تزفيتان تودوروف يخوض الرعب والأمل في “الخوف من البرابرة”

 

 

 

لا يذهب تزفيتان تودوروف في كتابه “الخوف من البرابرة: ما وراء صدام الحضارات” إلى حد نفي البربرية كحالة كما يقول شتراوس “البربري هو من يؤمن بوجود البربرية” بل على العكس من هذا يرفض تودوروف عبارة شتراوس ويؤكد على وجود البربرية، لكنه يحددها بمحددات واضحة، فالبربرية حسب تودوروف هي حالة نفي إنسانية الآخر، وهي وصف لوضعيات وأعمال – كما الحضارة تماما – أي أنها لا تعطي توصيف ثابت للإنسان أو وصف جوهراني لهوية الشعوب.

في تلك المعمعة من المصطلحات المتشابكة والمتداخلة، يحاول تودروف أن يكون أكثر تحديدا، إذ يفرق بين الحضارة والهوية، باعتبار الحضارة تمثل ما هو مشترك إنساني قيمي، والهوية تمثل ما هو ثقافة محلية خاصة، ويؤكد أهمية الثقافة بقوله “لا يوجد إنسانية شاملة: لو حرمنا البشر من أية ثقافة خاصة، فإنهم بكل بساطة لن يعودوا بشرا” هنا يتم الحديث بالتوازي عن ما هو خاص بالإنسان كمكون ثقافي، وما هو مشترك إنساني كحضارة شاملة.

في ملاحظة طريفة تفسر الكثير من الأحداث حولنا، يشير تودوروف إلى أن “الخوف من البرابرة هو الذي يُخشى أن يحولنا إلى برابرة” حيث يحدد الخوف كمبرر لارتكاب أبشع الجرائم في حق البشرية، باسم حماية الإنسان لنفسه أو من يحب، من الآخرين، وكيف تحول هذا المبرر إلى أفعال قتل وتعذيب وجرائم ضد الإنسانية، ويشير هنا إلى التغيرات التي ضربت العالم الغربي بعد أحداث سبتمبر، وكيف أنه من أجل سياسات الحماية والنضال من أجل قيم الديمقراطية “نجد أنفسنا مدفوعين للتخلي عنها!” على حد تعبير تودوروف.

يحاول تودوروف تحليل الخوف من الإسلام في أوروبا، ويعيد المسألة إلى جذورها التاريخية لا يكتفي بتسطيح المسألة من خلال الحديث عن أحداث آنية. حيث يشير في معرض كلامه إلى الجذور القديمة لصراع الإسلام مع المسيحية، والحروب الصليبية، والاستعمار الأوروبي الحديث، والهجرة، وبالتأكيد تحكّم المسلمين والعرب بأهم سلعة في العالم اليوم “البترول” محددا معنى التحضر بأنه الإقرار بإنسانية الأخر، وذلك لا يتحقق إلا عبر مرحلتين “نكتشف بأن للأخرين أنماط عيش مختلفة عنا” والمرحلة الثانية “نتقبل بأنهم يتشاركون معنا بالإنسانية نفسها” وإذا تعريف تودوروف للتحضر قائم على الوعي بالاختلاف والتعدد والقبول به بل اعتباره جزء من إنسانيتنا. لذا يحدد الإنغلاق على الذات كمؤشر من مؤشرات البربرية، بل يحدد الانتقال من البربرية إلى الحضارة بأنه “الانفصال عن الذات للتمكن من معاينتها من الخارج كما بأعين الأخرين” أي أن التحضر قائم على تفهم الأخرين وتخيل أنفسنا محلهم لتفهم دوافعهم وأنماط عيشهم. ويؤكد هنا بأن الحروب لم تقم بسبب التعددية، بل بسبب عدم تسامح أصحاب النفوذ.

