انقلاب المئة يوم على “القوميين البيض”: ترامب بقبضة الجنرالات

خطف تسارع وتيرة الأحداث المتعلقة في سورية وكوريا الشمالية والعلاقات الأميركية-الروسية والصينية، الضوء مؤقتاً من الصراعات الداخلية لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي تتشكّل أجندتها ببطء مع انتهاء الأيام المئة الأولى من حكم ترامب. وفي الوقت الذي يشير فيه التصعيد الأميركي دولياً، واستخدام القوة العسكرية في سورية، والتلويح باستخدامها مع كوريا الشمالية، إلى ميل الكفة لصالح “تيار الجنرالات” في إدارة ترامب، يبدو أن تيار “القوميين البيض” يعيش أسوأ أيامه، على الرغم من أن خطاب هذا التيار ساهم في صياغة حملة ترامب الانتخابية الشعبوية، وسياسات ترامب في أيامه الرئاسية الأولى.

يمكن تحديد قوتين رئيسيتين في إدارة ترامب، تتبنيان رؤى وأجندات متناقضة جذرياً: الأولى تتمثل بـ”القوميين البيض”، وتضم طيفاً متنوعاً من المستشارين العنصريين الشعبويين، والذين تتقاطع أفكارهم ورؤاهم مع اليمين البديل الأميركي ومجموعات النازيين الجدد، وأبرزهم وأكثرهم حضوراً هو كبير استراتيجيي البيت الأبيض ستيف بانون، وأهمهم في المناصب التنفيذية وزير العدل والمدعي العام جيف سيشنز. أما التيار الثاني فيمثله “جنرالات ترامب” من خلال وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس، ووزير الأمن الداخلي جون كيلي، ومستشار الأمن القومي إش آر ماكماستر، ورئيس هيئة الأركان جوزيف دانفورد. هؤلاء الجنرالات هم حراس السياسات الأميركية التقليدية “الصقورية” والتي يمكن تحديد خطوطها العريضة الثابتة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي على الأقل. وتتقاطع رؤى هذا التيار بصورة كبيرة مع التوجّهات الجمهورية التقليدية.

“القوميون البيض”

ليس بالضرورة أن يكون المحسوبون على تيار “القوميين البيض” منخرطين بصورة مباشرة بالمجموعات النازية الجديدة الأميركية، والتي يُتهم مدير “معهد السياسة الوطنية” ريتشارد سبنسر بنسج علاقات معها، أو مخلصين لتعاليم منظّر القومية البيضاء الأبرز، جاريد تايلور. لكن هؤلاء يحملون رؤية عرقية للهوية الأميركية، تمقت المهاجرين والإسلام، ويتبنون رؤية عنصرية مركزها العرق الأبيض، والتقليد المسيحي أو المسيحي-اليهودي باعتباره العمود الفقري لـ”الحضارة الغربية”.

يمثّل التيار المؤمن بهذه الأفكار في إدارة ترامب، كبير استراتيجيي البيت الأبيض ستيف بانون، والذي كان وما زال موقعه الإلكتروني (بريتبارت) ناطقاً باسم “اليمين البديل” الأميركي، الناقم على الاستبلشمنت في واشنطن، والذي يتبنّى رؤى عنصرية عرقية، علاوة على تعزيزه “رهاب الأجانب” والإسلاموفوبيا. يمكن اعتبار بانون قريباً أيضاً من “حزب الشاي” من خلال تبنّيه سياسات اقتصادية تدفع باتجاه “حكومة الحد الأدنى” إضافة إلى معارضته لهيمنة نخب “وول ستريت”، و”نخب دافوس” أو “الرأسمالية الدولية” التي يراها لا تهدد الاقتصاد الأميركي فحسب، بل “الحضارة الغربية” برمتها. من أقوى شخصيات هذا التيار في إدارة ترامب، وزير العدل والمدعي العام جيف سيشنز، المعروف بعنصريته وتعصبه عندما كان قاضياً في ألاباما، والذي رُفض ترشحه من قبل الكونغرس قاضياً فيدرالياً للولاية في 1986 بسبب اتهامه بالعنصرية ضد السود.

ووصف سيشنز “الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين”، والتي تُعنى بسياسات التمييز الإيجابي للسود، بأنها “غير أميركية” باعتبارها لا تمثّل الأميركيين الأبيض. كما عُرف وزير العدل بسياساته التي أعاقت تصويت الأميركيين السود في ألاباما. وقال سيشنز ذات مرة عن المنظمة العنصرية المتطرفة “كو كلوكس كلان” إنه “كان يعتقد أنهم على حق، حتى علم أن بعضهم يدخن الحشيش” في إشارة لرفضه تدخين الماريوانا، لكن سخريته تحمل أيضاً معنى آخر، أنه يقلل من قيمة الجرائم التي ارتكبتها تلك المنظمة التي دُشنت بعد الحرب الأهلية الأميركية في 1865 وقام أفرادها بقتل آلاف السود وسحلهم في الشوارع وتعليقهم على الأشجار، خصوصاً في حقبة الحربين العالميتين.

الشخصية الثالثة المحسوبة على هذا التيار، مقربة من سيشنز وبانون على السواء، وهي كبير مستشاري الرئيس، الشاب ستيف ميلر، والذي لا يتجاوز عمره الواحد والثلاثين. عمل ميلر مع سيشنز عندما كان في مجلس الشيوخ لمنع المهاجرين غير الشرعيين من الدول اللاتينية من الحصول على الجنسية الأميركية. وعُرف ميلر المنحدر من أسرة ليبرالية-يهودية بعلاقته مع أحد أبرز المتهمين بعلاقات مع المجموعات النازية الأميركية، ريتشارد سبنسر، عندما كانا زميلين في جامعة ديوك. إلا أن ميلر يرفض ربطه بسبنسر. كما عُرف عنه حماسته للأفكار المحافظة المتطرفة لديفيد هورويتز، خصوصاً تلك المتعلقة بكراهية المسلمين، ودعا ميلر لاستضافة هورويتز في جامعة ديوك عندما كان طالباً فيها.

يُعتبر ميلر، الذي يُتهم بالوقوف وراء قوانين ترامب المتعلقة بمنع دخول مواطني دول إسلامية إلى الولايات المتحدة، من رافضي “التعددية الثقافية”، ووصفها بأنها “تقوّض أميركا”، نافياً أن تكون الولايات المتحدة “أمة مهاجرين”. كتب ميلر أن “أسامة بن لادن سيشعر بالترحاب في ثانوية سانت مونيكا”، في سياق انتقاده لما يراه تسامحاً “غير مقبول” مع الأعراق والأديان المختلفة. ويرى ميلر أن مهمة أوروبا وأميركا اليوم “حماية الحضارة والثقافة من غير المنتمين إلى التقليد اليهودي-المسيحي”. وهو من المؤكدين أن “الحرب على الإرهاب” يجب أن تكون حرباً دينية ضد الإسلام. وفي عام 2007، وخلال دراسته في جامعة ديوك، أسس ميلر “مشروع التوعية بالإرهاب” للتحذير من “الجهاديين الإسلاميين” و”الفاشية الإسلامية” للحديث عن حماية “الحضارة الغربية” من الإسلام. وبعد رفض وسائل إعلامية نشر إعلانات لمشروعه، تحدث ميلر عن أهمية “تسمية العدو باسمه” في حديثه عن الإسلام.

كتب ميلر أثناء دراسته الجامعية: “تسمع بصورة متكررة أن الإسلام دين سلام، لكن من غير المهم كم مرة يتكرر هذا الوصف، لن يستطيع التكرار تغيير حقيقة أن ملايين المسلمين الراديكاليين سيحتفلون بمقتلك لسبب بسيط، لكونك مسيحيا أو يهوديا أو أميركيا”. انضم ميلر لحملة ترامب في يناير/كانون الثاني 2016، في الوقت الذي كان فيه سيشنز أول جمهوري يدعم ترامب علانية. لكن الرئيس الأميركي يُنتقد لاختياره ميلر في طاقمه الاستشاري، بسبب عنصريته وأفكاره المتطرفة، وصغر سنّه وانعدام خبرته السياسية.

