تزفيتان تودوروف الذي تنبأ بكل شيء

 

 

ورحل الفيلسوف البلغاري – الفرنسي تزفيتان تودوروف، في الوقت الذي رأى، قبيل وفاته، كل مخاوفه التي قضى عمره في التحذير منها، تتجسّد أمامه في أكبر الديمقراطيات الغربية، الولايات المتحدة.
رُسمت توجهات تودوروف باكراً، عندما قضى سنواته الأربع والعشرين الأولى في ظل نظام شمولي، هو النظام الشيوعي البلغاري، قبل أن يغادر صوفيا، ليستقر في فرنسا، ويصبح أبرز مفكريها، أو أبرز “مؤرخ أفكار”، كما يصف تودوروف نفسه، وهو الذي انطلق من النقد والأدب، للدخول إلى تأريخ الأفكار والإيديولوجيات.
يمثل تودوروف حالة بارزة عالمياً، بتمسكّه بـ “قيم التنوير”، في الوقت الذي بدا الكثير بتجاوزها، إما رفضاً لـ “المركزية الأوروبية”، باعتبار التنوير حالة غربيةً لا تحمل أبعاداً خارج القارة القديمة، أو لأن التنوير أصبح سلطة أخرى، أو وهماً آخر، و”سردية كبرى” يجب أن تذوي، في وقتٍ بدأ البشر فيه بالتحرّر من أوهام كثيرة بعد الحرب العالمية الثانية، كما في “سرديات” ما بعد الحداثة.
إلا أن تودوروف نافح عن الأنوار، في مقابل تحريرها من سياقها الأوروبي، ومحاولة إعطائها بعداً عالمياً، فكانت رؤيته قائمة على “حضارةٍ” يمكن أن يشترك فيها جميع البشر، في الوقت الذي لا تنفي هذه الحضارة ثقافات البشر وهوياتهم وتعدّدها. يكتب تودوروف في “الخوف من البرابرة”: لا توجد إنسانية شاملة. .. لو حرمنا البشر من أية ثقافة خاصة، فإنهم بكل بساطة لن يعودوا بشراً.
رأى تودوروف مبكّراً مهدّدات الديمقراطية في عالم ما بعد انهيار جدار برلين. واعتبر في كتابه “أعداء الديمقراطية الحميمون” أن الديمقراطية مهدّدة من الداخل. صدرت الطبعة الفرنسية الأولى من الكتاب في 2012، والترجمة الإنجليزية في 2014، أما الطبعة العربية فكانت في 2016، ليظهر الكتاب وكأنه نبوءة “تفصيلية” للتحذير من انهيار الديمقراطية في أوروبا وأميركا تحت وطأة صعود اليمين المتطرف، والخطاب الشعبوي، إضافة إلى هيمنة “الرأسمالية المتوحشة”، باعتبارها أبرز مهدّدات الديمقراطية من وجهة نظر تودوروف الذي اعتبر أن “غطرسة” الديمقراطية العنوان العريض لنقاط ضعفها. فبعد انهيار جدار برلين، وسقوط الاتحاد السوفييتي، لم يعد هناك خطر خارجي كبير يهدّد الديمقراطية التي هزمت خلال قرابة نصف قرن أشد أعدائها قوةً وصلافةً: النازية والشيوعية.
حارب تودوروف على الجبهة التي ترفض اعتبار الإسلام العدو البديل للديمقراطية بعد نهاية الحرب الباردة، وعارض بشدة أفكار صامويل هنتغتون عن صراع الحضارات، وردّ ببساطة: الصراع بين دول، ومصالح سياسية، لا بين ثقافات وأديان.
يرى تودوروف أعداء عدة للديمقراطية، يتحدّث عن بعضها، أو عن التي يصفها بالأقرب إلى تجربة حياته في ظل نظام شمولي. يتحدّث عن “الشعبوية”، والتي يراها مضادّة للعقلانية، وساحقة للحريات الفردية. وكما يرى الخطر في الليبرالية القصوى أو الليبرالية المتطرّفة (Ultra Liberalism)، والتي جعلت الاقتصاد والرأسمالية المتوحشة محور كل شيء، في هيمنةٍ على السياسة والإعلام والقضاء، بدل أن تصبح هذه المجالات مفصولةً عن بعضها، كما يشير إلى خطر الأيديولوجيات الخلاصية (Messianism).
يأسف تودوروف على تغيّر مفهوم “الحرية” في أيامه، حتى أصبحت أحزابٌ أوروبيةٌ كثيرة تجعل الحرية شعاراً لها، تتبنّى سياساتٍ معاديةً للأجانب، أو ترسخ أجندة الإسلاموفوبيا، أو تتبنى أيديولوجية وطنية متطرّفة، بينما يرى الحرية مرحبةً بالتعدّدية وقائمة على القبول بالاختلاف. لكن التحول الأهم الذي شهده تودوروف، عطفاً على موضوعه، سيكون صعود اليمين المتطرف في أوروبا الغربية من جهة، وتربع الخطاب الشعبوي على سدة الحكم في أكبر الديمقراطيات الغربية، الولايات المتحدة، بعد دخول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.

