عن كتاب “الحكمة العربية”

في بداية هذا السفر، ينثر الكاتب ما قيل في فضل الحكمة ومعناها، ويورد ما يؤكد فضل العرب في هذا المجال، وخوضهم لهذا الحيز، حيث يذكر أحاديث العرب في الحكمة على شكل مقتطفات، وأحاديث غير العرب في فضل ومكانة الحكمة العربية، وينقل تذمر الشاعر الإيطالي بترارك إذ قال: لقد جارينا اليونان غالباً وتجاوزناهم أحياناً، وبذلك جارينا وتجاوزنا أغلبية الأمم، وتقولون إننا لا نستطيع الوصول إلى شأو العرب! يا للجنون! ويا للخبل! بل يا لعبقرية إيطاليا الغافية أو المنطفية!.

يعرض الكاتب في مقدمته، الاعتراضات على فكرة كتابه، والتي سردت بلغة هي أقرب للغة الكتب التراثية، حيث يحدثه صديقه الأجنبي بقوله إن العرب أمة “حمق” وليست أمة حكمة، فالأولى أن يكتب كتاب “الحمقة العربية” لا الحكمة، ويؤكد صديقه الآخر “العربي” أن العرب أمة “حماسة” وخطابة لا أمة حكمة، فالباحث عن الحكمة باحث عما يعز وجوده، ثم يأتي الاعتراض الثالث، أن ما يفعله الكاتب ما هو إلا تهافت على التراث، لا قيمة له، يجعل تشبيه طه حسين للمتهافتين على التراث بأنهم “كتب قديمة متحركة أو قطع من كتب وصل بعضها ببعض” يحمل شيئاً من منطقية، وبعد أن سرد الكاتب اعتراضات المعترضين الوهميين، فصل في الإجابة عليهم، بالتأكيد على أن زمان التفاضل الخطابي، والقول بأن العجم خير الناس، ثم يأتي قائل العرب ليؤلف في فضل الأعاريب على الأعاجم قد ولى، ثم يفصل الكاتب في حب العرب للكتابة والكتاب، وتفننهم في الخط، كتمهيد لحبهم للحكمة، ومدخل لكتابها، ثم يتحدث عن فضل الكتب لحد أن الشيخ علاء الدين السمرقندي زوجه ابنته “الفقية” لأبو بكر الكاساني، لأنه شرح كتابه “التحفة” وسماه كتاب “البدائع” فقالوا: شرح تحفته وزوجه ابنته.

ثم يتحدث الكاتب عن فضل الحكيمات العربيات واللواتي ضاهين الغربيات، ولكن ما حدث للغرب حين أهمل الحكيمات الفيثاغوريات والأفلاطونيات، حدث للحكيمات العربيات، من إهمال لكتابه سيرهن وتدوينها، وعدم التأليف فيها وإخراجها للناس، ثم يكتب: ومثلما علمت ديوتما الحكيم أفلاطون معنى “الحب الدنيوي” في محاورة “المأدبة” فنسبت النظرية إليه ونُسيت المعلمة، كذلك علمت رابعة العدوية الجنيد معنى “الحب الإلهي” فكان ما كان.

ثم يتحدث عن أثر الثقافة العربية في البلدان التي فتحوها، وما في الثقافة العربية من “مواقف معيشة إنسانية سامية” على حد قول الكاتب، كالوفاء للزوجة، ومحبة الأبناء والأصدقاء، والعطف على الفقراء، وغيرها من الصفات الإنسانية.

ثم يقول المؤلف، أنه لم يُرد في سرده هذا أن يعدد فضائل العرب ويشمت بغيرهم، بل كان غرضه “أن أبدي ما أخفته عوادي الزمن التي طرأت…. لئن بقت بعض أمم العالم المتحضر اليوم تحترم العرب فما ذلك – مع الأسف- بسبب حاضرهم، إنما لماضيهم”.

ثم يتحدث الكاتب عن محاولة عولمة التراث، كما فعل المفكرون اليهود حين عولموا تراثهم فأصبح تراثاً للبشرية، بحيث أصبحت مواضيع ك”الهوية، التسامح، الاختلاف، الذاكرة، المنفى، التيه، العنف، الكتابة..الخ” ذات نبوع يهودية، فيقول: لا أجد هذا عيباً. وهنا يحاول الكاتب أن يقوم بذات العملية على التراث العربي، وهذا ما كتبه في العنوان الفرعي للكتاب “دليل التراث العربي إلى العالمية” وهذا ما توحي به الكتب التي جمعها، حيث يقسم الكتاب إلى مجموعة من الكتب تبحث في المفاهيم الإنسانية من خلال التراث العربي، وهذه الكتب جاءت كالتالي: الإنسان، الغير، الصداقة، الغربة، الانفراد، الحرفية، الحيرة، الحواس، القراءة، الكتابة، الترجمة، الشهرة، الموت.كمحاولة من الكاتب لعولمة هذه المفاهيم انطلاقاً من التراث العربي.

يقع الكتاب في 622صفحة من القطع الكبير، وصدرت الطبعة الأولى سنة 2008م عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر.

 

صجيفة الرياض – 9 يوليو 2009

سمك “المسقوف” وركوب “البلم” في كتاب “أيام عراقية”

    من أيام سمك “المسقوف” و”البلم:قارب نهري”، ومن حكاية الزوج الضائع الذي ضحى بحفل زفافه من أجل سهرة على شاطئ “كاظمية” بغداد مع الأصدقاء، وحين عاد بعد أن تفرق المدعوون قال لحماته بلهجة عراقية محببة “ويعني شنو؟ تريدوني افوت اكلة المسقوف على مود بنتكم؟!” تبدأ الأيام العراقية التي سردها الكاتب العراقي خالد القشطيني بلغة سردية بسيطة ومترابطة في آخر إصداراته، ممتزجة بعبارات من اللهجة العراقية المحكية. تضم هذه الأيام حياة العراق وتاريخه، تفاصيل حياة الناس وهمومهم ونكاتهم وتطلعاتهم، تضم التاريخ الاجتماعي المسكوت عنه والمهمل الذي فتش القشطيني في زواياه عن ما هو ملفت ويستحق التدوين والاهتمام، عن حكايا السهرات البغدادية على نهر دجلة، وانقسام الناس بين “مدشدشين ومبنطلين” أي بين من يلبس الثياب وبين من يلبس البنطلونات، حيث “الوزير المدشدش” الذي قابله “أفندي: من يلبس البنطال” في إحدى مقصورات الدرجة الأولى لقطار بغداد – البصرة، وبعد كمية من الشتائم للدولة والحكومة يفاجئ هذا “الأفندي” بأن لابس “الدشداشة” ما هو إلا وزير المالية آنذاك الحاج عبدالرحمن شلاش! في منظر غير معتاد لوزير “مدشدش”.

