الساعة الخامسة والعشرون … بقلم: سليمان الناصر

بقلم: سليمان الناصر

كثيرون نصحوا بقراءة رواية ( الساعة الخامسة والعشرون) للروماني قسطنطين جورجيو، وبعدما قرأتُها قبل أيام انضممتُ لهم وبتُّ أقترحها لمن يود تصور التحول الذي صنعته الحداثة في وجهها الإداري والتنظيمي على الإنسان وشعوره بقيمته وعلى حياته كلها، أولوية النظام وهيمنة الإدارة(= البقرطة) وتغير شكل الدولة ومركزة السياسة كل هذا كان له أثار بالغة على حياة البشر ورؤيتهم لأنفسهم، الحديث عن مضمون الرواية الفكري يطول ( ولستُ مؤهلا لتقييمها فنياً)،

لكن مايثير المتابع هو صدمة القراء المعاصرين لمضامين الرواية، مع إن هذه المشكلات ترسخت وتضاعفت أكثر وأكثر منذ ذلك الحين ( قبل خمسينات القرن الماضي)، والسبب في ظني هو تأثير التكرار والاعتياد علينا نحن البشر، فالواقع بصرامته يحاول تغييرنا وفقا لشروطه، لذلك قد نفقد احساسنا من بعض المشكلات مع تكرارها ويخفت صوتنا دونها،

يذكر بعض النقاد رواية ( الوحش الانفجاري) التي كتبها التشيكي جارومير جوهن ١٩٣٢ والتي جعلت أزمة الانسان وقتها الصخب الذي تورط به البشر جرّاء صناعة المكينة والسيارة الخ، كانت مشكلة حقيقية استحقت وصف ” الوحش”، ومع مضي السنوات اعتاد البشر هذا الضجيج، بل أصبح ادمانا في بعض الحالات،

وعندما كتب كافكا رواياته الوصفية “للإدارة” وتعاملها البارد مع البشر كانت البقرطة آنذاك – كما يعبر كونديرا- طفلا صغيرا، واليوم بعد مضي كل هذه السنوات لم نعد نشعر بما فعلته بنا البقرطة رغم تصخمها وتضاعف نفوذها وتوحشها،

ومثال آخر لا يقل طرافة ومأساوية؛ كانت كتابات هديجر حول ما سماه( الكوينونة لليد) ويقصد بها – حسب مافهمت كوننا ننظر للأشياء والعالم من حولنا استعماليا فقط، فهو يدعو لتجاوز هذا المنظور والتعرّف على ذات الأشياء والانفتاح على ماهيتها، الخ أفكاره تلك، مضت السنوات، وتطور النقد لسلوك البشر تجاه العالم وظهر مفهوم “الاستهلاك”، كثيرون كتبوا عنه حتى الحديث مبتذلا، وكانت كتابات جان بودريارد عن ” المصطنع” وهيمنة الموضة الخ والحل المقترح لدى بورديارد التخلي عن المنظور الإستهلاكي والعودة لـ”للإستعمال” لمواجهة الموضة والإصطناع، فما كان محل نقد لدى هيدجر أصبح حلا للإنسان الراهن، التكرار يهشّم المقاومة، الأشياء في بدايتها يمكن ملاحظتها بشفافية والاحساس بخطرها ومقاومتها، ولكن مع التكرار وازدياد الانحراف تقل شفافية البشر وتضعف قدرتهم على الرفض، تحدث نيتشة عن أن الكنيسة في القرن السادس عشر كانت أقل فسادا في المانيا، وأن هذا هو سبب بداية الإصلاح الديني فيها، ويشبه هذا ما يقول توكوفيل عن كون الثورة الفرنسية حدثت في وضع صعود اصلاحي للدولة وليس في مسار انحدارها مما يظن عادة، لأن قلة الفساد تساعدنا على الابصار والبصيرة، بينما التكرار وعدم مقاومته تفضي بنا إلى حالة ” سبات وجودي” نفقد فيه قدرتنا على الإحساس والرفض،

رواية الساعة والعشرون ربما تساعد في تجلية هذه الظاهرة التي تحيط بالبشر فتحولهم- وكأنهم آلات- من حالة إلى أخرى وهم في استسلام مريب، وكل مقاومة يقوم بها المفكرون والمصلحون تكون مهددة بالعجز أو الابتذال أو فقد القدرة على تكرار المقاومة في مواجهة هذا التكرار الذي يهددهم.

 

الحوار مرة أخرى … سليمان الناصر

الحوار مرة أخرى

بقلم: سيلمان الناصر

يمكن فهم “الحوار” من خلال أصله اللغوي، فالحوار أصله (الحور) أي الرجوع، فبأي معنى يكون الحوار رجوعا!؟ يمكن أن نلاحظ الرجوع في الحوار بمعنيين

أحدهما أنه بمعنى الرجوع والمراجعة بين السائل والمجيب، حيث كلا المتحاورين له مقام يكون فيه سائلا ومقام أخر يكون فيه مجيبا، فهذا التناوب والمراجعة بينهما في مقاميهما هو رجوع مستمر، وفي الأصل “لا كلام إلا بين إثنين، ولا إثنين إلا عارض ومعترض، ولا عارض إلا بدليل، ولا معترض إلا لطلب الصواب، ولا “صواب إلا بجملة من القواعد

وهذا هو المعنى الأخر وهو الرجوع للصواب إذا ظهر بين المتحاورين، وكأن الدخول في الحوار هو تعاقد على الاستعداد المستمر حال الحوار للرجوع للصواب لأنه هو مسوغ الدخول في الحوار أساسا، فالعلاقة التي تم إنشاؤها بين المتحاورين هي علاقة تقابلية -عارض ومعترض- تتضمن مسؤولية سؤالية ومسؤولية جوابية، يجب عليهما القيام بمسؤولية السؤال والإجابة، وهي علاقة نقاشية قائمة علي التناظر وبالتالي تتجنب القهر والإرغام – وإلا لأنتفي معني الحوار والتناظر-وهذا البعد النقاشي يؤكد الانفتاح المستمر علي التراجع والرجوع إذا تأكدت مسوغاته، وها هنا نحتاج التوقف برهة لتناول نقطة تتأكد أهميتها باستمرار في الحوارات المشاهدة في الواقع، حيث يعتقد بعض المتحاورين إن الإقناع يقوم علي مجرد ذكر الحجج بدون مراعاة شروط عملية تحتف بالمناظرة وتؤثر علي الإقناع والاقتناع، فالإنسان ليس برنامجا آليا مجردا يمكنه معالجة البينات المدخلة بطريقة حسابية ومن ثم يخرج بنتائج تلك المعالجات، بل الإنسان كائن تختلط أبعاده الوجدانية والعقلانية والمادية وتتداخل وتعمل مع بعضها في وقت واحد ويؤثر بعضها علي بعض، والظن أن الإنسان يجب عليه استقبال المعلومات باعتبارها “وقائع مجردة” بات محل مراجعات كبيرة منذ عقود، فالتحيزات تعيق فكرة الفصل بين الذات والموضوع، وهناك مراجعات هائلة في دعاوي “الفصل بين القيمة والواقعة”، بحيث أن قيمنا التي تكوِّن “رؤيتنا للعالم” توثر في تعريفنا للوقائع وتحديدنا لها، وحتي في حقل الدراسات العصبية التي أعادت التفكير ببعض المسلمات القديمة مثل المسلمة الديكارتية القائلة بالفصل بين العواطف والعقل، وأصبح التسليم بالتأثر والتأثير المتبادلين بين الوجدان والعقل (الوعي)محل قبول وتسليم.

كل هذه المراجعات تشير إلي ضرورة تجاوز التعامل مع أساليب الحوار ومناهج المناظرة وكأنها مجرد أداب ليس أكثر، بينما أضحت دراسات “الحجاجيات الجديدة” و” البلاغيات الجديدة” تكشف الدور البالغ للانضباط بمناهج الحوار والمناظرة وأثرهما علي فهم الحجة وتبليغها، حيث الحوار علاقة تخاطبية، والتخاطب -إجمالا- إلقاء جانبين لأقوال بغرض إفهام كل منهما للأخر مقصودا معينا، هذه الأقوال لا تنفك عن أفعال يأتي بها المتجاوران لحث الأخر علي العمل وفق هذه المقاصد، حيث العمل هو سِمة من سِمات الحوار، فيكون التبليغ والتهذيب هما الغرض من الدخول في علاقة تخاطبية، وقد توسعت المباحث اللغوية الحديثة (التداوليات ،منطق الحجاج) في تحديد هذه القواعد الضابطة للحوار توسعا كبيرا، ولا يمكن الإلمام بتلك القواعد في هذه المقام إلا علي سبيل الإشارة، فأشهر تلك المبادئ هو مبدأ ”التعاون” المعروف عن الفيلسوف التداولي “بول غرايس” ومن أشهر قواعد هذا المبدأ هي ( لتكن إفادتك للمخاطب علي قدر حاجته، ولا تتعدي المطلوب) ومنها (لا تقل ما تعلم كذبه، لا تقل ما ليس لك عليه بينة) ومنها (لتحترز من الالتباس، ومن الإجمال) ومنها (ليناسب المقال المقام) ومنها ( تكلم بإيجاز، رتب كلامك) وجاء بعد هذا الفيلسوف الأمريكي عدد من المنظِّرين فنقدوا نظريته ولاحظوا ما وقع فيه من قصور فطوَّروها وكان مما أضاف عليه عدد من المناطقة والباحثين ما يلي (لا تفرض نفسك علي مخاطبك، لتجعل المخاطب يختار بنفسه)بحيث تتجنب عبارات من جنس (يجب عليك كذا..)، ومن تلك القواعد (لتُظهِر الودَّ للمخاطب)ومنها (قلل من الكلام غير المؤدب، أكثر من الكلام المؤدب) ( قلل من خسارة الغير، أكثر من ربح الغير) وتسمي قاعدة اللباقة، وقاعدة الاستحسان تقول ( قلل من ذم الغير، أكثر من مدح الغير) وقاعدة التواضع تقول (قلل من مدح الذات) وقاعدة الاتفاق ( قلل من اختلاف الذات والغير، أكثر من اتفاق الذات والغير) وقاعدة التعاطف ( قلل من تنافر الذات والغير، أكثر من تعاطف الذات والغير) كل تلك القواعد انتجها باحثون في المجال الغربي التداولي ولا تخلو من نقاط تناسب مجالنا العربي وأخري أقل مناسبة، لهذا يلزمنا تطوير قواعد تخاطبية وتناظرية تتناسب مع مجالنا وسياقنا ومسلماتنا الأخلاقية والتداولية، وقد عمل النُّظار القدامى في التراث الإسلامي علي انجازات هائلة ومحل تقدير في هذا الخصوص، وأشهر مبدأ في التراث العربي هو مبدأ “التصديق”، وصيغته (لا تقل لغيرك قولا لا يُصدُّقه فعلك)، فلزوم العمل للعلم هو القاعدة الأساسية في لتراث الإسلامي، وكذلك ورد في كتاب الماوردي (أدب الدنيا والدين) جملة من القواعد التبليغية مثل(يجب أن يكون للكلام داع يدعو إليه مثل جلب النفع أو دفع الضرر، ليقتصر الكلام علي قدر الحاجة، تخير اللفظ المناسب) ويمكن ملاحظة بعض الشبه مع قواعد التداوليين المعاصرين السابق ذكرها.