ينتقد تودوروف في معرض حديثه عن الحضارة والبربرية مفكري الأنوار الرافضين للنسبية الرافضين للتجديد في قيم الأنوار الأساسية ويصفهم بأنهم مجرد مدافعين عن الثقافة الغربية التي يرونها متفوقة. ويعتبر هؤلاء بأنهم يتنكرون لتراث الأنوار الحقيقي القائم على شمولية القيم وتعددها في آن.. ففي فصل الهويات الجماعية يكتب تودوروف مستنكرا تأسيس “وزارة الهوية الوطنية” في فرنسا، وتدخلها فيما يسمى “سياسة الذاكرة” من خلال الحديث عن من يستحق التمجيد في التاريخ الفرنسي ومن لا يستحق، وكيف أن هذه السياسة تناقض علمانية الدولة الفرنسية إذا تقوم سياسات تلك الوزارة على تحديد ما يجب على المواطنين أن يعتقدوه !

يؤكد تودوروف “ليست الهويات بحد ذاتها هي التي تتسبب بالنزاعات، وإنما النزاعات هي التي تجعل الهويات خطرة” وهنا يعود ليتحدث عن الإسلاميين والإسلام، ويشجب استخدام لفظة “مسلم معتدل” وكأن المسلم بأصله وجوهره متطرف! وهنا يشير تودوروف إلى أن المشكلة لا تقوم على أسس اختلاف في التأويل الفقهي داخل المجال الإسلامي بين تأويلات متطرفة ومعتدلة، بقدر ما تقوم على أساس الشعور بالقهر والإذلال، لذا يعتبر أن حل الخلاف مع المسلمين ليس دينيا ولا ثقافيا وإنما حل سياسي. وهنا يشير تودوروف إلى أزمة الضواحي في فرنسا وإندلاع العنف سنة 2006م وكيف أنها إلصقت في فرنسا بالإسلاميين رغم أن كل المؤشرات أكدت على أن الدوافع طبقية ولا يود أي حركات منظمة لذلك العنف، حتى أن أكثر الفرنسيين تطرفا جان ماري لوبين نفى أن تكون تلك الأعمال التخريبية قامت لأسباب دينية.

يشير تدوروف إلى حالة “فقدان الهوية الثقافية” خاصة بين أبناء المهاجرين من الجيل الثاني في فرنسا، فلا هم الذي ورثوا هويتهم الأم ولا اندمجوا واكتسبوا هوية المحيط الجديد الذي ينتمون إليه. وهذا ما يفسر صعوبات إندماجهم في المجتمع الفرنسي. وهنا يشير إشارة طريفة بقوله “إن الأجانب الذين يود هؤلاء الفتية تقليدهم ليسوا أئمة القاهرة وإنما مغنوا الراب في لوس أنجلس.”

يتداخل في كتاب تودوروف الحديث عن الهوية والثقافة والدين، مع الطبقة وصراع البروليتاريا ضد الرأسمالية، والخوض في تاريخ الاستشراق ومحاضرة رينان “ما هي الأمة؟ ” ثم يعود لأحداث سبتمبر واحتلال العراق وفضائح أبو غريب وجوانتنامو وسياسات التعذيب في الولايات المتحدة الأمريكية التي أقرتها الحكومة إبان انتخاب جورج بوش الابن.

يطرح تودوروف في حديثة عن “الحركات الإسلامية والتوتاليتارية” مقارنة طريفة بين الحركات الإسلامية والتنظيمات الشيوعية، فيعتبر كلاهما يشكوا من الظلم الاجتماعي والتفاوت الطبقي، وجميعهم يدعون الدفاع عن العالم الثالث في وجه الهجمة الإمبريالية الغربية، وأنهم لا يطمحون إلى مصالح خاصة، ويضحون بأنفسهم من أجل الصالح العام، وأنهم طليعيون وتقدميون ويقومون بتنظيم حركتهم هرميا من الخلايا حتى رأس المرشد. بالإضافة بالتأكيد إلى أفكارهم حول الأممية والوحدة الإيديولوجية وتخطي الحدود. ثم يبدأ بسرد الاختلافات بين الحركات الإسلامية والشيوعية، ابتداء بالموقف من الدين وانتهاء بالصراع على السلطة.

