب الأهلية اللبنانية، وعن تقاسيم بيروت في تلك الحرب الطائفيّة، وزيارته لمعتقل الخيام حيث سطوة آلة التعذيب الإسرائيلية للمقاومين اللبنانيين والفلسطينيين، إضافة لعدد من اللقطات الممتعة التي تدور في ثنايا هذه الرحلات، من مثل “كوميديا يومية اسمها سيارات الأجرة”، و”أحاديث السياسة في مقاهي القاهرة القديمة”، و”زعيم حزب سياسي يطلب مني العمل في الرياض!!”، وما يدور من فعاليات سياسية بعد صلاة الجمعة في الأزهر، وتفاصيل معرض الكتاب الدولي في القاهرة وما يشهده من نشاطات ثقافيّة .

الكثير من التفاصيل الدقيقة عن بيروت والخارطة السياسية اللبنانية “لغير الناطقين بها” كما يعبر القديمي في مقدمته، والكثير عن أزقة القاهرة وحديث الأصدقاء، حيث بدت القاهرة مدينة أكثر حميمية ولا تحمل دهشة الاكتشاف للقديمي كما هي بيروت.

للأصدقاء حضور طفيف في هذه اليوميات، فالمركزية كانت سياسية وفكرية، وتقاطيع المكان جاءت سلسة دون تكلف، فالكتاب يجمع بين المعلومات المحضة، كالحديث عن الطوائف اللبنانية وربطها بجغرافيا الدولة، والجانب الفكري كالمناقشات والسجالات التي دارت حول الفكر الإسلامي تارة، والتعقيدات السياسية تارة أخرى.

أما الشخصيات التي جاءت في الكتاب، فأغلبها معروف في الساحة الثقافية العربية، وله حضور إعلامي كالدكتور حسين رحال من حزب الله اللبناني، والمُعلّق السياسي عقاب صقر من تيار 14آذار، وألن عون ابن أخ العماد ميشيل عون وأحد قيادات التيار الوطني الحر، والدكتور رفعت السعيد رئيس حزب التجمع المصري، وأبو العلا ماضي وكيل مؤسسي حزب الوسط، وعصام العريان وعبدالمنعم أبوالفتوح من الإخوان المسلمين، والدكتور جمال عبد الجوّاد أحد خبراء مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجيّة، وسواهم، وأخرى جرى الحديث عنها، كما النقاش حول بعض أفكار الدكتور عبد الوهاب المسيري، والحديث عن التاريخ السياسي للرئيس رفيق الحريري، وتأتي شخصيات ثالثة، وهم الأصدقاء الذين رافقوا القديمي في رحلاته، وأضفوا – رغم حضورهم المحدود – جوّاً من المرح والحميميّة أضافت نكهة مختلفة لهذه اليوميات، كسليمان وأحمد والشيخ فيصل، وبالتأكيد يوسف، الشخصية التي تكرر الحديث عن روحها المرحة ومواقفها الساخرة.

الطبعة الأولى من “جداريّات بيروتيّة ولوحات قاهريّة: يوميات صحفي في أزمنة التحول” صدرت عن دار وهج الحياة للإعلام عام 2008وهو الكتاب الثالث والمختلف لنواف القديمي، الذي يدير مؤسسة وهج الحياة للإعلام حالياً، والذي عمل محرراً لموضوعات الفكر الإسلامي في صحيفة الشرق الأوسط بالفترة ما بين 2003م و2005م، حيث سبق له أن أصدر كتابين في إطار مغاير، كان الأول “محاورات: الإسلاميون وأسئلة النهضة المعاقة” عبارة عن مجموعة حوارات فكرية صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في 2006م، والثاني هو “الإسلاميون: سجال الهوية والنهضة” وهو عبارة عن مجموعة ملفات صحفية حول الفكر الإسلامي صدرت عن المركز الثقافي العربي في 2008م.

 

صحيفة الرياض – 7 يناير 2008م