ومن القواعد التهذيبية يمكننا الظفر بجملة منها لدي الغزالي في الإحياء مثل ( تفقد قصدك في كل قول تلقي به علي الغير، كن صادقا فيما تنقله لغيرك، تودد إلي غيرك وجرّد هذا التودد عن الأغراض) ( للاستزادة والتفصيل راجع كتاب اللسان والميزان لطه عبدالرحمن).

وثمة أمر أخر يتضمنه مبدأ الحوار، (بين عارض ،معرض) حيث أن تبادل هذين المقامين بينهما بكل إنصاف وعدل يتضمن اعترافا بينهما، يتضمن الإقرار بالوجود، والإقرار بحق الرأي وحق القول وواجب الإنصات، وهي حقوق قائمة لهما ولازمة عليهما في آن واحد، هذا الاعتراف بالوجود والإقرار بما يترتب عليه من حقوق و هو ضرورة يحتاجها الأفراد والجماعات في المجتمع الواحد، وفشل الحوار هو فشل لإشباع هذه الحاجات، حيث يحل التجاهل والنسيان والنفي محلها، ومعروف أن أفات التجاهل والنسيان قد تكون أشد ضررا علي الإنسان من اللوم، بل ومن العقوبة أحيانا، وهو ما يفسر لجوء البعض حتي لما قد يوقع عليه العقوبة لمجرد أن يجد من يعترف به ويسمع صوته ويجعله منظورا إليه، “الإحساس بالتفاهة يشبه تسديد ضربة قاتلة، وقد قيل ” أن لا يملك المرء صديقا ولا عدوا إن هذا لهو الجحيم يكابد لأواء العدم”.

وأخيرا ولكي يتم استثمار الحوار والتواصل معرفيا واجتماعيا استثمارا ناجعا فلا بد من تربية اجتماعية تبدأ من المراحل المبكرة للإنسان، ومن هنا اقترح علي وزير التعليم التفكير الجدِّي بجعل منهج الحوار والمناظرة مادة أساسية في كل فصول المرحلة الابتدائية تعمِّق فيهم منهج الحوار والمناظرة وآدابها، فإن هذا سيكون له أبلغ الأثار في بناء الإنسان وما يترتب عليه علميا وفكريا واجتماعيا.

نقلا عن موقع “إيوان 24”.

هل الجدال حرب؟… سليمان الناصر

هل الجدال حرب؟ محاولة في تصويب مقاصد التجادل وتحسين وسائله

بقلم: سليمان الناصر

في كتابه “الاستعارات التي نحيا بها” عمل جورج لايكوف -وزميله جونسون- على تحليل علاقة الاستعارة بالتفكير الإنساني، أوضح في ثنايا التحليل كيف أن الاستعارة ليست مجرد أسلوب ضروري في اللغة، بل هي تركيب بنيوي في جهاز التصور والتفكير لدينا نحن البشر، فالإنسان مفطور على أن يفكر بشكل استعاري وأن تتحكم في أفكاره وسلوكه تلك الاستعارات التي تملأ فكره ولغته عن العالم من حوله، هذا سلوك لا يستطيع الإنسان الانفكاك منه في تفكيره ولغته وتواصله.

ومن أطرف الأمثلة التي علّق عليها المؤلفان هي استعارة (الجدال حرب) وشرحا كيف أنها تُبنْيِن تصوراتنا ونشاطنا اليومي، كشفا ذلك عبر عدد من التعابير التي نستعملها يوميا في وصف الحوارت والسجالات:

١- لا يمكن الدفاع عن فكرتك

٢- هاجم نقاط قوته

٢- أصاب كلامه الهدف

٤- هدمتُ حجته

٥- انتصرت عليه في النقاش

٦- أسقطتُ كل براهينه

إلخ (ولدينا تعابير شعبية متفشية بيننا تأتي في نفس السياق مثل “في وسط الجبهة” حيث نستعمل هذا الجملة الشعبية للتعبير عن الردود المحرجة في النقاشات).

لنلاحظ أن هناك فرق بين وجود نظام الاستعارة في نسق نظامنا التصوري وبين مضمون هذه الاستعارة، فنظام الاستعارة هو الجانب الصوري من العمل الاستعاري، بينما مضمونها هو المحتوى والقيمة التي تعبر عنه الاستعارة، لذلك يتساءل لايكوف: ماذا لو وجدنا مجموعة بشرية لديها استعارة جدالية أخرى “هب أن هناك ثقافة لا يُنظر فيها إلى الجدال بعبارات الحرب، حيث لا يوجد مهزوم ولا منتصر، وحيث لا معنى للهجوم والدفاع أو ربح المواقع وخسارتها”.

ويقترح نموذجا متخيلا، “لنتخيل ثقافة يُنظر فيها للجدال باعتباره رقصة، والمتجادلان ممثلان هدفهما إنجاز الرقصة ببراعة وأناقة” سيُبني على هذا الاختلاف الاستعاري ممارسات وتعابير مختلفة جذريا، لغة المعركة تختلف عن لغة الرقص. يبدو لايكوف يائسا من إمكان قبول هذا الاختلاف في استعارة الجدال، رغم إقراره أن مضمون الاستعارة ليس بنيويا فهو قابل للتغيير.

حسنا، ماذا لو قلنا: الجدال شِعر، أو الجدال فن، أو كتابة، أو رسم، أو أي شئ آخر يتعلق بالجماليات، لنلاحظ كيف أن القران قال عن الجدال: (ولا تجادلوا أهل الكتاب الا بالتي هي أحسن)، فالتعبير بـ (أحسن) يُحيل إلى المجال الجمالي، حيث (الحُسن) وصفٌ جمالي، فالقرآن يجعل الأفق الجمالي أفقا أعلى ينفتح عليه الأفق الأخلاقي، بحيث أن الأخلاقيات تتحول إلى جماليات عليا، ويمكن اعتبار (الحُسن) في التجادل كما حث عليه القران يتناول ثلاث مستويات، هي على التراتب: الأفق المنطقي ويقصد بالحُسن هنا هو الصواب، ثم الأفق الأخلاقي ويقصد به الأفضل، حيث يتم الالتزام بأخلاقيات الحوار المعروفة في أصول الحوار، ثم المستوى الثالث وهو الحسن الجمالي. فالقران الكريم يدعو إلى استعارات تجادلية تبدأ من مستوى الإصابة وتنتهي بالجمالية مرورا بالأخلاقية.

وهنا يتضح لنا -نحن منتهجوا الحوار والنقاش والتجادل- أن إعادة النظر والتفكير بآليات السجال والنقاش في مواقع التواصل أمرٌ لا بد منه بشكل مستمر، فغالب نوايا المتحاورين خيِّرة ونبيلة، لكن المقاصد وحدها ليست كفاية لإنجاز المقاصد؛ بل إن نجوع الوسائل وصحتها شرط أساس لإعطاء نتائج صحيحة ومفيدة.

الجدال ليس حربا، بل هو حوار، استعداد دائم للرجوع، النقاش شعر يحتاج إلى إصغاء، ورسم يحتاج إلى إنعام البصر، والحوار كتابة تحتاج إلى قراءة وتأمل، والجدال تعارف أي تعاون على المعروف.

الجدال فَتْلٌ، المتحاوران يفتلان الفكرة كما تُفتل الحبال، هو تأليف وجمع لا تفريق وطرح، فهما شريكان في نتيجة الحوار، يجب أن نحفظ إنسانيتنا من الحروب التي تحتل عالمنا ولغتنا وتفكيرنا نحن البشر، وتسللت إلى أساليب تواصلنا الإنسانية، فيكاد هذا العالم الحديث أن يجعل الحربَ تعريفا مرادفا للحياة، بحيث لا نتعامل مع الحياة ومع السعي فيها إلا عبر مفاهيم وصياغات تجعل العلاقةَ مع العالم وفي العالم علاقة حرب ومواجهة.

نقلا عن موقع “إيوان 24”.

عندما يتفلسف العم توم: البليهي نموذجا!! .. بقلم: يوسف الصمعان

هنا مجموعة مقالات نشرت في صحيفة عكاظ خلال شهري يوليو وأغسطس 2009م للصديق الدكتور يوسف الصمعان، تناول فيها بالنقد مجمل أطروحة الأستاذ إبراهيم البليهي.

 

 

عندما يتفلسف العم توم: البليهي نموذجا!!