أما في حديثه عن الهوية الأوروبية يشير تودروف إشارة مثيرة إلى تعددية هذا التراث واختلاف بل تناقضه، فيقول على سبيل المثال ” إن فكرة المساواة بين الجميع وصلت إلينا من التاريخ الأوروبي، ومع ذلك فإن فكرة الاستعمار ليست غريبة أبدا عن هذا التاريخ”. كما يقول “إن الحماس الديني كالعلمانية ينتميان إليه (=التاريخ الأوروبي) بنفس القدر”.

يختم تودوروف الكتاب تحت لافتة “أبعد من الثنائيات” حيث يحاول الخروج من تلك الثنائيات الخير /الشر.. البربرية / الحضارة .. الإسلام / الغرب ..الخ باعتبارها غير حقيقية ولا تفيد تحليل الواقع، يقول تودوروف ” إن الانقسامات الثنائية السهلة بين الأنوار والظلمات، العالم الحر والظلامية، التسامح الرحب والعنف الأعمى تفيدنا عن غطرسة القائلين بها أكثر مما تفيدنا عن تعقيدات العالم الحالي” كما يشخص تودوروف في كتابة مسألة الهوية والحضارة والبربرية على عدة مستويات من خلال خمسة فصول وخاتمة، في الفصل الأول “البربرية والحضارة” يقدم صيغة لمحاولة الفهم بالحديث عن الحضارة والبربرية والأنوار والثقافات والهويات والاستعمار ..الخ. أما الفصل الثاني والذي جاء بعنوان “الهويات الجماعية” فيناقش تعدد الثقافات في عالمنا المعاصر ومسائل القيم والدولة والأمة. وفي فصل “حرب العوالم” يحاول تودروف تشخيص ما يحدث اليوم، صدام بين حضارات أم حروب دينية أو معارك سياسية، حيث يحاول مقاربة الحركات الإسلامية والحرب ضد الإرهاب. ويناقش خلال هذا الفصل عمليات التعذيب في أبو غريب وجوانتنامو وكيف كانت سلوكيات بربرية بامتياز رغم صدورها عن دول يفترض بأنها متحضرة.

ثم في فصل “الإبحار في قلب المخاطر” يواجه تودروف بالرصد والتحليل الساحة الأوروربية من الرسوم الكاريكاتورية ضد الرسول عليه الصلاة والسلام وحتى حادثة اغتيال أحد الهولنديين المعادين للإسلام. ثم يأتي الفصل الأخير بعنوان “الهوية الأوروبية” يتحدث عن الاتحاد الأوروربي سياسيا وثقافيا، ما يجمع هذه الدول وما يفرقها، وما هو مستقبلها.

كتاب الفيلسوف الفرنسي تزفيتان تودوروف “الخوف من البرابرة : ما وراء صدام الحضارات” من ترجمة الدكتور جان ماجد جبور وإصدار هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث ضمن مشروع كلمة للترجمة. صدرت الطبعة الأولى سنة 2009م ويقع الكتاب في 221 صفحة من القطع الكبير.

 

جريدة الرياض

27 – 10 -2012

http://www.alriyadh.com/779565

 

“رأس المال لكارل ماركس.. سيرة”.. تاريخ الكتاب الذي هز العالم.. لفرنسيس وين

يقول ماركس: لا أحسب أن أحداً قط قد كتب عن النقود وجيوبه خاوية إلى هذا الحد

 

حين يدور الحديث عن كارل ماركس، فإننا ندخل عالم بؤس، عالم شديد الغرابة والغموض، شديد التعقيد، ويحمل الكثير من المفارقات والسخرية السوداء في أحايين كثيرة، الكتاب يدور حول كتابة ماركس لسفره الأشهر “رأس المال” وما يتعلق بهذه الكتابة من أحداث ومفارقات، “رأس المال” الكتاب الأكثر تأثيراً في العالم في وقت مضى، حيث يكتب “فرنسيس وين” سيرة رأس المال، يخوض في كيفية كتابة ماركس لتحفته، تلك الكتابة التي سلبت ماركس جل حياته، ولم يشهد إلا طباعة المجلد الأول بعد عقدين من البحث والكتابة ووعود النشر، ثم جمع رفيقه وداعمه الأول إنجلز الأجزاء الثلاثة الأخرى من مسودات ماركس وأوراقه بعد موته.