أما الشخصية الرابعة المحسوبة على تيار القوميين البيض في إدارة ترامب، فهي المستشار المساعد في البيت الأبيض، سيباستيان غوركا، المنحدر من أصول هنغارية، والمولود في لندن سنة 1970، والذي تم تداول اسمه عربياً على نطاق واسع أخيراً بعد تسريبات عن خططه لتقسيم ليبيا إلى ثلاث دول. يخدم غوركا ضمن طاقم مستشار الأمن القومي (الذي شكّله الجنرال المستقيل مايكل فلين)، ويُتهم بمعاداة السامية، وتبنّيه رؤية مسيحية-عسكرية تنتمي للتقليد القومي الهنغاري، علاوة على تطرفه ضد الإسلام، وعلاقته بحزب “فيتيزي ريند” (Vitezi Rend) الهنغاري المتعاون مع الألمان إبان الاحتلال النازي، والمساهم في إبادة اليهود الهنغاريين.

تعود علاقة غوركا ببانون إلى عمله محرراً في موقع “بريتبارت”، منبر اليمين المتطرف. وأثار ارتداء غوركا ميدالية حزب “فيتيزي ريند” الهنغاري خلال حفل تنصيب ترامب الكثير من الجدل في الولايات المتحدة، بسبب تعاون الحزب مع النازيين وتورطه في جرائم ضد اليهود، إلا أن غوركا اعتبر أن ارتداءه الميدالية يأتي تخليدا لذكرى والده “المحارب للشيوعية”. وأصبح غوركا، المنحدر من مهاجرين هنغاريين إلى بريطانيا، مواطناً أميركياً سنة 2012، وكان قد عمل في الجيش البريطاني، ومستشاراً لوزير الدفاع الهنغاري، علاوة على عمله بالتحليل العسكري لوسائل إعلامية مختلفة.

أنصار “أميركا أولاً”

يُعتبر بانون وميلر من أنصار سياسات “أميركا أولاً”، فيما يتهمان خصومهما بأنهم يعملون لأجندة “غير أميركية”. فالقضايا الأساسية الشاغلة لهؤلاء تتعلق بالوضع الاقتصادي، لذا يعطون أولوية لعداوة الصين، ومنظمة التجارة الدولية، والاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي، باعتبار هذه الجهات والتحالفات تستنزف أميركا اقتصادياً، أو تساهم في إضعاف اقتصادها بصورة مباشرة.

من هنا تأتي رؤية بانون “التحالف مع روسيا ضد الصين” لإخماد ثورة التنين الصيني الاقتصادية، وتبنّي أجندة وطنية حمائية اقتصادياً، تتضمن إلغاء اتفاقية التبادل التجاري الحر مع كندا والمكسيك، علاوة على رغبات بـ”الانكفاء” الأميركي، وإصلاح المجتمع، لتجاوز مشكلات “التعددية العرقية والثقافية” و”انتشار الأفكار اليسارية والاشتراكية” التي يراها خطراً أخلاقياً وسياسياً. إضافة إلى هذا، يرى بانون في الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حليفاً له، بسبب توجّهات الرئيس الروسي القومية المتطرفة، وتبنّيه أجندة فاشية مسيحية.

لا يخفي هذا التيار في البيت الأبيض عداءه للإسلام، ورفضه للتوسع الأميركي عسكرياً. فسياسات “أميركا أولاً” تعني عدم التورط في نزاعات دولية، وعدم التدخّل العسكري ضد أي كان بأي حجة. ويمكن اعتبار رؤية ترامب للعالم أثناء الحملة الانتخابية من صياغة هذا التيار. الرؤية القائمة على التحالف (أو التهدئة) مع روسيا، والتصعيد ضد الصين، والتخلي عن حلف شمال الأطلسي والذي وصفه ترامب مراراً بـ”المؤسسة البالية”. وتلك التي لا ترى مشكلة في التحالف مع أي كان ضد “الإرهاب الإسلامي” حتى لو كانت هذه الجهة النظام السوري.

جنرالات ترامب

كان طريق ترامب إلى البيت الأبيض محفوفاً بالجدل والخلافات. فترامب لم يحظَ بإجماع الحزب الجمهوري، إضافة إلى وقوف الإعلام التقليدي والتيارات الليبرالية والديمقراطيين ضده. كما جاءت نتائج الانتخابات الرئاسية على المستوى الشعبي بفارق كبير لصالح منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون، إذ تفوقت بما يقارب الثلاثة ملايين صوت، في الوقت الذي فاز ترامب به بالرئاسة بسبب تفوقه بعدد المندوبين على مستوى الولايات. وواجهت إدارة ترامب الكثير من الفضائح الاستخباراتية، التي تتعلق بتدخّل روسيا في الانتخابات، واتصال أعضاء حملة ترامب الانتخابية بمسؤولين روس. افتقار ترامب للخبرة السياسية، وهو الذي لم يتولَ أي موقع سياسي طوال حياته، والانقسام حوله والفضائح المحيطة بفريقه الانتخابي، جعله يملأ المناصب الحساسة في إدارته بجنرالات من قوات البحرية والجيش، باعتبار المؤسسة العسكرية الأميركية “أكثر احترافية” من سياسيي واشنطن، إضافة إلى أنهم فوق الخلافات الحزبية. كما أن أحداً لا يشكك في أولوية الأمن القومي الأميركي عند هؤلاء، ورؤيتهم غير المتسامحة مع روسيا والصين، أهم منافسي الولايات المتحدة دولياً.

عيّن ترامب الجنرال جيمس ماتيس وزيراً للدفاع، والجنرال جون كيلي وزيراً للأمن الداخلي، وكلاهما من قوات البحرية. كما عيّن الجنرال إش آر ماكماستر مستشاراً للأمن القومي خلفاً للجنرال المستقيل المثير للجدل بسبب علاقاته بالروس، مايكل فلين. وكل من فلين وماكماستر من ضباط الجيش. وهناك جنرال رابع، لم يعيّنه ترامب، لكنه قريب من الدائرة المحيطة به، وهو رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال جوزيف دانفورد. وتم تعيين دانفورد من قبل الرئيس السابق باراك أوباما في 2015، ووافق مجلس الشيوخ المسيطر عليه من قبل الجمهوريين آنذاك بشكل تلقائي، فغالباً ما كان الجيش الأميركي، وجنرالاته، موضع إجماع وثقة، طالما كانوا “عسكريين احترافيين” بمعنى عدم تورطهم بخلافات “مستنقع واشنطن” الذي رفع ترامب شعار تجفيفه في حملته الانتخابية.

هذه الدائرة من الجنرالات الكبار، أصبحت مؤثرة في سياسات وقرارات ترامب، بما يتجاوز تأثير “القوميين البيض” في إدارته. فجنرالات ترامب يشرفون بصورة مباشرة على الملفات الأمنية الحساسة، وهم في مناصب تنفيذية رئيسية. بينما يقبع “القوميون البيض” في كواليس البيت الأبيض بمهام ومناصب استشارية، باستثناء سيشنز (وزير العدل والمدعي العام).

تشير مصادر من داخل إدارة ترامب، بحسب صحيفة “واشنطن تايمز”، إلى أن ترامب يستمع لجنرالاته، وينفذ ما يقولون. وترى مصادر مقربة من إدارة ترامب أن وزير الدفاع جيمس ماتيس، ووزير الأمن الداخلي جون كيلي، هما الأقرب للرئيس، والأكثر تأثيراً في سياساته.

