“رأس المال لكارل ماركس.. سيرة”.. تاريخ الكتاب الذي هز العالم.. لفرنسيس وين

يقول ماركس: لا أحسب أن أحداً قط قد كتب عن النقود وجيوبه خاوية إلى هذا الحد

 

حين يدور الحديث عن كارل ماركس، فإننا ندخل عالم بؤس، عالم شديد الغرابة والغموض، شديد التعقيد، ويحمل الكثير من المفارقات والسخرية السوداء في أحايين كثيرة، الكتاب يدور حول كتابة ماركس لسفره الأشهر “رأس المال” وما يتعلق بهذه الكتابة من أحداث ومفارقات، “رأس المال” الكتاب الأكثر تأثيراً في العالم في وقت مضى، حيث يكتب “فرنسيس وين” سيرة رأس المال، يخوض في كيفية كتابة ماركس لتحفته، تلك الكتابة التي سلبت ماركس جل حياته، ولم يشهد إلا طباعة المجلد الأول بعد عقدين من البحث والكتابة ووعود النشر، ثم جمع رفيقه وداعمه الأول إنجلز الأجزاء الثلاثة الأخرى من مسودات ماركس وأوراقه بعد موته.

يقول أحد جواسيس الشرطة البروسية بعد دخوله شقة ماركس في برلين “ماركس يعيش حياة مثقف بوهيمي حقيقي” بل أنه ولشدة الفاقة والبؤس، كان يعيش لأيام هو وزوجته وأبناؤه على أكل الخبز و البطاطا، في الغرفتين اللتين تشكلان المأوى الوحيد لهم، ومرة كتب لإنجلز بأنه لا يستطيع الخروج من البيت، حيث إنه “وبكل فرح” رهن معاطفه ليسدد بعض الديون، وتوفي ثلاثة من أبنائه وهم صغار بسبب هذه الحياة البائسة، وكاد أن يرمي نفسه في قبر ابنه الثالث لكن أحدهم تدخل في اللحظة المناسبة ليمسك به، وكما يقول ماركس عن نفسه “لا أحسب أن أحداً قط قد كتب عن النقود وجيوبه خاوية إلى هذا الحد“.

ومع هذه البوهيمية الحقيقية والفقر نجد أن ماركس استمر يماطل أصدقاءه ودار النشر، ليتأخر تسليم المسودة الأولى من رأس المال “المجلد الأول” لعقدين من الزمن، بحثاً عن الكمال، وخوفاً من أي نواقص تعتري هذه التحفة، حيث انتقل من قراءة الأدب إلى علم الفلك، ومن دراسة الاقتصاد والرياضيات إلى الإلمام بالشعر والمسرح، وقراءة تفاصيل التفاصيل حول حياة الطبقة العاملة في بريطانيا، من أوراق أحضرها إليه إنجلز، كما أن إنجلز كتب عنها كتابة “حالة الطبقة العاملة في إنجلترا”، حيث اطلع على بعض الوثائق الهامة لكونه يمتلك أحد المصانع هناك.

لعل الكثيرين لا يعرفون بأن مطامح ماركس في بداية حياته كانت أدبية، حيث كتب وهو على مقاعد الدراسة الجامعية ديواناً شعرياً، ومسرحية شعرية، ورواية عنوانها “سكوربيون و فيليكس” ثم شعر بالهزيمة في هذا المجال، ليفتش عن آفاق أخرى، ليتعرف فيما بعد على أفكار هيجل، ليبدأ حكاية أخرى لم تنته.

مع الحياة البوهيمية والفقر، والتيه في أوروبا، بين بروسيا وإنجلترا وروسيا وألمانيا و فرنسا، كان هاجس “رأس المال” والحديث عن الطبقة البرجوازية، وحقوق الطبقة العاملة “البروليتاريا” وتحول المجتمعات من المجتمع الرأسمالي إلى المجتمع الشيوعي، واستثمار جدلية هيجل، والدخول في سجالات مع “الليبراليين المخجلين” كما يسميهم، مع كل هذا، كان هاجس الكتابة الفلسفية الاقتصادية هو المسيطر على ماركس، الكتابة من أجل حقوق الطبقة العاملة، والتنبؤ بحتمية النهاية للاقتصاد الرأسمالي، بيقين عقائدي لا حدود له!

من المفارقات التي عاشها ماركس، انه لم يلتفت كثيراً للمجتمع الروسي لأنه مجتمع زراعي وإقطاعي “إلى حد ما” ولم يدخل بوابة الرأسمالية، التي يراها ماركس حتمية، لكي تعبر من خلالها المجتمعات إلى الشيوعية، لكن المفارقة أن المجلد الأول من “رأس المال” والذي نشر في حياة ماركس، انتشر في روسيا أكثر من غيرها، حيث نفدت ثلاثة آلاف نسخة من الكتاب خلال عام واحد، بينما نفدت الألف نسخة “الألمانية” من الكتاب في أربعة أعوام.

ماركس الذي تجاهل المجتمع الروسي والاقتصاد الروسي، تفاجأ أثناء حياته برواج أفكاره هناك، وندم لأنه لم يعط روسيا حقها من الدراسة، بل من المفارقات أن الثورة البلشفية في روسيا وبعد وفاة ماركس بعقود صيرت من “رأس المال” كتاباً يكاد أن يقدس.

لكن الفكرة انحرفت، وكما يقول فرنسيس وين في كتابة “الماركسية كما مارسها ماركس نفسه لم تكن إيديولوجيا بقدر ما كانت عملية نقدية وحجاجاً ديالكتيكيا متواصلاً” وربما هذا ما دفع ماركس أن يقول في حسرة “كل ما أعرفه هو أنني لست ماركسياً” بعد حديثه مع أحد الاشتراكيين الماركسيين الفرنسيين.

أما عن الصعوبة التي تواجه من يقرأ ماركس و”رأس المال” تحديداً فيقول فرانسيس وين “رأس المال هو عمل فذ، نسيج وحده، بكل ما للكلمة من معنى، فليس ثمة ما يشبهه ولو من بعيد قبله ولا بعده، وربما كان هذا هو السبب وراء ما لاقاه على الدوام من إهمال أو إساءة تفسير“.

“رأس المال لكارل ماركس.. سيرة” من تأليف فرنسيس وين، وترجمه إلى العربية ثائر ديب، ويقع في 159صفحة من القطع المتوسط، وصدرت الطبعة الأولى منه عام 2007م عن مكتبة العبيكان للنشر.

 

نشر في صحيفة الرياض / بدر الراشد

3/3/2008م

عرض لكتاب الشيخ د.طه جابر العلواني “لا إكراه في الدين” حول حد الردة في الإسلام

“لا إكراه في الدين: بحث في إشكالية الردة والمرتدين من صدر الإسلام إلى اليوم” الكتاب الذي استغرق إعداده ما يزيد عن عقد من الزمن، كما يؤكد المفكر العراقي الدكتور طه جابر العلواني، يبحث فيه حكم الردة عن الإسلام في القرآن الكريم والسنة النبوية وأقوال الفقهاء وحوادث التاريخ، ويحاول أن يبحث في سياقات الأدلة ومرادها، وتطبيقاتها من عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، حتى لحظتنا الراهنة.