يوسف الصمعان

I

من العدالة أن نبارك الاهتمام غير المسبوق بالفلسفة تفكيرا ونصوص في الساحة السعودية، فحديثا وقبل أسابيع،بشرتنا الصحافة بتشكل أول حلقة فلسفية تختص بالمراجعات الفلسفية في النادي الأدبي بالرياض، كما أن المطالبة بتوسيع دائرة الاهتمام بالفلسفة أصبحت المطلب الرئيس للعديد من الكتاب في الإعلام السعودي وهذا جهد يسجل لهم ويشكرون عليه. هذا لايعني أن الثقافة السعودية كانت خالية تماما من الفلسفة. فإذا استثنينا كتب فلاسفة المغرب العربي التي حوصرت في المكتبات التجارية حقبة الثمانينيات وحتى منتصف التسعينيات لأسباب لاتخفى على أحد فإن الكتاب الفلسفي كان حاضرا في المكتبات العامة والتجارية السعودية. ولم يعدم التاريخ الثقافي السعودي ـ على قصر عمره نسبيا ـ أسماء انشغلت بالخطاب الفلسفي.
ومن هذا المنظور، يمكن القول إن كتابات إبراهيم البليهي بعد تحوله من الخطاب الإسلامي الشمولي القطبي إلى الهم الفلسفي مفيدة بل ومن أبرز ما كتب سعودي في هذا المجال. ولقد أثارت مؤخرا «مكاشفاته» في ملحق «الدين والحياة» في صحيفة «عكاظ» ردود فعل واسعة تجاوزت حدود البلاد، مما يدل على تأثيرها الحقيقي الناتج عن كونها لخصت بوضوح لا لبس فيه فكر الرجل وآراءه التي ضمنها كتبه المنشورة.
وأريد أن أقرر أولا أنني وإن لم أكن يوما متخصصا في الفلسفة إلا أنني تابعت كما كثيرين تلك المكاشفات. ولم أستطع مقاومة تسجيل بعض الملاحظات حول فكر البليهي وآرائه الفلسفية، من خارج الحلبة الأيديولوجية. وسأحاول الاكتفاء بتبيين بعض المعطيات التي تنزع ـ في زعمي ـ إلى هم واحد هو الكشف عن مدى التزام الأستاذ البليهي بالمنهج الفلسفي الذي يستند اليه ومعرفة مدى صحة المعلومات التي يقدمها.
ولعل كل من قرأ تلك المكاشفات بل وغيرها من نتاج البليهي يتفق معي أن كل آراء وأفكار البليهي تدور حول ثلاثة أفكار رئيسية هي:
ـ تفوق الحضارة الغربية على الثقافات الأخرى باعتبارها حضارة ممتدة منذ العهد اليوناني قائمة على العقلانية.
ـ التمييز الصارم بين الحضارة الإسلامية في هويتها الدينية المطلقة والحضارة الغربية في هويتها العقلانية، ومن ثم نفي أي دور حقيقي للفلاسفة المسلمين في الحضارة الإنسانية.
ـ أسبقية الفلسفة على العلم، والنظر إلى العلوم كتفريعات عن الفلسفة، وبالتالي ربط أي تنمية حقيقية باستيعاب الفلسفة.
ومن البديهي أن أقرر بداية موافقتي للأستاذ البليهي في رفضه للمنهج التمجيدي للذات السائد في الكتابات العربية، وللأقوال الرائجة حول مركزية الحضارة الإسلامية وأنها اكتشفت كل العلوم وسبقت الغرب الحديث في كل إنجازاته. فتلك رؤية ساذجة لا ندافع عنها.
ومن البديهي أيضا أنني لن أرجع في هذه التعليقات المقتضبة إلا إلى المراجع الرئيسية المعتمدة في الدوائر البحثية والأكاديمية الكبرى. ذلك لأنني لست مختصا بتفريعات العلوم الفلسفية ثم إن الرجوع إلى المراجع الكبرى المعتمدة هو أدعى إلى قبول المحاجة التي أقترحها من قبل صاحب الرأي المخالف وكذلك القارئ على حد سواء.
ولو بدأت بفكرة البليهي الأولى التي تقرر، تفوق الحضارة الغربية على الثقافات الأخرى باعتبارها حضارة ممتدة منذ العهد اليوناني قائمة على العقلانية، فهذه الفكرة تطرح ثلاث إشكاليات متمايزة: أحدها مفهوم الحضارة الغربية، وثانيها احتكارها ـ أي الحضارة الغربية ـ للفلسفة، وآخرها تفوقها العقلاني على الحضارات الأخرى.
فبخصوص الإشكالية الأولى، يرى البليهي أن هذه الحضارة هي نسيج واحد ممتد من المرحلة اليونانية ثم المرحلة الرومانية، انتهاء بالحقبة الحديثة والمعاصرة. يقول حرفيا: «إن حضارة الغرب نتاج ذاتها وليست مدينة لأي حضارة سابقة باستثناء الحضارة اليونانية التي هي امتداد لها وإحياء لفتوحاتها في مجالات الفكر والأدب والسياسة والاجتماع وتمجيد العقل».
ويطرح هذا التعريف مصاعب جمة أفقيا وعموديا، أي بحساب الموقع والزمان، باعتبار أنه ينطلق من مسلمة ضمنية بالقطيعة الجذرية داخل المجال المتوسطي بل وداخل المجال الأوروبي نفسه بين عالمين حضاريين متباينين، فضلا عن افتراض انفصال راديكالي بين العوالم الثلاثة الكبرى التي كانت تتوزع إليها البشرية في التاريخ القديم: العالم الروماني والعالم الفارسي والعالم الصيني.
وليس من الضروري هنا الرجوع للكتابات التاريخية الدقيقة التي بينت علاقات التداخل الكثيفة بين هذه العوالم الثلاثة. ونكتفي بالإشارة إلى أن أهم الاكتشافات الإنسانية الكبرى كالكتابة والزراعة والطباعة والبارود…حدثت الحضارة الغربية.
ففضلا عن موقع بلاد اليونان القديمة جغرافيا وثقافيا (الأصح أنها ظلت دوما جسرا للتواصل بين الشرق والغرب)، فإن الحدث الفكري الهائل الذي ارتبط بها وهو الفلسفة ليس من المسلم انه إنتاج ذاتي وإبداع لا سابق له.

II

فبخصوص هذه الإشكالية الثانية المتعلقة باحتكار الحضارة الغربية للفلسفة، يتعين الإقرار أن ثمة مدرسة واسعة أبرز ممثل معاصر لها هو الفيلسوف الألماني الأشهر مارتن هايدغر الذي يعتبر الفلسفة نصا يونانيا مرتبطا بخصوصيات لغوية ودلالية لا تتوفر خارج اللسان اليوناني وما يتيحه من إمكانات تفلسف (تتوفر اليونانية وحدها على فعل للكينونة مما يفسر أن سؤال الوجود الذي هو سؤال الفلسفة خاص بالسياق اليوناني).
ولعل هذه هي الخلفية التي استند إليها البليهي (ولا أظنه اطلع بعمق على هذه الأطروحة العصية). إلا أن هذا الرأي مردود عليه من وجهين :تاريخ الأفكار والفلسفة.
فمن حيث تاريخ الأفكار، تؤكد كثير من الأدلة الدقيقة أن الفلسفة وإن ظهرت لدى اليونان في شكلها المكتمل، إلا أن لها جذورا غير يونانية. وبعيد جدا عن خلدي القول المتسرع السطحي بأن الفلسفة اليونانية ليست سوى نسخة من أصل مصري ضائع.
ومع ذلك لو رجعنا إلى نصوص الفلاسفة اليونان أنفسهم لوجدناهم لا ينكرون مرجعيتهم المصرية. ولنكتف تجنبا للتفاصيل المملة بعرض مثالين ساطعين على هذه الحقيقة. فهذا أفلاطون في كتاب «الجمهورية» يذكر بوضوح أن الفيلسوف الأول طاليس تلقى كل تكوينه من الكهان المصريين. وتلك هي المعلومة نفسها التي يذكر ازوقراطيس متحدثا عن فيثاغوروس الذي أقام في مصر «ومنها جاء بالفلسفة». ولا نستنتج من هذا إنكار الإبداع اليوناني، ولا كون الفلسفة اكتملت في القرن السادس قبل الميلاد في بلاد الإغريق، وإنما حسبنا الإشارة إلى العلاقات العضوية بين الحكمة المصرية والفلسفة اليونانية. ولعل تفسير هذه العلاقة راجع إلى دور الرياضيات في تشكل السؤال الفلسفي (لنا عودة للموضوع).
ومن حيث التعريفات الفلسفية نفسها، لا ننكر أن المدرسة السائدة التي لها جذور أرسطية تعرف الفلسفة بأنها سؤال الوجود من حيث هو وجود. ومن ثم الاستنتاج بأنها خاصة بالفكر الغربي. إلا أن هذا التعريف غير مسلم، لا قديما أو حديثا، كما أن حصر سؤال الوجود في نمط التناول اليوناني ليس أيضا موضوع اتفاق.
فالفلسفة يمكن فعلا أن تعرف بسؤالها الجوهري الذي هو سؤال الوجود، لكنها لا تنحصر فيه، والدليل على ذلك أنها في حقبتها الراهنة نبذت هذا السؤال الذي اعتبره نيتشة من أوهام الدين وأمراضه.
وتتمحور تعريفات الفلسفة اليوم حول ثلاثة محاور رئيسية :محور التساؤل الإشكالي المرتبط بوجود الإنسان (سارتر، كارل ياسبرز…)، محور السياق التأويلي للفهم والمعرفة والإدراك (المدرسة الظاهراتية)، محور السياق اللغوي واللساني (البنيوية والتفكيكية والفلسفات التحليلية والبرغماتية). بهذه المعاني يمكن القول إن الفلسفة ليست خطابا معرفيا خاصا بأمة أو ثقافة، وإنما هي أوجه التساؤل والنقد والقلق الإشكالي التي لا تخلو منها أي حضارة. وكل ثقافة قادرة على ممارسة التفلسف في سياقها التداولي، بالتزام شرط البناء المفهومي الذي اعتبره جيل دلوز الخاصية الوحيدة للفلسفة.
ثم إنه من غير الصحيح أن الفلسفة اليونانية هي وحدها التي تناولت إشكالية الوجود، وإنما الأصح أنها حولته إلى ميتافيزيقا بنفس ديني في مرحلة لاحقة (وإن كان نيتشة يقول بتهكم إن مؤسس الميتافيزيقا هو المسيح وليس أفلاطون). ولقد أميط اللثام مؤخرا عن النصوص الكبرى في الفلسفة الهندية التي لا تقل عمقا ولا ثراء إشكاليا أو روحا نقدية عن الفلسفة اليونانية، مثل كتاب الفيلسوف الهندي البوذي الكبير كاندراكرتي (القرن 7 قبل الميلاد) المعنون «الشرح الواضح».
ولقد كان الفيلسوف الفرنسي الكبير ميشال فوكو يقول في آخر حياته إن الفلسفة الغربية لم يعد بإمكانها أن تنتج نسقا مكتملا، وإن الخيار الوحيد المتاح لها هو الصدام الخلاق مع الثقافات الشرقية الكبرى.
فهذه النظرة الاستعلائية التي يتبناها البليهي ترديدا لنغمة مركزية معروفة في الفكر الغربي (موضوع الإشكالية الثالثة) لا تستقيم لبنائها التفوق الغربي على الطابع العقلاني المحض للحضارة الغربية.
فالبليهي لا يعرف لنا العقلانية، هل هي عقلانية التأمل والجدلية الصورية لدى اليونان، أم هي الوعي بالذات المتمحورة حول نفسها لدى ديكارت، أم هي العقلانية التجريبية الوضعية؟