يقول أحد جواسيس الشرطة البروسية بعد دخوله شقة ماركس في برلين “ماركس يعيش حياة مثقف بوهيمي حقيقي” بل أنه ولشدة الفاقة والبؤس، كان يعيش لأيام هو وزوجته وأبناؤه على أكل الخبز و البطاطا، في الغرفتين اللتين تشكلان المأوى الوحيد لهم، ومرة كتب لإنجلز بأنه لا يستطيع الخروج من البيت، حيث إنه “وبكل فرح” رهن معاطفه ليسدد بعض الديون، وتوفي ثلاثة من أبنائه وهم صغار بسبب هذه الحياة البائسة، وكاد أن يرمي نفسه في قبر ابنه الثالث لكن أحدهم تدخل في اللحظة المناسبة ليمسك به، وكما يقول ماركس عن نفسه “لا أحسب أن أحداً قط قد كتب عن النقود وجيوبه خاوية إلى هذا الحد“.

ومع هذه البوهيمية الحقيقية والفقر نجد أن ماركس استمر يماطل أصدقاءه ودار النشر، ليتأخر تسليم المسودة الأولى من رأس المال “المجلد الأول” لعقدين من الزمن، بحثاً عن الكمال، وخوفاً من أي نواقص تعتري هذه التحفة، حيث انتقل من قراءة الأدب إلى علم الفلك، ومن دراسة الاقتصاد والرياضيات إلى الإلمام بالشعر والمسرح، وقراءة تفاصيل التفاصيل حول حياة الطبقة العاملة في بريطانيا، من أوراق أحضرها إليه إنجلز، كما أن إنجلز كتب عنها كتابة “حالة الطبقة العاملة في إنجلترا”، حيث اطلع على بعض الوثائق الهامة لكونه يمتلك أحد المصانع هناك.

لعل الكثيرين لا يعرفون بأن مطامح ماركس في بداية حياته كانت أدبية، حيث كتب وهو على مقاعد الدراسة الجامعية ديواناً شعرياً، ومسرحية شعرية، ورواية عنوانها “سكوربيون و فيليكس” ثم شعر بالهزيمة في هذا المجال، ليفتش عن آفاق أخرى، ليتعرف فيما بعد على أفكار هيجل، ليبدأ حكاية أخرى لم تنته.

مع الحياة البوهيمية والفقر، والتيه في أوروبا، بين بروسيا وإنجلترا وروسيا وألمانيا و فرنسا، كان هاجس “رأس المال” والحديث عن الطبقة البرجوازية، وحقوق الطبقة العاملة “البروليتاريا” وتحول المجتمعات من المجتمع الرأسمالي إلى المجتمع الشيوعي، واستثمار جدلية هيجل، والدخول في سجالات مع “الليبراليين المخجلين” كما يسميهم، مع كل هذا، كان هاجس الكتابة الفلسفية الاقتصادية هو المسيطر على ماركس، الكتابة من أجل حقوق الطبقة العاملة، والتنبؤ بحتمية النهاية للاقتصاد الرأسمالي، بيقين عقائدي لا حدود له!

من المفارقات التي عاشها ماركس، انه لم يلتفت كثيراً للمجتمع الروسي لأنه مجتمع زراعي وإقطاعي “إلى حد ما” ولم يدخل بوابة الرأسمالية، التي يراها ماركس حتمية، لكي تعبر من خلالها المجتمعات إلى الشيوعية، لكن المفارقة أن المجلد الأول من “رأس المال” والذي نشر في حياة ماركس، انتشر في روسيا أكثر من غيرها، حيث نفدت ثلاثة آلاف نسخة من الكتاب خلال عام واحد، بينما نفدت الألف نسخة “الألمانية” من الكتاب في أربعة أعوام.