يبدأ الكتاب في سرد قصة مرت بالعلواني سنة 1963م، وهي التي جعلته يفكر في حكم قتل المرتد في الإسلام، حيث حاولت السلطة السياسية العراقية آنذاك أن تستغل حكم قتل المرتد لتصفية غرماء سياسيين، مما جعل العلواني يفكر في هذا الحكم من أبعاده المختلفة، ولكنه كما يقول تأخر في هذا البحث لأسباب كثيرة سرد مجملها في كتابة، ولكنه قال ما يراه في النهاية.

يبدأ العلواني في الحديث عن دعوى الإجماع على قتل المرتد، ثم يؤكد على أن الإجماع لا ينعقد لوجود المخالف في القرون الأولى، كقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رهط بني بكر بن وائل حين ارتدوا والتحقوا بالمشركين وقتلهم المسلمون في المعركة: ” لأن أكون أخذتهم سلماً كان أحب إلي مما على وجه الأرض من صفراء أو بيضاء، قال “أنس بن مالك رضي الله عنه”: وما كان سبيلهم لو أخذتهم سلماً ؟ قال عمر رضي الله عنه: كنت أعرض عليهم الباب الذي خرجوا منه، فإن أبو استودعتهم السجن” رواه البيهقي وعبد الرزاق وصححه ابن حزم في المحلى، ورأي الإمام إبراهيم النخعي ” يستتاب المرتد أبداً”  كما في نيل الأوطار للشوكاني، وهذا ما يراه الإمام سفيان الثوري حسب نقل العلواني.

ثم يفصل في الاستغلال السياسي لحد الرد، ويرجع الخلط بين الديني والسياسي إلى أسباب عديدة، بالإضافة إلى وجود التراث اليهودي الشفوي في جزيرة العرب، والذي يشير إلى قتل من يخرج على اليهودية. يرى العلواني أن الفتوحات الإسلامية أضافت إلى نسيج الأمة المسلمة بلاداً لها نظم وأعراف وقوانين، أصبحت تتفاعل مع العقل الفقهي الإسلامي، كما أن أسباب حروب الردة في عهد الصديق رضي الله عنه لم تكن واضحة تماماً، فبين أخذ الدين بمعناه الشامل، والذي يبرز فيه التشريع والحاكمية والنظام العام والحكم، وكلها تندرج – كما يؤكد العلواني- تحت الشريعة، فلم يوجد حد فاصل بين العقيدة والشريعة في هذا المجال، وأن حروب الردة كانت موجهة ضد “مواطنون” تخلوا عن التزاماتهم وواجباتهم باعتبارهم أعضاء في الأمة، كما يلحق الدراسة بأسماء الأئمة الذين اتهموا بالردة فقتلوا حداً أو لم ينفذ فيهم الحكم، كالشهرستاني، والحافظ المزي، وأحمد بن نصر الخزاعي، وأبو حيان التوحيدي وغيرهم.

وبعد البحث في مفهوم الحد بين القرآن والفقه، ومصطلح الحدود، يعرج على الأدلة أدت إلى القول بالردة، فيؤكد على أن آيات القرآن كلها لم تذكر حداً للردة أو عقوبة دنيوية عليها.

أحصى العلواني ما يقارب المئتين آية في حرية الإنسان وأن الشريعة كفلت له الحرية في خيارته العقدية، فلا إكراه على الدين، وأن حرية الاعتقاد مقصد من مقاصد الشريعة، وفصل في سبب نزول قوله تعالى “لاإِكْرَاهَفِيالدِّينِ” وذكر من الآيات التي تؤكد حرية الاعتقاد، كقوله تعال” وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَكَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ” وقوله تعال: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًالَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا” وغيرها من الآيات التي لم تحدد عقوبة دنيوية على الردة، ثم يبحث الكاتب في وقائع الردة في عهد الرسول علية الصلاة والسلام، ويتحدث عنها بشيء من التفصيل، حيث يخرج بنتيجة أن من قتل من المرتدين لم يقتل لتغييره اعتقاده، بل قتل لأسباب أخرى، إما النفس بالنفس، أو حد للحرابة، ولم يقتل الرسول من ارتد بعد حادثة الإسراء والمعراج، حتى بعد حين، وذكر من أسماء المرتدين عبيد الله ين جحش، والسكران بن عمرو، وكاتب بني النجار، وهؤلاء لم يقتلوا. والرسول عليه الصلاة والسلام قبل شفاعة عثمان بن عفان رضي الله عنه في عبدالله بن أبي سرح، وهو من المرتدين عن الإسلام، ومن كتاب الوحي السابقين، والرسول أمر بقتله ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة يوم الفتح، لكنه قبل شفاعة عثمان رضي الله عنه، ولم يقتله، ويعد العلواني هذا دليل على أن قتل المرتد لا يعتبر حداً شرعياً، بل حكماً سياسياً على من يهاجم الإسلام ويتربص بالمسلمين، وإلا لما تهاون في تطبيقه الرسول عليه الصلاة والسلام وهو القائل لأسامة بن زيد رضي الله عنه في قصة المخزومية التي سرقت” أتشفع في حد من حدود الله.. ولو أن فاطمة ..” الخ الحديث الشريف.

ويسرد العلواني قائمة من المرتدين الذين قتلوا بأمر الرسول عليه الصلاة والسلام لأسباب “جنائية” كمقيس من صبابة الليثي الذي ارتد وقتل أحد الأنصار وهرب، وعبدالله بن خطل الذي قطع الطريق وقتل رجلاً من الأنصار بعثه الرسول معه، وحرض على قتال الرسول الكريم، وتحدث عن حادثة نفر قبيلة عكل الذين قتلوا الراعي وسرقوا الإبل، وارتدوا عن الدين، وكيف أن كل هؤلاء لم يقتلوا لتغيير اعتقادهم، بل لمحاربتهم الرسول الكريم، والفساد بالأرض.

ثم تحدث العلواني عن ظاهرة النفاق، وأن عدم قتل الرسول عليه الصلاة والسلام للمنافقين مع أنه يعرفهم، يعزز قوله بأن المرتد لا يقتل، وإلا لقتلهم الرسول عليه الصلاة والسلام حداً، ولم تأخذه في الله لومة لائم، وفي هذا الصدد يقول الإمام الشافعي “وقد آمن بعض الناس ثم ارتد ثم أظهر الإيمان، فلم يقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم” نقله البيهقي في معرفة السنن والآثار، وقال ” أنه لم يقع في شيء من المصنفات المشهورة أنه صلى الله عليه وسلم قتل مرتداً ولا زنديقاً” ونقله العيني في شرح البخاري.

ثم يبحث في السنة القولية، وحديث الرسول عليه الصلاة والسلام ” من بدل دينه فاقتلوه” ويتحدث عن إشكاليات الحديث في طرقه وأسانيده ومتنه، حيث فصل في آفة تقديم الحديث على القرآن الكريم، وتحدث عن أن الحديث حديث آحاد، ومرسل في بعض طرقه، وفي بعض رجاله إشكاليات فصلها في بحثه.