 

نُشرت في  9 فبراير 2017

إجابة “أخلاقية” لسؤال العنف

اشتبك الباحثون والدارسون مع ظواهر العنف في حياتنا المعاصرة على عدة مستويات، في ظل طغيان الرؤى التي تربط العنف بالدوافع السياسية والاقتصادية، أو المشكلات الاجتماعية، والتركيز على المعالجات الأمنية والعسكرية للتعامل معه. ومع هذا، تفشّى العنف بصورة غير مسبوقة، وبدأ يعبر عن نفسه بطرقٍ أكثر دموية وقسوة، يمكن رؤية ذروتها بالعنف الاستعراضي لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
يبدو أن ميدان دراسات العنف انغلق على نفسه، فمن الصعب الكتابة عن رؤىً جديدة، أو مثيرة للاهتمام (ولا أقول صائبة)، خصوصاً فيما يتعلق بدراسات عنف الحركات التي تعرف على نطاق واسع بالحركات الجهادية. لكن، دائماً هناك مجال لأطروحات جديدة، وأزعم أن جواب طه عبد الرحمن على “سؤال العنف” يأتي برؤية مختلفة، تستحق الاهتمام، والاشتباك معها.
يشتبك طه عبد الرحمن مع مسألة العنف من خلال رؤيته التي ترتكز على الحوار والأخلاق. وذلك في كتابه الذي صدر أخيراً “سؤال العنف … بين الائتمانية والحوارية” عن المؤسسة العربية للفكر والإبداع، والذي يتكون من جزأين، الأول حوار معه حول العنف، والثاني دراسة له عن إيمانويل ليفيناس.
يقرّر عبد الرحمن، ابتداء، أننا نواجه العنف اليوم، بسبب “فقد الحوار وفقد الأخلاق، وعندما يُفقد الحوار وتُفقد الأخلاق في الوقت نفسه، فلا مفر من مواجهة أبشع صور العنف”. ويسلط الضوء على “العنيف”، أو الشخص المرتكب للعنف، في وقتٍ يحلل المشهد الديني الذي يؤدي إلى غرس “القابلية للعنف”، فيرى أن العنيف “متجبر” بالضرورة، وأنه “يأتي من الأفعال ما يوقعه في نسبة الكمالات الإلهية إلى نفسه؛ ذلك أنه يتماهى مع معتقداته الغالية واجتهاداته الشاذّة، فينفذ إلى لاشعوره الاعتقاد بأنه يمثل في الناس إرادة الله”. أما مظاهر هذا “التجبّر”، فيراها في الرغبة بالتسيد على الآخرين، والتكفير، والتقتيل، والتعذيب.