ماركس الذي تجاهل المجتمع الروسي والاقتصاد الروسي، تفاجأ أثناء حياته برواج أفكاره هناك، وندم لأنه لم يعط روسيا حقها من الدراسة، بل من المفارقات أن الثورة البلشفية في روسيا وبعد وفاة ماركس بعقود صيرت من “رأس المال” كتاباً يكاد أن يقدس.

لكن الفكرة انحرفت، وكما يقول فرنسيس وين في كتابة “الماركسية كما مارسها ماركس نفسه لم تكن إيديولوجيا بقدر ما كانت عملية نقدية وحجاجاً ديالكتيكيا متواصلاً” وربما هذا ما دفع ماركس أن يقول في حسرة “كل ما أعرفه هو أنني لست ماركسياً” بعد حديثه مع أحد الاشتراكيين الماركسيين الفرنسيين.

أما عن الصعوبة التي تواجه من يقرأ ماركس و”رأس المال” تحديداً فيقول فرانسيس وين “رأس المال هو عمل فذ، نسيج وحده، بكل ما للكلمة من معنى، فليس ثمة ما يشبهه ولو من بعيد قبله ولا بعده، وربما كان هذا هو السبب وراء ما لاقاه على الدوام من إهمال أو إساءة تفسير“.

“رأس المال لكارل ماركس.. سيرة” من تأليف فرنسيس وين، وترجمه إلى العربية ثائر ديب، ويقع في 159صفحة من القطع المتوسط، وصدرت الطبعة الأولى منه عام 2007م عن مكتبة العبيكان للنشر.

 

نشر في صحيفة الرياض / بدر الراشد

3/3/2008م

عرض لكتاب الشيخ د.طه جابر العلواني “لا إكراه في الدين” حول حد الردة في الإسلام

“لا إكراه في الدين: بحث في إشكالية الردة والمرتدين من صدر الإسلام إلى اليوم” الكتاب الذي استغرق إعداده ما يزيد عن عقد من الزمن، كما يؤكد المفكر العراقي الدكتور طه جابر العلواني، يبحث فيه حكم الردة عن الإسلام في القرآن الكريم والسنة النبوية وأقوال الفقهاء وحوادث التاريخ، ويحاول أن يبحث في سياقات الأدلة ومرادها، وتطبيقاتها من عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، حتى لحظتنا الراهنة.

يبدأ الكتاب في سرد قصة مرت بالعلواني سنة 1963م، وهي التي جعلته يفكر في حكم قتل المرتد في الإسلام، حيث حاولت السلطة السياسية العراقية آنذاك أن تستغل حكم قتل المرتد لتصفية غرماء سياسيين، مما جعل العلواني يفكر في هذا الحكم من أبعاده المختلفة، ولكنه كما يقول تأخر في هذا البحث لأسباب كثيرة سرد مجملها في كتابة، ولكنه قال ما يراه في النهاية.

يبدأ العلواني في الحديث عن دعوى الإجماع على قتل المرتد، ثم يؤكد على أن الإجماع لا ينعقد لوجود المخالف في القرون الأولى، كقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رهط بني بكر بن وائل حين ارتدوا والتحقوا بالمشركين وقتلهم المسلمون في المعركة: ” لأن أكون أخذتهم سلماً كان أحب إلي مما على وجه الأرض من صفراء أو بيضاء، قال “أنس بن مالك رضي الله عنه”: وما كان سبيلهم لو أخذتهم سلماً ؟ قال عمر رضي الله عنه: كنت أعرض عليهم الباب الذي خرجوا منه، فإن أبو استودعتهم السجن” رواه البيهقي وعبد الرزاق وصححه ابن حزم في المحلى، ورأي الإمام إبراهيم النخعي ” يستتاب المرتد أبداً”  كما في نيل الأوطار للشوكاني، وهذا ما يراه الإمام سفيان الثوري حسب نقل العلواني.