III

ولنمر في هذه الحلقة إلى مناقشة الفكرة الرئيسية الثانية عند البليهي المتعلقة بالتمييز الصارم بين حضارة النقل الإسلامية وحضارة العقل الغربية ومن ثم نفي أي دور حقيقي للفلاسفة والعلماء المسلمين في الحضارة الإنسانية. إن هذه الفكرة تطرح إشكالين كبيرين يحيل أولهما إلى مسلمة القطيعة المعرفية بين الحضارتين. ويتعلق ثانيهما بمعيار الفصل أي ثنائية النقل والعقل.
فبخصوص الموضوع الأول ( القطيعة المعرفية بين الحضارتين ) يبدو أن معلومات الأستاذ البليهي لا تتجاوز الانطباعات السريعة والقراءات السطحية. وإلا كيف يجهل أن حضور الثقافة اليونانية بجانبها الفلسفي مكين وتجذر في البيئة العربية، حتى قبل الإسلام. ولا أدل على ذلك أن القرآن الكريم الذي نزل بلسان قريش يتضمن كلمات من أصول يونانية كالسماء والزخرف… وهي أسماء استقرت منذ عهد طويل في المعجم العربي وصارت جزءا منه. وكيف غاب عنه أن العملتين الوحيدتين اللتين عرفهما التاريخ العربي الإسلامي وهما الدرهم والدينار سميتا باسمين يونانيين، مما يرمز لعمق العلاقة بين المجال العربي والعالم اليوناني.
وليس من الصحيح أن التأثير الفلسفي اليوناني لم يتجاوز في الثقافة الإسلامية بعض الوجوه القليلة (كالفارابي وابن سينا وابن رشد )، وقد اعتبرهم البليهي مجرد مقلدين لا إبداع لهم، كما أنهم شاذون محاربون ومعزولون وأشبه بالصعاليك داخل الحضارة الإسلامية.!!!
أما كون أولئك مجرد مقلدين فخطأ بديهي بالنسبة لايقره القارئ النشط فضلا عن المتخصص. فلا أحد يجهل أن نظرية النبؤة لدى الفارابي لم يسبق لها وإن كان استخدم في بنائها عناصر فلسفية متنوعة من أرسطو وأفلوطين، كما أن نظرية الوجود لدى ابن سينا إبداع فلسفي كبير، وكذا شروح ابن رشد لأرسطو ونظريته في التأويل… ولا نطيل في هذا الموضوع الذي يعرفه جيدا المختصون.
من المعروف تاريخيا أن آخر مدرسة فلسفية في أثينا قد أغلقت عام 529 لأسباب دينية، في حين شهدت ترجمة النصوص الفلسفية اليونانية إلى العربية نهضة كبرى منذ القرن الثاني الهجري. وقد ترجمت بالفعل كل نصوص أفلاطون وأرسطو وأفلوطين تقريبا (باستثناءات قليلة).كما أن بعض النصوص اليونانية ضاعت أصولها ولم يبق منها سوى بعض الترجمات العربية كبعض أعمال جالينوس وأفلوطين وبعض الشروح على أرسطو. وتنفرد المصادر الإسلامية بذكر نصوص يونانية، مما يدل على حجم الانتشار الكبير للفكر اليوناني في المجال. ويذكر ابن النديم في فهرسته ما يزيد على 66 مترجما من اليونانية إلى العربية، مما يبين أن مجهود نقل الفلسفة اليونانية كان واسعا وعميقا.
وإذا انتقلنا إلى المضامين، تأكدت لنا تلك الحقيقة. فكيف يمكن القول إن الفلسفة اليونانية كانت معزولة وشاذة في المحيط الإسلامي، والحال أنها تغلغلت بعمق في هذا المحيط حتى ضمن العلوم الشرعية. فلا أحد يجهل أن المنطق الأرسطي الذي هو خلاصة الفلسفة الأرسطية كلها أصبح منذ القرن الرابع الهجري من المرتكزات المنهجية الأساسية لعلمي الكلام والأصول، إلى حد أن الغزالي الذي حارب الفلاسفة وكفرهم كتب بوضوح «أن من لم يتمنطق لا يوثق بعلمه». كما أن نظرية النفس الأفلوطينية التي هيمنت على الفكر اليوناني في مرحلته الأخيرة تبناها المتصوفة وعلماء التربية والفقهاء، مما
لايحتاج لبيان.
والأدق هو القول أن الفكر اليوناني تحول إلى قلب النظام المعرفي الإسلامي وأصبح جزءا لا يتجزأ منه.
وليس صحيحا القول إن الفلاسفة المسلمين حافظوا فقط على التراث اليوناني وسلموه للغرب المحدث دون أن يكون لهم تأثير في تشكل الفلسفة الحديثة.
فمن البديهيات أن حركة الفلسفة والعلم في العالم العربي الإسلامي الوسيط كان لها تأثير حقيقي في حركية النهضة ثم التحديث.
ولنبدأ بعصر النهضة، حيث نلمس أن تيار «الإنسانيين» الذين ظهروا في القرن الرابع عشر رافعين شعار الإصلاح والخروج من قبضة الكنيسة وإعلاء شأن الإنسان، قد استفادوا بتصريح منهم من كتابات الفلاسفة والعلماء المسلمين. ومن أبرز هؤلاء الإيطالي جيوفاني ديلا ميراندولا الذي ألف كتابا بعنوان «في الكرامة الإنسانية» قال فيه بوضوح : «لقد قرأت في كتب العرب أنه ليس ثمة في الكون شيء أكثر روعة من الإنسان».
وهذا أدلير أوف باث (ت 1142م) يقول ملمحا إلى التأثير الثقافي العربي القوي على معاصريه : «إن في جيلنا عيبا متجذرا فيه. إنه يرفض جميع ما يبدو أنه صادر من عند المحدثين. ولذلك فإني أقدمها لهم بصورة تجعلهم يعتقدون أني استقيتها من دراساتي العربية» (نقلا عن الجابري الذي نقل الاستشهاد عن المؤرخ الفرنسي الكبير لوغوف).
أما تأثير الفكر العربي على فلاسفة الأنوار فله شواهد أكيدة. فهذا مندلسون يعترف أنه تأثر بابن ميمون تلميذ ابن رشد. كما أن فلسفة ابن رشد نفسه كانت محور نقاش فلسفي مطول بين الفيلسوفين الألمانيين الكبيرين كانط وهردر.