ربما لا توجد لحظة تلخص مظاهر التجبّر التي يتحدّث عنها طه عبد الرحمن، أكثر من فيديوهات الإعدامات التي ينفذها تنظيم الدولة الإسلامية، وكانت حاضرة من دون شك في ذهن عبد الرحمن، وهو يجيب على “سؤال العنف”، فهي تجمع التسيد والتكفير والتقتيل والتعذيب.
يرى أن “التشدّد الديني” و”الإيذاء المسرف” ناتجان عن أمرين، “فساد فهم النص” و”فساد فهم الواقع”، فيرى أن العنيف “تعامى عن مقاصد الشرع وأسراره”، في وقت استهتر فيه “بسنن التاريخ وقوانين الاجتماع وضرورات الواقع”.
وهنا يُعالج العنف، من خلال نموذج ديني وفقهي مختلف عن النموذج السائد، فإذا كان هذا يقوم على “النموذج الأمري” الذي يؤدي إلى “القابلية للعنف”، من خلال “التذكير بالأوامر وما فيها من المنافع، وبالنواهي وما فيها من المضار” فإن عبد الرحمن يقترح ما يسميه “النموذج الشاهدي”، والذي يذكّر بـ “القيم الأخلاقية التي تتضمنها هذه الأوامر والنواهي”، فيقدم رؤية لعلاج العنف، قائمة على الحوار مع العنيف، وترسيخ قيم أخلاقية، تعالج “قابليته للعنف”.
تنطلق معالجة طه عبد الرحمن للعنف من رؤية مختلفة للإنسان والله والكون، قائمة على “الفلسفة الائتمانية” التي يدور مشروعه الفلسفي حولها بالكامل. لكن شمولية مشروع طه لا تنفي إمكانية الاستفادة جزئياً منها، خصوصاً في معالجته سؤال العنف، ورؤيته للفقه الديني، فحديث عبد الرحمن عن النموذج الفقهي السائد “الأمري” الذي حوّل الدين إلى مجموعة أوامر ونواهٍ، وتجاهل القيم الأخلاقية التي تقف خلفها، يقول الكثير عن المأزق الأخلاقي الذي نعيشه اليوم، وامتد من نفي الأخلاق عن السياسة والاقتصاد، ليصل، في نهاية المطاف، إلى نفيها عن “الفقه الديني”، والمفترض أن يكون آخر حصون “الأخلاق”، إلا أنه لم يكن كذلك، بحسب عبد الرحمن. وهنا، نعود مرة أخرى إلى الرؤى التي تطرح مشروعاً دينياً وفكرياً أوسع لمعالجة العنف، تتجاوز السياسة والاقتصاد والمشكلات الاجتماعية.