القشطيني في أيامه العراقية، ينحاز للإنسان، يفتش عن النقاط المشتركة بين البشر، عن الملك فيصل ونوري السعيد وهم يخوضون رحلة نهرية بأحد “أبلام” دجلة مع “دعبول”، والشيخ محمد باقر الشبيبي الذي بث همومه برسائل إلى الأب انستاس ماري الكرملي، من رهبان الديانة المسيحية في بغداد، والذي تعلم على يديه اللغة الفرنسية، لتجد في هذه الأيام ساكن الريف وساكن المدينة، المتعلم والجاهل، والعربي والكردي، والمسلم والمسيحي واليهودي، السيد نوري ثابت “السني” الذي درس في المدرسة الجعفرية، والمدرسين النصارى الذي كانوا كما يقول القشطيني: نصارى يعلمون مسلمي العراق دينهم. لتجد الفسيفساء العراقية بكل ألوانها وتجلياتها وعبق تاريخها تتعايش جنباً إلى جنب، في صرخة هادئة من القشطيني لاستدراك هذا العراق ولو على سبيل القلم.

ضم كتاب القشطيني قرابة الواحد والستين عنواناً داخلياً، منها على سبيل المثال: بين الريف والمدينة، درس من الموتى، حبزبوز والمثقف العربي، أيام الكهرباء، أيام الهوزوز، سودنوني هالنصارى، دعبول والملك فيصل، حكومة بالمناقصة، أدب الحمامات، الشاعر والخدود الحمر، أيام مقهى الزهاوي، قصر الرحاب وقصر النهاية، الضوضاء علامة الغباء، أستاذي الملا حسين، سمراء من قوم عيسى، الكعكة والعركة، أيام اللمبجي، عصرنا الذهبي، أيام السعيد، أيام الرصافي، العراق في انتقاله، الرصافي في فقره، خذو الحكمة من شيخ العرب.

خالد القشطيني كاتب عراقي درس القانون وفن الرسم في بغداد والفن والمسرح في لندن، يكتب في صحيفة الشرق الأوسط، ومن مؤلفاته المجموعة القصصية “من شارع الرشيد إلى أكسفورد” و”على ضفاف بابل” وهي رواية صدرت مؤخراً عن دار الكوكب، وكتاب “السخرية في السياسة العربية”، كما له العديد من الكتابات المنوعة المنشورة باللغة العربية حول فلسطين والصهيونية واللاعنف، وله بعض المسرحيات باللغة الإنجليزية. “أيام عراقية” من إصدارات المجلس العراقي للثقافة، الطبعة الأولى 2008م، وتوزيع الدار العربية للعلوم ناشرون، ويقع في 191صفحة من القطع المتوسط.

 

صحيفة الرياض – 9 أكتوبر 2008م

 

عن كتاب أرمسترونغ “تاريخ الأسطورة ”


    الجزم بنهاية الأسطورة في مخيال الشعوب أمر يقارب المستحيل، والقول بأن الشعوب تجنح للأسطورة من أجل فهم ما لا يستطيعون تفسيره، شيء لا يمكن الركون إليه، وكذلك القول بأن الرواية والفيلم السينمائي واللوحة التشكيلية بديل عن “الميثولوجيا”، هنا تكمن أهمية ملاحظة الباحثة البريطانية كارين أرمسترونغ (مؤرخة وباحثة بريطانية في الأديان وأنظمة الاعتقاد في العالم) عن كون “الأسطورة صحيحة، لأنها مؤثرة، لا لأنها تزودنا بمعلومات عن حقائق” ومن هنا كانت الأشجار والأحجار تقدس لاعتقاد الإنسان بكونها “تجليات لقوة خفية يمكن رؤية حضورها المؤثر في كل ظواهر الطبيعة، ولأنها تحقق الألفة بين الناس وتوفر لهم واقعاً أكثر فاعلية”.

في كتاب “تاريخ الأسطورة” لا يتم التعامل مع الميثولوجيا كفكرة مجردة يُبحث في معانيها ودلالتها، بل هذا الحيز لا يغدو أن يكون الجزء المضمر أو المضمن في العمل ككل، فالكتاب يتتبع الأسطورة وتطورها عبر التاريخ الإنساني بشكل دقيق ومحدد لا بكونها فكرة فلسفية مجردة، بل واقعاً معاشاً، عبر تقسيم تاريخ الأسطورة إلى خمس مراحل: ميثولوجيا الصيادين، ميثولوجيا المزارعين، الحضارات الأولى، العصر المحوري، ما بعد العصر المحوري، التحول الغربي الكبير.