IV

لايمل الأستاذ البليهي التشكيك في تهميش دور حركة العلوم العربية على العقل التجريبي الحديث. ويحلو له دائما الرد على كل شهادة غربية بدور علماء الحضارة العربية بالقول: إن المجاملة هي من طبيعة الغرب المتحضر !!.ولست أحيل هنا إلى الكتب الدعائية السطحية التي قد يتهمها البليهي بالمجاملة، وإنما أدعو إلى قراءة أعمال كبار مؤرخي العلم المشهود لهم بالكفاءة الأكاديمية في كبريات الجامعات الغربية ومراكز الدراسات والبحوث. ومن أهم هؤلاء الكسندر كويري ورشدي راشد
وتوماس جولد شتاين وهنري هونغار.. وقد أثبتوا بالدليل الساطع أن كتب العلوم العربية قد ترجمت على نطاق واسع وساهمت في دفع الحركة العلمية في الغرب الحديث.
ولنكتفي بهذا الاستشهاد من كويري في كتابه «دراسات في تاريخ الفكر العلمي» الذي يعده المختصون من أهم كتب تاريخ العلم:
«إن العرب هم الذين كانوا معلمي ومربيي الغرب اللاتيني.لقد شددت على كونهم معلمين مربين وليسوا فقط مجرد وسطاء، كما يروج بكثرة، بين العلم اليوناني واللاتيني، لأنه إذا كانت الترجمات الأولى للأعمال الفلسفية والعلمية اليونانية إلى اللغة اللاتينية لم تتم مباشرة بالعودة إلى النصوص اليونانية وإنما بتوسط الأعمال العربية، فإن ذلك لم يكن سببه فقط عدم وجود من يعرف اليونانية في الغرب ولكن أيضا، وربما خاصة، لأنه لم يكن بإمكان أي شخص غربي في ذلك الحين أن يفهم كتبا بتلك الدرجة من الصعوبة كفيزياء أرسطو أو ميتافيزيقاه، أو ماجيست بطليموس، والتي بدون مساعدة من الفارابي وابن سينا وابن رشد، لم يكن للاتينيين أن يتوصلوا إلى فهمها أبدا».
فهل بعد هذه الشهادة من اعتراض؟، لا أريد الاستطراد في سياق الإسهامات المهمة لعلماء الحضارة الإسلامية فهذا ليس من هم هذه التعليقات. أريد فقط أن أحيل البليهي إلى أهم دورية علمية في هذا الكوكب (مجلة نيتشر نوفمبر 2006) ولا أظنه يستطيع اتهام هذه الدورية بالمجاملة. وأريد ولو مرة واحدة أن استشهد بشيء من تخصصي الطبي. فالعالم والطبيب جوديونج الرئيس السابق للمعهد الوطني الأمريكي للصحة النفسية أكبر مركز لدراسة العقل وأمراضه في العالم يقول في كتابه عن اضطراب المزاج الوجداني ثنائي القطب وهو أهم مرجع في هذا المرض حتى اليوم، يقول قودوينج: إن ابن سيناء سبق النمساوي كربلين ومعاصريه في توصيف العلاقة المشتركة بين اضطرابي المزاج أحادي وثنائي القطب. (جودوينج 1990 طباعة أكسفورد).
أما إشكال الفصل بين نقلية الحضارة الإسلامية وعقلانية الحضارة الغربية فيستدعي وقفة مقتضبة. يكرر البليهي هذه المقولة في مكاشفاته وفي كل كتبه، فيقول بوضوح: «ثقافتنا ثقافة نقل لا ثقافة عقل». ويضيف: «حضارتنا حضارة دينية وفقهية. إنها مستغرقة في تفاصيل ما يجب على المسلم أن يفعله ويكف عنه في علاقته مع الله وتفاعله مع الآخرين».
والواقع أن البليهي لم يستوعب الدرس الأساسي لفلسفات التأويل المعاصرة التي أجمعت على أنه لا عقل إلا من خلال نص سابق مفكر فيه، وأن كل ثقافة مهما بلغت في العمق الفلسفي والرصانة العقلانية إنما تنطلق من قواعد للتعقل ومعايير للحقيقة ليست في ذاتها عقلانية. فلكل نظام معرفي ضوابط معيارية للفصل بين المعقول واللامعقول والحقيقة والخطأ. وليس ثمة علاقة مباشرة بين عقل ثابت مطلق ووجود يتم تعقله، فما بين الواقع والعقل حاجز النص الذي ينتج الدلالة والمعنى.
وكما قال أحدهم فإن العقلانية تقتضي مسلمة إيمانية أولى هي الإيمان بالعقل حجة ودليلا. ولذا ليست الحضارة الإسلامية أكثر نصية أو أقل عقلانية من الحضارة الغربية، كما أن الحضارة الغربية لا تقل نقلية عن الحضارة الإسلامية. وبيان ذلك هو ما يلي: إن الفلسفة الغربية ليست قديما أو حديثا سوى قراءات متتالية لنصوص مؤسسة هي الأصول المرجعية للخطاب العقلاني الغربي.
بل إن هايدغر أكبر فلاسفة الغرب المعاصرين يقول بوضوح: إن الفلسفة كلها خرجت من شذرات فلاسفة ما قبل سقراط الذين صاغوا سؤال الوجود. وما بينته مناهج العلوم الإنسانية المعاصرة بالدليل القاطع هو أن كل نسق يحمل في آن واحد تركة دلالية هي سمته النقلية (الجانب المرجعي في النص) ومساحة إبداعية ثرية هي مجال التأويل والممارسة العقلانية.
وإذا كانت الحضارة الإسلامية خرجت من النص، فذلك لا ينفي كونها أنتجت تقاليد عقلانية خصبة ورصينة من خلال عملية تأويل نصوصها المرجعية. والدليل هو العلوم والمعارف المتنوعة التي أفرزتها هذه الحضارة من علوم خادمة مباشرة للنص وان حققت بعديا استقلاليتها الابستومولوجية (كالنحو والبلاغة وعلم الأصوات..) إلى علوم للطبيعة التي لم تكن لتظهر لولا الخلفية العقدية الحافزة لها أي فكرة تسخير الطبيعة ونزع القداسة عنها وتكريس البعد التجريبي للمعرفة. وكما هو بديهي لدى كل من له أدنى اطلاع في الفلسفة المعاصرة تقاس القيمة العقلانية لثقافة ما بتركيبة نظامها المعرفي أي بعدد علومها وتنوع مناهج هذه العلوم وخصوبتها النظرية.
فما هو العقل دون نص ؟ أليس مجرد تأمل فارغ في الذات ممتنع في الواقع ؟ وما هو العلم دون نقل ؟ ألا يتطلب كل علم ثقة في المسلمات والأدوات المرجعية والمنهجية الخاصة به؟.
أما كون الحضارة الإسلامية خرجت من الدين. فلا يقدح ذلك في عقلانيتها. ومن الواضح أن البليهي انساق هنا ـ دون أن يجرؤ على إعلانها صراحة ـ خلف مسلمة زائفة منتشرة على نطاق واسع هي مسلمة التعارض الجذري بين الفلسفة والدين. فعلى الرغم من الاختلاف الجلي بينهما، إلا أن الفلسفة والدين يلتقيان في المنبع العميق الذي هو تساؤل الإنسان حول وجوده ومصيره. والمعروف أن الفلسفة تستوحي مفاهيمها وتصوراتها من الخطابات الأخرى، وفي مقدمتها الدين. ولقد بين مؤرخو الفلسفة المعاصرون أن أهم المفاهيم الفلسفية المعاصرة كالذات والتمثل والسيادة… ترجع إلى القاموس اللاهوتي.
وأغلب الفلاسفة القدماء والمعاصرين استوعبوا الدين في أنساقهم الفلسفية، بما فيهم أكثرهم بعدا عن الدين وإلحادا فيه. فما القول في إله ديكارت الضامن لتناسب العقل والطبيعة؟ وما القول في إله لايبنتز الحاسب وإله سبينوزا الذي يتماهى مع الطبيعة وإله هيغل الذي يتماهى مع التاريخ وإله هايدغر المنتظر الذي هو وحده الذي «يمكن أن ينقذنا»؟..
وحتى الفلاسفة الذين رفضوا الدين ونقدوه وخرجوا عليه لم يكونوا أقل اهتماما بالدين ولا تقديرا لأثره في واقع الناس، ولا أحد منهم استطاع بالدليل العقلي إبطال الدين أو البرهنة على عدم صحته. بل إن الفلسفة الحديثة انتهت منذ كانط إلى الفصل المنهجي بين الفلسفة والدين. أعني أنها انتهت إلى أن الحقيقة العلمية هي غير الحقيقة الإيمانية دون قطيعة أو مواجهة بينهما.

V

أما الفكرة الثالثة فتتعلق بعلاقة الفلسفة بالعلم، أي النظر إلى العلوم «كتفريعات عن الفلسفة»، ومن ثم تفسير المأزق التنموي الإسلامي بالثغرات الفلسفية. ولا بد هنا من الوقوف عند إشكالين يتعلق أولهما باختبار صحة تفرع العلوم عن الفلسفات، ويتعلق ثانيهما بعلاقة الفلسفة بالتنمية.
فبخصوص الإشكال الأول: لا أذكر أحدا قبل البليهي قال إن العلوم تتفرع عن الفلسفة، إلا إذا كان القول الممجوج الساذج بأن العلوم الإنسانية تفرعت من الفلسفة. والواقع هو أن الفلسفة وإن كانت ليست علما ولا تخضع لمناهج العلوم، إلا أنها لا تمارس نشاطها التساؤلي الإشكالي خارج سياق العلم. ولذا قال الفيلسوف الفرنسي جان توسين دزانتي: «إن كل فلسفة تستبطن علم عصرها»، بمعنى أنها تستثمر إمكاناته النظرية وآفاقه الدلالية.
وقد بين مؤرخو الفلسفة علاقة نشأة الفلسفة بالعلم الأول الذي هو الرياضيات، مستذكرين كلمة أب الفلاسفة أفلاطون التي سطرها على أبواب مدرسته: «لا يدخلن علينا من لا يكون عالما بالهندسة».
أما الفيلسوف الألماني الكبير كانط فعبر عن ذلك بقوله: «إن أول من أدخل استخدام العقل استخداما نظريا ونسبت إليه أولى خطوات الذهن البشري في الثقافة العلمية هو طاليس مؤسس الفرقة الأيونية. وقد اعتبر فيزيائيا رغم أنه كان أيضا رياضيا. إن الرياضيات هنا كشأنها في أماكن أخرى سبقت دائما الفلسفة».
أما الفلسفة الحديثة التي بدأت مع ديكارت فلا يمكن أبدا فصلها عن نشأة الفيزياء التي كان ديكارت نفسه من أبرز العلماء الذين دشنوها. ويمكن تفسير الشك الديكارتي بأنه ناتج عن غياب مرجعية علمية للفلسفة إثر انهيار العلوم الوسيطة، في حين لا يمكن فهم منهجه الفلسفي إلا باعتباره صياغة نظرية للأفق الفكري الذي نتج عن الفيزياء، ومن هنا برزت عبارته المشهورة التي لخص فيها مشروعه: «البحث عن المعرفة التي تجعلنا سادة وملاكا للطبيعة».
ولا يخفي كانط الذي درس الرياضيات والفيزياء والفلك وكرمته أكاديمية برلين للعلوم عام 1757م لاكتشافه الفلكي حول دوران الأرض، أي مايقرب من ربع قرن من عقد الصمت الكانتي الذي توج بكتابه نقد العقل الخالص.
لايخفي كانط أن فيزياء نيوتن هي مرجعيته العلمية، وأنها بوصلة «التوجه الفلسفي»، وقد لخص إشكاليته كلها في الجواب على سؤال إبستمولوجي دقيق هو «كيف يكون العلم ممكنا»؟..
أما الفلسفات الوضعية التي أرادت أن تكون مجرد شروح للعلم فلا تحتاج إلى أن نقف عندها، بقدر ما لا نحتاج إلى الوقوف عند الفلسفات المعاصرة التي لا تنفصل أبدا عن العلوم الإنسانية.
أما الإشكال الثاني فيتعلق بعلاقة الفلسفة والتنمية. والواقع أنه من الغريب القول إن الفلسفة هي أساس التنمية. فمن جهة، يتعين التنبيه أن الفلسفة لا تغطي جوانب الفكر، بل إنها مجرد نمط منهن حتى لو كان لا بد من الاعتراف بميزاتها العقلانية النقدية.
والحقيقة هي أن التنمية بالمفهوم الاقتصادي والاجتماعي
لاصلة لها بالتفلسف. والدليل هو أن الفلسفة كما يقول هايدغر انسحبت في عصر التقنية، ولم يعد لها وجود حقيقي خارج اجترارها لتاريخها وندبها لموتها الذي أعلنه نيتشة وأكده فوكو ودريدا..
والدول الأكثر نموا وتقدما لاحضور فيها للفلسفة، وإلا أين الفلسفة في الولايات المتحدة الأمريكية؟ أليست مجرد درس أكاديمي معزول في جامعات متخصصة؟ وأين هي في الصين العملاق الجديد حيث لا تزال تهيمن الإيديولوجيا الماركسية في صيغتها الماوية الفقيرة؟، وهل تطورت اليابان بالفلسفة أم بصناعتها الإلكترونية الباهرة؟..
وحاصل الأمر.. إن الفلسفة خطاب نظري خاص بنخبة محدودة قديما وحديثا، ولا تحتكر العقلانية أو الفكر. وأخطر ما يمكن أن تتعرض له الفلسفة هو تحويلها إلى إيديولوجيا. وذلك ـ في زعمي ـ ما فعل البليهي عفا الله عنه.