ثم تحدث عن مذهب الفقهاء، وأن لهم دليلين هما: تصحيح حديث “من بدل دينه فاقتلوه” وأنهم اعتبروه عاماً في كل من غير دينه، حارب أم لم يحارب، وخصصوا به عموم القرآن، والدليل الثاني: دعوى الإجماع، والتي فصل في بعض إشكالاتها في هذه المسألة، وبعد أن سرد المسألة في مذاهب الفقهاء، أكد على تداخل السياسي بالعقائدي في هذه القضية، وأنها برمتها قضية سياسية تتعلق بتهديد الأمن القومي “بالمصطلح الحديث” ولا يبنى الحكم على محض تغيير الاعتقاد، وإلا لناقض الحكم مقاصد الشريعة في حرية الاعتقاد و “لاإِكْرَاهَ فِي الدِّينِ”.

كما أن ما يعزز هذا الجانب، تناول الفقهاء لقضية الردة في مجال قضايا القتال، ولم يضعوها في أبواب الحدود، وهذا ما فعلة المالكية حين وضعوا حكم الردة في باب الدماء،  والأحناف حين وضعوا حكم الردة في باب القتال، وقالوا بعدم قتل المرأة المرتدة أبداً، ويقول الدكتور محمد سليم العوا في كتابة “الحق في التعبير”: والأحناف يخصصون عموم الحديث بالمرأة المرتدة، لأنها لا تُقتل عندهم، ويعللون ذلك بأن المرأة لا تقاتل.

الدكتور طه جابر العلواني، ولد في العراق سنة 1935م، حاصل على الشهادة العليا من كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر سنة 1959م، والماجستير كذلك عام 1968م، والدكتورة في أصول الفقه عام 1973م، وعمل أستاذاً للفقه وأصوله في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض من سنة 1975م إلى سنة 1985م، وشارك في تأسيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي في الولايات المتحدة سنة 1981م، وهو عضو المجلس التأسيس لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، وعضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة، ورئيس المجلس الفقهي لأمريكا الشمالية، وله العديد من المؤلفات بالعربية والإنجليزية، ومنها الاجتهاد والتقليد في الإسلام، وأدب الاختلاف في الإسلام، وأصول الفقه الإسلامي: منهج بحث ومعرفة، والأزمة الفكرية المعاصرة: تشخيص ومقترحات علاج.

كتاب “لا إكراه في الدين: بحث في إشكالية الردة والمرتدين من صدر الإسلام إلى اليوم” صدر عن مكتبة الشروق الدولية، الطبعة الأولى سنة 2003م، والثانية بالاشتراك مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي سنة 2006م، ويقع في 198 صفحة من القطع الكبير.

رابط إلكتروني لتحميل الكتاب :

http://www.4shared.com/office/Ls1aKdHO/_____.html

«موما» رحلة مدهشة في عوالم الإنسان المعاصر وحالاته النفسية!

نيويورك، تقرير – بدر الراشد

    عند زيارتك لمتحف الفنون المعاصرة في مدينة نيويورك، أنت لا تزور متحفا بالمعنى المعتاد للكلمة، بل ذروة الجنون، والسوريالية، تلك النقطة التي تتمكن معها من قراءة لوعي الإنسان المعاصر ولا وعيه، وتحديد كيف أثرت الأحداث والتغيرات الهائلة التي تعرض لها الإنسان خلال المئة والخمسين سنة الأخيرة على أرواح فنانينا التي جمعت أعمالهم هناك، لتعبر بصورة ما عن الهزات التي تعرض لها الإنسان في الوعي، عن نفسه، وما حوله. فتجد اللوحات السوريالية والدادائية، ومدارس أخرى منوعة، عبثية ورومانسية.

يمكن من خلال قراءة الأعمال المعروضة في «موما» التعبير عن كل ما يتعرض له الإنسان المعاصر من اللاجدوى والاغتراب وانعدام المعنى، والخوف من المجهول، والقلق على مصير الإنسانية.

نجد تبايناً مثيراً في الأعمال المعروضة، من أجمل لوحات سلفادور دالي، وأكثرها اكتناز بالمعاني، إلى النبالة «النبيطة» الإلكتروني!.

أعمال دالي تجاوز تجسد بحق قمة نضج السوريالية، فن حقيقي يعجز خيال الإنسان على التفكير به، لكن رساما مبدعا كدالي استطاع أن يجسد هذا النفور وتلك الدقة بلوحات لا يمكن نسيانها. أما النبالة الإلكتروني فهو يجسد خيال الإنسان المعاصر المعتاد، الذي أصبح يفكر في كل شيء كآلة، بأزرار وشرائح ومرتبطة بالأقمار الفضائية، حتى تلك النبالة الأزلية. أو حتى سجادة الصلاة بتصميم رقمي. كتلك المعروضة في «موما» لفنان تركي !

هل لتأويل الأعمال الفنية حد ؟ هل يمكن تأويل كل شيء ؟ هل لكل عمل معنى حتى ذاك الذي بلا معنى ؟ يصبح حينها انعدام المعنى معنى ! ربما كان هذا الحديث مكررا ومملاً، لكنك تقف وجها لوجه أمامه عندما ترى بعض الأعمال المعروضة في «موما» لتعبر عن ذروة المعاصرة الفنية. بكل جنوحها وجنونها.

ما معنى مجموعة من اللوحات البيضاء الفارغة؟ ما المغزى من عرض لوحات بيضاء بأطارات ملونة مختلفة ؟ ثلاث لوحات فارغة محاطه بإطارات ذات ألوان زاهية مختلفة أو لوحات بيضاء مقلمة بلون أخر؟.. هل تعني اتفاق جوهر الإنسان واختلاف ظاهرة ؟!! يمكن أن يكون هذا معنى للوحات ومبرر لعرضها. أو الأعمال الفنية لا تحتاج مبررات لعرضها أصلا؟! لكن من سيحدد أن هذا عملا فنيا بالأساس؟ من حكم على كومة «التبن» المعروضة في «موما» بأنها عمل فني؟! أو حطام السيارة الملون؟! أو حتى العربة التي تحوي «كومة» من شيء ما، قد نجدها في أي قرية زراعية في العالم، مرمية ويعلوها الصدأ.

أو لوحة الموناليزا الموضوعة في إحدى زوايا المعرض، بالتأكيد ليست لدافنشي فتلك تعرض على بعد آلاف الأميال في متحف اللوفر، بل نسخة من الموناليزا رسمُ عليها «شارب» و»لحية» فعرضت في «موما» بتلك الزوائد التي خطها فنان ما!

بعض الأعمال لا تختلف عن أي كتابة عشوائية على حائط أي حي فقير من هذا العالم. لكن لم يحظ أولئك المعدمون بمن يجعل لخربشاتهم قيمة، فيعلقها في معرض فني. ذلك فن لم يكتشف بعد ويقدر.

بعض أقسام «موما» تحولت لما يشبه أي معرض أثاث في أي مدينة حديثة من العالم، حوت تصاميم غريبة لكراسي وطاولات وسلال مهملات. لتجسد أقصى معاصرة فنية ممكنة. تقدير ما هو مزامن من فن، ماله معنى وقيمة تجاوز الرسوم التقليدية الطبيعية المغرقة في رومانسيتها فترسم أطباق فواكه أو خضروات، وعناق عشاق.