ثم يفصل في الاستغلال السياسي لحد الرد، ويرجع الخلط بين الديني والسياسي إلى أسباب عديدة، بالإضافة إلى وجود التراث اليهودي الشفوي في جزيرة العرب، والذي يشير إلى قتل من يخرج على اليهودية. يرى العلواني أن الفتوحات الإسلامية أضافت إلى نسيج الأمة المسلمة بلاداً لها نظم وأعراف وقوانين، أصبحت تتفاعل مع العقل الفقهي الإسلامي، كما أن أسباب حروب الردة في عهد الصديق رضي الله عنه لم تكن واضحة تماماً، فبين أخذ الدين بمعناه الشامل، والذي يبرز فيه التشريع والحاكمية والنظام العام والحكم، وكلها تندرج – كما يؤكد العلواني- تحت الشريعة، فلم يوجد حد فاصل بين العقيدة والشريعة في هذا المجال، وأن حروب الردة كانت موجهة ضد “مواطنون” تخلوا عن التزاماتهم وواجباتهم باعتبارهم أعضاء في الأمة، كما يلحق الدراسة بأسماء الأئمة الذين اتهموا بالردة فقتلوا حداً أو لم ينفذ فيهم الحكم، كالشهرستاني، والحافظ المزي، وأحمد بن نصر الخزاعي، وأبو حيان التوحيدي وغيرهم.

وبعد البحث في مفهوم الحد بين القرآن والفقه، ومصطلح الحدود، يعرج على الأدلة أدت إلى القول بالردة، فيؤكد على أن آيات القرآن كلها لم تذكر حداً للردة أو عقوبة دنيوية عليها.

أحصى العلواني ما يقارب المئتين آية في حرية الإنسان وأن الشريعة كفلت له الحرية في خيارته العقدية، فلا إكراه على الدين، وأن حرية الاعتقاد مقصد من مقاصد الشريعة، وفصل في سبب نزول قوله تعالى “لاإِكْرَاهَفِيالدِّينِ” وذكر من الآيات التي تؤكد حرية الاعتقاد، كقوله تعال” وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَكَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ” وقوله تعال: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًالَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا” وغيرها من الآيات التي لم تحدد عقوبة دنيوية على الردة، ثم يبحث الكاتب في وقائع الردة في عهد الرسول علية الصلاة والسلام، ويتحدث عنها بشيء من التفصيل، حيث يخرج بنتيجة أن من قتل من المرتدين لم يقتل لتغييره اعتقاده، بل قتل لأسباب أخرى، إما النفس بالنفس، أو حد للحرابة، ولم يقتل الرسول من ارتد بعد حادثة الإسراء والمعراج، حتى بعد حين، وذكر من أسماء المرتدين عبيد الله ين جحش، والسكران بن عمرو، وكاتب بني النجار، وهؤلاء لم يقتلوا. والرسول عليه الصلاة والسلام قبل شفاعة عثمان بن عفان رضي الله عنه في عبدالله بن أبي سرح، وهو من المرتدين عن الإسلام، ومن كتاب الوحي السابقين، والرسول أمر بقتله ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة يوم الفتح، لكنه قبل شفاعة عثمان رضي الله عنه، ولم يقتله، ويعد العلواني هذا دليل على أن قتل المرتد لا يعتبر حداً شرعياً، بل حكماً سياسياً على من يهاجم الإسلام ويتربص بالمسلمين، وإلا لما تهاون في تطبيقه الرسول عليه الصلاة والسلام وهو القائل لأسامة بن زيد رضي الله عنه في قصة المخزومية التي سرقت” أتشفع في حد من حدود الله.. ولو أن فاطمة ..” الخ الحديث الشريف.

ويسرد العلواني قائمة من المرتدين الذين قتلوا بأمر الرسول عليه الصلاة والسلام لأسباب “جنائية” كمقيس من صبابة الليثي الذي ارتد وقتل أحد الأنصار وهرب، وعبدالله بن خطل الذي قطع الطريق وقتل رجلاً من الأنصار بعثه الرسول معه، وحرض على قتال الرسول الكريم، وتحدث عن حادثة نفر قبيلة عكل الذين قتلوا الراعي وسرقوا الإبل، وارتدوا عن الدين، وكيف أن كل هؤلاء لم يقتلوا لتغيير اعتقادهم، بل لمحاربتهم الرسول الكريم، والفساد بالأرض.

