انقلاب المئة يوم على “القوميين البيض”: ترامب بقبضة الجنرالات

خطف تسارع وتيرة الأحداث المتعلقة في سورية وكوريا الشمالية والعلاقات الأميركية-الروسية والصينية، الضوء مؤقتاً من الصراعات الداخلية لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي تتشكّل أجندتها ببطء مع انتهاء الأيام المئة الأولى من حكم ترامب. وفي الوقت الذي يشير فيه التصعيد الأميركي دولياً، واستخدام القوة العسكرية في سورية، والتلويح باستخدامها مع كوريا الشمالية، إلى ميل الكفة لصالح “تيار الجنرالات” في إدارة ترامب، يبدو أن تيار “القوميين البيض” يعيش أسوأ أيامه، على الرغم من أن خطاب هذا التيار ساهم في صياغة حملة ترامب الانتخابية الشعبوية، وسياسات ترامب في أيامه الرئاسية الأولى.

يمكن تحديد قوتين رئيسيتين في إدارة ترامب، تتبنيان رؤى وأجندات متناقضة جذرياً: الأولى تتمثل بـ”القوميين البيض”، وتضم طيفاً متنوعاً من المستشارين العنصريين الشعبويين، والذين تتقاطع أفكارهم ورؤاهم مع اليمين البديل الأميركي ومجموعات النازيين الجدد، وأبرزهم وأكثرهم حضوراً هو كبير استراتيجيي البيت الأبيض ستيف بانون، وأهمهم في المناصب التنفيذية وزير العدل والمدعي العام جيف سيشنز. أما التيار الثاني فيمثله “جنرالات ترامب” من خلال وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس، ووزير الأمن الداخلي جون كيلي، ومستشار الأمن القومي إش آر ماكماستر، ورئيس هيئة الأركان جوزيف دانفورد. هؤلاء الجنرالات هم حراس السياسات الأميركية التقليدية “الصقورية” والتي يمكن تحديد خطوطها العريضة الثابتة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي على الأقل. وتتقاطع رؤى هذا التيار بصورة كبيرة مع التوجّهات الجمهورية التقليدية.

“القوميون البيض”

ليس بالضرورة أن يكون المحسوبون على تيار “القوميين البيض” منخرطين بصورة مباشرة بالمجموعات النازية الجديدة الأميركية، والتي يُتهم مدير “معهد السياسة الوطنية” ريتشارد سبنسر بنسج علاقات معها، أو مخلصين لتعاليم منظّر القومية البيضاء الأبرز، جاريد تايلور. لكن هؤلاء يحملون رؤية عرقية للهوية الأميركية، تمقت المهاجرين والإسلام، ويتبنون رؤية عنصرية مركزها العرق الأبيض، والتقليد المسيحي أو المسيحي-اليهودي باعتباره العمود الفقري لـ”الحضارة الغربية”.

يمثّل التيار المؤمن بهذه الأفكار في إدارة ترامب، كبير استراتيجيي البيت الأبيض ستيف بانون، والذي كان وما زال موقعه الإلكتروني (بريتبارت) ناطقاً باسم “اليمين البديل” الأميركي، الناقم على الاستبلشمنت في واشنطن، والذي يتبنّى رؤى عنصرية عرقية، علاوة على تعزيزه “رهاب الأجانب” والإسلاموفوبيا. يمكن اعتبار بانون قريباً أيضاً من “حزب الشاي” من خلال تبنّيه سياسات اقتصادية تدفع باتجاه “حكومة الحد الأدنى” إضافة إلى معارضته لهيمنة نخب “وول ستريت”، و”نخب دافوس” أو “الرأسمالية الدولية” التي يراها لا تهدد الاقتصاد الأميركي فحسب، بل “الحضارة الغربية” برمتها. من أقوى شخصيات هذا التيار في إدارة ترامب، وزير العدل والمدعي العام جيف سيشنز، المعروف بعنصريته وتعصبه عندما كان قاضياً في ألاباما، والذي رُفض ترشحه من قبل الكونغرس قاضياً فيدرالياً للولاية في 1986 بسبب اتهامه بالعنصرية ضد السود.

ووصف سيشنز “الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين”، والتي تُعنى بسياسات التمييز الإيجابي للسود، بأنها “غير أميركية” باعتبارها لا تمثّل الأميركيين الأبيض. كما عُرف وزير العدل بسياساته التي أعاقت تصويت الأميركيين السود في ألاباما. وقال سيشنز ذات مرة عن المنظمة العنصرية المتطرفة “كو كلوكس كلان” إنه “كان يعتقد أنهم على حق، حتى علم أن بعضهم يدخن الحشيش” في إشارة لرفضه تدخين الماريوانا، لكن سخريته تحمل أيضاً معنى آخر، أنه يقلل من قيمة الجرائم التي ارتكبتها تلك المنظمة التي دُشنت بعد الحرب الأهلية الأميركية في 1865 وقام أفرادها بقتل آلاف السود وسحلهم في الشوارع وتعليقهم على الأشجار، خصوصاً في حقبة الحربين العالميتين.

الشخصية الثالثة المحسوبة على هذا التيار، مقربة من سيشنز وبانون على السواء، وهي كبير مستشاري الرئيس، الشاب ستيف ميلر، والذي لا يتجاوز عمره الواحد والثلاثين. عمل ميلر مع سيشنز عندما كان في مجلس الشيوخ لمنع المهاجرين غير الشرعيين من الدول اللاتينية من الحصول على الجنسية الأميركية. وعُرف ميلر المنحدر من أسرة ليبرالية-يهودية بعلاقته مع أحد أبرز المتهمين بعلاقات مع المجموعات النازية الأميركية، ريتشارد سبنسر، عندما كانا زميلين في جامعة ديوك. إلا أن ميلر يرفض ربطه بسبنسر. كما عُرف عنه حماسته للأفكار المحافظة المتطرفة لديفيد هورويتز، خصوصاً تلك المتعلقة بكراهية المسلمين، ودعا ميلر لاستضافة هورويتز في جامعة ديوك عندما كان طالباً فيها.

يُعتبر ميلر، الذي يُتهم بالوقوف وراء قوانين ترامب المتعلقة بمنع دخول مواطني دول إسلامية إلى الولايات المتحدة، من رافضي “التعددية الثقافية”، ووصفها بأنها “تقوّض أميركا”، نافياً أن تكون الولايات المتحدة “أمة مهاجرين”. كتب ميلر أن “أسامة بن لادن سيشعر بالترحاب في ثانوية سانت مونيكا”، في سياق انتقاده لما يراه تسامحاً “غير مقبول” مع الأعراق والأديان المختلفة. ويرى ميلر أن مهمة أوروبا وأميركا اليوم “حماية الحضارة والثقافة من غير المنتمين إلى التقليد اليهودي-المسيحي”. وهو من المؤكدين أن “الحرب على الإرهاب” يجب أن تكون حرباً دينية ضد الإسلام. وفي عام 2007، وخلال دراسته في جامعة ديوك، أسس ميلر “مشروع التوعية بالإرهاب” للتحذير من “الجهاديين الإسلاميين” و”الفاشية الإسلامية” للحديث عن حماية “الحضارة الغربية” من الإسلام. وبعد رفض وسائل إعلامية نشر إعلانات لمشروعه، تحدث ميلر عن أهمية “تسمية العدو باسمه” في حديثه عن الإسلام.

كتب ميلر أثناء دراسته الجامعية: “تسمع بصورة متكررة أن الإسلام دين سلام، لكن من غير المهم كم مرة يتكرر هذا الوصف، لن يستطيع التكرار تغيير حقيقة أن ملايين المسلمين الراديكاليين سيحتفلون بمقتلك لسبب بسيط، لكونك مسيحيا أو يهوديا أو أميركيا”. انضم ميلر لحملة ترامب في يناير/كانون الثاني 2016، في الوقت الذي كان فيه سيشنز أول جمهوري يدعم ترامب علانية. لكن الرئيس الأميركي يُنتقد لاختياره ميلر في طاقمه الاستشاري، بسبب عنصريته وأفكاره المتطرفة، وصغر سنّه وانعدام خبرته السياسية.