 

 

 

حيث تتبع المؤلفة التغير في الميثولوجيا عبر أطوار الحياة المختلفة “المجتمعات الرعوية، المجتمعات الزراعية، المجتمعات المتمدنة” وأنماط الأساطير في هذه التجمعات البشرية ما قبل الحضارية، وبنية الأساطير الدارجة وتأويل وجودها وصراعها فيما بينها – كما في الصراع بين الأسطورة اليهودية والأساطير البابلية السابقة لها حول بداية الخلق- وكيفية ارتباط الأسطورة مع الوعي بالموت والفناء، في محاولة لاستغلالها من أجل فرض قيمة ومعنى على الكون، حيث تلازمت الأساطير مع الطقوس من أجل خلق نشوة روحية للكائن البشري الذي يفتقد “جنته المفقودة (عصره الذهبي) الآباء المؤسسون والحياة المثالية” تلك الملازمة لوجوده القديم، من هنا ارتبطت الأسطورة بطقوس التكريس وخلق التحول لدى الإنسان من مرحلة إلى مرحلة أخرى في مجتمعات الصيادين، من مرحلة الطفولة إلى الرجولة، عبر خوض تجربة ومعاناة شديدة التأثير تفرض على الإنسان قبول حتمية الموت والفناء من أجل حياة البقية، كما ارتبطت برؤية الإنسان للحيوانات من حوله وأرواحها والاعتقادات التي ارتبطت بها، رؤيتها كحيوانات حكيمة وكاملة، وربما تحمل جزء من أرواح الأجداد الأقوياء، مما جعل الأسطورة تشارك في تطهير الإنسان من ذنب اصطيادها وقتلها، بل للأسطورة دورها السياسي كذلك، كما أسطورة “شاين” الصينية التي ساهمت في إنهاء حكم سلالة “شانغ” وتأسيس دولة “زاو” حين ادعت عائلة “زاو” أن الإله غضب من آخر ملوك “شانغ” وجرده من تفويض حكم البشر في نهر “واي”.

ثم جاءت الأسطورة في خضم الصراع بين النظام والفوضى في بداية تشكل الحضارات الأولى في الصين والهند وكريت وبلاد ما بين النهرين، حيث تم إضفاء شكل من الأسطرة على بناء المدن كطريقة ومكان للاتصال بالآلهة في الديانات الوثنية، وبهذا السياق تشير الكاتبة إلى أن “الميثولوجيا تزدهر غالباً من توتر أو قلق عميق حول مشاكل عملية وجوهرية، لا يمكن إزاحتها أو تخفيفها بحجج منطقية صرف”.

إلى هذه اللحظة من التاريخ لم يكن هناك صراع بين الأسطورة “الميثولوجيا” وبين العقل “اللوغس” حيث كان كل منهم يسير بشكل مستقل إلى حد ما، ولأن الأساطير في تلك الفترة التاريخية كانت تستغل في طقوس علاجية أو من أجل الوصول إلى نشوة روحية “لم يكن غرض الأسطورة تقديم المعلومات، بل كان بالأساس علاجياً. فالناس ينصتون إلى تلاوة أسطورة التكوين، عندما تواجههم كوارث وشيكة، أو يريدون إنهاء صراع ما، أو يريدون شفاء مريض” إلا أن هذا المعنى للأسطورة تغير مع محاولات العقل الأولى عقلنة الأساطير كما فعل اليوناني أنكسميدرندس ( 611- 547ق.م) الذي أرجع العناصر المألوفة لنا إلى تعاقب الحرارة والبرودة، أو انكسيمانس (مات في 500ق.م) والذي أرجع الأشياء إلى الهواء، أو هرقليطس الذي أرجعها إلى النار، وأشار إلى بعض هذه الأفكار الفيلسوف الألماني غادامير في محاضراته حول بداية الفلسفة.

بعدها بفترة طويلة بدأ الإنسان يعي ذاته أكثر، وبدأت التراجيديا تخلق أسطورتها التي تتمحور حول ذات الإنسان البطل، لا الآلهة التي ظلت مسيطرة على الأسطورة أمدا طويلا من التاريخ، بدأ هذا الوعي في التراجيديا اليونانية مع سوفويكلوس ويورابدس وأسكيلوس حيث تشير الكاتبة إلى أن هذه المسرحيات كانت بمثابة محاكمة للأساطير والآلهة الوثنية.

إذا كانت وظيفة الأسطورة الحقيقية كما تشير الكاتبة تتعلق في تكيف الإنسان مع الوعي بالموت، وإضفاء قيمة ومعنى على الكون وكانت الأسطورة باعتبارها “أفكار وتجارب لا يمكن تفسيرها منطقياً” فلا يمكن الإفلات من أهميتها حتى مع تطور الرؤية العلمية، صحيح أننا وكما تقول الكاتبة “بلورنا، مع بداية القرن الثامن عشر، رؤية علمية في فهم التاريخ، أصبحنا معها مهتمين فقط بما حصل بالفعل. وهذا على خلاف العالم ما قبل الحديث، حيث كان اهتمام الناس، حين كانوا يكتبون عن الماضي، منصباً على معنى الحادثة ودلالتها لا حقيقة وقوعها” وصحيح أن اليأس كان نتاجا لهذه الرؤية الحديثة للكون والمختلفة عن كل ما سبقها اختلافاً جذرياً، عن طريق إزاحة الأسطورة واستهجانها ونعتها بالبدائية والتخلف، إلا أن الكتاب ينتهي بالبحث عن الأسطورة اليوم، عن ما يكيف وعي الإنسان مع الموت ويضفي قيمة على الكون، من خلال الرواية والفيلم السينمائي والموسيقى واللوحة التشكيلية، ومن خلال بعض المعتقدات التي فشلت محاولات عقلنتها، بل تم تكريس أساطيرها خاصة مع تنامي الأزمات الروحية الكبرى لدى البشر.

كتاب “تاريخ الأسطورة” من ترجمة وجيه قانصو، وصدرت الطبعة الأولى منه في 2008م عن الدار العربية للعلوم ناشرون بدعم من مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، ويقع الكتاب في 143صفحة من القطع المتوسط.

 

صحيفة الرياض – 6 يناير 2009م

شيوعية العلم في الكون ضرورة لتخطي الحروب والمجاعات والفقر

 ماذا يقدم لنا العلم؟ كيف يمكن الاستفادة منه؟ وما هو تأثيره على الأفكار والتقنيات والأنظمة السياسية والاجتماعية؟ هنا نلج عالم برتراند راسل الهام والحاسم بالنسبة لمجتمعاتنا التي تحتاج لثورات علمية على أصعدة شتى لتغيير حال المادة والبشر.