وتعيد “واشنطن تايمز” ضعف ترامب أمام جنرالاته لأسباب عدة، أبرزها أنهم “يقرأون أكثر من الرئيس” فهم ليسوا مجرد عسكر، بل منظّرين في الأمن القومي والاستراتيجيات العسكرية. كما أن الرئيس يراهم أرقى من “مستنقع واشنطن”، علاوة على كونهم يمثلون ذروة “النجاح الأميركي” لأنهم من “المؤسسة العسكرية الاحترافية”. كل هذه الأسباب تجعل ترامب ضعيفاً أمام سطوة جنرالاته. وكتبت “واشنطن تايمز” أن “الجنرالين كيلي وماتيس وجدا رجلاً يستمع إليهما، ولا يدعي مثل أوباما والآخرين أنه يعرف كل شيء”. الأمر الآخر الذي يجعل ترامب أسير سياسات جنرالاته في مقاربته للمنطقة العربية، أنهم جميعاً قاتلوا في المنطقة. فالجنرالات الأربعة شاركوا في احتلال أفغانستان والعراق 2001 و2003، ما يعني بنظر ترامب أنهم أكثر قرباً ومعرفة بـ”حربه على الإسلام الراديكالي” بحسب تعبير الرئيس، التعبير الذي يرفضه ماكماستر.

رؤية ماكماستر

شكك مستشار الأمن القومي الأميركي إش آر ماكماستر باحتمال إرسال قوات أميركية إلى الأرض في سورية، مؤكداً أن الولايات المتحدة ستتعاون مع “شركائها على الأرض” في سورية. ويأتي تصريح ماكماستر بعد أيام من شائعات تداولتها وسائل إعلامية أميركية حول دفع ماكماستر باتجاه نشر قوات أميركية في سورية لمحاربة تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) وربما نظام بشار الأسد، في الوقت الذي أوردت فيه تقارير أخرى معارضة وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس، مثل هذا التوجه. وينتمي ماكماستر إلى المدرسة العسكرية التي تشكك بإمكانية كسب الحروب عن بُعد، أو من خلال عمليات استخباراتية وضربات جوية من دون تدخّل على الأرض. إذ يرى أن هذا غير ممكن، وأن الحروب، خصوصاً ضد المنظمات الإرهابية، لا تُكسب إلا من خلال التعاون مع المجتمع المحلي، ومعالجة الأوضاع الاقتصادية، وفهم المجتمع وثقافته، مستلهماً تجربته في مدينة تلعفر العراقية بعد 2003.

وفي مقالة لماكماستر نُشرت في “نيويورك تايمز” في 21 يوليو/تموز، أكد أن الولايات المتحدة لم تستفد كثيراً من دروس حروبها السابقة، مشدداً على ثلاث نقاط تتعلق بطبيعة الحرب. أولها “الحرب سياسية” باعتبار أن الحرب “أداة للسياسة وليست فعلاً مستقلاً بنفسه”. كما أنه يؤكد أن الحرب “بشرية”، مضيفاً أن “دوافعها لم تتغير منذ 2500 سنة، وهي الخوف، والشرف، والمصالح”. أما النقطة الثالثة البالغة الأهمية بالنسبة للحرب، فإنها عدم إمكانية الوثوق بها، أو التأكد من نتائجها، لأنها “بشرية وأداة سياسية”. يراجع ماكماستر تجارب الحروب الأميركية الأخيرة، في العراق وأفغانستان، ليؤكد أن “حروباً مثل تلك في أفغانستان والعراق لا يمكن أن تُشن عن بعد”. وفي هذا السياق، تأتي الشائعات حول دعم ماكماستر تدخّلاً عسكرياً على الأرض ضد تنظيم “داعش” متوائمة مع رؤيته للحرب والعمل العسكري، والتي ترتكز على العمل على الأرض بالتشارك مع السكان المحليين.

وشارك ماكماستر في عمليات عاصفة الصحراء 1991، كما عمل في العراق بعد 2003، وأرسل إلى افغانستان في 2010. الرتبة العسكرية لماكماستر أقل من بقية جنرالات ترامب، فلم يحظَ بالنجمة الرابعة، إلا أن وجوده على رأس مجلس الأمن القومي الأميركي يعطيه دوراً كبيراً في التنسيق بين أجهزة الاستخبارات الأميركية، والبنتاغون، والبيت الأبيض.

الجنرالات بمواجهة القوميين البيض

بعد تعيين الجنرال ماكماستر مستشاراً للأمن القومي، قام بإلغاء عضوية ستيف بانون، في مجلس الأمن القومي. كما قام بتعيين الجنرال جوزيف دانفورد، ورئيس الاستخبارات الوطنية دان كوتس، المعروف بعدائه للروس، في المجلس. كان تعيين ترامب لبانون في مجلس الأمن القومي أبرز مؤشرات تنامي نفوذه في البيت الأبيض. وأثار التعيين الكثير من الجدل في حينه، باعتبار بانون شخصية سياسية ذات أجندة متطرفة، ومن الخطأ وجوده في مجلس يفترض أن يقدّم للرئيس رؤى أمنية واستخباراتية تتجاوز الأهواء السياسية والانقسامات الحزبية.

وجاء إبعاد بانون من المجلس مؤشراً إلى تراجع نفوذه أيضاً، في ظل دخول ماكماستر في إدارة ترامب، وتنامي سطوة الجنرالين كيلي وماتيس. وكان كيلي يقف وراء استثناء العراق من قانون حظر دخول مواطني دول إسلامية إلى الأراضي الأميركية، كما نصحه (بحسب واشنطن تايمز) بتجنّب تكرار الإشارة إلى مسألة بناء جدار مع المكسيك.

ويتبنّى ماكماستر رؤية معاكسة تماماً لرؤية “القوميين البيض” وترامب في ما يتعلق بالإسلام. إذ إنه يرى أن “التطرف” لا علاقة له بالدين الإسلامي، الذي يؤكد احترامه. في الوقت الذي يرفض فيه قول كلمة السر المفضلة لدى ترامب “التطرف الإسلامي” لوصف الإرهاب.

إلا أن دلائل وقوع ترامب في قبضة جنرالاته تذهب أبعد من عزل بانون من مجلس الأمن القومي، من خلال تتبّع سياسات البيت الأبيض أخيراً، والتي تمثّل إلى حد كبير عودة للسياسات الصقورية للبنتاغون، في ظل تراجع أجندة “أميركا أولاً” التي حاول “القوميون البيض” رفعها أثناء حملة ترامب الانتخابية وأيامه الأولى في الرئاسة. تراجعَ ترامب عن التهدئة مع روسيا، وبدأ بالتصعيد ضد بوتين في الملف السوري بعد استخدام نظام بشار الأسد للسلاح الكيميائي في خان شيخون، ورد بالقصف بالتوماهوك الأميركي. الحدث يمثّل بحد ذاته قطيعة مع “عقيدة أوباما” وتراجعاً عن أجندة “أميركا أولاً” الرافضة للتورط في صراعات المنطقة العربية، علاوة على أنه تراجع عن شعارات رفض التدخّل العسكري أو ما كانت توصف بـ”السياسات الانعزالية” التي قال محللون إن ترامب قد يتبناها في ظل التفاته لإصلاح الأوضاع الداخلية الأميركية. كما تراجع ترامب عن التصعيد ضد الصين، ووصف لقاءه مع الرئيس الصيني شي جين بينغ بـ”الممتاز”، معتبراً أن مسألة التجارة سيبحث بها الطرفان لاحقاً. كذلك تراجع ترامب عن انتقاداته لحلف شمال الأطلسي ووصفِه بـ”المؤسسة البالية التي تجاوزها الزمن”، فاعتبر أن الحلف “حصن للسلام والأمن العالمي” في ظل تأييد أوروبي (ألماني وبريطاني وفرنسي) واسع للتصعيد الأميركي في سورية.

لا يمكن عزل سياسات ترامب تلك، عن أمرين رئيسيين: هيمنة الجنرالات على قرارات البيت الأبيض، ومحاولة ترامب الخروج من مأزق التحقيقات بشأن التدخّل الروسي في الانتخابات الأميركية، وعلاقات أعضاء حملته الانتخابية بروسيا، القضية التي أطاحت بفلين، وكادت أن تطيح بسيشنز، وما زالت لعنتها تلاحق أعضاء إدارة ترامب، من غير جنرالاته.