بعض الأعمال مثيرة لشدة غرباتها، ولانفتاحها على التأويل، كالنحت لوجه بشري في فمه قارورة لمشروب غازي. هل يمكن اعتباره احتجاج رمزي ضد الرأسمالية ؟.. ربما كانت كل تشوهات التي حكاها الفن في المعرض تعبيراً عن تلك الفجوة. اغتراب الإنسان المعاصر الذي جعله يجنح إلى الجنون، فناً.

أعمال الأمريكي جاكوب لورانس تحكي بكل حرفية المعاناة التي عاشها السود في الولايات المتحدة خلال سنوات الاستعباد والعنصرية، فباتت شاهدا على حقبة تاريخية، يراد لها أن تبقى حية في الذاكرة كي لا تتكرر في أي مكان من العالم.

أما أعمال الفنان الفرنسي ماكس إرنست فتجسد جنوح المدرسة «الدادائية» بكل نقماتها على الحرب العالمية، وتجسيد كل تناقضات العالم، وما حمله البشر آنذاك على الكون من غل لا حدود له، جسد فنان بأعمال تلك المدرسة.

شمل المعرضة مجموعة من المشاهد المصورة القصيرة التي عرضت على شاشات صغيرة ومتوسطة، تباينت جودتها وجنوحها، لكن لا يمكن إلا أن تقول: هذا الشيء معاصر أكثر مما يجب.

جريدة الرياض

10 سبتمبر 2011م

http://www.alriyadh.com/2011/09/10/article665934.html

«الصحوة في ميزان الإسلام ».. اختلال الخطاب الهجائي

  في كتاب “الصحوة في ميزان الإسلام: وعاظ يحكمون عقول السعوديين” يتحدث المؤلف علي الرباعي عن عنوان الكتاب بقوله “أما وقد أصبح أغلب قومك اليوم يتحدثون باسم الإسلام، دون خجل، ويختزلونه في ذواتهم دون حرج، فلا بأس من ركوب الموجه …” وفي خضم حديثه عن ماضيه الصحوي وهفواته آنذاك – حسب تعبيره- يكتب: ..ولا أبيح لأحد أن يستنكرها علي، فما أنا إلا من غزية إن غوت غويت ((وإن ترشد غزية أرشد)).

ربما كانت هذه العبارات ملخصة – لحد ما – لدوافع التسمية من جهة، والكتابة من جهة أخرى، والطريف أن الكاتب يعتبر أن الروائي عبدالله ثابت أحرق معظم أوراق من يريدون كتابة تجاربهم الذاتية مع الصحوة بعد أن دون رواية “الإرهابي 20”!.

لم يكن الكتاب من كتب “الموازين” المعتادة لدى التيارات الدينية، والتي تضع معياريتها ، وتبدأ تقيس الأفكار على أساس هذه المعيارية، كما حاول الكاتب أن يقول في مقدمته، بالإشارة إلى التحدث باسم الدين، بل استخدم الكاتب أسلوب الوصف لما يعتبره أساسيا لدى الصحوة، دون منهجية واضحة، مما أوقعه في بعض التناقضات الفاضحة في قضايا أساسية، سبب هذه التناقضات ترديد الكليشيهات المعتادة، وإضافة بعض الملاحظات التي يدحضها سياق إنتاج الفكر الصحوي، كتكرار فكرة أن الصحوة – ربما- كانت صنيعة دول غربية!، حيث يكتب الرباعي” ..والحقيقة أني لا استبعد إسهام الصنيعة الأجنبية، والصياغة الخارجية لحركة الصحوة” وفي موضع آخر “..وأزعم في هذا المقام أنهم يتلقون دعما خارجيا”.

أشار إلى أن حركة الإخوان المسلمين تقوم على فكرة التغيير من أعلى، لا كما فعل الصحويون بالبدء من القاعدة الجماهيرية، مع أن حركة الإخوان المسلمين هي التي تؤكد على البدء من القاعدة الجماهيرية لذا تحشد قواعدها الشعبية، وتؤكد في مناهجها على تربية الشباب، بينما نجد أن حزب التحرير على سبيل المثال هو الذي يؤكد على فكرة التغيير من أعلى، لذا يهتم بالجدل الفكري والحوارات مع الآخرين، ويحاول أن يصنع طبقة من النخب التابعة له. وهذا الاضطراب يدل على عدم إدراك الكاتب للاختلافات والتحولات داخل حركات الإسلامي السياسي بتحزباتها المختلفة وأدبياتها المنوعة.

ومن أبرز تناقضات الكاتب، الاضطراب في وصف المجتمع، فتارة هو مجتمع منغلق، وتارة أخرى هو مجتمع منفتح! إذ يكتب الرباعي “ولم ينج الأدب من التشويه، ووصمه ومنتجيه بأشنع وأقبح الألفاظ السائغة الترويج من الكفر والفسوق، والفجور والخبث، والردة، والزندقة، ومرد ذلك إلى أن المجتمع السعودي مجتمع منغلق إبان تيار الصحوة، وجاهل بمصطلح التعددية” وهذا الانغلاق هو ما يبرر به الرباعي تغلغل فكر الصحوة “ما منح الصحويين فرصة انتهاز الوضع وتمرير الخطاب الصحوي ..” وفي موضع لاحق يؤكد المؤلف “من يقرأ حقبة الستينيات والسبعينيات بموضوعية سيخرج بانطباع أن السعودية كانت برغم مرحلة النشوء متقدمة في الفكر والثقافة وحرية الإبداع مقارنة بالتراجعات التي وقعت لاحقاً”!.

بعض اللحظات الخطابية جعلت الكاتب يرتكب هفوات معرفية هائلة، حيث كتب على سبيل المثال:”..ما أسهم في علو صوت الولاء والبراء الذي لم يعرف إلا في أدبيات الصحويين” مع أن مفهوم الولاء والبراء نوقش وبحث على امتداد التاريخ الإسلامي منذ البدايات، وترتفع وتيرة النقاش حوله مع أي احتكاك عسكري أو حضاري مع الآخر كما حدث مع اجتياح المغول للدولة العباسية على سبيل المثال.

كما يجنح الكاتب إلى عموميات غريبة، كقوله “يذهب محللون إلى أن معتقد الإخوان هو ذاته معتقد الخوارج الذين يكفرون المسلم بالمعصية” مع أن الإشكالية الرئيسية للإخوان “المقصود هنا إخوان من طاع الله” هي رفض الاستقرار في الدولة والتمدن والمطالبة باستمرار الجهاد – حسب أدبياتهم- وكذلك رفض العلاقات مع الدول الغربية، وإشكالية الولاء والبراء كذلك. يطرحونها وفق مفهومهم في سياقاتهم الفكرية، لا قضية تكفير المسلم بالمعصية كما لدى الخوارج.

ومن هذه العموميات قول الكاتب “يكاد يجمع مفكرو العالم الإسلامي – التنويريون- منهم على وجه الخصوص – على أن الخطاب الصحوي خطاب استمالي ومراوغ”.

يحيلنا استخدام اللهجة التعميمية الإنشائية مباشرة إلى العقل الفقهي السائد، الذي يستخدم الاجماع المتوهم لإثبات أي حكم، مع أن عالم الأفكار هو عالم التفرد، والاستدلال المنطقي، لا البحث عن الأقوال العمومية والكليشيهات المكرورة، التي تكتسب شرعيتها بسبب كثرة ترديدها، وسطوتها الرمزية، لا بسبب ما يدعمها من براهين وحجج.