في محاضرات ألقاها برتراند راسل، عالم الرياضيات والفيلسوف البريطاني، في كلية رسكن الإنجليزية ثم جامعة كولمبية، وأخرى ألقاها في الجمعية الملكية للطب، تحدث حول أثر العلم والمعرفة العلمية في المجتمع، بعدة مستويات جمعت في هذا الكتاب “أثر العلم في المجتمع” وهو من ترجمة صباح صدّيق الدملوجي، وصدر عن المنظمة العربية للترجمة 2008م ب 174 صفحة من القطع المتوسط.

المحاضرات ناقشت أثر العلم في الفلسفة، أو بصورة أكثر تبسيطاً، أثره على معتقدات الناس، في محاربة الخرافات والشعوذات التي كانت منتشرة في العصور الوسطى وعصر النهضة، العلم مُحَرِراً من التقليد وضداً على الخرافة، ويعود بأثر العلم في المجتمع إلى تاريخ أقدم، مع البابليين عندما أوجدوا الحسابات الفلكية واستطاعوا حساب الخسوف والكسوف، فاستغلوا هذه المعرفة في بسط النفوذ على البسطاء، حيث اعتبروا الكسوف والخسوف غضباً من الآلهة وقدموا القرابين لرفع هذه الكوارث، واستمرت هذه المعتقدات إلى وقت أحدث، كما يشير راسل إلى أن البعض اعتقد أن حريق لندن وانتشار وباء الطاعون كان بسبب انتشار كتب الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز، فتم منع كتبه، ويعلق ساخراً “ويظهر أن هذا القرار كان فعالاً، إذ لم تصب لندن بالطاعون ، كما لم تحترق بكاملها منذ ذلك الحين”. ثم يشير إلى الشد والجذب في قضايا السحرة في القرون الوسطى، ويشير إلى مفارقة ملفتة للنظر، يلخصها راسل بقوله “في عصر النهضة غدا الاعتقاد بالتنجيم صيغة للمفكرين الأحرار، لا لسبب محدد، بل لمجرد كونه مدانا من قبل الكنيسة، فالمفكرون الأحرار لم يكونوا أكثر علمية في نظرتهم إلى الحقائق التي يمكن ملاحظتها من مناوئيهم في الرأي”.

دائماً ما يقال في مجال فلسفة العلوم، أن الإنسان تعرض لثلاث صدمات كبرى، أثرت في وضعه في الكون، الصدمة الأولى تجلت في الثورة الكوبرنيكية والتي هدمت مركزية الأرض، حين أُثبت دورانها حول الشمس، والثورة الثانية كانت في الداروينية، أما الثالثة فتجلت في انطلاق أفعال الإنسان من اللاوعي ودور اللاشعور الذي أعطاه فرويد مركزية كبرى في تحليله النفسي.

يتحدث راسل عن النظرية الميكانيكية، وأنها أدخلت إلى سياق الفكر الإنساني مفاهيم جديدة، لخصها في: الملاحظة بدل الاستشهاد “المعرفة التجريبية بمعنى آخر” واستقلالية العالم الطبيعي وكفايته بذاته “كون الأجسام قابلة للحركة إلى ما لا نهاية”. وإسقاط البحث في الغايات والتركيز على الأسباب، والأهم من هذا كله موقع الإنسان في الكون الذي انزاح عن المركز.

وتحدث راسل حول نتائج التقنية العلمية، حيث التركيز على “التمكن من فعل الأشياء” بالإضافة إلى “معرفة الأشياء” لا الاقتصار على الأخيرة كما عند الإغريق “لأن الأعمال الحرفية كانت من نصيب العبيد” وخرج بنتائج تحمل الكثير من المفارقات، كيف أثر البارود والتلغراف على قوة الإمبراطوريات، وصعب قيام الثورات، مما أضاف سطوة للإدارات المركزية، وكيف كشرت التقنية عن أنيابها لحظة الثورة الصناعية في إنجلترا وأمريكا، والمآسي التي أُضيفت إلى الإنسانية في مصانع القطن كمثال، وعن مساهمات التقنية العلمية في جعل المجتمع أكثر عضوية، بتضخم اعتماد البشر على بعضهم كمجموعات ومنظمات. فلا بد للمعرفة العلمية من خلق تغيرات جذرية، فعند اختراع البوصلة نتجت حركة الكشوف الجغرافية، ودشن عصر الاستعمار، و غير النفط الخطط الإستراتيجية للدول، والكهرباء جعلت حياة البشر أسهل، وجعلت ثورتهم أصعب، حيث يمكن السيطرة على مجموعة من البشر بمجرد قطع التيار الكهربائي!.

هناك نتائج مقززة للعلم، يشير إليها راسل، ويمكن الحديث عنها تحت عنوان “الثلج الأسود” عندما نتحدث عن سيكولوجيا الجماعات، وكيف يمكن بالدعاية والإعلان، وبالعوامل النفسية والاجتماعية السيطرة على جموع البشر وتشكيلهم بشكل مخيف ومرعب، أن تنتج قطيعاً من البشر يؤمنون بسواد الثلج، وهذا ما حدث بشكل صارخ في ألمانيا النازية، حيث نكتشف أنه بالأضواء والشعارات وحشد الجماهير والخطب الرنانة، يتساقط كل ما في أذهاننا عن الإنسان العقلاني والمنطقي، الذي نخاطبه محاولين إقناعه بالحجج.

أما عن الحكم الأوليغاركي، فيشير راسل إلى تنامي قدرات السيطرة والتجسس والسطوة الأمنية في الأنظمة الشمولية بفضل التقنية العلمية، مما جعل سيطرة فئات محدودة من المجتمع على الباقين واستعبادهم أمر في متناول هذه الأنظمة، بالإضافة إلى تشكيل معتقداتهم وآرائهم من خلال الأنظمة الشمولية، وبعد الصورة المعتمة التي رسمها لهذه التأثير، أكد على أن الحل باحترام الفرد وحقوق الإنسان.