VI

أزعم أنني جادلت في الحلقات الخمس الماضية محاولا هدم ثالوث البليهي الفكري وهو عنوان مشروعه الفكري وملخص طرحه في ربع القرن الماضي. جادلت في الحلقتين الأوليين لإبطال فكرة أسبقية الحضارة اليونانية وأنها ليست مدينة للحضارات التي سبقتها وما تبع ذلك من دعوى البليهي في تفرد واحتكار الحضارة الغربية للفلسفة .وجادلت في الحلقتين الثالثة والرابعة لإبطال فكرته حول التمييز الصارم بين الحضارة الإسلامية في هويتها الدينية المطلقة والحضارة الغربية في هويتها العقلانية، ومن ثم نفي أي دور حقيقي للفلاسفة المسلمين في الحضارة الإنسانية وأزعم أيضا أنني بينت في الحلقة الخامسة أن فكرة البليهي الثالثة ألا وهي أسبقية العلم على الفلسفة والنظر للعلم كتفريعات للفلسفة ومن ثم تفسير العجز التنموي الإسلامي إلى ثغرات فلسفية هي من مفردات الأستاذ البليهي.
وبالرغم من أن هم هذه المقالة تقتصر على مناقشة أفكار البليهي الثلاث. إلا أنني لا أستطيع مقاومة التنبيه إلى بعض المغالطات التاريخية التي وقع فيها الأستاذ البليهي لا لشيء إلا ليمجد ذاته ويتخاشى الاعتراف بأي من درجات القصور، أو للتصعيد في سباب كل ماحوته تجربتنا التاريخية الإسلامية من إضاءات قد نختلف في درجة أهميتها.
في سؤال من المحاور عن اعتمادية البليهي على الترجمات مشيرا ـــ أي المحاور ـــ إلى أنه لايقرأ النصوص الفلسفية بأي من اللغات العالمية. كان المتوقع من أي مثقف أن يعترف أولا بهذا القصور فمن المحال أن تتقن أيا من العلوم دون إتقان إحدى اللغات العالمية. وكان المتوقع ثانية أن يبكي المثقف حالة الترجمة العربية بفرعيها الرسمي والتجاري، ولا يضيره بل ربما كان لزاما عليه أن يعلن أن المثقف العربي هو واقع تحت رحمة المترجم بفرعيه الرسمي والخاص اللذين لم يهتديا الطريق إلى ما يتوجب ترجمته. وأن حركة الترجمة إلى العربية هي ضمن الأقل عالميا نسبة إلى عدد السكان. ويكفيه أن يذكر بأسى أن جل ما تزكيه أوبرا وينفري مثل كتاب (THE SECRET) قد ترجم إلى العربية بعد نشره بأشهر بينما لازالت الكثير من كتب الفيلسوف العظيم كارل بوبر لم تترجم بعد ولا أدري كيف يطلع عليها من لايجيد إحدى اللغات العالمية؟. وربما لزمه أن يشارك القارئ ألمه وخيبته أنه كمهتم بالفلسلفة لايجد أيا من الدوريات الفلسفية المحكمة تترجم للعربية. بل وأن أشهر مجلة علمية في العالم (الطبيعة) لاتترجم إلى العربية .. و لدي مايثبت أن هذه الدورية (الطبيعة) ومنذ أحدثت خدمة الترجمة إلى اللغات الأخرى قبل ربع قرن لم يطلب منها أي مؤسسة أو فرد عربي ترجمة ولو مقال واحد إلى العربية!! كل هذا تجاوزه البليهي ليقول للقارئ أن أمانويل كانط لم يكن يتقن إلا الألمانية ومع هذا أبدع فلسفيا . ولو تحاشينا الدلالات النفسية لإيراد أمانويل كانت ضمن هذا السياق وهو ما أتمنى أن أكون مخطئا فيه فإن مافات البليهي حقائق عديدة. أولها أن كانت كان قد درس العبرية (كي يدرس اللاهوت) واللاتينية (وهذا أشبه بالتقليد لطلاب الفلسفة حينها)، وأن الروايات القوية أنه كان يقرأ الفرنسية. وثانيها أن أمانويل كانت ألماني في القرن الثامن عشر حيث كانت الألمانية لغة العالم الأولى. كيف يسمح البليهي لنفسه القادمة من خلفية شرعية وهو المدرك أنه تحت رحمة المترجم في كل مايقرأ أن يشبه نفسه ضمنا بكانت.؟
في قراءته للتاريخ الإسلامي لايتردد البليهي إلى إعلان ما يشبه الاستنتاجات التاريخية حتى يدعم نظريته في هجاء التاريخ الإسلامي . والتاريخ هو أولا أخبار ونصوص ثم التحلبل والاستنتاج. من أمثلة ذلك قوله إن مصر تشيعت أيام اللدولة الإسماعيلية الفاطمية هذا غير صحيح، فالفاطميون وإن أقاموا مؤسسات شيعية كبرى بما فيها جامع الأزهر يدعى لإمامهم على منبره كما يدعى له في الحرمين، إلا أنهم وعلى الأقل طوال حكم تسعة من أئمتهم العشرة حرصوا على مداهنة أهل السنة بمذاهبهم «وكان أهل الستة يظهرون شعائرهم ومن استفتى عن حكم أجيبـ» ومن هنا ففكرة البليهي أن مصر تشيعت إبان الفاطميين هي واحدة من أوهامه التي تنسجها ذهنيته الموتورة أحيانا تجاه تاريخنا. لم تتشيع تونس دولة المنشأ للفاطميين ولا مصر ولا الحجاز.
لا أحد ينكر جدلية وتداخل السياسي والديني في التاريخ البشري بما فيه الإسلامي. مشكلة البليهي أنه حتى هذه لا يجيد قراءة النصوص والأخبار لكي يتهيأ له توظيفها لخدمة فكرته (هجاء التاريخ العربي الإسلامي).. هو يقصر العناء على نفسه وينتج الأخبار والنصوص من رأسه.
يمكن أن أدعي أن الفتح الإسلامي في مجمل تاريخه لم يكن مهووسا بقهر الناس على الديانة ويكفي البليهي أن يدرك أن الأندلس التي كانت بالنسبة للمسلمين فردوسا أرضيا واستولوا عليها إبان ذروة مجدهم العسكري، إلا أنهم لم يرحلوا أحدا من سكانها رغم إدراكهم لخطورة كونهم أقلية إذ لم تتجاوز نسبة المسلمين 27 بالمئة.. (انظر الحبابي). وليس من الصعب مقارنة المشهد فيما فعله المسيحيون بالمسلمين بعد سقوط آخر مواطنهم غرناطة.
لكن البليهي يصعد في سخريته من التجربة التاريخية الإسلامية، ولا ضرر بالنسبة إليه من ادعاء آخر يريد أن يقرر فيه وحشية مؤسس دار الحكمة المأمون. يقول البليهي عن المأمون: «حين انتصر على أخيه الأمين سلخ جلده كما يسلخ الخروف» ولا أعلم مؤرخا واحدا نقل هذا الخبر، بل المتواتر في كتب التاريخ التقليدية (الطبري وابن كثير وابن الأثير) أن من قتل الأمين هو طاهر بن حسين وكل كتب التاريخ التقليدية ـــ وهي في جلها سنية غير متعاطفة مع المأمون لاعتزاليته وميوله التشيعية ـــ لا تحكي احتفالية ذي الأربعة وعشرين عاما المأمون بمقتل أخيه الأصغر الأمين، بل إن بعضها يروي ندمه واعتذاره لزبيدة وانتقامه من طاهر بن الحسين. ما لا يرويه البليهي أنه وطوال حصار بغداد الذي قارب الحول.. كان المجتمع المدني البغدادي قادرا على حكم نفسه بنفسه رغم فراغ السلطة. وهذا ما لم يستطعه الجيش الأمريكي عندما دخل بغداد واستبيح فيها الإنسان والمتحف وما سلم إلا وزارة النفط لتشرف على الأنبوب.