أما الشخصية الرابعة المحسوبة على تيار القوميين البيض في إدارة ترامب، فهي المستشار المساعد في البيت الأبيض، سيباستيان غوركا، المنحدر من أصول هنغارية، والمولود في لندن سنة 1970، والذي تم تداول اسمه عربياً على نطاق واسع أخيراً بعد تسريبات عن خططه لتقسيم ليبيا إلى ثلاث دول. يخدم غوركا ضمن طاقم مستشار الأمن القومي (الذي شكّله الجنرال المستقيل مايكل فلين)، ويُتهم بمعاداة السامية، وتبنّيه رؤية مسيحية-عسكرية تنتمي للتقليد القومي الهنغاري، علاوة على تطرفه ضد الإسلام، وعلاقته بحزب “فيتيزي ريند” (Vitezi Rend) الهنغاري المتعاون مع الألمان إبان الاحتلال النازي، والمساهم في إبادة اليهود الهنغاريين.

تعود علاقة غوركا ببانون إلى عمله محرراً في موقع “بريتبارت”، منبر اليمين المتطرف. وأثار ارتداء غوركا ميدالية حزب “فيتيزي ريند” الهنغاري خلال حفل تنصيب ترامب الكثير من الجدل في الولايات المتحدة، بسبب تعاون الحزب مع النازيين وتورطه في جرائم ضد اليهود، إلا أن غوركا اعتبر أن ارتداءه الميدالية يأتي تخليدا لذكرى والده “المحارب للشيوعية”. وأصبح غوركا، المنحدر من مهاجرين هنغاريين إلى بريطانيا، مواطناً أميركياً سنة 2012، وكان قد عمل في الجيش البريطاني، ومستشاراً لوزير الدفاع الهنغاري، علاوة على عمله بالتحليل العسكري لوسائل إعلامية مختلفة.

أنصار “أميركا أولاً”

يُعتبر بانون وميلر من أنصار سياسات “أميركا أولاً”، فيما يتهمان خصومهما بأنهم يعملون لأجندة “غير أميركية”. فالقضايا الأساسية الشاغلة لهؤلاء تتعلق بالوضع الاقتصادي، لذا يعطون أولوية لعداوة الصين، ومنظمة التجارة الدولية، والاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي، باعتبار هذه الجهات والتحالفات تستنزف أميركا اقتصادياً، أو تساهم في إضعاف اقتصادها بصورة مباشرة.

من هنا تأتي رؤية بانون “التحالف مع روسيا ضد الصين” لإخماد ثورة التنين الصيني الاقتصادية، وتبنّي أجندة وطنية حمائية اقتصادياً، تتضمن إلغاء اتفاقية التبادل التجاري الحر مع كندا والمكسيك، علاوة على رغبات بـ”الانكفاء” الأميركي، وإصلاح المجتمع، لتجاوز مشكلات “التعددية العرقية والثقافية” و”انتشار الأفكار اليسارية والاشتراكية” التي يراها خطراً أخلاقياً وسياسياً. إضافة إلى هذا، يرى بانون في الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حليفاً له، بسبب توجّهات الرئيس الروسي القومية المتطرفة، وتبنّيه أجندة فاشية مسيحية.

لا يخفي هذا التيار في البيت الأبيض عداءه للإسلام، ورفضه للتوسع الأميركي عسكرياً. فسياسات “أميركا أولاً” تعني عدم التورط في نزاعات دولية، وعدم التدخّل العسكري ضد أي كان بأي حجة. ويمكن اعتبار رؤية ترامب للعالم أثناء الحملة الانتخابية من صياغة هذا التيار. الرؤية القائمة على التحالف (أو التهدئة) مع روسيا، والتصعيد ضد الصين، والتخلي عن حلف شمال الأطلسي والذي وصفه ترامب مراراً بـ”المؤسسة البالية”. وتلك التي لا ترى مشكلة في التحالف مع أي كان ضد “الإرهاب الإسلامي” حتى لو كانت هذه الجهة النظام السوري.

جنرالات ترامب

كان طريق ترامب إلى البيت الأبيض محفوفاً بالجدل والخلافات. فترامب لم يحظَ بإجماع الحزب الجمهوري، إضافة إلى وقوف الإعلام التقليدي والتيارات الليبرالية والديمقراطيين ضده. كما جاءت نتائج الانتخابات الرئاسية على المستوى الشعبي بفارق كبير لصالح منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون، إذ تفوقت بما يقارب الثلاثة ملايين صوت، في الوقت الذي فاز ترامب به بالرئاسة بسبب تفوقه بعدد المندوبين على مستوى الولايات. وواجهت إدارة ترامب الكثير من الفضائح الاستخباراتية، التي تتعلق بتدخّل روسيا في الانتخابات، واتصال أعضاء حملة ترامب الانتخابية بمسؤولين روس. افتقار ترامب للخبرة السياسية، وهو الذي لم يتولَ أي موقع سياسي طوال حياته، والانقسام حوله والفضائح المحيطة بفريقه الانتخابي، جعله يملأ المناصب الحساسة في إدارته بجنرالات من قوات البحرية والجيش، باعتبار المؤسسة العسكرية الأميركية “أكثر احترافية” من سياسيي واشنطن، إضافة إلى أنهم فوق الخلافات الحزبية. كما أن أحداً لا يشكك في أولوية الأمن القومي الأميركي عند هؤلاء، ورؤيتهم غير المتسامحة مع روسيا والصين، أهم منافسي الولايات المتحدة دولياً.

عيّن ترامب الجنرال جيمس ماتيس وزيراً للدفاع، والجنرال جون كيلي وزيراً للأمن الداخلي، وكلاهما من قوات البحرية. كما عيّن الجنرال إش آر ماكماستر مستشاراً للأمن القومي خلفاً للجنرال المستقيل المثير للجدل بسبب علاقاته بالروس، مايكل فلين. وكل من فلين وماكماستر من ضباط الجيش. وهناك جنرال رابع، لم يعيّنه ترامب، لكنه قريب من الدائرة المحيطة به، وهو رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال جوزيف دانفورد. وتم تعيين دانفورد من قبل الرئيس السابق باراك أوباما في 2015، ووافق مجلس الشيوخ المسيطر عليه من قبل الجمهوريين آنذاك بشكل تلقائي، فغالباً ما كان الجيش الأميركي، وجنرالاته، موضع إجماع وثقة، طالما كانوا “عسكريين احترافيين” بمعنى عدم تورطهم بخلافات “مستنقع واشنطن” الذي رفع ترامب شعار تجفيفه في حملته الانتخابية.

هذه الدائرة من الجنرالات الكبار، أصبحت مؤثرة في سياسات وقرارات ترامب، بما يتجاوز تأثير “القوميين البيض” في إدارته. فجنرالات ترامب يشرفون بصورة مباشرة على الملفات الأمنية الحساسة، وهم في مناصب تنفيذية رئيسية. بينما يقبع “القوميون البيض” في كواليس البيت الأبيض بمهام ومناصب استشارية، باستثناء سيشنز (وزير العدل والمدعي العام).

تشير مصادر من داخل إدارة ترامب، بحسب صحيفة “واشنطن تايمز”، إلى أن ترامب يستمع لجنرالاته، وينفذ ما يقولون. وترى مصادر مقربة من إدارة ترامب أن وزير الدفاع جيمس ماتيس، ووزير الأمن الداخلي جون كيلي، هما الأقرب للرئيس، والأكثر تأثيراً في سياساته.

وتعيد “واشنطن تايمز” ضعف ترامب أمام جنرالاته لأسباب عدة، أبرزها أنهم “يقرأون أكثر من الرئيس” فهم ليسوا مجرد عسكر، بل منظّرين في الأمن القومي والاستراتيجيات العسكرية. كما أن الرئيس يراهم أرقى من “مستنقع واشنطن”، علاوة على كونهم يمثلون ذروة “النجاح الأميركي” لأنهم من “المؤسسة العسكرية الاحترافية”. كل هذه الأسباب تجعل ترامب ضعيفاً أمام سطوة جنرالاته. وكتبت “واشنطن تايمز” أن “الجنرالين كيلي وماتيس وجدا رجلاً يستمع إليهما، ولا يدعي مثل أوباما والآخرين أنه يعرف كل شيء”. الأمر الآخر الذي يجعل ترامب أسير سياسات جنرالاته في مقاربته للمنطقة العربية، أنهم جميعاً قاتلوا في المنطقة. فالجنرالات الأربعة شاركوا في احتلال أفغانستان والعراق 2001 و2003، ما يعني بنظر ترامب أنهم أكثر قرباً ومعرفة بـ”حربه على الإسلام الراديكالي” بحسب تعبير الرئيس، التعبير الذي يرفضه ماكماستر.