ويستعيض راسل عن كلمة الحرية بكلمة المبادرة، حيث يقسم الفلسفات السياسية إلى ثلاث فلسفات، تنظر إلى الإنسان على أنه “إنسان عادي” في الديمقراطية، أو كبطل في الأنظمة الفاشية، إلى جزء من ماكنة في الأنظمة الشيوعية، ويؤكد هنا على ضرورة الاستفادة من الأشياء الجيدة في كون الإنسان “بطل” أو جزء من ماكنة” مع تحقيق روح المبادرة لدى الإنسان، حتى لا يتوقف التطور العلمي، حيث أشار راسل في كتابه إلى تخلف الاتحاد السوفيتي علمياً في المستقبل (المحاضرات ألقاها في الخمسينيات) بسبب سلب العلماء استقلاليتهم، وضرورة أن تكون آراؤهم السياسية مطابقة لرؤى الدولة، كما يريد الحزب الشيوعي، مما يحد من طاقاتهم، وإن أظهروا مواقف فكرية وسياسية مختلفة، فإنهم يبعدون عن العمل العلمي، ويشير هنا إلى مفارقة سيطرة التحيزات السابقة لستالين “الجاهل علمياً” على الأبحاث في الاتحاد السوفيتي آنذاك.

هل العلم يفتش عن الحقيقة أو المنفعة؟ ربما كان هذا الجدل هاماً ومثيراً، ويشير إلى الفيلسوف الأمريكي جون ديوي بقوله إن ما يجعلنا نؤمن بنظرية معينة “أنها تعمل” وربما كان هذا ذاته سبب إيمان الشعوب القديمة بالأساطير حسب تقدير كارين أرمستونغ “يؤمنون بالأساطير لأنها مؤثرة، لا لأنها حقيقة”.

ويصف راسل الفلسفة البراغماتية بأنها تقوم على اللجوء إلى القوة، وبسبب انعدام أي معنى قياسي للعدل نجد أنه من المبرر أن يكون المجتمع ديمقراطياً في الداخل واستعمارياً في الخارج، ما دامت الفلسفة البراغماتية هي المسيطرة، وهي مناسبة لمن يعتقد بأن في العالم يحوي “جميع مادة تخيلاته” حسب تعبير راسل.

كما أن الروح العلمية تضاد التطرف والأصولية، حيث تقوم المجتمعات المتطرفة على الكراهية المتبادلة، ويضرب راسل بالمجتمع الكاثوليكي والمجتمع الشيوعي، ففي المجتمع الشيوعي يخبرونك بأنهم يحبون الطبقة العاملة، وهم بالتأكيد يبغضون الأثرياء، كما أن من يخبرك بأنه يحب جاره، يبغض من لا يتفق معه في هذا الحب.ربما كان للعلم شروره، في تنامي الاستبداد والحروب، لكنه بذات اللحظة يحوي جانبا أكثر بهجة وتفاؤلا، يؤكد عليه راسل، في حديثه كمثال عن الرعاية الصحية، التي قللت من خلال التطعيم والأمصال من وفيات الأطفال، وزادت من متوسط عمر الإنسان.

ربما كانت الأفكار التقليدية عن نظرة الغرب إلى الشرق أكثر ظهوراً وتجلياً في أفكار راسل وتعليقاته، فحين يقول “الأهواء الشريرة أكثر شيوعاً في الشرق منها في الغرب” عندما يتحدث عن الشهوة والكره وحب السلطة وغيرها، وحين يتحدث عن السيطرة الغربية التي ستأتي بالسلام إلى العالم بعدما تقضي إحدى القوتين العالميتين (الاتحاد السوفييتي أو الولايات المتحدة الأمريكية) على الآخرى و”إذا كانت الشعوب الغربية هي السائدة، فإن الاستجابة والرضا سيحلان محل القوة”.

ربما كان الهاجس الأبرز لدى راسل يتلخص في السلام، الذي لن يأتي إلا مع الحكومة العالمية الواحدة والتي ستملك كل القوات المسلحة وستبدأ بنشر العلم والمعرفة والرفاهة في العالم بالتساوي، ثم تقوم على خفض معدل الزيادات السكانية مما يحفظ الغذاء والتربة في العالم، وهذه الرؤية التي لا يظنها راسل طوباوية، بل صعبة في الوقت الراهن، لكنها ممكنة، وضرورية لاستمرار الإنسان وتقدمه وحضارته، نكتشف اليوم أن هذه الفكرة أكثر طوباوية من جمهورية أفلاطون، فالعالم اليوم أكثر تشظي مما كان عليه أيام راسل، فعدد الدول أكبر، والحركات الانفصالية المحلية في الدول أكثر مما كانت عليه، والأسلحة أشد فتكاً وفاعلية، والفقر يزداد والملايين من البشر يموتون في الحروب.

صحيفة الرياض – 21 مايو 2009م

سليمان ديان يقرأ الإخلاص والحركة في فكرة محمد إقبال

  يرى الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور أن فكر محمد إقبال يجب أن يعود، وتعاد قراءته باستمرار، لأنه يمثل “حداثة تنطلق من منعرج مثير، من الرجوع إلى الأصول، للبحث فيها عن سبل الإخلاص الحقيقي في وضع تاريخي غير مسبوق” ويراها فلسفة للإنسانية لا تختص بدين أو مذهب.

هذا في مقدمة كتاب الفيلسوف السينغالي سليمان بشير ديان “الإسلام والمجتمع المفتوح: الإخلاص والحركة في فكر محمد إقبال”. الصادر عن دار جداول، 2011م.

يضيف تايلور: لقد نجح هذا الكتاب الصغير في المهمة الصعبة المتمثلة في تقديم فكر محمد إقبال في وجهه الراهن، بكشف اللثام مجددا عن التوترات الأصلية التي أراد هذا الفكر حلها: بين الإعلاء من شأن الإنسان والانفتاح على الله، بين الإخلاص والحركة، بين الفلسفة ومعنى الواقع، بين الكونية والانتماء”.

يقع الكتاب في 164 صفحة من القطع المتوسط، ويقدم قراءة حديثة لفلسفة محمد إقبال، تتقاطع مع الراهن من الأفكار الفلسفية، ليخوض الكاتب في أربعة فصول الكثير مما يتعلق برؤية إقبال الفلسفية للفرد والفعل الإنساني، في إطار رؤية تنبع من الفلسفة الإسلامية الإصلاحية في جنوحها الحداثي، والتي إزدهرت قبل قرنين من الزمان.