ثم تحدث العلواني عن ظاهرة النفاق، وأن عدم قتل الرسول عليه الصلاة والسلام للمنافقين مع أنه يعرفهم، يعزز قوله بأن المرتد لا يقتل، وإلا لقتلهم الرسول عليه الصلاة والسلام حداً، ولم تأخذه في الله لومة لائم، وفي هذا الصدد يقول الإمام الشافعي “وقد آمن بعض الناس ثم ارتد ثم أظهر الإيمان، فلم يقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم” نقله البيهقي في معرفة السنن والآثار، وقال ” أنه لم يقع في شيء من المصنفات المشهورة أنه صلى الله عليه وسلم قتل مرتداً ولا زنديقاً” ونقله العيني في شرح البخاري.

ثم يبحث في السنة القولية، وحديث الرسول عليه الصلاة والسلام ” من بدل دينه فاقتلوه” ويتحدث عن إشكاليات الحديث في طرقه وأسانيده ومتنه، حيث فصل في آفة تقديم الحديث على القرآن الكريم، وتحدث عن أن الحديث حديث آحاد، ومرسل في بعض طرقه، وفي بعض رجاله إشكاليات فصلها في بحثه.

ثم تحدث عن مذهب الفقهاء، وأن لهم دليلين هما: تصحيح حديث “من بدل دينه فاقتلوه” وأنهم اعتبروه عاماً في كل من غير دينه، حارب أم لم يحارب، وخصصوا به عموم القرآن، والدليل الثاني: دعوى الإجماع، والتي فصل في بعض إشكالاتها في هذه المسألة، وبعد أن سرد المسألة في مذاهب الفقهاء، أكد على تداخل السياسي بالعقائدي في هذه القضية، وأنها برمتها قضية سياسية تتعلق بتهديد الأمن القومي “بالمصطلح الحديث” ولا يبنى الحكم على محض تغيير الاعتقاد، وإلا لناقض الحكم مقاصد الشريعة في حرية الاعتقاد و “لاإِكْرَاهَ فِي الدِّينِ”.

كما أن ما يعزز هذا الجانب، تناول الفقهاء لقضية الردة في مجال قضايا القتال، ولم يضعوها في أبواب الحدود، وهذا ما فعلة المالكية حين وضعوا حكم الردة في باب الدماء،  والأحناف حين وضعوا حكم الردة في باب القتال، وقالوا بعدم قتل المرأة المرتدة أبداً، ويقول الدكتور محمد سليم العوا في كتابة “الحق في التعبير”: والأحناف يخصصون عموم الحديث بالمرأة المرتدة، لأنها لا تُقتل عندهم، ويعللون ذلك بأن المرأة لا تقاتل.

الدكتور طه جابر العلواني، ولد في العراق سنة 1935م، حاصل على الشهادة العليا من كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر سنة 1959م، والماجستير كذلك عام 1968م، والدكتورة في أصول الفقه عام 1973م، وعمل أستاذاً للفقه وأصوله في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض من سنة 1975م إلى سنة 1985م، وشارك في تأسيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي في الولايات المتحدة سنة 1981م، وهو عضو المجلس التأسيس لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، وعضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة، ورئيس المجلس الفقهي لأمريكا الشمالية، وله العديد من المؤلفات بالعربية والإنجليزية، ومنها الاجتهاد والتقليد في الإسلام، وأدب الاختلاف في الإسلام، وأصول الفقه الإسلامي: منهج بحث ومعرفة، والأزمة الفكرية المعاصرة: تشخيص ومقترحات علاج.

كتاب “لا إكراه في الدين: بحث في إشكالية الردة والمرتدين من صدر الإسلام إلى اليوم” صدر عن مكتبة الشروق الدولية، الطبعة الأولى سنة 2003م، والثانية بالاشتراك مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي سنة 2006م، ويقع في 198 صفحة من القطع الكبير.

رابط إلكتروني لتحميل الكتاب :

http://www.4shared.com/office/Ls1aKdHO/_____.html