يلاحظ الاضطراب شديد في أفكار الكتاب، أو الكتيب الذي لم تتجاوز صفحاته 86 صفحة، حيث يرجع نشأة حركات الإسلام السياسي – والتي يتعامل معها كمرادف للصحوة- إلى سقوط الخلافة العثمانية، وإلى “تصدير الإسلام من الهند إلى بلاد الحرمين” حيث يشير إلى تأثير المدرسة الحنفية الديوباندية برمزها أبو الأعلى المودودي على نشأة الصحوة، من خلال تأثيره على الحركيين المصريين كحسن البنا وسيد قطب، وإن كان تأثر حركات الإسلام السياسي بفكر المودودي حقيقة لا يمكن الالتفاف عليها، إلا أن الكاتب يربط كذلك بين الصحوة وبين حركة الإخوان “إخوان من طاع الله ” وحركة جهيمان، والقاعدة في وقت لاحق، بصورة مشوشة.

يوضح المؤلف في المصادر، أنه “استأنس” بمقالات الكتاب: إبراهيم البليهي، ومحمد المحمود، منصور النقيدان، بالإضافة إلى حوارات ناصر الحزيمي، دون الإشارة لهم بالنص، إلا بشكل محدود جدا.

قراءة “الصحوة” ومسارها التاريخي، مر بعدة مراحل ومناهج، منها ما يتعلق بالمراجعات الفكرية التي تمس مفاهيمها الأساسية، كالكتابات التي دُشنت أواخر التسعينيات الميلادية ممن كانوا ينتمون إليها، حيث تمت مراجعة الكثير من أدبياتها وأفكارها حول الولاء والبراء، ومفهوم الدولة الإسلامية، وتنظيم العلاقة في الداخل الإسلامي مع الاختلافات المذهبية، والعلاقة مع الآخر المخالف دينياً، وبعض المسائل الفقهية ..الخ. ومنها ما درس تاريخها ونشأتها، في سياق تطورات الفكر الإسلامي المعاصر، كالكتابات العربية المتعددة التي تدرس الصحوة وحركات الإسلام السياسي في سياق دراسة الفكر النهضوي العربي، وتجلياته المختلفة والمتضادة. ومنها ما حاول معالجة العلاقة بين الحركات الإسلامية والإرهاب مع إرهاصات أحداث سبتمبر، ما تلاها من أحداث محلية. لكننا مع بعض الكتابات المتأخرة، نشعر بغلبة التحيزات المسبقة الناقمة ابتداءً على الموضوع المدروس، وتوسم الخطب الهجائية، مما يفقد المعالجة موضوعياتها ورصانتها، ويوقعها في مأزق تكرار الكليشيهات المعتادة، وترديد ما قيل مسبقاً دون إضافة أو معالجة أكثر عمقاً.

 

صحيفة الرياض – 25 مارس 2010م

نقاش «الهادي والهاذي» في تحرير موقف ابن تيمية من «الحكمة المصلوبة»

 لا يمكن التغاضي عن أن السجال الفكري في بدايته يخاض حول رموز معينة، أكانت قضايا تتحول إلى أيقونات ثقافية وفكرية، أو حول أشخاص يتم التحارب حول خطابهم، إما لمكانتهم الثقافية وعمق رؤاهم المعرفية، أو بسبب تأثيرهم، وهذا ما ينطبق بصورة ما على الجدل الدائر حول ابن تيمية والكتب المؤلفة حوله محلياً، ومن هذه الكتب ما طرحه الباحث سعود السرحان في كتابه «الحكمة المصلوبة: مدخل إلى موقف ابن تيمية من الفلسفة» والذي يبحث من خلاله موقف ابن تيمية من الفلسفة كمدخل مختصر، جاء الرد عليه من الدكتور عبدالله الهدلق في كتاب «الهادي والهاذي: ابن تيمية جلاد الحكمة المصلوبة».

يمكن ابتداءً وضع الحوار والجدل المتكرر حول ابن تيمية في هذا الإطار، والذي يبدو بأنه انتقل من جانبه العقدي والفقهي، البحت حول القضايا الكلامية والفقهية، إلى جوانب مرتبطة بالفكر الديني المعاصر، ومن المثير والملفت للانتباه أن ابن تيمية من أكثر الفقهاء الذي تباينت حولهم الآراء بشكل حاد، بين انغلاق فقهي وعقدي يمكن أن يوصم بالرؤية الأصولية المتطرفة – وربما الجهادية- حسب تعريف السيد ولد أباه للأصولية وتفريقه بين الأصولية والسلفية، أو الرؤى السلفية التقليدية السائدة، أو الإصلاحية المختلفة كأطروحات أبي يعرب المرزوقي حول النهضة العربية والإسلامية كمشروع استلهم فيه ابن تيمية بصورة ملفتة، أو استلهام آرائه على الصعيد المحلي في التحليل كما يكتب منصور الهجلة في مقالاته أو الشيخ عبدالعزيز القاسم والذي يرى بأن «سقف التنوير» مرتفع عند ابن تيمية ولم يجارَ إلى الآن من أي فقيه، وفي إطار مغاير يأتي كتاب عائض الدوسري حول ابن تيمية والآخر، ليكمل الانقسام الشديد حوله.

يؤكد الدكتور حسن حنفي في تقديمه لكتاب «الحكمة المصلوبة» على أهمية الدراسة لكونها دراسة سعودية أولاً، ولأنها تعتمد على المصادر الأصلية والمراجع الرئيسية، وتدافع عن الفلسفة بشكل صريح من داخل الموقف السلفي، وهذا ما يؤكد عليه الباحث ذاته حين كتب في مقدمته حول الدراسة «وحسبي أن أكون مهدت الطريق أمام هذه الدراسات التي سيكون لها الأثر الكبير ليس على الفكر السلفي فقط بل وعلى الفكر الإسلامي بصورة عامة» هذه العبارة جعلت الدكتور الهدلق يسخر من السرحان ويتحدث عن الرغبة بالتأسيس الثقافي والفشل في المشروع السلفي ووصف الهدلق موقف سعود السرحان «بالمشغب على المدرسة السلفية» ويصفه ب«الثأر .. الشعور بالنقص ..النشوة المعرفية ..هذا البحث يظن كاتبه أن حجم الإبداع يقاس بمطلق الجرأة على الثوابت .. استظهارات هذا العقل تكشف عما يمني به الإنسان نفسه حين لا يوفق في الموازنة بين طموحة وإمكاناته..لولا ما بلينا به من هذه الرعونة .. من أين يستمد هؤلاء هذه الجرأة والقدرة على الصفاقة؟» وتجد هذه العبارات وما شابهها من حديث شخصي حاد منثورة في طيات «الهادي والهاذي» ومن الملفت بالإضافة إلى التأزم الواضح من كتاب «الحكمة المصلوبة»، أن أول ما فعله الهدلق في رده الاستعانة بترسانة من أقوال من يرون في ابن تيمية مستوعباً للفلسفة بشكل كامل وناقض موفق في نقضه كأبي يعرب المرزوقي وعبدالحكيم أجهر ومحمد عمارة وغيرهم.