يقع الكتاب في أربعة فصول، حملت عناوين: فيلسوف لليوم الراهن. فلسفة الفرد. فلسفة الفعل. الإخلاص والحركة.

من المثير للانتباه، عند الحديث عن محمد إقبال، الإشارة إلى كونه الأب الروحي لتأسيس دولة الباكستان الحديثة، أو بلغة أخرى، استقلال المسلمين عن الهند. هل هذا يتناقض مع دعوات إقبال المتكررة إلى التعالي فوق الأعراق والقوميات ؟! ربما لم يشرح سليمان ديان هذه الفكرة، ويفض الإلتباس حولها. أظن يمكن القول أن محمد إقبال آمن بالتعالي فوق الأعراق والقوميات، بقدر ما كان مؤمنا بأن الدول تقوم على أسس قومية وعرقية، هذه الرؤية التي ترى الدولة مجسدة للأمة، التي تنتمي لدين أو قومية. وبالتالي لا تعارض بين الدعوة إلى التعالي فوق الأعراق والقوميات في حياة الأفراد، وقيام دول على أساسها. خاصة بعد انسداد أفق التعايش بين المسلمين والهندوس في تلك اللحظات التي سبقت استقلال الباكستان.

في الفصل الأول تحدث المؤلف عن إقبال وعائلته ونشأته، وتعليمه، وأهميته كفيلسوف وشاعر أثر في ملايين البشر في الباكستان وحول العالم. كتب أشعاره بالأردية والفارسية. ومؤلفاته الفكرية ودراساته بهذه اللغات إضافة إلى الإنجليزية التي كتب بها أطروحته ” تطور الميتافيزيقا في بلاد فارس” ثم تعلم الألمانية وكتب نسخة من أطروحته بها.

أراد محمد إقبال بحسب ديان استبدال الصورة التقليدية في التصوف الإسلامي، والتي تقوم على انمحاء الذات، إلى فلسفة صوفية قائمة على الحركة وفاعلية الذات. إذا يرى إقبال أن أرواح البشر متمايزة بحسب التجربة التي تخضع لها، فلا يوجد روح بشرية تشبه أخرى أبدا. فهي “كيان فردي مميز”. بالإضافة إلى فكرة أساسية أخرى لدى إقبال قائمة على اعتبار أن العالم شيء واقعي.

يرى إقبال أن الهدف النهائي للتصوف هو أن يصبح الإنسان شخصا. واكتساب الشخصية لا يتم إلا عن طريق العمل، يقول إقبال في إحدى قصائدة:

“لست موجودة في السكون، لا أوجد إلا في وثبتي”.

كتب ديان: “إن محور فلسفة إقبال هو هذه الحركة، وذلك القلق المتواصل، الذي هو الحياة نفسها”.

يمكن القول أن إقبال اعتبر التمرد مقدر من الله على الإنسان. إذ وهبه الله الحرية الكاملة، وحملة الأمانة، ومنحه القدرة.يقول إقبال: إن الإنسان مركز مكتمل جسديا وروحيا، ولكنه لم يصبح بعد فردا كاملا. فبقدر ما يبتعد عن الله بقدر ما تقصر فرديته”.

بعيدا عن فلسفة إقبال حول فاعلية الذات، يتطرق المؤلف إلى نشاط محمد إقبال السياسي، ومراسلاته مع محمد علي جناح، الذي قال بأنه اعتمد على أفكار فيلسوفنا لانشاء دولة مسلمة قوية هي الباكستان. فلم يكن صحيحا أن إقبال كان بعيدا عن السياسة، ولم تكن هناك مسافة بين ما يكتب وما يفعل، فكانت أفكاره حول الفاعلية والحركة سياسية أيضا، وليست محض فلسفة.

في الفصل الرابع يشير المؤلف إلى دور إقبال العلمي، إذ يؤكد على أنه من رواد المدرسة التحديثية، التي أرادت التوفيق بين الدين والعلم، والتي ينتمي إليها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وآخرون. لذا أكد إقبال على أن النزعة التجريبية والطبيعية من صميم الرؤية القرآنية. دون أن يقع في فخ العلموية.

يرفض إقبال اعتبار الحداثة جوهرا ثابتا، أو أفكار تفرض على المجتمع. بل يراها مجموعة من القيم التي ينتجها الحراك الداخلي للمجتمعات. أن تجديد مستمر ناتج من صميم المجتمع. لذا لم يعتبر ما حدث في تركيا في خلال الحقبة الأتاتوريكية خروجا عن هذا المبدأ. بل رآها اجتهادا داخليا في المجتمع التركي حقق تطلعاته آنذاك. لذا رفض إقبال وبشدة الاستخدام الجامد للتاريخ، بما يجعله أداة رجعية للمجتمعات، لا آليات تطور وتحديث.

كان إقبال فيلسوفا للتعددية وتفهم اختلاف البشر، ورفض اعتبارهم جواهر ثابته أو قطيعا يقادون، بل ذوات متمايزة وفاعلة باستمرار، نارها في الانتقاص من ذاتها، لا شيء خارج هذه الذات المتميزة والمكلفة.

ولد مؤلف الكتاب الفيلسوف السنغالي سليمان بشير ديان سنة 1955م، ودرس بالسربون على يد لويس التوسير وجاك دريدا، كما درس في هارفرد، وتخصص في فلسفة الرياضيات والمنطق، مع اهتمام واسع بالإسلاميات والفلسفة السياسية. وترجم الكتاب إلى العربية الكاتب والباحث السيد ولد أباه.

صحيفة الرياض – 8 سبتمبر 2011م

«المؤمن الصادق» بحث تفصيلي في دوافع التطرف وطبيعة الحركات الراديكالية

  الكتاب بحسب وصف مترجمه الدكتور غازي القصيبي يجيب على سؤال: لماذا يصبح الإرهابي إرهابياً؟.. هذا السؤال الذي بدأ يشغل العالم منذ عقود، ودارت حوله الكثير من المناقشات، وخضع بدوره لمئات بل ربما آلاف التحليلات والتفسيرات المتضاربة، والنتيجة النهائية لم تظهر بعد! بل هي غير موجودة، وكل ما نملكه عبارة عن مجموعة من المقاربات لظاهرة عالمية، تتداخل في تكوينها عوامل ومتغيرات عدة.