VII

البليهي يلخص التاريخ الإسلامي بقوله هو : «سلسلة من تطوبعات الثقافة لأهواء البشر». ولا شك أن الأهواء تلعب دورها في تاريخ كل الأمم. لكن البليهي ربما يجهل أن تاريخنا في العصر الوسيط ربما هو الأقل تمثيلا لهذه المقولة. بل أدعي بثقة إن التاريخ الأوروبي الذي يتماهى معه البليهي هو أكثر تمثيلا لمقولته. على البليهي أن يراجع كيف انتشرت الميسحية في أوروبا أولا. ولعله أيضا يراجع الحراك المذهبي المسيحي في أوروبا. سأكفيه والقارىء بهذا المثال: بعد سبعمائة سنة من وفاة المأمون
(الذي لايحفظ له البليهي إلا دعوى كاذبة بنزع جلد أخيه الأمين). أراد هنري الثامن الكاثولوكي المتعصب حينها
والمحارب الأول للتبشير البروتستانتي في انجلترا، أراد هنري الثامن الزواج من كاثرين أريجون أرملة أخيه آرثر وابنة فريدناند وأيزابيلا. ولأن الزواج من أرملة الأخ محرم في الكنيسة الكاثوليكية. مارست إبزابيلا وهنري الثامن ضغوطات على البابا جوليوس الثاني وأصدر فتوى خاصة
(Papal bull) لإتمام هذا الزواج المهم سياسيا. ولأن كاثرين لم تنجب إلا ابنة واحدة (ماري) وكان يفضل صبيا يرثه رغم أن نظام العرش يسمح بتوريث البنت. فشل هنري الثامن في استصدار فتوى من البابا سليمنت السابع لإبطال زواجه من كاثرين واعتبار ابنته ماري غير شرعية. كان هذا الفشل لأن البابا في قبضة تشالز الخامس وهو ابن أخت كاثرين وما كان ليرضى الإمبراطور تشارلز أن يصدر البابا الذي هو تحت أسره فتوى خاصة تضر خالته كاثرين وابنتها ماري. من هنا قام هنري الثامن الذي كان قد عشق آنا بولين (وهي شقيقة إحدى مومساته). قام بإنشاء الكنيسة الإنجلبكانية البريطانية والانفصال تماما عن الكاثوليكية الرومانية، وأبدى دعما للبروتستانت وأصبح الملك البريطاني (حتى اليوم) رئيسا للكنيسة. تزوج من آنا لكنها لم تنجب له إلا صبية واحدة (اليزابيث) ولرغبته الشديدة في ابن يرثه اتهمها بالخيانة وأعدمها.. بمعنى إرادة ملكية تسببت بها نزعة (عاطفية حتى لانقول هرمونية أندروجينية) غيرت مسيرة المسيحية في أوروبا.
في المقابل فإن الأسماء التي أوردها البليهي في حواره ماستطاعت أن تفعل شيئا حتى وإن اهتوت. فالمأمون الذي حكم عشرين عاما وكان عالما ومن النظار وما حفظ القرآن من الخلفاء إلا ابن عفان والمأمون. المأمون ثم اثنان من إخوانه ( المعتصم والواثق ) ما استطاعوا تغيير الأمة إلى فكرة خلق القرآن (أو الاعتزال كما عند بعض المؤرخين) وسواء كان هذا سلبا أو إيجابا إلا أنه يبطل دعوى البليهي في أن التاريخ الإسلامي كان «سلسلة من تطوبعات الثقافة لأهواء البشر»، سواء في سجالي لثالوث البليهي أو في الأمثلة الأخيرة التي أوردتها لأقترح أن سباب البليهي للتجربة التاريخية الإسلامية هي متحاملة وغير موضوعية ومتماهية في إعجابها بالآخر. السؤال المشروع: لماذا تقترن الليبرالية عند البعض ( كما البليهي ) لهذه النمط الفكري ؟؟.
في بداية هذه المقالات اقترحت أن الحقائق التاريخية تخبرنا أن الفلسفة والفكر والثقافة تلاحق العلم (كانت يلاحق نيوتن، بوبر يلاحق إنشتاين) وقبله فكر مابعد الدارونية. في منطقتنا حيث لاحراك علمي.. الحالة مختلفة. المثقف لاهم له إلا ملاحقة الأحداث. فلدينا النكسة وأكتوبر والثورة الخمينية وكامب ديفيد وجهيمان وحرب الكويت وانهيار السوفيت وسبتمبر 11 وغزو العراق وغيرها. المثقف هنا تغيره الأحداث أو قل هي السبب الرئيسي في إعادة تشكله. الأحداث لا التفكير ولا القراءات هي مايغير المثقف، وليس من الحصافة أن يبرئي أحد نفسه. هذا يؤدي إلى التشكل السريع للعقلية المثقفة (Rapid Reformatting). ومن طبيعة التشكل السريع أن يؤدي إلى تغيير في المنتج دون تغيير حقيقي في الأدوات ودون النضج المنهجي. هذه التقلبات السريعة للمثقفين يمكن تسميتها تجاوزا في موضوعنا الذي نناقشه
(Born Again Liberals) أو المعمودية الليبرالية. من العدالة أن نقرر أن الحركة هي بكل الاتجاهات مع تغيير فقط في (المصطلحات) لتوصيف كل حالة. شاهدنا ذلك في المد الإسلامي مابعد النكسة ثم الخمينية. وشاهدنا ذلك في تحول اليسار العربي بعد البيروستوريكا. ونشاهده الآن مع تشكل الليبرالية. لو قبلنا أدبيات دارسي (الولادة الجديدة) فإن العقل الجديد المعمد ينتقل للتمذهب الجديد وهو هنا الليبرالية في المحتوى دون الأدوات والتحلليل. بل يدعي دارسو (الولادة الجديدة) أن المتمذهب الجديد يبقى على نفس أدواته السابقة ــ السلفية في حالة البليهي ــ مع الشلل التحليلي والعمى تجاه المعطيات (data blindness) والدوغمائية وصفات أخرى ليست محل اهتمامنا كالتبشير ورؤية ذاته على أنه مخلص (أنظر لويس رامبو 98 وديفيد أوين 2008). وليس أدل على ماذكرت هو خطاب البليهي نفسه فهو ينادي بالعقلانية كخير مطلق دون أن يعرفها لنا (أنظر الحلقة الثانية). وهو يرى الليبرالية شيئا واحدا وخيرا مطلقا وغيرها ضلال مبين «فما بعد الحق إلا الضلال». وهو كثيرا يرفض أي حلول جزيئة كما في إجابته عن حقوق المرأة في السعودية صارخا: «إن الإنسان لم يأخذ حقه» وكأنه يذكر بعبارة سيد قطب الشهيرة «خذوا الإسلام كله أو دعوه»..
إذا استثنينا التزام البليهي بالمتن الديني الرسمي الذي نستطيع تفهمه فإن كل نتاجه هو هجاء مطلق لحالنا وتاريخنا بعضه من بقايا الكتاب الإسلامي المعاصر وبعضه من قراءات فلسفية أزعم أني جادلت في أنها لامنهجية يقابله تماه ومديح مطلق للآخر الغربي ومن هنا أتى هذا العنوان.

روابط المقالات في صحيفة عكاظ:

http://www.okaz.com.sa/new/index.cfm?method=home.authors&authorsID=525

فكرة حول “روح الوجودية”

هذه مجموعة تغريدات للصديق سليمان الصيخان ( @salnasser ) قام بتحريرها للنشر هنا في المدونة .

فكرة حول “روح الوجودية”

سليمان الصيخان

 الوجودية تيارأو رؤية للحياة أكثر منها فلسفة، إذ انها ليست فلسفة بالمعنى التقني، إذا ما استثنيت بعض أعمال سارتر الأولى (=نقد العقل الجدلي) ،وباختصار –عسى ألا يكون مخلا –  الوجودية تعني “أن الإنسان هو من يخلق المعنى” وليس يفرض عليه من جهة خارجه عنه.

ومعلوم أن الأفكار الفلسفية، لا يكفى فيها معرفة الجانب النظري لفهم الفكرة ومجال اشتغالها، بل لابد من استحضار ظروف نشأة هذا الفكرة، وهي هنا ظروف ما بين الحربين العالميتين المرعبة، والتي تلخصت بانهيارالحلم الإنساني بالتقدم، وتحطمت معها المبادئ والدعاوى العقلانية والإنسانية ويكاد يكون قد انهار كل شئ وانتشرت العدمية واليأس فكريا وأدبيا وفنيا،هذا الانهيار الذي أدى إلى انهيار الثقة بالقيم كافة، هو الذي جعل بعض المفكرين يؤمنون أن قلق ذلك الإنسان ككائن حي يتوجب عليه أن يجد قيما جديدة بين ركام القيم التقليدية المنهار، قيما من داخل الإنسان تقوم بإنقاذه من ضياعه، وتنطلق تلك الرؤية من إثبات الحرية للإنسان وانه ليس مجبرا على أي مبدأ. وتعني أننا نوجد قبل أن تتشكل لنا ماهيات وقانون إلا من خلال اختياره هو، لذا يتفقون على المقوله “الوجود قبل الماهية” ،فالهو يسبق الماهو،وبالتالي فالوجودية تطالب بثورة الإنسان على الأنساق الفكرية والمذاهب النظرية والحتميات العقلية والمنطق. وتطالب بالتعاطي مع الحياة من خلال تجربتنا المباشرة وليس من خلال مواقف مسبقة أو مبادئ ملزمة، وبالتالي جاءت فكرة ان الحياة لا تمنحنا المعنى من ذاتها، و إذا كانت الحياة لا تمنحنا المعنى فالنتيجة هي العدمية. كما يقول كامو: نكتشف ان السؤال الأكبر الذ يواجهنا :لماذا لا نقوم بالانتحار؟ وسؤاله صحيح فحيث لا معنى للحياة، ما الذي يدفعنا لتحمل الشقاء فيها ؟

في ظني أن تحليلهم إلى هذه النقطة صحيح، وهو ما شاركهم به مفكرون أدباء من قبل مثل:تولستوي الذي ثارعلى العقلنة المسيحية للدين وأفنى وقتا طويلا بالتبصرالروحي في القضايا الوجودية، مثل:الحياة وخلوها من المعنى، الموت، الألم، وحاجة الإنسان الحديث إلى الله وعجزه عن العثورعليه وسط ضياع البشر في هذا العالم الحديث، بين حياة لا معنى لها وبين مسيحية رسمية مفلسة.

وكان تأثير تولستوي كبيرا على جناحي أوروبا الشرقي والغربي،وقد تأثر به نيتشة للغاية، وكان دستوفيسكي شريكا لتولستوي في قيادة حملة الإنقاذ الروحية وقد احتفى سارتر بمقولة دستوفيسكي الشهيرة “إذا كان الله غير موجود فإن كل شيء مباح”، واعتبر ساتر هذه المقولة هي منطلق فلسفة الوجودية، ما لذي حصل فيما بعد؟ سارتر و كامو غير مؤمنين ولهذا تورطوا بسؤال المعنى، وكان الحل أنهم قالوا أننا نحن من نبتكر المبادئ والقواعد التي نقتنع بها فنحن أحرار، وليس هناك ما يُلزمنا بأي مبدأ قبلي، وإنما نحن من نختار ونصنع مبادئنا من داخلنا من خلال التفكير بما هو فردي وخاص في حدود الوعي بالذات وبالآخرين. وبالفعل كان سارتر أبرز مؤسسي فكرة “الإلتزام” وهي تعني مسؤلية المثقف الأخلاقية في ذات الوقت الذي يدافعان به عن الحرية، في كل الأحوال هذا السرد المختصر يكشف لنا انها فكرة ظهرت بسياق اجتماعي وفكري محدد- ومختلف عنا- ولاتفهم إلا من خلاله. ولهذا لما تغيرت الأحوال تراجعت تلك الفلسفة ويكاد يكون لاوجود لها اليوم إلا كعناصر تم استيعابها في منظومات فكرية متجاوزة لها. بل حتى سارتر اخر سنوات عمره يكاد يكون تخلى عن الفكرة وتبنى فكرا ماركسيا بصيغة ما.  يبقى ان هناك تيار أخر وهو الوجودية المؤمنة لها رموزها المعروفين من لاهوتيين وفلاسفة وهي سابقة في ظهورها للوجودية الملحدة، بل ربما يصح القول أنها أحد مصادرها كما اشرت في تأثر سارتر بدستوفيسكي.