بحث السرحان جاء في ستة محاور: واقع الفلسفة في عصر ابن تيمية والأسباب التي دعته للاهتمام بها، ومدى أصالة اطلاعه على التراث الفلسفي، وتأثره بالفلسفة، ومواقفه من الفلسفة وبعض أبرز الفلاسفة، وفرق في بحثه بين موقف ابن تيمية من الإلهيات وبين الطبيعيات، ونفيه لوجود فلاسفة في الإسلام، وكون ابن تيمية لم يقرأ لأرسطو، وهي النقطة التي رد عليه الهدلق من خلال تأكيده على عمق اطلاع ابن تيمية على ابن رشد، أفضل من شرح أرسطو، وكذلك تحدث السرحان عن خلط ابن تيمية بين المدارس الفلسفية وعدم تفريقه بين ما قبل أرسطو وما بعد أرسطو ومواقفهم، واستخدام الفلسفة بشكل نفعي وسجالي.

كان حديث السرحان مختصراً ومحدداً بشكل كبير، وربما كان هذا الاختصار مخلاً في نقاش موضوع من هذا الحجم والأهمية، وجاء رد الهدلق مقنعاً في بعض القضايا كحديثه عن أن ابن تيمية درس أرسطو عن طريق ابن ملكا وابن رشد أفضل شراحه، أو حديثه عن الفيلسوف سيف الدين الآمدي.

الهدلق انطلق في رده كما يقول من كون ابن تيمية «أربح ورقة لها – السلفية- في التراث العقلي عامة» وينقل هنا موقف له العديد من الدلالات حول دوافع الهدلق في الرد على السرحان، حيث ينقل في الهامش قصة عن الشيخ إبراهيم ابن جاسر يذكر أن الشيخ بعد أن غلبه النشيج والبكاء بين طلابه وهو يدرسهم «منهاج السنة» ثم قال: أيها الأخوان لو لم يقيض الله لهذا الطاغية وأمثاله – يقصد ابن المطهر- هذا الإمام الكبير – ابن تيمية – فمن الذي يستطيع الرد والإجابة على هذه الحجج والشبهات.

هذا الموقف، وبعض العبارات التي ذكرها الهدلق حول مكانة ابن تيمية وتفرده عند التيار السلفي، يوضح تماماً معنى أن يتحول شخص ما إلى أيقونة ثقافية ومركز صراع، مع التأكيد على أن فقيهاً كابن تيمية يُتفهم تماماً هذا الجدل حوله، والتنوع في قراءته، وربما كانت دراسة السرحان قابلة للنقاش بشكل أكبر، دون وضعها في سياق الانبهار بالغرب، والتشغيب على المدرسة السلفية، والانطلاق من عقدة الثقافة.

الملفت في طرح الهدلق محاولة عقلنة موقف ابن تيمية من الفلسفة ولو بأثر رجعي حين يقول «ان ابن تيمية كان يهدف إلى إزاحة الرهبة من الآخر وكشفه وتحجيمه والتصدي لأي وصاية فكرية تصدر منه» هذه الروية تهدف لجعل موقف ابن تيمية موقفاً فكرياً عقلياً لا موقفاً نصوصياً كما هو معروف.

 

صحيفة الرياض – 26 مارس 2009م

“السلفية والليبرالية” تكريس للثنائية وإشكالية في المصطلحات.. بحثاً عن الإبداع

  في أي دراسة أو كتاب، لا يمكن لنا أن ننفك من سطوة العنوان، فهو المحدد لفضاء الكتاب، بمنطوقه أو ما يتضمنه، فالعنوان يرسخ مضامينه في عقل المتلقي، ويأتي عنوان كتاب الدكتور عبدالله البريدي في هذا الإطار، فالعنوان ولأول وهلة يكرس لثنائية “السلفية والليبرالية” ومن أول أسئلة الكتاب “هل يسعنا ألا نكون سلفيين ولا ليبراليين ونظل محتفظين بتديننا وإنسانيتنا وإبداعيتنا في واقعنا العربي المعاش؟” بالتأكيد أن هذا مجرد تساؤل طرحه الكاتب، لكن مجرد صياغة المسألة بهذه الصورة، يسوقنا ولو بلا وعي لترسيخ الجدية التي نعيشها.

ويبرر الكاتب لهذه الثنائية بأنهما “تياران متناطحان في مشهدنا الثقافي المعاصر” ثم يضيف في فقرات لاحقة عن زعمهم أن.. “كل واحد منهما يجسد طريق الخلاص وسبيل النهوض ومبعث الإبداع” وكلا الأمرين لا تختص بهما الليبرالية والسلفية، أي أن هذه الثنائية منتهية أساساً ولا يوجد ما يبرر ترسيخنا لها، إن كانت السلفية تنطلق من فكرة خلاصية في النهضة والإبداع، فلا يمكن اعتبار الليبرالية خلاصية بهذا التعميم، حتى أن عراب الليبرالية كخلاص “فوكوياما” تراجع عن يقينه، كما أن فكرة الخلاص موجودة عند غير هؤلاء، فبعض العلمانيين يطرحون أفكارهم كفكرة خلاصية، ومن ناحية أخرى نجد الكثير من التيارات الفكرية خاصة التي تشكلت بصورة حركات نهضة أو أحزاب سياسية معاصرة، لا تنطلق من فكرة خلاصية بقدر ما تقدم برامج نهضوية ديناميكية تتطور باستمرار في فضاءاتنا العربية، ومن هنا نجد أن تجاهل البريدي للتيارات القومية واليسارية والإسلامية الجديدة في دراسته للإبداع العربي ومعوقاته غير مبرر.

وتأتي الإشكالية هنا متجاوزة، فالقضية هنا لم تطرح في إطارها الشامل كالحديث عن الأصالة والمعاصرة أو التراث والحداثة، بل جاءت في نطاق ضيق جداً، مختصر بتشكل واحد من تشكلات الإسلام “السلفية” وهو تشكل محلي محدود، وتشكل محدود أيضاً من تشكلات الفكر العربي المعاصر “الليبرالية” بل النيوليبرالية، لنكتشف في طيات المعالجة أننا لا نتحدث عن سلفية بمعناها الشامل أو العام حتى، أي أننا لا نتحدث عن توق للماضي أو الآخر في الماضي ومحاكاته، أو هيمنة للتقليد بشكل يحكم جميع السياقات الفكرية العربية، كما يذكر البريدي نفسه “النسق العام في ثقافتنا المعاصرة يسير باتجاه التقليد والمحاكاة والجمود” بل تأتي السلفية هنا بمعنى واحد وضيق، والذي يعبر عنه من خلال الكتاب بثلاث شخصيات رئيسية، جاءت تعريفاتهم لمصطلح سلفية كتحديد لمعناه، ألا وهم الشيخ صالح الفوزان والدكتور عبدالرحمن الزنيدي وعبدالرحمن عبدالخالق، ثم يسرد البريدي مجموعة أخرى من التعريفات بالسلفية لتثبت تناقض المصطلح واختلافه، ثم يتحدث عن “بذور الفنائية داخله”.