ترامب جاء بشعارات وأجندة سياسية صيغت أثناء الحملات الانتخابية وفق أهواء “القوميين البيض”، تلك الشعارات التي نجحت في إيصال ترامب إلى البيت الأبيض، لكنه فشل في ترجمتها سياسياً من خلال إدارته. فقرار ترامب حظر دخول مواطني سبع دول إسلامية، ثم ست دول إسلامية، أو ما يعرف بقرار حظر دخول المسلمين، كلها عُطلت من القضاء الأميركي. ومحاولات استبدال قانون التأمين الصحي (أوباما كير) فشلت أيضاً، على الرغم من كون رفض (أوباما كير) محط دعم جمهوريي الكونغرس. كما أن رغبة ترامب بالتقارب مع روسيا أُفشلت، ودفعه للتصعيد مع الصين كذلك. وفي ظل التصعيد ضد كوريا الشمالية والنظام السوري وإيران، يبدو ترامب بحاجة أكثر إلى حلفاء أميركا التقليديين في أوروبا والمنطقة العربية وبحر الصين الجنوبي.

أولويات “القوميين البيض” المتمثلة بإلغاء اتفاقيات التجارة العالمية والانكفاء، وترسيخ سياسات عنصرية في الداخل، لم تعد أولويات الرئيس الأميركي، في ظل تبنّيه سياسات البنتاغون التقليدية تجاه الأمن العالمي. سياسات البنتاغون “الصقورية” ستبهج ترامب أيضاً، فهي تُظهر قطيعة مع أوباما الذي وقف وحيداً ضد جنرالاته الذين تم تحجيمهم خلال فترتيه الرئاسيتين. كما أنها تظهر ولو شعبياً أن ترامب نجح في “جعل أميركا عظيمة” لا عبر إلغاء اتفاقيات التجارة العالمية، وإنما بضربات التوماهوك على سورية، واستخدام “أم القنابل” في أفغانستان، وتحريك ثلاث حاملات طائرات (كارل فينسون ورونالد ريغان ونيمتز) باتجاه شبه الجزيرة الكورية، أي عودة الولايات المتحدة للعب دور “شرطي العالم”.

ترامب: أنا صانع استراتيجيتي

خرج الرئيس الأميركي عن صمته بعد تصاعد الخلافات بين كبير استراتيجيي البيت الأبيض ستيف بانون، وصهر ترامب، جاريد كوشنر، وأدلى بتصريحات قُرئت على نطاق واسع بأنها مقدّمة لطرد بانون من دائرة التأثير في الإدارة الأميركية. وقال ترامب في تصريحات لصحيفة “نيويورك بوست” في 11 إبريل/نيسان الحالي: “يعجبني ستيف، لكن كما تذكر هو لو ينضم إلى حملتي (الانتخابية) إلا متأخراً جداً”. وأضاف الرئيس الأميركي: “لقد هزمت كل أعضاء مجلس الشيوخ وكل حكّام الولايات (المرشحين في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري) قبل أن أعرف ستيف. أنا صانع استراتيجيتي، ولم أكن لأغير استراتيجيتي لأواجه هيلاري”، في إشارة إلى عدم لعب بانون أي دور هام في صياغة استراتيجية ترامب الانتخابية.

وختم ترامب حديثه للصحيفة بالقول: “ستيف رجل جيد، لكنني أخبرتهما (ستيف وكوشنر) إن لم يصلحا الأمور سأقوم أنا بإصلاحها”. ومن المستبعد أن يقوم ترامب بـ”إصلاح الأوضاع” ضد أهواء صهره كوشنر، ما يضع بانون في دائرة الخطر حتى حين. ووُصف بانون بأنه “رئيس الظل” في البيت الأبيض في أسابيع إدارة ترامب الأولى، إلا أن دوره بدأ بالخفوت بعد تبنّي ترامب سياسات خارجية جمهورية تقليدية، وفشل إدارته في فرض أجندة بانون والمقربين منه والتي تتعلق بالتجارة العالمية وتغيير قانون التأمين الصحي، ومنع دخول مواطني دول إسلامية إلى الأراضي الأميركية.

وكان بانون قد اتهم كوشنر بأنه “ديمقراطي” بسبب خلافاتهما حول الأجندة الاقتصادية، خصوصاً بعد تعيين كوشنر مقربين منه من مؤسسة “غولدمان ساكس”، وهما غاري كوهن ودينا باول، في مناصب بإدارة ترامب. وشنّ موقع “بريتبارت” المقرب من بانون، هجوماً على كوشنر، واصفاً إياه بـ”الديمقراطي عديم الخبرة”. وبهذا يصبح بانون على عداء معلن مع مستشار الأمن القومي ماكماستر، الذي طلب إقالته من مجلس الأمن القومي. علاوة على كوشنر، زوج إيفانكا ابنة ترامب، في ظل تسريبات حول لعب الأخيرة دوراً كبيراً في التأثير على قرارات والدها السياسية، ولا سيما بعد أن أصبح لها مكتب في البيت الأبيض، باعتبارها “مستشارة” للرئيس، من دون أن يكون لها منصب رسمي بهذا المسمى.

(صحيفة العربي الجديد)

https://www.alaraby.co.uk/politics/2017/4/28/%D8%A7%D9%86%D9%82%D9%84%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A6%D8%A9-%D9%8A%D9%88%D9%85-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D9%85%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%8A%D8%B6-%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%85%D8%A8-%D8%A8%D9%82%D8%A8%D8%B6%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%B1%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA

الساعة الخامسة والعشرون … بقلم: سليمان الناصر

بقلم: سليمان الناصر

كثيرون نصحوا بقراءة رواية ( الساعة الخامسة والعشرون) للروماني قسطنطين جورجيو، وبعدما قرأتُها قبل أيام انضممتُ لهم وبتُّ أقترحها لمن يود تصور التحول الذي صنعته الحداثة في وجهها الإداري والتنظيمي على الإنسان وشعوره بقيمته وعلى حياته كلها، أولوية النظام وهيمنة الإدارة(= البقرطة) وتغير شكل الدولة ومركزة السياسة كل هذا كان له أثار بالغة على حياة البشر ورؤيتهم لأنفسهم، الحديث عن مضمون الرواية الفكري يطول ( ولستُ مؤهلا لتقييمها فنياً)،

لكن مايثير المتابع هو صدمة القراء المعاصرين لمضامين الرواية، مع إن هذه المشكلات ترسخت وتضاعفت أكثر وأكثر منذ ذلك الحين ( قبل خمسينات القرن الماضي)، والسبب في ظني هو تأثير التكرار والاعتياد علينا نحن البشر، فالواقع بصرامته يحاول تغييرنا وفقا لشروطه، لذلك قد نفقد احساسنا من بعض المشكلات مع تكرارها ويخفت صوتنا دونها،

يذكر بعض النقاد رواية ( الوحش الانفجاري) التي كتبها التشيكي جارومير جوهن ١٩٣٢ والتي جعلت أزمة الانسان وقتها الصخب الذي تورط به البشر جرّاء صناعة المكينة والسيارة الخ، كانت مشكلة حقيقية استحقت وصف ” الوحش”، ومع مضي السنوات اعتاد البشر هذا الضجيج، بل أصبح ادمانا في بعض الحالات،

وعندما كتب كافكا رواياته الوصفية “للإدارة” وتعاملها البارد مع البشر كانت البقرطة آنذاك – كما يعبر كونديرا- طفلا صغيرا، واليوم بعد مضي كل هذه السنوات لم نعد نشعر بما فعلته بنا البقرطة رغم تصخمها وتضاعف نفوذها وتوحشها،