رؤية ماكماستر

شكك مستشار الأمن القومي الأميركي إش آر ماكماستر باحتمال إرسال قوات أميركية إلى الأرض في سورية، مؤكداً أن الولايات المتحدة ستتعاون مع “شركائها على الأرض” في سورية. ويأتي تصريح ماكماستر بعد أيام من شائعات تداولتها وسائل إعلامية أميركية حول دفع ماكماستر باتجاه نشر قوات أميركية في سورية لمحاربة تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) وربما نظام بشار الأسد، في الوقت الذي أوردت فيه تقارير أخرى معارضة وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس، مثل هذا التوجه. وينتمي ماكماستر إلى المدرسة العسكرية التي تشكك بإمكانية كسب الحروب عن بُعد، أو من خلال عمليات استخباراتية وضربات جوية من دون تدخّل على الأرض. إذ يرى أن هذا غير ممكن، وأن الحروب، خصوصاً ضد المنظمات الإرهابية، لا تُكسب إلا من خلال التعاون مع المجتمع المحلي، ومعالجة الأوضاع الاقتصادية، وفهم المجتمع وثقافته، مستلهماً تجربته في مدينة تلعفر العراقية بعد 2003.

وفي مقالة لماكماستر نُشرت في “نيويورك تايمز” في 21 يوليو/تموز، أكد أن الولايات المتحدة لم تستفد كثيراً من دروس حروبها السابقة، مشدداً على ثلاث نقاط تتعلق بطبيعة الحرب. أولها “الحرب سياسية” باعتبار أن الحرب “أداة للسياسة وليست فعلاً مستقلاً بنفسه”. كما أنه يؤكد أن الحرب “بشرية”، مضيفاً أن “دوافعها لم تتغير منذ 2500 سنة، وهي الخوف، والشرف، والمصالح”. أما النقطة الثالثة البالغة الأهمية بالنسبة للحرب، فإنها عدم إمكانية الوثوق بها، أو التأكد من نتائجها، لأنها “بشرية وأداة سياسية”. يراجع ماكماستر تجارب الحروب الأميركية الأخيرة، في العراق وأفغانستان، ليؤكد أن “حروباً مثل تلك في أفغانستان والعراق لا يمكن أن تُشن عن بعد”. وفي هذا السياق، تأتي الشائعات حول دعم ماكماستر تدخّلاً عسكرياً على الأرض ضد تنظيم “داعش” متوائمة مع رؤيته للحرب والعمل العسكري، والتي ترتكز على العمل على الأرض بالتشارك مع السكان المحليين.

وشارك ماكماستر في عمليات عاصفة الصحراء 1991، كما عمل في العراق بعد 2003، وأرسل إلى افغانستان في 2010. الرتبة العسكرية لماكماستر أقل من بقية جنرالات ترامب، فلم يحظَ بالنجمة الرابعة، إلا أن وجوده على رأس مجلس الأمن القومي الأميركي يعطيه دوراً كبيراً في التنسيق بين أجهزة الاستخبارات الأميركية، والبنتاغون، والبيت الأبيض.

الجنرالات بمواجهة القوميين البيض

بعد تعيين الجنرال ماكماستر مستشاراً للأمن القومي، قام بإلغاء عضوية ستيف بانون، في مجلس الأمن القومي. كما قام بتعيين الجنرال جوزيف دانفورد، ورئيس الاستخبارات الوطنية دان كوتس، المعروف بعدائه للروس، في المجلس. كان تعيين ترامب لبانون في مجلس الأمن القومي أبرز مؤشرات تنامي نفوذه في البيت الأبيض. وأثار التعيين الكثير من الجدل في حينه، باعتبار بانون شخصية سياسية ذات أجندة متطرفة، ومن الخطأ وجوده في مجلس يفترض أن يقدّم للرئيس رؤى أمنية واستخباراتية تتجاوز الأهواء السياسية والانقسامات الحزبية.

وجاء إبعاد بانون من المجلس مؤشراً إلى تراجع نفوذه أيضاً، في ظل دخول ماكماستر في إدارة ترامب، وتنامي سطوة الجنرالين كيلي وماتيس. وكان كيلي يقف وراء استثناء العراق من قانون حظر دخول مواطني دول إسلامية إلى الأراضي الأميركية، كما نصحه (بحسب واشنطن تايمز) بتجنّب تكرار الإشارة إلى مسألة بناء جدار مع المكسيك.

ويتبنّى ماكماستر رؤية معاكسة تماماً لرؤية “القوميين البيض” وترامب في ما يتعلق بالإسلام. إذ إنه يرى أن “التطرف” لا علاقة له بالدين الإسلامي، الذي يؤكد احترامه. في الوقت الذي يرفض فيه قول كلمة السر المفضلة لدى ترامب “التطرف الإسلامي” لوصف الإرهاب.

إلا أن دلائل وقوع ترامب في قبضة جنرالاته تذهب أبعد من عزل بانون من مجلس الأمن القومي، من خلال تتبّع سياسات البيت الأبيض أخيراً، والتي تمثّل إلى حد كبير عودة للسياسات الصقورية للبنتاغون، في ظل تراجع أجندة “أميركا أولاً” التي حاول “القوميون البيض” رفعها أثناء حملة ترامب الانتخابية وأيامه الأولى في الرئاسة. تراجعَ ترامب عن التهدئة مع روسيا، وبدأ بالتصعيد ضد بوتين في الملف السوري بعد استخدام نظام بشار الأسد للسلاح الكيميائي في خان شيخون، ورد بالقصف بالتوماهوك الأميركي. الحدث يمثّل بحد ذاته قطيعة مع “عقيدة أوباما” وتراجعاً عن أجندة “أميركا أولاً” الرافضة للتورط في صراعات المنطقة العربية، علاوة على أنه تراجع عن شعارات رفض التدخّل العسكري أو ما كانت توصف بـ”السياسات الانعزالية” التي قال محللون إن ترامب قد يتبناها في ظل التفاته لإصلاح الأوضاع الداخلية الأميركية. كما تراجع ترامب عن التصعيد ضد الصين، ووصف لقاءه مع الرئيس الصيني شي جين بينغ بـ”الممتاز”، معتبراً أن مسألة التجارة سيبحث بها الطرفان لاحقاً. كذلك تراجع ترامب عن انتقاداته لحلف شمال الأطلسي ووصفِه بـ”المؤسسة البالية التي تجاوزها الزمن”، فاعتبر أن الحلف “حصن للسلام والأمن العالمي” في ظل تأييد أوروبي (ألماني وبريطاني وفرنسي) واسع للتصعيد الأميركي في سورية.

لا يمكن عزل سياسات ترامب تلك، عن أمرين رئيسيين: هيمنة الجنرالات على قرارات البيت الأبيض، ومحاولة ترامب الخروج من مأزق التحقيقات بشأن التدخّل الروسي في الانتخابات الأميركية، وعلاقات أعضاء حملته الانتخابية بروسيا، القضية التي أطاحت بفلين، وكادت أن تطيح بسيشنز، وما زالت لعنتها تلاحق أعضاء إدارة ترامب، من غير جنرالاته.

ترامب جاء بشعارات وأجندة سياسية صيغت أثناء الحملات الانتخابية وفق أهواء “القوميين البيض”، تلك الشعارات التي نجحت في إيصال ترامب إلى البيت الأبيض، لكنه فشل في ترجمتها سياسياً من خلال إدارته. فقرار ترامب حظر دخول مواطني سبع دول إسلامية، ثم ست دول إسلامية، أو ما يعرف بقرار حظر دخول المسلمين، كلها عُطلت من القضاء الأميركي. ومحاولات استبدال قانون التأمين الصحي (أوباما كير) فشلت أيضاً، على الرغم من كون رفض (أوباما كير) محط دعم جمهوريي الكونغرس. كما أن رغبة ترامب بالتقارب مع روسيا أُفشلت، ودفعه للتصعيد مع الصين كذلك. وفي ظل التصعيد ضد كوريا الشمالية والنظام السوري وإيران، يبدو ترامب بحاجة أكثر إلى حلفاء أميركا التقليديين في أوروبا والمنطقة العربية وبحر الصين الجنوبي.

أولويات “القوميين البيض” المتمثلة بإلغاء اتفاقيات التجارة العالمية والانكفاء، وترسيخ سياسات عنصرية في الداخل، لم تعد أولويات الرئيس الأميركي، في ظل تبنّيه سياسات البنتاغون التقليدية تجاه الأمن العالمي. سياسات البنتاغون “الصقورية” ستبهج ترامب أيضاً، فهي تُظهر قطيعة مع أوباما الذي وقف وحيداً ضد جنرالاته الذين تم تحجيمهم خلال فترتيه الرئاسيتين. كما أنها تظهر ولو شعبياً أن ترامب نجح في “جعل أميركا عظيمة” لا عبر إلغاء اتفاقيات التجارة العالمية، وإنما بضربات التوماهوك على سورية، واستخدام “أم القنابل” في أفغانستان، وتحريك ثلاث حاملات طائرات (كارل فينسون ورونالد ريغان ونيمتز) باتجاه شبه الجزيرة الكورية، أي عودة الولايات المتحدة للعب دور “شرطي العالم”.