مركز الفكرة إذن :البحث عن المعنى داخل الإنسان حيث لم تعد الحياة تمنحنا هذا المعنى، وهذا مفهوم في سياق تشاؤمي لا قيمي إلحادي.

 

سليمان الصيخان يكتب للمدونة : حوارات غير منتجة.

ليس من العسير ملاحظة آن أحد أكثر المغالطات الحوارية تفشيا في أوساطنا –على اختلاف مشاغلها- ما تسمى مغالطة “رجل القش”، أو مغالطة “رجل الجليد”، كما يسميها اخرون ،والقصد أنك تفهم فكرة الطرف الأخر بشكل مغلوط وتظن انك فهمت فكرته بشكل صحيح ومطابق لفكرته التي ينافح عنها، فتشرع في نقاشه وتفنيد فكرته وإبراز تناقضاته وما يلزم عن مقالته وتصدر أحكامك عليه،وفي نهاية الأمر ينكشف أنك فقط تصدر أحكامك على شخص متخيل أخر قمت باختراعه ومحاججته، مالذي يتم للوصول إلى هذه النتيجة:
ما يحدث هو إما تحريف لمقولات الطرف الأخر من خلال تفكيك مقولته ثم إعادة تركيبها بشكل هزيل قابل للتفنيد بسهولة، (= دعوى المحاور “زيد” هي (أ) فيقوم المحاور “عمرو”  بعرض الدعوى ( أ2) وهي صورة محرفة للدعوى (أ) التي يتبناها المحاور”زيد” ) ، وهذا إما أن يكون متعمدا لأغراض سيئة ، -وانحراف القصد مفسد للحوار ويحوله إلى  سفسطات محضة،- أو أن يكون السبب نقص في مسار وشروط الحوار التي يجب مراعاتها لانجاز حوار منتج،(باعتبار السفسطة نتيجة سوء القصد والمغالظة نتيجة الجهل)،
أحد الأسباب الرئيسة لسقوطنا في شراك هذه المغالطة ضعف ملكة الإصغاء وعجزنا عن ممارستها كما ينبغي أن يكون الإصغاء،(الذي يتضمن طرح الأسئلة بغرض المزيد من التوضيح وتحديد الفكرة ومراد صاحبها منها، هذه الأسئلة التي تقوم بإذابة رجل الجليد وإبراز الرجل الحقيقي الذي نناقشه) نتوهم أننا نفهم ما يقوله الآخرون بدون أن نصغي لهم، وأننا نفهم الخلفيات والمنطلقات التي أدت بهم إلى ما قالوه، أو لربما أننا لا نهتم لفهمهم حجم اهتمامنا للرد وتحفزنا للتفنيد، يقال انه “لا ينبغي لنا أن نشرع في تفنيد فكرة الآخرين حتى يعترفوا لنا إننا قد فهمناها حقا كما يقصدونها هم”  والحال أننا إذا وصلنا لمرحلة دقيقة من الفهم للآخرين سيتغير الكثير في الحوار شكلا ومضمونا،
لما عزم الإمام أبو حامد على كتابة (تهافت الفلاسفة) كتب أولا كتاب”مقاصد الفلاسفة” وجرده للتعريف بفكر فلسفة المشائين العرب كما هي عند مصادرها الفارابي وابن سيناء، ولم يرد عليهم بكلمة واحدة في ذلك الكتاب وقال انه كتب ليعرَف بالفكرة التي يريد إثبات  تهافتها ، ومن شدة مبالغة أبي حامد في دقته لعرض تلك المقولات أنها ترجمت للاتينية بوقت مبكر ووصف أبو حامد في أوروبا الوسيطة انه أحد الأفلوطينيين  وما ذلك ألا لكون دقته وأمانة في عرض المقولات لا تُتوقع-عادة- إلا ممن يتبنى المذهب نفسه ويفهمه كواحد من أهله (كما أشار ماجد فخري في تاريخه )،
ويمكن ملاحظة أحد الأساليب التي يكثرالانزلاق اليها لنقع في مغالطة  “رجل القش” هي أن يبادر أحد المتحاورين الحوار بنسبة الأخر إلى فرقة أو مذهب معروف ليختزل الدعوى محل النقاش بالأفكار السائدة للمذهب أو الاتجاه الفكري بحيث يقيد يتم التشاغل عن دعواه محل النظر وعن أسانيدها وبراهينها الحاضرة بصورة مسبقة معهودة،
مهما يكن من أمر: فشروط الحوار والتواصل كما عرضتها المدرسة الحجاجية سواء المدرسة العربية (الكلامية) في “آداب البحث والمناظرة” أو المدارس الحجاجية الحديثة حيث حددوا شروطا ومسالك للحوار تعمل على ضمان صحة مسار الحوار والنقاش وقامت تلك المدارس برصد صور الانحراف التي نقع فيها كثيرا،ذلك أن “كفاءة الدحض النقدية جزء من الكفاءة الحجاجية “، إن الإخلال بشروط الحوار والوقوع بمزالقه ومفسداته هو ما يفسر قلة انتفاع المتحاورين بعضهم من بعض كما نشاهد كثيرا بحيث لا نرى إلا مزيدا من التعصب ومزيدا من التباعد في غالب الأحوال، رغم انتشار وسائل الحوار والتوصل بشكل غير مسبوق مما يفرض –بدوره- اقتراح مزيد من الشروط وملاحظة المزيد من المزالق الخاصة بالتطورات الحديثة للنقاش والمناظرة،

– – – –

حساب الكاتب سليمان الصيخان في موقع التواصل الاجتماعي تويتر:

@salnasser

الحل .. الدخول مع الشباك !

هذه تدوينة للصديق عمر العقلا حول رسوم الأراضي في المملكة:

# # #

أثيرت ضجة في الاونة الأخيرة حول فرض الرسوم على الاراضي البيضاء (الضريبة)، اختلفت الاراء بين مؤيد لفرض الضريبة (الرسوم السنوية)، واخر يرى ان الحل في الزكاة، والاخير يرى أن الحل في إجبار صاحب الأرض على بيعها !

في بادئ الامر سأوضح بشكل مبسط أن فرض الرسوم على الأراضي هي ضريبة ولكن تم تغليفها بمصطلح (رسوم) إرضاءً للتيار الديني الذي يُحرم الضريبة، وأنا اراه استغباء لهم لا إرضاء. فالضريبة تُدفع دون مقابل خاص لدافعها مباشرة، وهي بذلك تخالف الرسوم التي تُدفع مقابل نفع خاص لدافعها. ولو قيل أنها إتاوة لربما يستطيع اي عقل أقتصادي تحمل ذلك التحريف، فالإتاوة هي الملبغ التي تقتطعه الحكومة من الفرد مقابل إستفادة دافع الإتاوة من المشاريع العامة. ولتوضيح المسألة اكثر سأشرح هذا المثال (لو انك تملك ارض قيمتها تعادل ١٠٠ ريال، ثم قامت الحكومة بإنشاء طريق رئيسي يمر بالارض التي تملكها، فأرتفعت قيمة الارض من ١٠٠ ريال إلى ١٠٠٠ ريال، ثم قامت الحكومة بإقتطاع مبلغ ٥٠٠ ريال فإن المبلغ المقتطع يعتبر إتاوة وليست بضريبة او رسوم). وفي حال قال قائلٌ ما يجب فرض إتاوة على الأراضي البيضاء. قد يكون من الممكن ان نقول أن ملاك الأراضي لم يحققوا مكاسبهم الا بسبب المشاريع الحكومية وقد يكون الأمر مقارباً للحقيقة.

اما الرأي الاخير القائل بنزع ملكية الأرض عن طريق إجبار صاحب الأرض على بيعها بسعر عادل، ماهو الا رأي محمل بالتناقض حيث كانت وجهة نظر من طرحه (حرمة مال المسلم)، حيث يرى بعدم جواز اقتطاع مبلغ من صاحب الأرض كضريبة، ثم يرى بجواز إجبار صاحب الأرض على بيعها !

وكأن الارض ليست بمال لها حرمتها. فمن المعروف في تلك الحالة أن صاحب الأرض لم يقم بشرائها الا بغرض التكسب منها عن طريق بيعها بمكسب بعد عام او عامين او غيرها، فمثلاً لو انتزعت ملكيتها بعد ستة اشهر فإما تُنتزع بقيمتها السوقيه (الذي أعتقد ان اصحاب هذا الرأي يسمونه القيمة العادله) او بقيمتها الدفتريه (القيمة التي دفعها التاجر في العقار)، سيكون التاجر قد حُرم من مكسب مادي قد يعادل ١٪ او ٢٪ او ٣٪ وتزداد النسبة فيما لو انتزعت بقيمتها الأساسيه وتقل لو انتزعت بقيمتها السوقيه او العادله.

تلك النسبة هي اموال وارباح تم خفضها، وخفض تلك الأرباح هي بضريبة ولكنها الضريبة (الجائرة) التي لاتحمل في طياتها لا عدالة ولا ملائمة ولا يقين وماسبق هي أهم مبادئ الضريبة.

الرأي الأخير جميل وشيق لو كان المقصد منه توفير ارض لبناء مسجد أو مدرسة أو حديقة، فهو حل اشبه بالمستحيل في ان يخفض سعر العقار. فالمشكلة ليس عدم وجود العقارات انما ارتفاع سعرها. وهنا نكون أشبه بمن يقول لك : لايصح دخول هذا المنزل، فتقول له : إذاً مالحل ؟ فيجيب : الحل .. الدخول مع الشباك !