ومثال آخر لا يقل طرافة ومأساوية؛ كانت كتابات هديجر حول ما سماه( الكوينونة لليد) ويقصد بها – حسب مافهمت كوننا ننظر للأشياء والعالم من حولنا استعماليا فقط، فهو يدعو لتجاوز هذا المنظور والتعرّف على ذات الأشياء والانفتاح على ماهيتها، الخ أفكاره تلك، مضت السنوات، وتطور النقد لسلوك البشر تجاه العالم وظهر مفهوم “الاستهلاك”، كثيرون كتبوا عنه حتى الحديث مبتذلا، وكانت كتابات جان بودريارد عن ” المصطنع” وهيمنة الموضة الخ والحل المقترح لدى بورديارد التخلي عن المنظور الإستهلاكي والعودة لـ”للإستعمال” لمواجهة الموضة والإصطناع، فما كان محل نقد لدى هيدجر أصبح حلا للإنسان الراهن، التكرار يهشّم المقاومة، الأشياء في بدايتها يمكن ملاحظتها بشفافية والاحساس بخطرها ومقاومتها، ولكن مع التكرار وازدياد الانحراف تقل شفافية البشر وتضعف قدرتهم على الرفض، تحدث نيتشة عن أن الكنيسة في القرن السادس عشر كانت أقل فسادا في المانيا، وأن هذا هو سبب بداية الإصلاح الديني فيها، ويشبه هذا ما يقول توكوفيل عن كون الثورة الفرنسية حدثت في وضع صعود اصلاحي للدولة وليس في مسار انحدارها مما يظن عادة، لأن قلة الفساد تساعدنا على الابصار والبصيرة، بينما التكرار وعدم مقاومته تفضي بنا إلى حالة ” سبات وجودي” نفقد فيه قدرتنا على الإحساس والرفض،

رواية الساعة والعشرون ربما تساعد في تجلية هذه الظاهرة التي تحيط بالبشر فتحولهم- وكأنهم آلات- من حالة إلى أخرى وهم في استسلام مريب، وكل مقاومة يقوم بها المفكرون والمصلحون تكون مهددة بالعجز أو الابتذال أو فقد القدرة على تكرار المقاومة في مواجهة هذا التكرار الذي يهددهم.

 

الحوار مرة أخرى … سليمان الناصر

الحوار مرة أخرى

بقلم: سيلمان الناصر

يمكن فهم “الحوار” من خلال أصله اللغوي، فالحوار أصله (الحور) أي الرجوع، فبأي معنى يكون الحوار رجوعا!؟ يمكن أن نلاحظ الرجوع في الحوار بمعنيين

أحدهما أنه بمعنى الرجوع والمراجعة بين السائل والمجيب، حيث كلا المتحاورين له مقام يكون فيه سائلا ومقام أخر يكون فيه مجيبا، فهذا التناوب والمراجعة بينهما في مقاميهما هو رجوع مستمر، وفي الأصل “لا كلام إلا بين إثنين، ولا إثنين إلا عارض ومعترض، ولا عارض إلا بدليل، ولا معترض إلا لطلب الصواب، ولا “صواب إلا بجملة من القواعد

وهذا هو المعنى الأخر وهو الرجوع للصواب إذا ظهر بين المتحاورين، وكأن الدخول في الحوار هو تعاقد على الاستعداد المستمر حال الحوار للرجوع للصواب لأنه هو مسوغ الدخول في الحوار أساسا، فالعلاقة التي تم إنشاؤها بين المتحاورين هي علاقة تقابلية -عارض ومعترض- تتضمن مسؤولية سؤالية ومسؤولية جوابية، يجب عليهما القيام بمسؤولية السؤال والإجابة، وهي علاقة نقاشية قائمة علي التناظر وبالتالي تتجنب القهر والإرغام – وإلا لأنتفي معني الحوار والتناظر-وهذا البعد النقاشي يؤكد الانفتاح المستمر علي التراجع والرجوع إذا تأكدت مسوغاته، وها هنا نحتاج التوقف برهة لتناول نقطة تتأكد أهميتها باستمرار في الحوارات المشاهدة في الواقع، حيث يعتقد بعض المتحاورين إن الإقناع يقوم علي مجرد ذكر الحجج بدون مراعاة شروط عملية تحتف بالمناظرة وتؤثر علي الإقناع والاقتناع، فالإنسان ليس برنامجا آليا مجردا يمكنه معالجة البينات المدخلة بطريقة حسابية ومن ثم يخرج بنتائج تلك المعالجات، بل الإنسان كائن تختلط أبعاده الوجدانية والعقلانية والمادية وتتداخل وتعمل مع بعضها في وقت واحد ويؤثر بعضها علي بعض، والظن أن الإنسان يجب عليه استقبال المعلومات باعتبارها “وقائع مجردة” بات محل مراجعات كبيرة منذ عقود، فالتحيزات تعيق فكرة الفصل بين الذات والموضوع، وهناك مراجعات هائلة في دعاوي “الفصل بين القيمة والواقعة”، بحيث أن قيمنا التي تكوِّن “رؤيتنا للعالم” توثر في تعريفنا للوقائع وتحديدنا لها، وحتي في حقل الدراسات العصبية التي أعادت التفكير ببعض المسلمات القديمة مثل المسلمة الديكارتية القائلة بالفصل بين العواطف والعقل، وأصبح التسليم بالتأثر والتأثير المتبادلين بين الوجدان والعقل (الوعي)محل قبول وتسليم.

كل هذه المراجعات تشير إلي ضرورة تجاوز التعامل مع أساليب الحوار ومناهج المناظرة وكأنها مجرد أداب ليس أكثر، بينما أضحت دراسات “الحجاجيات الجديدة” و” البلاغيات الجديدة” تكشف الدور البالغ للانضباط بمناهج الحوار والمناظرة وأثرهما علي فهم الحجة وتبليغها، حيث الحوار علاقة تخاطبية، والتخاطب -إجمالا- إلقاء جانبين لأقوال بغرض إفهام كل منهما للأخر مقصودا معينا، هذه الأقوال لا تنفك عن أفعال يأتي بها المتجاوران لحث الأخر علي العمل وفق هذه المقاصد، حيث العمل هو سِمة من سِمات الحوار، فيكون التبليغ والتهذيب هما الغرض من الدخول في علاقة تخاطبية، وقد توسعت المباحث اللغوية الحديثة (التداوليات ،منطق الحجاج) في تحديد هذه القواعد الضابطة للحوار توسعا كبيرا، ولا يمكن الإلمام بتلك القواعد في هذه المقام إلا علي سبيل الإشارة، فأشهر تلك المبادئ هو مبدأ ”التعاون” المعروف عن الفيلسوف التداولي “بول غرايس” ومن أشهر قواعد هذا المبدأ هي ( لتكن إفادتك للمخاطب علي قدر حاجته، ولا تتعدي المطلوب) ومنها (لا تقل ما تعلم كذبه، لا تقل ما ليس لك عليه بينة) ومنها (لتحترز من الالتباس، ومن الإجمال) ومنها (ليناسب المقال المقام) ومنها ( تكلم بإيجاز، رتب كلامك) وجاء بعد هذا الفيلسوف الأمريكي عدد من المنظِّرين فنقدوا نظريته ولاحظوا ما وقع فيه من قصور فطوَّروها وكان مما أضاف عليه عدد من المناطقة والباحثين ما يلي (لا تفرض نفسك علي مخاطبك، لتجعل المخاطب يختار بنفسه)بحيث تتجنب عبارات من جنس (يجب عليك كذا..)، ومن تلك القواعد (لتُظهِر الودَّ للمخاطب)ومنها (قلل من الكلام غير المؤدب، أكثر من الكلام المؤدب) ( قلل من خسارة الغير، أكثر من ربح الغير) وتسمي قاعدة اللباقة، وقاعدة الاستحسان تقول ( قلل من ذم الغير، أكثر من مدح الغير) وقاعدة التواضع تقول (قلل من مدح الذات) وقاعدة الاتفاق ( قلل من اختلاف الذات والغير، أكثر من اتفاق الذات والغير) وقاعدة التعاطف ( قلل من تنافر الذات والغير، أكثر من تعاطف الذات والغير) كل تلك القواعد انتجها باحثون في المجال الغربي التداولي ولا تخلو من نقاط تناسب مجالنا العربي وأخري أقل مناسبة، لهذا يلزمنا تطوير قواعد تخاطبية وتناظرية تتناسب مع مجالنا وسياقنا ومسلماتنا الأخلاقية والتداولية، وقد عمل النُّظار القدامى في التراث الإسلامي علي انجازات هائلة ومحل تقدير في هذا الخصوص، وأشهر مبدأ في التراث العربي هو مبدأ “التصديق”، وصيغته (لا تقل لغيرك قولا لا يُصدُّقه فعلك)، فلزوم العمل للعلم هو القاعدة الأساسية في لتراث الإسلامي، وكذلك ورد في كتاب الماوردي (أدب الدنيا والدين) جملة من القواعد التبليغية مثل(يجب أن يكون للكلام داع يدعو إليه مثل جلب النفع أو دفع الضرر، ليقتصر الكلام علي قدر الحاجة، تخير اللفظ المناسب) ويمكن ملاحظة بعض الشبه مع قواعد التداوليين المعاصرين السابق ذكرها.