ترامب: أنا صانع استراتيجيتي

خرج الرئيس الأميركي عن صمته بعد تصاعد الخلافات بين كبير استراتيجيي البيت الأبيض ستيف بانون، وصهر ترامب، جاريد كوشنر، وأدلى بتصريحات قُرئت على نطاق واسع بأنها مقدّمة لطرد بانون من دائرة التأثير في الإدارة الأميركية. وقال ترامب في تصريحات لصحيفة “نيويورك بوست” في 11 إبريل/نيسان الحالي: “يعجبني ستيف، لكن كما تذكر هو لو ينضم إلى حملتي (الانتخابية) إلا متأخراً جداً”. وأضاف الرئيس الأميركي: “لقد هزمت كل أعضاء مجلس الشيوخ وكل حكّام الولايات (المرشحين في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري) قبل أن أعرف ستيف. أنا صانع استراتيجيتي، ولم أكن لأغير استراتيجيتي لأواجه هيلاري”، في إشارة إلى عدم لعب بانون أي دور هام في صياغة استراتيجية ترامب الانتخابية.

وختم ترامب حديثه للصحيفة بالقول: “ستيف رجل جيد، لكنني أخبرتهما (ستيف وكوشنر) إن لم يصلحا الأمور سأقوم أنا بإصلاحها”. ومن المستبعد أن يقوم ترامب بـ”إصلاح الأوضاع” ضد أهواء صهره كوشنر، ما يضع بانون في دائرة الخطر حتى حين. ووُصف بانون بأنه “رئيس الظل” في البيت الأبيض في أسابيع إدارة ترامب الأولى، إلا أن دوره بدأ بالخفوت بعد تبنّي ترامب سياسات خارجية جمهورية تقليدية، وفشل إدارته في فرض أجندة بانون والمقربين منه والتي تتعلق بالتجارة العالمية وتغيير قانون التأمين الصحي، ومنع دخول مواطني دول إسلامية إلى الأراضي الأميركية.

وكان بانون قد اتهم كوشنر بأنه “ديمقراطي” بسبب خلافاتهما حول الأجندة الاقتصادية، خصوصاً بعد تعيين كوشنر مقربين منه من مؤسسة “غولدمان ساكس”، وهما غاري كوهن ودينا باول، في مناصب بإدارة ترامب. وشنّ موقع “بريتبارت” المقرب من بانون، هجوماً على كوشنر، واصفاً إياه بـ”الديمقراطي عديم الخبرة”. وبهذا يصبح بانون على عداء معلن مع مستشار الأمن القومي ماكماستر، الذي طلب إقالته من مجلس الأمن القومي. علاوة على كوشنر، زوج إيفانكا ابنة ترامب، في ظل تسريبات حول لعب الأخيرة دوراً كبيراً في التأثير على قرارات والدها السياسية، ولا سيما بعد أن أصبح لها مكتب في البيت الأبيض، باعتبارها “مستشارة” للرئيس، من دون أن يكون لها منصب رسمي بهذا المسمى.

(صحيفة العربي الجديد)

https://www.alaraby.co.uk/politics/2017/4/28/%D8%A7%D9%86%D9%82%D9%84%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A6%D8%A9-%D9%8A%D9%88%D9%85-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D9%85%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%8A%D8%B6-%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%85%D8%A8-%D8%A8%D9%82%D8%A8%D8%B6%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%B1%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA

الساعة الخامسة والعشرون … بقلم: سليمان الناصر

بقلم: سليمان الناصر

كثيرون نصحوا بقراءة رواية ( الساعة الخامسة والعشرون) للروماني قسطنطين جورجيو، وبعدما قرأتُها قبل أيام انضممتُ لهم وبتُّ أقترحها لمن يود تصور التحول الذي صنعته الحداثة في وجهها الإداري والتنظيمي على الإنسان وشعوره بقيمته وعلى حياته كلها، أولوية النظام وهيمنة الإدارة(= البقرطة) وتغير شكل الدولة ومركزة السياسة كل هذا كان له أثار بالغة على حياة البشر ورؤيتهم لأنفسهم، الحديث عن مضمون الرواية الفكري يطول ( ولستُ مؤهلا لتقييمها فنياً)،

لكن مايثير المتابع هو صدمة القراء المعاصرين لمضامين الرواية، مع إن هذه المشكلات ترسخت وتضاعفت أكثر وأكثر منذ ذلك الحين ( قبل خمسينات القرن الماضي)، والسبب في ظني هو تأثير التكرار والاعتياد علينا نحن البشر، فالواقع بصرامته يحاول تغييرنا وفقا لشروطه، لذلك قد نفقد احساسنا من بعض المشكلات مع تكرارها ويخفت صوتنا دونها،

يذكر بعض النقاد رواية ( الوحش الانفجاري) التي كتبها التشيكي جارومير جوهن ١٩٣٢ والتي جعلت أزمة الانسان وقتها الصخب الذي تورط به البشر جرّاء صناعة المكينة والسيارة الخ، كانت مشكلة حقيقية استحقت وصف ” الوحش”، ومع مضي السنوات اعتاد البشر هذا الضجيج، بل أصبح ادمانا في بعض الحالات،

وعندما كتب كافكا رواياته الوصفية “للإدارة” وتعاملها البارد مع البشر كانت البقرطة آنذاك – كما يعبر كونديرا- طفلا صغيرا، واليوم بعد مضي كل هذه السنوات لم نعد نشعر بما فعلته بنا البقرطة رغم تصخمها وتضاعف نفوذها وتوحشها،

ومثال آخر لا يقل طرافة ومأساوية؛ كانت كتابات هديجر حول ما سماه( الكوينونة لليد) ويقصد بها – حسب مافهمت كوننا ننظر للأشياء والعالم من حولنا استعماليا فقط، فهو يدعو لتجاوز هذا المنظور والتعرّف على ذات الأشياء والانفتاح على ماهيتها، الخ أفكاره تلك، مضت السنوات، وتطور النقد لسلوك البشر تجاه العالم وظهر مفهوم “الاستهلاك”، كثيرون كتبوا عنه حتى الحديث مبتذلا، وكانت كتابات جان بودريارد عن ” المصطنع” وهيمنة الموضة الخ والحل المقترح لدى بورديارد التخلي عن المنظور الإستهلاكي والعودة لـ”للإستعمال” لمواجهة الموضة والإصطناع، فما كان محل نقد لدى هيدجر أصبح حلا للإنسان الراهن، التكرار يهشّم المقاومة، الأشياء في بدايتها يمكن ملاحظتها بشفافية والاحساس بخطرها ومقاومتها، ولكن مع التكرار وازدياد الانحراف تقل شفافية البشر وتضعف قدرتهم على الرفض، تحدث نيتشة عن أن الكنيسة في القرن السادس عشر كانت أقل فسادا في المانيا، وأن هذا هو سبب بداية الإصلاح الديني فيها، ويشبه هذا ما يقول توكوفيل عن كون الثورة الفرنسية حدثت في وضع صعود اصلاحي للدولة وليس في مسار انحدارها مما يظن عادة، لأن قلة الفساد تساعدنا على الابصار والبصيرة، بينما التكرار وعدم مقاومته تفضي بنا إلى حالة ” سبات وجودي” نفقد فيه قدرتنا على الإحساس والرفض،

رواية الساعة والعشرون ربما تساعد في تجلية هذه الظاهرة التي تحيط بالبشر فتحولهم- وكأنهم آلات- من حالة إلى أخرى وهم في استسلام مريب، وكل مقاومة يقوم بها المفكرون والمصلحون تكون مهددة بالعجز أو الابتذال أو فقد القدرة على تكرار المقاومة في مواجهة هذا التكرار الذي يهددهم.