ما ينسحب على مصطلح السلفية هنا، ينسحب تماماً على مصطلح الليبرالية، والإشكالات التي تثار حوله، لكن الفرق بالتأكيد – كما يقول البريدي – أن إشكالات مصطلح السلفية هي إشكالية أصيلة في تراثنا، أما مصطلح الليبرالية فإشكالاتها مستوردة، وبقدر وجاهة هذا المنطق، إلا ما ينسحب على السلفية المعاصرة ينسحب تماماً على الليبرالية المعاصرة، فكلاهما إشكالية معايشة الآن، وكلاها جاء من الآخر، الآخر في الماضي أو الآخر الغربي، ومع هذا، إلا أن البريدي حكم على مصطلح الليبرالية ب “المائي” بمعنى أننا لا نستطيع أن نلم به، ومع تشابه الحالتين الليبرالية والسلفية، إلا أن البريدي لم يحاول أن يبحث بشكل أكبر في المصطلح، بل اكتفى بشذرات ليثبت أنه “بلا هوية” و”مائي” لكنه ارتكب في معالجة مصطلح الليبرالية إشكالية أخرى، يمكن اعتبارها “تحيز ضد” كما يعبر البريدي، فهو حين تعاطى مع مصطلح السلفية، حاول أن ينوع في نماذج بشكل مميز أعطى تحليله الكثير من الدقة، لكنه في الجانب الآخر، وحين تحدث عن مصطلح الليبرالية، تعامل أولاً مع الليبرالية كخطيئة ولو بشكل ضمني، وهذا أمر غير منهجي، فسرد تعاريف للليبرالية من مقالات كتاب سعوديين دون أسماء أو مصادر، ولم يذكر إلا اسم الكاتب محمد المحمود في أحد الهوامش، ومن ناحية ثانية، عالج المصطلح في فضاءاته العربية بشكل مبتسر، كما أنه حصر الليبرالية في فئة واحدة، حين تحدث عن مؤسسة راند الأمريكية والدعم الخارجي، وعن شاكر النابلسي والعفيف الأخضر وأحمد البغدادي وكأن الليبرالية مقصورة على هؤلاء الذين يسمون عادة ب “النيوليبرالية” أو الليبرالية الجديدة، وهنا أرى خطأً منهجياً وتحيزاً “غير مهضوم” كما يعبر البريدي في حديثه عن التحيز، بل أدخل ضمن هؤلاء أدونيس ومارسيل خليفة!!

تأتي إشكالية أخرى، في حديث البريدي عن الإبداع نفسه، فأنا أستطيع أن أتحدث عن غياب الإبداع الفكري أو الثقافي من خلال الحديث عن السلفية أو الليبرالية، لكن لا يمكن أن أتحدث عن غياب الإبداع في الجوانب العلمية الأكاديمية من خلال هذه الثنائية، فعندما يتحدث البريدي عن الإبداع بقوله: “أين الإبداعات في علم النفس، وعلم الاجتماع، والتربية، والإعلام والاتصال، والاقتصاد، والسياسة، والإدارة، والدراسات المستقبلية، والدراسات الحضارية، واللغويات، فضلاً عن نظرية المعرفة والفلسفة ومناهج البحث” هو لا يتحدث عن إشكالية سلفية وليبرالية وإن كان المحتوى الفكري جزء من المشكلة، لكنه يتحدث عن أزمة أكاديمية لا يمكن أن تعالج من خلال مستوى واحد وردها للمستوى الفكري وحده، دون النظر التحليلي للاقتصاد والسياسة والتعليم والمجتمع.. الخ لتحليل الإشكالية بصورها الشاملة، بل وما يعزز نقص هذا التحليل في رأيي أن الكثير من الأكاديميين في عالمنا العربي هم خارج الإشكالية أصلاً، كما لا يمكن حصر الإبداع في وضع النظريات والنماذج والمصطلحات كما يكرس البريدي في كتابه، الأهم أن تكون النظريات مجدية والنماذج مفسرة والمصطلحات معبرة.

كتاب “السلفية والليبرالية: اغتيال الإبداع في ثقافتنا العربية” من إصدارات المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى سنة 2008م، ويقع في 205صفحات من القطع المتوسط.

 

صحيفة الرياض – 5 أبريل 2008م

محمد عابد الجابري والموقف من العلمانية والقرآن الكريم

من المسائل التي تطرح بتكرار، القول بعلمانية محمد عابد الجابري صاحب مشروع “نقد العقل العربي” الأشهر والأكثر تأثيراً في الفكر الإسلامي المحلي، والعربي عموماً، وأضيف مؤخراً القول بأن الجابري يعتقد باحتمال النقص بالقرآن “ضمنياً”.

من المعروف أن وصف شخص بالعلمانية “بمعنى فصل الدين عن الدولة كما هو دارج عند المترجمين العرب” وصف لا يحمل حكماً قيمياً في السياقات الفكرية، لكنه يتحول في أوساط الإسلاميين إلى تهمة يراد منها إخراج الموصوف بالعلمانية من الدين، ومحاولة التحذير من قراءته والسعي في منع كتبه ونتاجه الفكري، ومن خلال هذا المقال سأتطرق لقضيتين رئيسيتين، الأولى متعلقة بعلمانية الجابري، وهي قصة قديمة متجددة، والأخرى تتعلق بموقفه من وصف القرآن بالنقص رغم أن قراءة الجابري للقرآن الكريم في كتابه “مدخل إلى القرآن الكريم” قراءة تقليدية في مجملها تقارب ما في كتب علوم القرآن، رغم طرحها لبعض القضايا التجديدية.

أما التهمة الأولى، ففي حوار المشرق والمغرب ( طبعة دار رؤية) وتحت عنوان “الإسلام ليس كنيسة كي نفصله عن الدولة” يذكر الجابري أن مسألة العلمانية مسألة مزيفة في المجال الإسلامي (وهذا ما كرره في الدين والدولة وتطبيق الشريعة كما سنأتي وما قاله في مجلة اليوم السابع ركن آفاق 1988م كما نَقل) إذ أكد الجابري على أننا بحاجة للعقلانية والديمقراطية لا العلمانية، يقول الجابري: ” مسألة العلمانية في العالم العربي مسألة مزيفة، بمعنى أنها تعبر عن حاجات بمضامين غير متطابقة مع تلك الحاجات: إن الحاجة إلى الديمقراطية التي تحترم حقوق الأقليات والحاجة إلى ممارسة العقلانية للسياسة هي حاجات موضوعية فعلاً، إنها مطالب معقولة وضرورية في عالمنا العربي ولكنها تفقد معقوليتها وضروريتها بل ومشروعيتها عندما يُعبر عنها بشعار ملتبس كشعار العلمانية” ( حوار المشرق والمغرب / ص 99).

ويضيف الجابري: ” أنا أرى أن الإسلام دنيا ودين، وأنه أقام دولة منذ زمن الرسول (عليه الصلاة والسلام) وأن هذه الدولة توطدت أركانها زمن أبي بكر وعمر، وإذن فالقول بأن الإسلام دين لا دولة هو في نظري قول يتجاهل التاريخ” (نفسه / ص 101) ويضيف “العلمانية بمعنى فصل الدين عن الدولة غير ذات موضوع في الإسلام لأنه ليس فيه كنيسة حتى تفصل عن الدولة” (نفسه / ص 105).