ومن القواعد التهذيبية يمكننا الظفر بجملة منها لدي الغزالي في الإحياء مثل ( تفقد قصدك في كل قول تلقي به علي الغير، كن صادقا فيما تنقله لغيرك، تودد إلي غيرك وجرّد هذا التودد عن الأغراض) ( للاستزادة والتفصيل راجع كتاب اللسان والميزان لطه عبدالرحمن).

وثمة أمر أخر يتضمنه مبدأ الحوار، (بين عارض ،معرض) حيث أن تبادل هذين المقامين بينهما بكل إنصاف وعدل يتضمن اعترافا بينهما، يتضمن الإقرار بالوجود، والإقرار بحق الرأي وحق القول وواجب الإنصات، وهي حقوق قائمة لهما ولازمة عليهما في آن واحد، هذا الاعتراف بالوجود والإقرار بما يترتب عليه من حقوق و هو ضرورة يحتاجها الأفراد والجماعات في المجتمع الواحد، وفشل الحوار هو فشل لإشباع هذه الحاجات، حيث يحل التجاهل والنسيان والنفي محلها، ومعروف أن أفات التجاهل والنسيان قد تكون أشد ضررا علي الإنسان من اللوم، بل ومن العقوبة أحيانا، وهو ما يفسر لجوء البعض حتي لما قد يوقع عليه العقوبة لمجرد أن يجد من يعترف به ويسمع صوته ويجعله منظورا إليه، “الإحساس بالتفاهة يشبه تسديد ضربة قاتلة، وقد قيل ” أن لا يملك المرء صديقا ولا عدوا إن هذا لهو الجحيم يكابد لأواء العدم”.

وأخيرا ولكي يتم استثمار الحوار والتواصل معرفيا واجتماعيا استثمارا ناجعا فلا بد من تربية اجتماعية تبدأ من المراحل المبكرة للإنسان، ومن هنا اقترح علي وزير التعليم التفكير الجدِّي بجعل منهج الحوار والمناظرة مادة أساسية في كل فصول المرحلة الابتدائية تعمِّق فيهم منهج الحوار والمناظرة وآدابها، فإن هذا سيكون له أبلغ الأثار في بناء الإنسان وما يترتب عليه علميا وفكريا واجتماعيا.

نقلا عن موقع “إيوان 24”.

هل الجدال حرب؟… سليمان الناصر

هل الجدال حرب؟ محاولة في تصويب مقاصد التجادل وتحسين وسائله

بقلم: سليمان الناصر

في كتابه “الاستعارات التي نحيا بها” عمل جورج لايكوف -وزميله جونسون- على تحليل علاقة الاستعارة بالتفكير الإنساني، أوضح في ثنايا التحليل كيف أن الاستعارة ليست مجرد أسلوب ضروري في اللغة، بل هي تركيب بنيوي في جهاز التصور والتفكير لدينا نحن البشر، فالإنسان مفطور على أن يفكر بشكل استعاري وأن تتحكم في أفكاره وسلوكه تلك الاستعارات التي تملأ فكره ولغته عن العالم من حوله، هذا سلوك لا يستطيع الإنسان الانفكاك منه في تفكيره ولغته وتواصله.

ومن أطرف الأمثلة التي علّق عليها المؤلفان هي استعارة (الجدال حرب) وشرحا كيف أنها تُبنْيِن تصوراتنا ونشاطنا اليومي، كشفا ذلك عبر عدد من التعابير التي نستعملها يوميا في وصف الحوارت والسجالات:

١- لا يمكن الدفاع عن فكرتك

٢- هاجم نقاط قوته

٢- أصاب كلامه الهدف

٤- هدمتُ حجته

٥- انتصرت عليه في النقاش

٦- أسقطتُ كل براهينه

إلخ (ولدينا تعابير شعبية متفشية بيننا تأتي في نفس السياق مثل “في وسط الجبهة” حيث نستعمل هذا الجملة الشعبية للتعبير عن الردود المحرجة في النقاشات).

لنلاحظ أن هناك فرق بين وجود نظام الاستعارة في نسق نظامنا التصوري وبين مضمون هذه الاستعارة، فنظام الاستعارة هو الجانب الصوري من العمل الاستعاري، بينما مضمونها هو المحتوى والقيمة التي تعبر عنه الاستعارة، لذلك يتساءل لايكوف: ماذا لو وجدنا مجموعة بشرية لديها استعارة جدالية أخرى “هب أن هناك ثقافة لا يُنظر فيها إلى الجدال بعبارات الحرب، حيث لا يوجد مهزوم ولا منتصر، وحيث لا معنى للهجوم والدفاع أو ربح المواقع وخسارتها”.

ويقترح نموذجا متخيلا، “لنتخيل ثقافة يُنظر فيها للجدال باعتباره رقصة، والمتجادلان ممثلان هدفهما إنجاز الرقصة ببراعة وأناقة” سيُبني على هذا الاختلاف الاستعاري ممارسات وتعابير مختلفة جذريا، لغة المعركة تختلف عن لغة الرقص. يبدو لايكوف يائسا من إمكان قبول هذا الاختلاف في استعارة الجدال، رغم إقراره أن مضمون الاستعارة ليس بنيويا فهو قابل للتغيير.

حسنا، ماذا لو قلنا: الجدال شِعر، أو الجدال فن، أو كتابة، أو رسم، أو أي شئ آخر يتعلق بالجماليات، لنلاحظ كيف أن القران قال عن الجدال: (ولا تجادلوا أهل الكتاب الا بالتي هي أحسن)، فالتعبير بـ (أحسن) يُحيل إلى المجال الجمالي، حيث (الحُسن) وصفٌ جمالي، فالقرآن يجعل الأفق الجمالي أفقا أعلى ينفتح عليه الأفق الأخلاقي، بحيث أن الأخلاقيات تتحول إلى جماليات عليا، ويمكن اعتبار (الحُسن) في التجادل كما حث عليه القران يتناول ثلاث مستويات، هي على التراتب: الأفق المنطقي ويقصد بالحُسن هنا هو الصواب، ثم الأفق الأخلاقي ويقصد به الأفضل، حيث يتم الالتزام بأخلاقيات الحوار المعروفة في أصول الحوار، ثم المستوى الثالث وهو الحسن الجمالي. فالقران الكريم يدعو إلى استعارات تجادلية تبدأ من مستوى الإصابة وتنتهي بالجمالية مرورا بالأخلاقية.

وهنا يتضح لنا -نحن منتهجوا الحوار والنقاش والتجادل- أن إعادة النظر والتفكير بآليات السجال والنقاش في مواقع التواصل أمرٌ لا بد منه بشكل مستمر، فغالب نوايا المتحاورين خيِّرة ونبيلة، لكن المقاصد وحدها ليست كفاية لإنجاز المقاصد؛ بل إن نجوع الوسائل وصحتها شرط أساس لإعطاء نتائج صحيحة ومفيدة.

الجدال ليس حربا، بل هو حوار، استعداد دائم للرجوع، النقاش شعر يحتاج إلى إصغاء، ورسم يحتاج إلى إنعام البصر، والحوار كتابة تحتاج إلى قراءة وتأمل، والجدال تعارف أي تعاون على المعروف.