 

الحوار مرة أخرى … سليمان الناصر

الحوار مرة أخرى

بقلم: سيلمان الناصر

يمكن فهم “الحوار” من خلال أصله اللغوي، فالحوار أصله (الحور) أي الرجوع، فبأي معنى يكون الحوار رجوعا!؟ يمكن أن نلاحظ الرجوع في الحوار بمعنيين

أحدهما أنه بمعنى الرجوع والمراجعة بين السائل والمجيب، حيث كلا المتحاورين له مقام يكون فيه سائلا ومقام أخر يكون فيه مجيبا، فهذا التناوب والمراجعة بينهما في مقاميهما هو رجوع مستمر، وفي الأصل “لا كلام إلا بين إثنين، ولا إثنين إلا عارض ومعترض، ولا عارض إلا بدليل، ولا معترض إلا لطلب الصواب، ولا “صواب إلا بجملة من القواعد

وهذا هو المعنى الأخر وهو الرجوع للصواب إذا ظهر بين المتحاورين، وكأن الدخول في الحوار هو تعاقد على الاستعداد المستمر حال الحوار للرجوع للصواب لأنه هو مسوغ الدخول في الحوار أساسا، فالعلاقة التي تم إنشاؤها بين المتحاورين هي علاقة تقابلية -عارض ومعترض- تتضمن مسؤولية سؤالية ومسؤولية جوابية، يجب عليهما القيام بمسؤولية السؤال والإجابة، وهي علاقة نقاشية قائمة علي التناظر وبالتالي تتجنب القهر والإرغام – وإلا لأنتفي معني الحوار والتناظر-وهذا البعد النقاشي يؤكد الانفتاح المستمر علي التراجع والرجوع إذا تأكدت مسوغاته، وها هنا نحتاج التوقف برهة لتناول نقطة تتأكد أهميتها باستمرار في الحوارات المشاهدة في الواقع، حيث يعتقد بعض المتحاورين إن الإقناع يقوم علي مجرد ذكر الحجج بدون مراعاة شروط عملية تحتف بالمناظرة وتؤثر علي الإقناع والاقتناع، فالإنسان ليس برنامجا آليا مجردا يمكنه معالجة البينات المدخلة بطريقة حسابية ومن ثم يخرج بنتائج تلك المعالجات، بل الإنسان كائن تختلط أبعاده الوجدانية والعقلانية والمادية وتتداخل وتعمل مع بعضها في وقت واحد ويؤثر بعضها علي بعض، والظن أن الإنسان يجب عليه استقبال المعلومات باعتبارها “وقائع مجردة” بات محل مراجعات كبيرة منذ عقود، فالتحيزات تعيق فكرة الفصل بين الذات والموضوع، وهناك مراجعات هائلة في دعاوي “الفصل بين القيمة والواقعة”، بحيث أن قيمنا التي تكوِّن “رؤيتنا للعالم” توثر في تعريفنا للوقائع وتحديدنا لها، وحتي في حقل الدراسات العصبية التي أعادت التفكير ببعض المسلمات القديمة مثل المسلمة الديكارتية القائلة بالفصل بين العواطف والعقل، وأصبح التسليم بالتأثر والتأثير المتبادلين بين الوجدان والعقل (الوعي)محل قبول وتسليم.

كل هذه المراجعات تشير إلي ضرورة تجاوز التعامل مع أساليب الحوار ومناهج المناظرة وكأنها مجرد أداب ليس أكثر، بينما أضحت دراسات “الحجاجيات الجديدة” و” البلاغيات الجديدة” تكشف الدور البالغ للانضباط بمناهج الحوار والمناظرة وأثرهما علي فهم الحجة وتبليغها، حيث الحوار علاقة تخاطبية، والتخاطب -إجمالا- إلقاء جانبين لأقوال بغرض إفهام كل منهما للأخر مقصودا معينا، هذه الأقوال لا تنفك عن أفعال يأتي بها المتجاوران لحث الأخر علي العمل وفق هذه المقاصد، حيث العمل هو سِمة من سِمات الحوار، فيكون التبليغ والتهذيب هما الغرض من الدخول في علاقة تخاطبية، وقد توسعت المباحث اللغوية الحديثة (التداوليات ،منطق الحجاج) في تحديد هذه القواعد الضابطة للحوار توسعا كبيرا، ولا يمكن الإلمام بتلك القواعد في هذه المقام إلا علي سبيل الإشارة، فأشهر تلك المبادئ هو مبدأ ”التعاون” المعروف عن الفيلسوف التداولي “بول غرايس” ومن أشهر قواعد هذا المبدأ هي ( لتكن إفادتك للمخاطب علي قدر حاجته، ولا تتعدي المطلوب) ومنها (لا تقل ما تعلم كذبه، لا تقل ما ليس لك عليه بينة) ومنها (لتحترز من الالتباس، ومن الإجمال) ومنها (ليناسب المقال المقام) ومنها ( تكلم بإيجاز، رتب كلامك) وجاء بعد هذا الفيلسوف الأمريكي عدد من المنظِّرين فنقدوا نظريته ولاحظوا ما وقع فيه من قصور فطوَّروها وكان مما أضاف عليه عدد من المناطقة والباحثين ما يلي (لا تفرض نفسك علي مخاطبك، لتجعل المخاطب يختار بنفسه)بحيث تتجنب عبارات من جنس (يجب عليك كذا..)، ومن تلك القواعد (لتُظهِر الودَّ للمخاطب)ومنها (قلل من الكلام غير المؤدب، أكثر من الكلام المؤدب) ( قلل من خسارة الغير، أكثر من ربح الغير) وتسمي قاعدة اللباقة، وقاعدة الاستحسان تقول ( قلل من ذم الغير، أكثر من مدح الغير) وقاعدة التواضع تقول (قلل من مدح الذات) وقاعدة الاتفاق ( قلل من اختلاف الذات والغير، أكثر من اتفاق الذات والغير) وقاعدة التعاطف ( قلل من تنافر الذات والغير، أكثر من تعاطف الذات والغير) كل تلك القواعد انتجها باحثون في المجال الغربي التداولي ولا تخلو من نقاط تناسب مجالنا العربي وأخري أقل مناسبة، لهذا يلزمنا تطوير قواعد تخاطبية وتناظرية تتناسب مع مجالنا وسياقنا ومسلماتنا الأخلاقية والتداولية، وقد عمل النُّظار القدامى في التراث الإسلامي علي انجازات هائلة ومحل تقدير في هذا الخصوص، وأشهر مبدأ في التراث العربي هو مبدأ “التصديق”، وصيغته (لا تقل لغيرك قولا لا يُصدُّقه فعلك)، فلزوم العمل للعلم هو القاعدة الأساسية في لتراث الإسلامي، وكذلك ورد في كتاب الماوردي (أدب الدنيا والدين) جملة من القواعد التبليغية مثل(يجب أن يكون للكلام داع يدعو إليه مثل جلب النفع أو دفع الضرر، ليقتصر الكلام علي قدر الحاجة، تخير اللفظ المناسب) ويمكن ملاحظة بعض الشبه مع قواعد التداوليين المعاصرين السابق ذكرها.

ومن القواعد التهذيبية يمكننا الظفر بجملة منها لدي الغزالي في الإحياء مثل ( تفقد قصدك في كل قول تلقي به علي الغير، كن صادقا فيما تنقله لغيرك، تودد إلي غيرك وجرّد هذا التودد عن الأغراض) ( للاستزادة والتفصيل راجع كتاب اللسان والميزان لطه عبدالرحمن).

وثمة أمر أخر يتضمنه مبدأ الحوار، (بين عارض ،معرض) حيث أن تبادل هذين المقامين بينهما بكل إنصاف وعدل يتضمن اعترافا بينهما، يتضمن الإقرار بالوجود، والإقرار بحق الرأي وحق القول وواجب الإنصات، وهي حقوق قائمة لهما ولازمة عليهما في آن واحد، هذا الاعتراف بالوجود والإقرار بما يترتب عليه من حقوق و هو ضرورة يحتاجها الأفراد والجماعات في المجتمع الواحد، وفشل الحوار هو فشل لإشباع هذه الحاجات، حيث يحل التجاهل والنسيان والنفي محلها، ومعروف أن أفات التجاهل والنسيان قد تكون أشد ضررا علي الإنسان من اللوم، بل ومن العقوبة أحيانا، وهو ما يفسر لجوء البعض حتي لما قد يوقع عليه العقوبة لمجرد أن يجد من يعترف به ويسمع صوته ويجعله منظورا إليه، “الإحساس بالتفاهة يشبه تسديد ضربة قاتلة، وقد قيل ” أن لا يملك المرء صديقا ولا عدوا إن هذا لهو الجحيم يكابد لأواء العدم”.