.

.

الإسلاميون و”قيم المجتمع”

يشعر الإسلاميون عموما، وفي السعودية تحديدا، بأن المجتمعات الإسلامية تواجه أزمة كبيرة في القيم، ويحاولون، وبصورة متكرّرة، طرح جواب على السؤال: كيف يحافظ المجتمع المسلم على قيمه؟ وهذا السؤال يعد نكوصا عن سؤال شكيب أرسلان التاريخي: لماذا تأخر المسلمون وتقدّم غيرهم؟
يستبطن السؤال الأول تراجعا وانحدارا، ويطمح للوصول إلى الحد الأدنى، الحفاظ على قيم المجتمع. بينما ينظر سؤال النهضة إلى المستقبل، وإن أقر بالتأخر، فهو يدعو إلى النهضة والتغيير.
أجاب الإسلاميون تاريخيا على سؤال “قيم المجتمع” بطرق مختلفة، فهناك من اعتبر الجواب في التربية، أو الوصول إلى الحكم والهيمنة على الدولة، وهناك من جعله في العودة إلى الجذور والإصلاح العقدي.
سار الإسلاميون في طرق مختلفة، أدّت إلى نهاياتٍ متباينة، فمنهم من انتهى به المطاف محبطا من تغير اجتماعي كبير، لم يستطع صدّه (الإسلاميون في السعودية، إخوان وسرورية). آخرون تحولت أفكارهم نفسها، ورؤيتهم للمجتمع والقيم الإسلامية وعلاقتها بالغرب (راشد الغنوشي وحركة النهضة التونسية نموذجا)، آخرون ما زالوا في فترة تغييراتٍ كبرى (مُفترضة) بعد الكوارث التي حلت بهم (الإخوان المسلمون خصوصا في مصر)، بينما فقد إسلاميون الأمل في الدولة والمجتمع، فتحول إلى العنف ومواجهة الكل (التنظيمات الجهادية).
يعود الداعية السلفي السعودي، محمد السعيدي، إلى موضوع تغير القيم بصورة مفصلة، إلى حد ما، في كتيبٍ عنوانه “الممانعة المجتمعية”، يحاول أن يشخص مشكلات تغير القيم في المجتمعات المسلمة، وأن يضع الحلول لها مختصرة.
ومع أن مصطلح “الممانعة المجتمعية” يبدو جذّابا، إلا أن السعيدي لم يأت بجديد في النقاش القديم الذي يعصف الدوائر الإسلامية منذ عقود، عن التغيرات الاجتماعية والتأثر بالقيم الغربية ومواجهة الغزو الثقافي…إلخ. وعدم وجود جديد ليس اعتراضا بحد ذاته، وإنما الإشكال أن هذه المعالجة القديمة لم تنجح في أوقاتٍ سابقة، فلماذا يتوقع السعيدي أن تنجح اليوم؟
لا يطرح السعيدي مفهوم “الممانعة المجتمعية” بديلا عن ترسيخ الدولة للقيم، لكن ما يمكن استبطانه من طرح السعيدي، والذي يركّز على المجتمع حافظاً للقيم، أنه يرى أن الدول التي قامت في المجتمعات الإسلامية لم تقم بواجبها في حماية القيم، فأصبح التعويل على المجتمع بديلا عن تقاعس هذه الدول.
يحسب للسعيدي شجاعته (وإن كان مخطئا) في تقرير أن المجتمعات الإسلامية فقدت قيمها منذ ألف ومائتي عام، واعتبار الانحراف بدأ منذ الدولة الأموية، وهذه رؤيةٌ “شجاعةٌ” لأنها منسجمة مع الرؤية السلفية. لكن لا يصرح السلفيون بها عادة، باعتبار القرون الأولى كلها مثالية. ومكمن الخطأ هنا في رؤية المجتمع كتلة واحدة، ينفي التعدّد داخله.
مواجهة تغيرات قيم المجتمع، في نظر السعيدي، تكون بالرؤية السلفية التقليدية القائمة على مفاهيم الإصلاح العقدي، والولاء والبراء، ورفض “التشبه بالكفار”، والتأكيد على “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، وترسيخ فكرة “خيرية الأمة الإسلامية”…إلخ. هذه الأفكار التي يعيد الإسلاميون طرحها منذ عقود، من دون أن تغير المجتمع فعلا.
بل أصبحت الأوضاع اليوم، خصوصا في السعودية، أكثر تعقيدا، مع رؤية الأفراد المنتمين للحركات الإسلامية، والتي يًفترض أنها غرست في داخلهم كل هذه القيم والمفاهيم، أكثر المتأثرين بالتغيرات الاجتماعية التي يرفضها السعيدي الذي يؤكد، في كتابه، أن ما طرحه حول “الممانعة المجتمعية” نواة لنقاش أوسع، يساهم فيه العلماء والدعاة وغيرهم. وهذه دعوةٌ ممتازة، لكن النقاش يجب أن يبدأ بفحص مسلّمات السعيدي، والتشابك معها، لاختبار ما إذا كان “إعلاء شأن العلماء وحصر الإفتاء فيهم”، على سبيل المثال، أمرا ممكنا اليوم، أو العمل بـ “سد باب الذرائع” فقهيا، خيارا موفقا لمواجهة الجديد.
(العربي الجديد)