وبعد أن تحدث الجابري عن قتال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لمانعي الزكاة, ثم رد عمر بن الخطاب رضي الله عنه السبايا والأموال إليهم وأفرج عن أسراهم بعد توليه الخلافة, يقول:” وهكذا نرى أن تطبيق الشريعة هنا قد دار مع المصلحة, وهذا لا يعني أن الشريعة يجب أن تتغير بتغير المصالح, كلا. الشريعة ثابتة ومطلقة لأنها إلهية” ( الدين والدول وتطبيق الشريعة / ص 45).

ويقول الجابري: ” ذلك أن السؤال – هل الإسلام دين ودولة؟ – سؤال لم يسبق أن طرح قط في الفكر الإسلامي منذ ظهور الإسلام حتى أوائل القرن الماضي, وإنما طرح ابتداء من منتصف القرن الماضي بمضمون لا ينتمي إلى التراث الإسلامي, مضمون نهضوي يجد أصوله وفصوله في النموذج الحضاري الأوروبي” (نفسه/ ص58 ) فالجابري يستبعد ابتداءً هذا السؤال ” الإسلام دين أم دولة؟” استبعاد نهائي, ويتحدث عنه بقوله: ” خطورة السؤال المزيف تكمن في أنه يستدعي جواباً مزيفاً يثير بدوره مشكلة أو مشاكل مزيفة” ( نفسه / ص 57).

يستبعد محمد عابد الجابري العلمانية من دائرة التفكير الإسلامي تماماً, إذ يراها منتجاً غربياً جاء من تجربة دينية أوروبية مسيحية, لتحقيق نهضة أوروبية, لا علاقة لها بالنهضة العربية, ولا يمكن أن يتسرب هذا السؤال إلى بنية الفكر الإسلامي, يقول الجابري: ” يتضح مما تقدم إذن أن العوامل الأولى المحددة لثنائية الدين والدولة في المرجعية النهضوية العربية ثلاثة رئيسية: استلهام التجربة الدينية الأوروبية, مشكلة الطائفية الدينية, ربط النهضة بالفصل بين الدين والدولة, أي استلهام النهضة الأوروبية. وهذه العوامل الثلاثة تختلف اختلافاً كلياً عن تلك التي تحدد العلاقة بين الدين والدولة في المرجعية التراثية الإسلامية” (نفسه/ ص97).

أما التهمة الثانية، بخصوص ترجيح الجابري للنقص في القرآن الكريم، فمن خلال الرجوع لكتابه “مدخل إلى القرآن الكريم” نجد أن القضية مفتعلة بالكامل، وجاءت في أجواء سجالية، وإلا فالكتاب قد صدر في سنة 2006م، أي قبل ما يقارب الثلاث سنوات، و جاءت التهمة في سياق الظنون وقراءة النوايا، وهذا ما صرح به من وصف الجابري بالتشكيك في القرآن ومن دافع عن هذا التصريح بناء على عبارات موهمة، إذ أننا لا نجد نصاً واحداً يثبت فيه الجابري النقص في القرآن، بينما نجد نصوصاً قطعية تثبت كمال القرآن وتمامه وحفظ الله له، وإدخال فكرة النسخ والنسيان أو الرفع في صلب النص القرآني، بمعنى إخبار الله عنها، والعبارات المجتزأة من الفصل التاسع كانت في إطار مناقشة المرويات التي ذُكرت حول علوم القرآن في كتب التراث، ككتب الزركشي والقرطبي والسيوطي أو كتب المحَُدثين ومروياتهم حول جمع القرآن، من الأحاديث زمان النبوة، أو المرويات التاريخية اللاحقة، والفصل بكامله يناقش قضية جمع القرآن من خلال مصادر التراث الإسلامي المختلفة بشكل علمي وموضوعي.

يناقش الجابري أولاً أنواع التحريف، ويشير إلى التحريف بمعنى تغيير المعنى، ثم نوع آخر وهو القول بأن المصحف الذي بين يدينا اليوم ليس من الكلام المنزل، ويصف الأخير بأنه ” مرفوض بإجماع المسلمين” (مدخل إلى القرآن الكريم / ص 222) ثم يعرض للمرويات التاريخية حول نسخ أو رفع بعض الآيات كما عند القرطبي أو السيوطي وغيرهم حول سورة الأحزاب وسورة التوبة أو آية الرجم التي قرأها عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – في الحديث المشهور في صحيح البخاري، وآيات آخرى، يضعها الجابري في سياق قول الله تعالى “ما ننسخ من آية أو نُنسها نأت بخير منها أو مثلها”.

بخصوص آية الرجم في سورة الأحزاب والخبر عنها في كتب الحديث يقول الجابري: ” .. ونحن نميل مع ابن عاشور في اعتراضه على هذا – الخبر- بقوله: ووضع هذا الخبر ظاهر مكشوف فإنه لو صدق هذا لكانت هذه الصحيفة قد هلكت زمن النبي عليه الصلاة والسلام أو بعده والصحابة متوافرون وحفاظ القرآن كثيرون فلو تلفت هذه الصحيفة لم يتلف ما فيها من صدور الحفاظ” وهذا ما يرجحه الجابري ولم يرجح سقوط الآية من المصحف.

الجابري في الفصل يناقش من يقول بالزيادة أو النقصان، ومن هنا كان سرده للمرويات القائلة بهذا، ومن ثم يخرج بنتيجة مفادها أن هذه المرويات ليست ذات دلالة في هذا المجال ” خلاصة الأمر أنه ليس ثمة أدلة قطعية على حدوث زيادة أو نقصان في القرآن كما هو في المصحف اليوم بين أيدي الناس، منذ جمعه زمن عثمان” ( نفسه / ص 232 ) وهذا نص قطعي وواضح الدلالة على إثبات أن الجابري لا يقول بنقص القرآن في سياق مناقشة بعض المرويات التي تحاول أن تثبت النقص، فالثابت والمستقر شرعاً كمال القرآن الكريم، وهناك بعض من ساق أدلة تفيد عكس هذا الثابت، فدفع الجابري بالقول إلى أن هذه الأدلة ليست كافية لنقض الثابت، ومن هنا كان قوله: ” ليس ثمة أدلة قطعية على حدوث زيادة أو نقصان في القرآن”.

أما حديثه حول إمكانية النسيان أو التبديل أو الحذف والنسخ، فالجابري يدخلها في سياق النص القرآني ذاته، أي في صلب قضية نواسخ القرآن أو رفع الآيات، وهذا مستقر في علوم القرآن الكريم، أي أن كل ما يدور حول النقص أو الزيادة غير ذي معنى في مهاجمة القرآن الكريم، وهذا ما أشار له الجابري في بداية الفصل التاسع حين تحدث عن مستويات الجدل حول القرآن في هذه المسألة، وذكر منها الجدل مع النصارى والمستشرقين والجدل المذهبي في الداخل الإسلامي، فينتج عن هذا السياق أن رأي الجابري في هذا الموضوع يؤكد على دخول هذه المرويات في عموم قول الله تعالى: ” إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون” وقوله :” سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله ” وقوله: ” ما ننسخ من آية أو نُنسها نأت بخير منها أو مثلها” ومن هنا كان تأكيد الجابري أن كل ما يقال حول هذه المسألة داخل في عموم هذه الآيات قطعية الدلالة على كمال النص القرآني.

 

صحيفة الرياض – 12 مارس 2009م