يتطرق إيريك هوفر في كتابه «المؤمن الصادق: أفكار حول طبيعة الحركات الجماهيرية» إلى دراسة الحركات الجماهيرية أكانت قومية أو دينية أو اجتماعية. ويتطرق تحديداً إلى جانب التشابه في تلك الحركات، انطلاقا من الواقع المحبط للجماهير، وتعلقها ب»المؤمن الصادق» الذي يتبنى أفكاراً ويقدسها، ويكون على استعداد تام للتضحية من أجلها، بغض النظر عن طبيعة هذه الأفكار.

ويرى هوفر أن جميع الحركات الجماهيرية «تولد التطرف والحماسة والأمل المتقد والكراهية وعدم التسامح، وجميعها قادرة على تفجير طاقات قوية من الحراك في بعض مناحي الحياة، وجميعها تتطلب الإيمان الأعمى والولاء المطلق».

يقول الدكتور غازي القصيبي رحمه الله، أن دافعه لترجمة الكتاب هو إجابته «جواباً شافياً» عن سؤال شغله هو شخصياً .. «لماذا يصبح الإرهابي إرهابياً ؟».

يقول القصيبي في مقدمته: لا توجد كتابات تضيء عقل الإرهابي من الداخل. وتتيح لنا فرصة التعرف على هذا العالم العجيب المخيف. ويشير إلى «أن الإرهاب وليد التطرف والكتاب معنّي بالتطرف: جذوره وبذوره».

يؤكد المترجم على أن المعادلة التي يطرحها المؤلف «بسيطة ومقنعة» إذ يربط بين «العقل المحبط» و»الإنسان المحبط» الذي «ينسب كل مشكلاته إلى فساد عالمه» ثم يأتي الحل بالانتماء إلى «الجماعة الثورية الراديكالية التي تستغل ما ينوء به المحبط من مرارة وكراهية وحقد».

ويضيف: من هذا اللقاء الحاسم بين عقلية الفرد المحبط الضائع وبين عقلية القائد الإجرامي المنظم ينشأ التطرف، ومن التطرف ينبت الإرهاب.

ويرى القصيبي أن ترجمته للكتاب مقدمة لعملين، الأول يتعلق بالباحثين، لتحليل رؤية المؤلف وعرضها على واقع الإرهاب المعاصر (الكتاب صدر في خمسينيات القرن الماضي) أما الثانية فتقع على عاتق الدول العربية، للقضاء على الإحباط بين الشباب، بخلق الفرص، وبث الروح في مؤسسات المجتمع المدني.

ويختم القصيبي مقدمته بقوله: بزوال الإحباط يزول التطرف، وبزوال التطرف ينتهي الإرهاب. هذا – في رأيي – هو الأسلوب الوحيد الناجع لمشكله تقض مضاجع العالم كله.

ينقسم الكتاب إلى أربعة أقسام، وثمانية عشر فصلاً.

يتحدث القسم الأول عن «جاذبية الحركات الجماهيرية» وجاءت فصوله لتتحدث عن: الرغبة في التغيير، الرغبة في بدائل، التبادلية بين الحركات الجماهيرية.

في القسم الثاني من الكتاب، يتحدث المؤلف عن «الأتباع المتوقعون» فيشير إلى: دور المنبوذين في الشؤون الإنسانية، الفقراء، العاجزون عن التأقلم، الأنانيون أنانية مفرطة، الطموحون الذين يواجهون فرصاً غير محدودة، الأقليات، الملولون، مرتكبو المعاصي.

أما القسم الثالث من الكتاب فيقارب «العمل الجماعي والتضحية بالنفس» ويتطرق إلى العوامل التي تشجع على التضحية بالنفس، فيشير إلى : التماهي مع المجموع، الخيال، احتقار الحاضر، الأشياء التي لم تكن، العقيدة، التطرف، الحركة الجماهيرية والجيوش.

كما يشير في ذات القسم إلى العوامل التي تشجع العمل الجماعي، فيتحدث المؤلف عن: الكراهية، التقليد، الإقناع والقمع، من أين تأتي الرغبة في التبشير، القيادة، العمل، الشك، نتائج العمل الجماعي.

وعنون المؤلف القسم الرابع من الكتاب ب»البداية والنهاية» وجاء في أربعة فصول: رجال الكلمة، المتطرفون، الرجال العمليون، الحركات الجماهيرية النافعة والضارة.

ثم تحدث حول ما أسماها «المرحلة الديناميكية وما يواكبها من فساد وعقم» ثم «بعض العوامل التي تحدد المرحلة النشطة» وختم الكتاب بالإشارة إلى «الحركات الجماهيرية النافعة».

إريك هوفر، كاتب اجتماعي وفيلسوف أمريكي، ولد سنة 1902م في مدينة نيويورك، له عشرة مؤلفات، منها «أهواء العقل» و «أزمة التغيير» و «مزاج زماننا»، ويعد كتابه «المؤمن الصادق» من أول مؤلفاته، نشر سنة 1951م. وقد حاز هوفر على الميدالية الرئاسية للحرية، وسلمها له الرئيس الأمريكي رونالد ريغن، سنة 1983م، وتوفي في ذات السنة.

صدرت الطبعة الأولى العربية من «المؤمن الصادق» لإيريك هوفر في 2010م، الكتاب من ترجمة الدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي رحمه الله، وعن مشروع كلمة للترجمة ومكتبة العبيكان، ويقع الكتاب في 318 صفحة من القطع المتوسط.

صحيفة الرياض / 26 أغسطس 2010م

“في الأحوال والأهوال” بحث في منابع العنف الثقافية والاجتماعية

  يشكك الباحث الاجتماعي العراقي فالح عبدالجبار في بداية كتابه “في الأحوال والأهوال: المنابع الاجتماعية والثقافية للعنف” في التفسيرات المعتادة لنزوع الإنسان لاستخدام العنف، تلك التي تربطه بالغريزة الإنسانية تارة، وبالبيئة الاجتماعية تارة أخرى، ويرى بأن هذه التفسيرات غير كافية لتفسير هذه الظاهرة العميقة الحضور في المجتمع الإنساني، حتى أن مقدم الكتاب عباس بيضون، يؤكد على أن دراسة العنف قد تقود في النهاية إلى دراسة تاريخ البشر.