وأخيرا ولكي يتم استثمار الحوار والتواصل معرفيا واجتماعيا استثمارا ناجعا فلا بد من تربية اجتماعية تبدأ من المراحل المبكرة للإنسان، ومن هنا اقترح علي وزير التعليم التفكير الجدِّي بجعل منهج الحوار والمناظرة مادة أساسية في كل فصول المرحلة الابتدائية تعمِّق فيهم منهج الحوار والمناظرة وآدابها، فإن هذا سيكون له أبلغ الأثار في بناء الإنسان وما يترتب عليه علميا وفكريا واجتماعيا.

نقلا عن موقع “إيوان 24”.

هل الجدال حرب؟… سليمان الناصر

هل الجدال حرب؟ محاولة في تصويب مقاصد التجادل وتحسين وسائله

بقلم: سليمان الناصر

في كتابه “الاستعارات التي نحيا بها” عمل جورج لايكوف -وزميله جونسون- على تحليل علاقة الاستعارة بالتفكير الإنساني، أوضح في ثنايا التحليل كيف أن الاستعارة ليست مجرد أسلوب ضروري في اللغة، بل هي تركيب بنيوي في جهاز التصور والتفكير لدينا نحن البشر، فالإنسان مفطور على أن يفكر بشكل استعاري وأن تتحكم في أفكاره وسلوكه تلك الاستعارات التي تملأ فكره ولغته عن العالم من حوله، هذا سلوك لا يستطيع الإنسان الانفكاك منه في تفكيره ولغته وتواصله.

ومن أطرف الأمثلة التي علّق عليها المؤلفان هي استعارة (الجدال حرب) وشرحا كيف أنها تُبنْيِن تصوراتنا ونشاطنا اليومي، كشفا ذلك عبر عدد من التعابير التي نستعملها يوميا في وصف الحوارت والسجالات:

١- لا يمكن الدفاع عن فكرتك

٢- هاجم نقاط قوته

٢- أصاب كلامه الهدف

٤- هدمتُ حجته

٥- انتصرت عليه في النقاش

٦- أسقطتُ كل براهينه

إلخ (ولدينا تعابير شعبية متفشية بيننا تأتي في نفس السياق مثل “في وسط الجبهة” حيث نستعمل هذا الجملة الشعبية للتعبير عن الردود المحرجة في النقاشات).

لنلاحظ أن هناك فرق بين وجود نظام الاستعارة في نسق نظامنا التصوري وبين مضمون هذه الاستعارة، فنظام الاستعارة هو الجانب الصوري من العمل الاستعاري، بينما مضمونها هو المحتوى والقيمة التي تعبر عنه الاستعارة، لذلك يتساءل لايكوف: ماذا لو وجدنا مجموعة بشرية لديها استعارة جدالية أخرى “هب أن هناك ثقافة لا يُنظر فيها إلى الجدال بعبارات الحرب، حيث لا يوجد مهزوم ولا منتصر، وحيث لا معنى للهجوم والدفاع أو ربح المواقع وخسارتها”.

ويقترح نموذجا متخيلا، “لنتخيل ثقافة يُنظر فيها للجدال باعتباره رقصة، والمتجادلان ممثلان هدفهما إنجاز الرقصة ببراعة وأناقة” سيُبني على هذا الاختلاف الاستعاري ممارسات وتعابير مختلفة جذريا، لغة المعركة تختلف عن لغة الرقص. يبدو لايكوف يائسا من إمكان قبول هذا الاختلاف في استعارة الجدال، رغم إقراره أن مضمون الاستعارة ليس بنيويا فهو قابل للتغيير.

حسنا، ماذا لو قلنا: الجدال شِعر، أو الجدال فن، أو كتابة، أو رسم، أو أي شئ آخر يتعلق بالجماليات، لنلاحظ كيف أن القران قال عن الجدال: (ولا تجادلوا أهل الكتاب الا بالتي هي أحسن)، فالتعبير بـ (أحسن) يُحيل إلى المجال الجمالي، حيث (الحُسن) وصفٌ جمالي، فالقرآن يجعل الأفق الجمالي أفقا أعلى ينفتح عليه الأفق الأخلاقي، بحيث أن الأخلاقيات تتحول إلى جماليات عليا، ويمكن اعتبار (الحُسن) في التجادل كما حث عليه القران يتناول ثلاث مستويات، هي على التراتب: الأفق المنطقي ويقصد بالحُسن هنا هو الصواب، ثم الأفق الأخلاقي ويقصد به الأفضل، حيث يتم الالتزام بأخلاقيات الحوار المعروفة في أصول الحوار، ثم المستوى الثالث وهو الحسن الجمالي. فالقران الكريم يدعو إلى استعارات تجادلية تبدأ من مستوى الإصابة وتنتهي بالجمالية مرورا بالأخلاقية.

وهنا يتضح لنا -نحن منتهجوا الحوار والنقاش والتجادل- أن إعادة النظر والتفكير بآليات السجال والنقاش في مواقع التواصل أمرٌ لا بد منه بشكل مستمر، فغالب نوايا المتحاورين خيِّرة ونبيلة، لكن المقاصد وحدها ليست كفاية لإنجاز المقاصد؛ بل إن نجوع الوسائل وصحتها شرط أساس لإعطاء نتائج صحيحة ومفيدة.

الجدال ليس حربا، بل هو حوار، استعداد دائم للرجوع، النقاش شعر يحتاج إلى إصغاء، ورسم يحتاج إلى إنعام البصر، والحوار كتابة تحتاج إلى قراءة وتأمل، والجدال تعارف أي تعاون على المعروف.

الجدال فَتْلٌ، المتحاوران يفتلان الفكرة كما تُفتل الحبال، هو تأليف وجمع لا تفريق وطرح، فهما شريكان في نتيجة الحوار، يجب أن نحفظ إنسانيتنا من الحروب التي تحتل عالمنا ولغتنا وتفكيرنا نحن البشر، وتسللت إلى أساليب تواصلنا الإنسانية، فيكاد هذا العالم الحديث أن يجعل الحربَ تعريفا مرادفا للحياة، بحيث لا نتعامل مع الحياة ومع السعي فيها إلا عبر مفاهيم وصياغات تجعل العلاقةَ مع العالم وفي العالم علاقة حرب ومواجهة.

نقلا عن موقع “إيوان 24”.

الاستشراق بعيون إدوارد سعيد

ما زال كتاب إدوارد سعيد “الاستشراق” والذي صدر سنة 1978م  يمثل سلطة في مجاله لا يمكن الفكاك منها. لا تكاد أن تجد دراسة أو كتاب يتناول صورة الشرق في الغرب إلا ويشير إلى كتاب إدوارد سعيد. موافقا لما فيه، أو معترضا عليه. إدوارد سعيد الذي كتب لاحقا في التسعينيات أنه سبب اهتمامه بالموضوع جاء من تجربته كعربي فلسطيني يعيش في الولايات المتحدة ما زال مثار جدا، بعد أكثر من ثلاثة عقود على صدور الكتاب، والعقد عن وفاته.

هناك ثلاث نقاط أساسية في الكتاب لا يمكن تجاهلها، سألخصها هنا بشكل سريع.

النقطة الأولى: الغرب اخترع الشرق. فالاستشراق عبارة عن صورة متخيلة للشرق كتبت بأقلام أدباء ورحالة ورجال دولة. وهذه الكتابة جاءت بترسبات سابقة على الشرق، لا تعتمد على الملاحظة فقط، وإنما على فكرة مسبقة. وهذا الاختراع لم يكن بشكل عفوي ولكن بسبب تأثيرات.

النقطة الثانية توضح هذه التأثيرات، فأدبيات الاستشراق كتبت تحت تأثيرات سياسية مباشرة أو غير مباشرة. مباشرة عندما يكون كتابها يعملون كموظفين في الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية أو البريطانية أو الامريكية كما في الاستشراق الحديث. وغير مباشر عندما يكتب الأدب، شعرا ورواية وغيرها، تحت تأثير حالة الهيمنة والاستعمار الأوروبي للشرق، حيث يظهر هذا الأدب متشبعا بحالة الهيمنة والقوى والسيطرة.

النقطة الثالثة: أن هناك قطيعة بين هذا الغرب والشرق. فكل ما هو شرقي نقيض لما هو غربي. الغرب يمثل العقلانية والتفوق والتسامح، بينما يمثل الشرق البربرية والوضاعة والتخلف.

أخيرا، ليس الشرق متخيلا فقط بحسب رؤية إدوارد سعيد للاستشراق، بل الغرب كذلك متخيلا بصورة ما. فالاستشراق كما حدد صورة الشرق، حدد صورة الغرب، كالنقيض لهذا الشرق، وفي ذات الوقت، مثل الشرق “الأخر” الذي يحدد للغرب هويته.