الجدال فَتْلٌ، المتحاوران يفتلان الفكرة كما تُفتل الحبال، هو تأليف وجمع لا تفريق وطرح، فهما شريكان في نتيجة الحوار، يجب أن نحفظ إنسانيتنا من الحروب التي تحتل عالمنا ولغتنا وتفكيرنا نحن البشر، وتسللت إلى أساليب تواصلنا الإنسانية، فيكاد هذا العالم الحديث أن يجعل الحربَ تعريفا مرادفا للحياة، بحيث لا نتعامل مع الحياة ومع السعي فيها إلا عبر مفاهيم وصياغات تجعل العلاقةَ مع العالم وفي العالم علاقة حرب ومواجهة.

نقلا عن موقع “إيوان 24”.

خواطر حول الكتابة في زمن الحرب

تصعب الكتابة في زمن الحرب. خاصة في بداياتها وذروتها، قبل أن ينقسم الناس حولها إن طالت وملتها الجماهير، أو غيرت حياتهم اليومية، أو بدأت تنزفهم خسائر.

لن يغير الناس رأيهم بالحرب وهم يشاهدونها في التلفاز، لن تتغير نظرتهم لها إن لم تمسهم شخصيا.

الحرب – أي حرب – فعل اضطرار لا يحتمل التصفيق “لا تتمنوا لقاء العدو”. لذا من المرعب أن تجد من الناس من يفرح بالحرب ويهتف لها، وهذا مختلف تماما عن تقبلها أو الدفاع عنها أو الدعوة لخوضها أو القتال على جبهاتها. قد تبرر حرب سياسيا وأنت كاره، بل لا أظن الإنسان يقبل على القتل إلا كارها لهذا ومضطرا إليه. لهذا يبدو فعل الابتهاج والفخر بالحرب أمر غامض، وغير مفهوم.

أصعب ما يواجه الإنسان في زمن الحرب عدم قدرته على النقد. وهذا يجعل الفضاء مفتوح للهتاف فقط، فمن ينتقد الحرب سوف يخوّن وتدهسه جماهير غفيرة، أو يلاحق ممن يخوض الحرب ويقمع باسمها، حتى وإن كان من ناحية المبدأ مؤيدا لها. فلا مجال في زمان القتال إلا للدعم الكامل للمقاتلين دون شروط، أو تحمل لعناتهم. وهنا لن يقدم على انتقاد الحرب إلا من يرفضها كلية، أما من يريد أن ينتقد تفاصيلها، فسوف يحجم؛ وحده من يملك موقفا متطرفا سوف يتحمل لعنات الأخرين بسبب مواقفه. فلا مجال هنا لأي رؤية نقدية وأنصاف الحلول.

أما انتقاد الحرب كلية فأمر معقد. منذ إيمانويل كانت وحتى هوارد زن كانت هناك حالمين بأن تنتهي الحرب يوما ما، ويعم السلام هذا العالم. من الصعب أن تناقش فكرة رفض الحرب كلية، أو تدافع عنها، بسبب واقع الحياة اليومية، وتاريخ البشر. هناك حروب تُفرض على أشد دعاة السلام حماسة، وتثبت الأيام دائما أن السلام يحدث نتيجة للخوف من الحرب، لا نتيجة لانعدام فرص حدوثها.

 إذا كان رفض الحرب كلية مجرد وهم، وربما فعل هروب، فالنقاش عن الحرب سيتحول إلى نقاش سياسي-أخلاقي لوقائع بعينها. وهنا أذكر “أخلاقي” لا من باب فصل الأخلاق عن السياسية، لكن لأن كلمة “سياسة” عندما تفرد غالبا ما يتخيل الإنسان أمر بلا أخلاق. أنا أكتبها هنا “سياسي-أخلاقي” تأكيد على تلازم الأمرين واتصالهم ببعضهم بصورة ما.

هل يمكن تبرير الحرب أخلاقيا؟ كالحديث عن حرب عادلة وأخرى غير عادلة؟

لا أدري. كلما قرأت مصطلح “حرب عادلة / غير عادلة” تبادر إلى ذهني سؤال واحد: عادلة بالنسبة إلى من؟ الحرب بالتعريف معركة بين أطراف متعددة، وبالتالي فالتضارب في رؤية الحرب والحكم عليها أمر معطى مقدما.

إذا كانت الحرب حديثا سياسيا-أخلاقيا فهنا ندخل إلى عالم ممتد من النظريات وتبريرها، والوقائع وتفسيرها. هذا يجعل الحديث التفصيلي عن الحرب، النظر للحرب بعين نقدية، واجب مضاعف. هنا قد يتحول الهتاف للحرب لعامل من عوامل خسارتها، إذا كان سيحجب أراء الأخرين فيها.

فمهما حدث، يجب أن يستمر النقاش والحوار. وهنا لا يكون النقاش إلا بين مختلفين إما نسبيا أو بشكل جذري، فلا فائدة للنقاش بين متفقين.

الاستشراق بعيون إدوارد سعيد

ما زال كتاب إدوارد سعيد “الاستشراق” والذي صدر سنة 1978م  يمثل سلطة في مجاله لا يمكن الفكاك منها. لا تكاد أن تجد دراسة أو كتاب يتناول صورة الشرق في الغرب إلا ويشير إلى كتاب إدوارد سعيد. موافقا لما فيه، أو معترضا عليه. إدوارد سعيد الذي كتب لاحقا في التسعينيات أنه سبب اهتمامه بالموضوع جاء من تجربته كعربي فلسطيني يعيش في الولايات المتحدة ما زال مثار جدا، بعد أكثر من ثلاثة عقود على صدور الكتاب، والعقد عن وفاته.

هناك ثلاث نقاط أساسية في الكتاب لا يمكن تجاهلها، سألخصها هنا بشكل سريع.

النقطة الأولى: الغرب اخترع الشرق. فالاستشراق عبارة عن صورة متخيلة للشرق كتبت بأقلام أدباء ورحالة ورجال دولة. وهذه الكتابة جاءت بترسبات سابقة على الشرق، لا تعتمد على الملاحظة فقط، وإنما على فكرة مسبقة. وهذا الاختراع لم يكن بشكل عفوي ولكن بسبب تأثيرات.

النقطة الثانية توضح هذه التأثيرات، فأدبيات الاستشراق كتبت تحت تأثيرات سياسية مباشرة أو غير مباشرة. مباشرة عندما يكون كتابها يعملون كموظفين في الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية أو البريطانية أو الامريكية كما في الاستشراق الحديث. وغير مباشر عندما يكتب الأدب، شعرا ورواية وغيرها، تحت تأثير حالة الهيمنة والاستعمار الأوروبي للشرق، حيث يظهر هذا الأدب متشبعا بحالة الهيمنة والقوى والسيطرة.

النقطة الثالثة: أن هناك قطيعة بين هذا الغرب والشرق. فكل ما هو شرقي نقيض لما هو غربي. الغرب يمثل العقلانية والتفوق والتسامح، بينما يمثل الشرق البربرية والوضاعة والتخلف.

أخيرا، ليس الشرق متخيلا فقط بحسب رؤية إدوارد سعيد للاستشراق، بل الغرب كذلك متخيلا بصورة ما. فالاستشراق كما حدد صورة الشرق، حدد صورة الغرب، كالنقيض لهذا الشرق، وفي ذات الوقت، مثل الشرق “الأخر” الذي يحدد للغرب هويته.

 0d269_idward-saeed

إدوارد سعيد

علاقة الدولة بالمجتمع المدني في رؤية عبدالله الحامد

“في المجتمع المقموع يتنازل الناس عن منظومة الحرية: الكرامة والمساواة، ويتطبعون بطباع العبيد: الشعور بالدونية”

د.عبدالله الحامد

في هذه التدوينة مراجعة مختصرة لكتاب الدكتور عبدالله الحامد “ثلاثية المجتمع المدني” وإشارات إلى الأفكار الرئيسية في الكتاب حول الدولة والمجتمع المدني.