يقدم الباحث بداية “رؤية الاختلاف” أو الموقف من الاختلاف كمعادل يؤول إلى عنف، ويرى بأن منابع الاختلاف: علاقة الفرد بالجماعة، وعلاقة الجماعة بالدولة، وعلاقة الدولة بالدولة. ويقرر في مبحث الكتاب الأول “تحولات الذات وتوتراتها” مفارقة الانتقال السريع للمجتمعات العربية من الإمبراطوريات المؤسسة على الهوية الدينية، إلى الدولة المركزية الحديثة، أي من النظام الثقافي القائم على الميثولوجيا إلى النظام الثقافي القائم على المعرفة الوضعية، حيث قاد هذا الانتقال السريع إلى خلق نظم معرفية متعاقبة زمانياً متجاورة في مكان واحد، ومتصارعة بالتأكيد، مع إضافة الطابع السريع للتحول كذلك من الدول القطرية القومية إلى المفاهيم الكونية المضادة للقومية، كمفهوم العولمة، مما خلق مجموعة من حقول التوتر كما يسميها الباحث وحددها في خمسة حقول: بنية ثقافة المجتمع، وإنتاج الثقافة الحديثة بين تشظي المثقف واستبداد المؤسسة، وصعود الثقافات الدنيا بفضل وسائل الاتصال، وتسليع الثقافة من ناحية أو احتكار الدولة لإنتاجها من ناحية أخرى، واستمرار إشكالية الهوية.

الثقافة العربية عاشت الازدواجية بين الثقافة الميثولوجية وبين المعرفة الأبجدية كأي ثقافة عالمية أخرى تمر بثلاثة أطوار – حسب دريدا كما نقل الباحث – تمر من الميثولوجيا إلى الثقافة الأبجدية، ومنها إلى الحضارة الإلكترونية، ويضرب الباحث لمثال صراع الفقيه والفيلسوف، وصراع الفقيه بالشيخ المتصوف (أو الثقافات العليا بالدنيا) لهذا التجاور الزماني لثقافات متعاقبة، مما عده الباحث كما أسلفنا منبعا للاختلاف الذي يؤول إلى عنف.

ويبحث عبدالجبار في معنى الثقافة من ناحية، وتجليتها الاجتماعية، بل احترابها وصراعها، ونظريات تطور الثقافة، بين القائلين نظرية الارتقاء التاريخي، والقائلة بالتاريخ البشري الواحد الذي ينمو بشكل متدرج، وبين أفكار ماكس فيبر حول البناء الثقافي المصمت الذي يعيش أطوار الطفولة ثم الشباب والشيخوخة فالموت، والنظرة الثالثة التي ترى الثقافة كبنية ذات خصوصيات وعموميات وتحمل أطوار انفتاح وانغلاق.

بشكل عابر يؤكد الباحث على أن تدهور الفلسفة العربية وحضارتها جاء بسبب الحروب والدمار، ويمثل بخراب بغداد، كخراب أثينا، لا كما يحاول البعض تفسير هذا الانحطاط بأسباب جوهرية.

صحيفة الرياض – 20 يونيو 2009م

أما عن الصراع داخل المجتمعات العربية فيؤكد الباحث على أن التماس مع الغرب لم يكن لقاءً حضارياً ثقافياً بل كان صراعاً تجارياً وعسكرياً، هذا الانقسام الحضاري “شرق / غرب” انتقل إلى احتراب داخلي بين التعليم التقليدي والتعليم الحديث، وبين احتكار الثقافة من رجال الدين وبين المثقف العلماني “الأفندي في الثقافة العراقية”.

حاولت الحركات الإصلاحية السلفية منذ محمد عبده وجمال الدين الأفغاني القيام بصياغة لازدواجية الدين والعقل، في مقابل التيارات الليبرالية الوطنية، ويعلق فالح عبدالجبار على هذه الثنائية بقوله: “إن هذه الثنائية الثقافية المستفحلة بانقسام اجتماعي تتخذ في ميدان الفكر صياغة ايديولوجيا اقصائية” ثم يضيف أن هذا الانقسام يستخدم الأشكال الجديدة من التنظيم لتدعيم أفكاره.

ثم يتحدث الباحث عن “تحولات العالم: عنف الانتقال من القومي إلى الكوني” ويتطرق في هذا المبحث إلى عنف الانتقال من فكرة الدولة القومية إلى الكونية العالمية، التي تناقض القومية بشكل كامل، وما رافق هذا التحول من تغيير في مفاهيم المواطنة ومفهوم الدولة والمجال السياسي القومي، والعلاقات الدولية والنظام الثقافي العالمي.

أما المبحث الثالث فجاء مكثفاً ومختزلاً جداً، وحمل عنوان “سوسيولوجيا البداوة والمجتمع: علي الوردي – ابن خلدون – دوركهايم” وتطرق فيه إلى التأثيرات الاجتماعية لاستيطان البدو وقيم البداوة والحاضرة والتأثيرات المتبادلة وأثرها على الدولة والمجتمع، وكيف تتصارع الأولى مع الأخيرة، ومن يحتوي الآخر ويؤثر فيه بشكل أكبر.

ثم ختم الكتاب بإيراد أربعة نصوص الأول “في التسامح الديني” لجون لوك، والثاني “نحو السلام الدائم” لعمانوئيل كانط، والثالث “اللا عنف أو العنف السلبي” للمهاتما غاندي ويتطرق إلى النقاط السبع للنظام العالمي الجديد، ثم قصيدة “نواح المدن القتيلة” لآلان روشا.

الكتاب من إصدارات دار الفرات للنشر والتوزيع، ويقع في 165 صفحة من القطع المتوسط، وجاءت طبعته الأولى سنة 2008م.