 0d269_idward-saeed

إدوارد سعيد

« ميدان التحرير » في واشنطن !

الاحتجاجات ضد «وول ستريت» تمتد من وكر الرأسماليين حتى عرين الساسة

واشنطن/ تقرير – بدر الراشد

    امرأة خمسينية، تقف في إحدى جوانب “ساحة التحرير” بواشنطن، وتحمل لوحة كتب عليها: لقد جئت من أوكلاهوما إلى هنا، إسألني لماذا أتيت وسأخبرك .. رغبة بالتعبير عن سخطها على الوضع القائم في الولايات المتحدة الأمريكية.

اليوم، وبعد أسابيع من انطلاق حملة “احتلوا وول ستريت”، وهي الحملة التي دعت إليها مؤسسة “أدباسترز” الإعلامية في السابع عشر من سبتمبر الماضي، وتمخض عنها احتجاجات واعتصامات في عدد من الولايات الأمريكية، أهمها الاعتصامات في مدينة نيويورك، بالقرب من الوول ستريت. هذه الاحتجاجات تمتد، حيث يعتصم العشرات، ويشارك المئات في الاحتجاجات القائمة في “ساحة الحرية / فريدوم بلازا” بالقرب من البيت الأبيض، في واشنطن العاصمة، والتي انطلقت ابتداء من الثالث من أكتوبر الجاري، تزامنا مع ذكرى الغزو الأمريكي لأفغانستان.

في إحدى مداخل الساحة، يحمل أحدهم لوحة كتب عليها ” بوش يخوض الحروب ويدمر الاقتصاد ثم يلومون الفتى الأسود” كرد على من يحملون الرئيس الأمريكي باراك أوباما مسئولية تردي الحالة الاقتصادية اليوم.

يبدو أن لا شيء يجمع المحتجون في “فريدوم بلازا” إلا العداء للرأسمالية، والوقوف ضد الحروب الأمريكية في العالم، ولا سيما غزو العراق وأفغانستان. لذا تجد هنا الشيوعي الذي يحمل علم “الإتحاد السوفييتي” أو يضع صورة “كارل ماركس” كما تجد مناهضي العولمة من دعاة الاقتصاديات الخضراء الموائمة للبيئة، والديمقراطيين من أنصار الرئيس أوباما، الذين يعتقدون أن الجمهوريين هم من يعيق إصلاحاته، أوباما الذي أكد في وقت سابق على حق المحتجين بالاعتصام، وأنهم يعبرون عما أسماه “إحباط الشعب الأمريكي بسبب السياسات اللاأخلاقية والمتهورة لمديري الشركات في وول ستريت”.

يقف رجل ستيني أمام خريطة ضخمة للعالم، يشرح من خلالها للمارة كيف تهيمن عليه الولايات المتحدة، ويوزع نشرة تحوي ملخصا لأحد الكتب الذي يعتبره هذا الستيني “مانفستو القرن الواحد والعشرين” والذي يبين تفاصيل هذه التدخلات. يقول: بعضهم لا يصدقون أن أمريكا تتحكم في العالم، هذا الكتاب يشرح كل الحقائق التي ستذهلك!.

من المثير للانتباه، أن الكثير من المحتجين في “فريدوم بلازا” ممن جاوزت أعمارهم الخمسين عاما، وأرادوا التعبير عن احتجاجهم بالاعتصام، ويؤكدون على أنهم يسيرون على خطى مصر وأسبانيا واليونان، وكأنها انتفاضة عالمية ضد السياسة والاقتصاد، تخط مرحلة جديدة.

على المسرح، في الجانب الآخر، يعتلي مجموعة من الشبان منصة كانت خلفيتها “نحن شعب الولايات المتحدة ..” الجملة الأولى في الدستور الأمريكي. أحد هؤلاء الشباب كان قادما من العراق، وألقى خطبة طويلة حول الهدف من هذه المظاهرات، شرح من خلالها كيف يستفيد كبار الرأسماليين في الولايات المتحدة من “تجارة الحروب” في أفغانستان والعراق، من خلال طرق عديدة، منها تحول الدعم نحو الصناعات العسكرية، وخفض دعم الجامعات، ومن ثم لا يجد الشبان الأمريكيون من يمول دراستهم الجامعية، فيلجأون للعمل في الجيوش الأمريكية المنتشرة حول العالم. كما تحدث عن المحاباة التي تقدمها الحكومة الفيدرالية لكبار الرأسماليين في وول ستريت، من خلال إعفائهم من الضرائب، وهي الخطة التي كان قد أقرها بوش الابن من أجل تحفيز الاقتصاد الأمريكي، ومدد أوباما العمل بها، حتى الآن.

تبدأ الفعاليات صباحا بإلقاء دورات حول الاحتجاجات السلمية، وثم مجموعة من الفعاليات بعد الظهر، تشكل محاضرات وكلمات منوعة، تشرح الغرض من هذه الاعتصامات، ثم يختم اليوم ب”جمعية عمومية” وكأنها محاكاة ل”الديمقراطية المباشرة”حيث يتحدث كل مواطن عن رغباته وما يريد. ثم يأوي المحتجون إلى خيامهم المنصوبة في الساحة، حيث يباتون ليلهم في “فريدوم بلازا”.

وفي أحد جوانب الساحة، وُضعت مجموعة من الأحذية لجنود أمريكين قتلوا في العراق، وأخرى لمدنيين لقوا حتفهم في العراق وأفغانستان على يد القوات الأمريكية، ومجموعة من اللافتات التي تطالب بإيقاف الحرب فوراً، وسحب القوات الأمريكية من هناك. في جهة أخرى انفردت مجموعة من اللوحات التي تحمل شعارات المحتجين، والتي يمكن اختصارها في عدد من المطالبات، والتي أعلنها قادة الاحتجاج، ابتداءا، في موقعهم الخاص باعتصامات واشنطن: إنهاء التدخلات والحروب الأمريكية حول العالم. حماية الأمن الاجتماعي المحلي، التحول إلى الاقتصاديات البديلة المتوائمة مع البيئة، حماية حقوق العمال، إيقاف هيمنة “وول ستريت” على الحكومة الفيدرالية، من خلال عزل السياسة الأمريكية عن تدخلات رؤوس الأموال وكبار الرأسماليين، وإعادة فرض الضرائب على الأغنياء.

يصعب التنبؤ اليوم إذا ما كانت هذه الاعتصامات ستتصاعد وتستمر خلال الأيام القليلة القادمة، لكن يبدوا أن المحتجين يريدون أن يقولوا شيئا ما، ويواصلوا احتجاجاتهم من الوول ستريت، وكر الرأسماليين، حتى واشنطن، عرين الساسة.

15 أكتوبر 2011م

جريدة الرياض

http://www.alriyadh.com/2011/10/15/article675778.html

فيلم «التطوع الأخير» .. قراءة هزلية مجحفة للأعمال التطوعية

ما تعريف الأعمال التطوعية ؟

“التطوع هو اللي فيه اختلاط وبنات وعيال وتصوير ..”.

هذا التعريف الذي يرى القائمون على فيلم “التطوع الأخير” أنه الدارج لدى “الشاب الطبيعي” في المجتمع السعودي! الفيلم نشر في موقع “اليوتيوب” في 12 نوفمبر، ويتطرق إلى الأعمال التطوعية بصورة ناقدة وهزلية، وهو من إخراج الأستاذ بدر الحمود.

غالباً ما رافق الصمت التجربة السينمائية في المملكة ، أو اتفاق ضمني بين الجميع على المجاملات، والتخلي عن النقد، بسبب كونها تجربة وليدة لم تأخذ مداها بعد، وهذا غير دقيق، فالتجربة وإن كانت وليدة إلا أنها بحاجة للنقد بصورة مستمرة من أجل تطويرها، وملامسة نقاط الضعف والقوة إما في الجوانب الفنية أو الفكرية لهذه الأعمال، وهنا أريد الحديث عن المضامين التي يطرحها فيلم “التطوع الأخير” ومغزى الرسالة الذي ينوي إيصالها إلى المجتمع، دون التطرق إلى الجانب الفني، لأن الفيلم كان أقرب إلى التقرير المصور – جيد الإخراج – من أي شيء آخر.