عدل الدولة والمجتمع المدني

عندما يتحدث الدكتور الحامد عن عدل الدولة، فإنه يؤكد على أن الدولة تكون عادلة عندما تقر الحقوق بين أفرادها وجماعاتهما. والحامد هنا يتحدث عن الحقوق بمعناها العام ولا يحصرها بالحقوق السياسية، فيشير إلا أن هذه الحقوق اجتماعية واقتصادية ومدنية وثقافية..إلخ. الحقوق السياسية في نظرة الحامد هي الضامن لبقية الحقوق. حيث يرى أن الحقوق تضمن في الدولة من خلال الفصل بين السلطات الثلاثة “السياسية والتشريعية والقضائية” وبوجود شورى نيابية، بحيث ينتخب المجتمع أعضاء المجلس التشريعي. وبضمان استقلال القضاء.هذه ركائز فكر الحامد في نظرة إلى عدل الدولة، والحامد في سياق كتابه “ثلاثية المجتمع المدني” يتحدث عن المجتمع والدولة بشكل عام.

علاقة الدولة بالمجتمع في فكر الحامد ببساطة قائمة على التراضي والحقوق والطاعة.  فالأمة تختار حاكمها من خلال التعاقد والتراضي، والدولة تحفظ حقوق الناس وحرياتهم، فيقوم الناس بطاعتهم. يرى الحامد أن مشكلة الاستبداد في أن “السلطة المطلقة ذات ميل طبيعي إلى خرق القوانين، حتى القوانين التي أصدرتها نفسها” لذا يجب أن تحد سلطات الدولة وجهازها التنفيذي. الدولة دائما ما تهدد حرية الناس، فتتغول وتبدأ بالقمع والجور ، لذى يرى الحامد في هذا السياق أن المجتمع المدني حماية للمجتمع من تغول الدولة أو ما يسميه الحامد “دولنة المجتمع”. يقول الدكتور عبدالله الحامد: “ليس المجتمع المدني ضد الدولة، لكنه ضد “دولنة” المجتمع، ضد وصاية الدولة على المجتمع”. أما عن دول مؤسسات المجتمع المدني في المجتمع، فالحامد يرى أنها تقوم بعقلنة الصراع وتنظيمه لا إلغاءه. مع أهمية ترسيخ مبدأ الحوار والتعايش السلمي بين أفراد المجتمع. من هنا يرى عبدالله الحامد أن للناشطين في المجال العام دورين “جماعات المجتمع المدني هي الصيغة العملية لأمرين: الأول: تجميع رأي الأمة وتنضيجه ومنهجته وعقلنته. الثاني: تفعيله”.

علاقة الاستبداد بالفساد

عن العلاقة بين الاستبداد وغياب الحريات العامة في الدولة بالفساد، يكتب الحامد : “كل استبداد سياسي يفضي إلى انتهاك حريات المواطنين، فيؤدي إلى شيوع الاستهتار بالمصالح العامة”. لذا مواجهة الاستبداد والدعوة إلى الحرية تساهم في حفظ المصالح العامة للشعب. يصور الحامد علاقة الاستبداد بالفساد فيقول:  “يقود الاستبداد بالسلطة حتما إلى الاستبداد بالثروة، عند ذلك يتدمر الاقتصاد، عندها يعم الفساد”. ويضيف الحامد: “السلطان حين يحتكر إدارة الدولة لا بد من أن يستأثر بمنافعها، ويتصرف في أموال الأمة، حسب هواه، من دون رقيب ولا حسيب”.  من مخاطر الاستبداد أنه يعيد صياغة الناس، بحيث يتخلوا عن كرامتهم وإنسانيتهم، يقول الحامد: “في المجتمع المقموع يتنازل الناس عن منظومة الحرية: الكرامة والمساواة، ويتطبعون بطباع العبيد: الشعور بالدونية”.

يلخص الحامد علاقة الحرية بالأمن بقوله: “ظننا أن مدينة القمع لا تفضي بنا إلى مدينة الظلم، فأفضت بنا رحلة القمع إلى الظلم، فسكتنا وقلنا لا بأس من تحمل شيء من الظلم، كي لا نفقد الأمن، ففقدنا الثلاثة معا”.  يعني الحرية والعدل والأمن.

هل الدعوة إلى المجتمع المدني سلوك ثوري ؟

الحامد يجيب “ليست تجمعات المجتمع المدني مفهوما ثوريا، ضد الدولة القائمة … ولكنها ضد (دولنة) المجتمع، ضد ثنائية القمع والجور”.  فالمجتمع المدني يقوم بترشيد الدولة كجزء منها، فيمارس التخفيف من تغولها وسطوتها على المجتمع. يقول الحامد بوضوح واختصار : “تجمعات المجتمع المدني الأهلية ليست ضد الدولة ولكنها ضد شموليتها وهيمنتها واستبدادها”. لذا يؤكد على محورية  العمل السلمي والعلني، فنشاط جماعات المجتمع المدني “نشاط علني تحت نور الشمس والوضوح، لا تحت السراديب والكهوف”. ويقول أيضا : “تقرير الشورية إقرار بالتعددية والحوارية والسلمية معا”.

الثقافة الحقوقية والقضاء

يرى الحامد أن الثقافة الحقوقية بين الناس تساهم في استقلال القضاء، وتعوض عن نقص الشفافية الرسمية، يقول الحامد: ” من المهم أن يتواجد ناشطو حقوق الإنسان في قاعات المحاكم، لأن لهم أثرا يخفف الضغوط الخارجية على القضاة”. يضيف الحامد “إن القضاة الذين لا يجدون جمهورا يحميهم عندما يتعرضون لضغوط السلطة التنفيذية، لن يستطيعوا أن يستقلو”. يرى الحامد أن المجتمع المدني الحر يمكن أن يكون قوة موازية للسلطة التنفيذية عندما تضغط على القضاء، لذا يرى استحالة تحقيق استقلال القضاء بدون دعم شعبي ووعي حقوقي.

خاتمة

وظيفة المجتمع المدني حماية المواطنين من تغول أجهزة الدولة، بالتأكيد لا يمكن للمجتمع المدني كجزء من الدولة أن يلغي تغولها، لكنه قادر على التخفيف من سطوة أجهزتها التنفيذية. بدون مؤسسات المجتمع المدني تستفرد أجهزة الدولة بالمواطنين بلا أدى خوف من محاسبة ولو بالحد الأدنى. انعدام مؤسسات المجتمع المدني وعدم وجود إعلام مستقل، مع ضعف أجهزة الدولة وعدم إستقلالها، يؤدي إلى حكومة أمنية تسيرها التعاميم السرية والقمع كما يحدث في الكثير من دول العالم.

الصفة الأساسية في الدولة الحديثة أنها متغولة، أو ما يسميه الدكتور عبدالله الحامد “دولنة المجتمع”، ومعنى “تغول الدولة، أو دولنة المجتمع، أن الدولة متسلطة وتتدخل في تفاصيل حياة الأفراد. وهذا يحدث حتى في الدول الديمقراطية لكن بدرجة أقل بكثير من الدول الاستبدادية والشمولية. من هنا كانت الوظيفة الأساسية لمؤسسات المجتمع المدني في النظام الديمقراطي أن تخفف غلواء وشدة تسلط الدولة على الأفراد، فتحاول حماية الفرد من أجهزة الدولة التنفيذية. إذا كان الفرد في الدول الديمقراطية بحاجة إلى مؤسسات مجتمع مدني (نقابات ومؤسسات حقوقية ..الخ) لحمايته.. فكيف سيكون وضعه في دول استبدادية! هذا ما يجعل مؤسسات المجتمع المدني ضرورة وليست ترف أو مطلب نخبوي.فحرية العمل المدني، وحرية الصحافة، واستقلال القضاء، كلها موجهة ضد استبداد السلطة وتغولها. بدون هذه العوامل تسحق الدولة الفرد دون أن يسمع أحد أنينه.

رابط إلكتروني  لكتاب الدكتور عبدالله الحامد “ثلاثية المجتمع المدني” :

http://www.4shared.com/office/Suv2JuEB/____.html