الفيلم ملتبس إلى حد كبير، فهو ينطلق من مسلمة كون الأعمال التطوعية “بصورتها المدنية” ظاهرة وليدة لم تبدأ إلا قبل سنتين في المنطقة الشرقية والغربية، و”تحبو” في الرياض، وبذات اللحظة خطاب الفيلم هو خطاب إلغائي، لا يقيم التجربة ويدعو إلى إعادة النظر في السلبيات التي ترافقها، ككل عمل في بدايته، بل كان مجمل خطاب الفيلم يدعو إلى إلغاء الأعمال التطوعية بصورة هزلية لمبررات عديدة، منها أن التطوع “سيئ” و “سخيف” ويهدف إلى “الوصول إلى المناصب” و “الترقيم” !!

وهذه “اللزمة” حول “الوصول إلى المناصب” و”الترقيم” أو العلاقة بين الرجال والنساء تكررت طوال الفيلم بصورة مملة، فأغلب ما جاء بعد الدقيقة الخامسة (مدة الفيلم ربع ساعة) هو تكرار لما تقرر في البداية، حول تفاهة الأعمال التطوعية وكون “ترقيم البنات” الهدف الأبرز للقائمين عليها.

وتأتي الشخصية المثيرة “المتطوع التائب” على وزن “مدمن سابق” أو “مفحط تائب” لتقرب لنا وجهة نظر القائمين على الفيلم بصورة أكبر، فالتطوع في الأعمال الخيرية – بصورتها الحالية- يعادل “إدمان المخدرات والمسكرات” أو “التفحيط” ويجب التوبة منه على غرار ما يفعل أولئك، وتبث توبتهم بالطريقة ذاتها، مع إخفاء الوجه، بخلفية موسيقية حزينة، كإكمال للمشهد المأساوي المراد تمريره، هنا يأخذ المشهد طابعاً يتجاوز المضحك والهزلي، ليؤصل لرؤية ضمنية حادة تجاه التطوع والمتطوعين.

أحد المتحدثين في الفيلم ينتقد أن يكون المتطوع “كاشخ” و “لبق” و “مبتسم” ! ويقرر أن هذا الشخص المهتم بلباسه ولبق بحديثه ومبتسم لا يفعل ذلك إلا ليتقرب من الجنس الآخر، المرافق في الأعمال التطوعية، وهذا لا يقلل من وجاهة الانتقاد الموجه إلى ملابس بعض الشباب، ولكن هذا الانتقاد عام على نمط سائد في المجتمع، دون أن يكون خاص بفئة معينة، فهذه الملاحظة تشمل الشباب عموماً، دون جزئية الانخراط في أي عمل، ولا يؤثر بصورة أساسية في كون الشخص متطوع أي غير متطوع، فهو اعتراض شكلي بحت.

التعميم الأساسي في الفيلم “أن هدف الأعمال التطوعية هو الترقيم” مثير للاهتمام، ومحاولة إلغاء هذه التجربة التي مازالت تحبو – لذلك السبب- أشد إثارة للاهتمام، لأن الحديث عن دوافع الشباب للأعمال التطوعية بهذا التعميم هو طعن سافر في النوايا، وتعميم بهذا الحجم يجرد الشباب المنخرطين في هذه الأعمال من أي فضيلة، ويحاول أن يحصر الدوافع في “المناصب” و “الترقيم” هو إدعاء معرفة ما لا يمكن الجزم به بالنسبة للفرد الواحد، فضلاً عن تعميمه على الجميع بهذه الصورة الفجة، والتي تأتي كامتداد لعقلية التعميم والإلغاء السائدة لدينا.

هناك من يذهب إلى الأسواق بهدف “الترقيم” لكن لم يقل أحد إن جميع من يذهب للأسواق يمتلكون هذا الدافع، كما أن التحرشات تحدث من بعض القابعين في مدرجات ملاعب كرة القدم، بل هناك من يذهب إلى هناك من أجل هذه الأعمال المسيئة، لكن أحدا لم يعمم من قبل بقوله “كل من يذهب إلى الملاعب هدفه التحرش” أو طالب بإلغاء مباريات كرة القدم أو مدرجات الجماهير لهذا السبب! تعميمات من هذا النوع خاطئة ومقززة، ومطلقها ينقصه وعي وإدراك معنى هذا التعميم ونتائجه، وقد علقت بعض الفتيات المشاركات في الأعمال التطوعية على الفيلم من خلال موقع اليوتيوب بأن الفيلم يجعل عملهم أصعب، ويؤدي إلى النظر لهؤلاء الفتيات بعين الريبة والشك من قبل ذويهم، ويسيء إلى سمعتهن بصورة مباشرة، وهذا كلام دقيق. بالإضافة إلى غياب أي رأي نسائي من المشاركات في الأعمال التطوعية، وهذا يجعل الفيلم يناقش القضية من زاوية ضيقة جدا، ويستبعد النساء من أي نشاط ابتداءً، ولو على مستوى إبداء الرأي!

إحدى الحجج التي تساق من خلال الفيلم لإثبات عدم أهمية الأعمال التطوعية، حديث أحد المشاركين أن الأعمال التطوعية قديمة في المجتمع، وأن أي عمل خيّر قام به شخص تجاه آخر هو عمل تطوعي، وهذا الكلام غير دقيق، وينم عن عدم فهم مغزى الأعمال التطوعية بصياغتها المدنية ممن يحاول انتقادها، فالأعمال التطوعية بمعناها المدني اليوم تختلف عن ممارسات الإنسان الخيّرة للآخرين. الممارسة التطوعية المدنية الحديثة هي ممارسة جماعية ومنظمة، بينما تلك الأعمال الخيّرة التي يقوم بها البشر تجاه بعضهم هي أعمال عفوية وتلقائية، حتى جماعيتها أحيانا تأتي على سبيل المصادفة، لا عن قصدية وتنظيم، بالإضافة إلى تنوع المجالات واختلافها، فبينما كانت الأعمال الفردية تقتصر على مساعدة الفقراء والمحتاجين من الأقارب والجيران..الخ أو مساعدة من يقع في كربة أو ضائقة مالية عابرة، فالأعمال التطوعية المدنية تنخرط في مجالات أوسع، وتستهدف في مراحل متقدمة وعي المجتمع وتحديثه، أي أنها لا تقتصر على الجوانب المادية البحتة.

من ضمن الحجج التي تساق ضد الأعمال التطوعية المدنية – من خلال الفيلم – أن القيام بخدمة العائلة، ومتطلبات الوالدين أفضل من الأعمال التطوعية التي تؤدى للآخرين، وهذا الحديث لا قيمة له، لأنه ينطبق على كل شيء، لا على الأعمال التطوعية فقط، فالقيام بخدمة الوالدين مقدم على الجهاد كما في الحديث النبوي الشهير، وخدمة الوالدين أهم من الأعمال التطوعية، ومن الدراسة، ومن محاولة تحسين الدخل، ومن الذهاب لشراء الملابس، أو حتى من إنتاج فيلم عن الأعمال التطوعية، أي هي أفضل – كما هو سائد اجتماعياً وكما تحث القيم الدينية- من الانخراط في أي نشاط شخصي أو اجتماعي، وبالتالي لا معنى لوضع هذه العلة في هذا السياق، لكونها لا تختص به فقط، وهو خلط بين ما هو واجب وما هو نفل.

يشير أحد المتحدثين في الفيلم عن “حقد المتطوعين على بعضهم” وعن “روح السيطرة ” وتحول البعض إلى قيادات داخل المجموعات، وإطلاق الألقاب المجانية كلقب “ناشط” وأن أقصى أمانيه أن تأتيه إضافات في موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”.. وهذه من النوازع البشرية التي لا يكاد أن يخلو منها إنسان، أن يكون في موضع قيادي، أو “يغار” من آخرين، أو يعتد بنفسه ويحاول أن يحقق ما يسميه ماسلو “الاحترام والتقدير” في هرمه للاحتياجات الإنسانية، وبالتالي فهذه المظاهر عامة لا يكاد يخلو منها أي نشاط بشري، ومتفهمة.

تجربة الأعمال التطوعية جديدة في مجتمعنا، كعمل مدني جماعي منظم، وأي تجربة حديثة لابد أن ترافقها الهفوات والإخفاقات، ولابد من نقد تلك التجربة بصورة متعقلة لتحديد جوانب الخلل وجوانب النجاح، دون الهدف إلى التجريح أو الإلغاء كما فعل فيلم “التطوع الأخير” باقتدار، ببث مجموعة من الانطباعات الشخصية دون معلومات إضافية، أو أرقام وإحصائيات، وإنما مجرد ادعاءات ألقيت بصورة فجة لمحاولة وأد تجربة مهمة ومميزة مازالت تعيش لحظاتها الأولى.

 

 

صحيفة الرياض – 23 نوفمبر 2010م