إجابة “أخلاقية” لسؤال العنف

اشتبك الباحثون والدارسون مع ظواهر العنف في حياتنا المعاصرة على عدة مستويات، في ظل طغيان الرؤى التي تربط العنف بالدوافع السياسية والاقتصادية، أو المشكلات الاجتماعية، والتركيز على المعالجات الأمنية والعسكرية للتعامل معه. ومع هذا، تفشّى العنف بصورة غير مسبوقة، وبدأ يعبر عن نفسه بطرقٍ أكثر دموية وقسوة، يمكن رؤية ذروتها بالعنف الاستعراضي لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
يبدو أن ميدان دراسات العنف انغلق على نفسه، فمن الصعب الكتابة عن رؤىً جديدة، أو مثيرة للاهتمام (ولا أقول صائبة)، خصوصاً فيما يتعلق بدراسات عنف الحركات التي تعرف على نطاق واسع بالحركات الجهادية. لكن، دائماً هناك مجال لأطروحات جديدة، وأزعم أن جواب طه عبد الرحمن على “سؤال العنف” يأتي برؤية مختلفة، تستحق الاهتمام، والاشتباك معها.
يشتبك طه عبد الرحمن مع مسألة العنف من خلال رؤيته التي ترتكز على الحوار والأخلاق. وذلك في كتابه الذي صدر أخيراً “سؤال العنف … بين الائتمانية والحوارية” عن المؤسسة العربية للفكر والإبداع، والذي يتكون من جزأين، الأول حوار معه حول العنف، والثاني دراسة له عن إيمانويل ليفيناس.
يقرّر عبد الرحمن، ابتداء، أننا نواجه العنف اليوم، بسبب “فقد الحوار وفقد الأخلاق، وعندما يُفقد الحوار وتُفقد الأخلاق في الوقت نفسه، فلا مفر من مواجهة أبشع صور العنف”. ويسلط الضوء على “العنيف”، أو الشخص المرتكب للعنف، في وقتٍ يحلل المشهد الديني الذي يؤدي إلى غرس “القابلية للعنف”، فيرى أن العنيف “متجبر” بالضرورة، وأنه “يأتي من الأفعال ما يوقعه في نسبة الكمالات الإلهية إلى نفسه؛ ذلك أنه يتماهى مع معتقداته الغالية واجتهاداته الشاذّة، فينفذ إلى لاشعوره الاعتقاد بأنه يمثل في الناس إرادة الله”. أما مظاهر هذا “التجبّر”، فيراها في الرغبة بالتسيد على الآخرين، والتكفير، والتقتيل، والتعذيب.
ربما لا توجد لحظة تلخص مظاهر التجبّر التي يتحدّث عنها طه عبد الرحمن، أكثر من فيديوهات الإعدامات التي ينفذها تنظيم الدولة الإسلامية، وكانت حاضرة من دون شك في ذهن عبد الرحمن، وهو يجيب على “سؤال العنف”، فهي تجمع التسيد والتكفير والتقتيل والتعذيب.
يرى أن “التشدّد الديني” و”الإيذاء المسرف” ناتجان عن أمرين، “فساد فهم النص” و”فساد فهم الواقع”، فيرى أن العنيف “تعامى عن مقاصد الشرع وأسراره”، في وقت استهتر فيه “بسنن التاريخ وقوانين الاجتماع وضرورات الواقع”.
وهنا يُعالج العنف، من خلال نموذج ديني وفقهي مختلف عن النموذج السائد، فإذا كان هذا يقوم على “النموذج الأمري” الذي يؤدي إلى “القابلية للعنف”، من خلال “التذكير بالأوامر وما فيها من المنافع، وبالنواهي وما فيها من المضار” فإن عبد الرحمن يقترح ما يسميه “النموذج الشاهدي”، والذي يذكّر بـ “القيم الأخلاقية التي تتضمنها هذه الأوامر والنواهي”، فيقدم رؤية لعلاج العنف، قائمة على الحوار مع العنيف، وترسيخ قيم أخلاقية، تعالج “قابليته للعنف”.
تنطلق معالجة طه عبد الرحمن للعنف من رؤية مختلفة للإنسان والله والكون، قائمة على “الفلسفة الائتمانية” التي يدور مشروعه الفلسفي حولها بالكامل. لكن شمولية مشروع طه لا تنفي إمكانية الاستفادة جزئياً منها، خصوصاً في معالجته سؤال العنف، ورؤيته للفقه الديني، فحديث عبد الرحمن عن النموذج الفقهي السائد “الأمري” الذي حوّل الدين إلى مجموعة أوامر ونواهٍ، وتجاهل القيم الأخلاقية التي تقف خلفها، يقول الكثير عن المأزق الأخلاقي الذي نعيشه اليوم، وامتد من نفي الأخلاق عن السياسة والاقتصاد، ليصل، في نهاية المطاف، إلى نفيها عن “الفقه الديني”، والمفترض أن يكون آخر حصون “الأخلاق”، إلا أنه لم يكن كذلك، بحسب عبد الرحمن. وهنا، نعود مرة أخرى إلى الرؤى التي تطرح مشروعاً دينياً وفكرياً أوسع لمعالجة العنف، تتجاوز السياسة والاقتصاد والمشكلات الاجتماعية.

.

.

الإسلاميون و”قيم المجتمع”

يشعر الإسلاميون عموما، وفي السعودية تحديدا، بأن المجتمعات الإسلامية تواجه أزمة كبيرة في القيم، ويحاولون، وبصورة متكرّرة، طرح جواب على السؤال: كيف يحافظ المجتمع المسلم على قيمه؟ وهذا السؤال يعد نكوصا عن سؤال شكيب أرسلان التاريخي: لماذا تأخر المسلمون وتقدّم غيرهم؟
يستبطن السؤال الأول تراجعا وانحدارا، ويطمح للوصول إلى الحد الأدنى، الحفاظ على قيم المجتمع. بينما ينظر سؤال النهضة إلى المستقبل، وإن أقر بالتأخر، فهو يدعو إلى النهضة والتغيير.
أجاب الإسلاميون تاريخيا على سؤال “قيم المجتمع” بطرق مختلفة، فهناك من اعتبر الجواب في التربية، أو الوصول إلى الحكم والهيمنة على الدولة، وهناك من جعله في العودة إلى الجذور والإصلاح العقدي.
سار الإسلاميون في طرق مختلفة، أدّت إلى نهاياتٍ متباينة، فمنهم من انتهى به المطاف محبطا من تغير اجتماعي كبير، لم يستطع صدّه (الإسلاميون في السعودية، إخوان وسرورية). آخرون تحولت أفكارهم نفسها، ورؤيتهم للمجتمع والقيم الإسلامية وعلاقتها بالغرب (راشد الغنوشي وحركة النهضة التونسية نموذجا)، آخرون ما زالوا في فترة تغييراتٍ كبرى (مُفترضة) بعد الكوارث التي حلت بهم (الإخوان المسلمون خصوصا في مصر)، بينما فقد إسلاميون الأمل في الدولة والمجتمع، فتحول إلى العنف ومواجهة الكل (التنظيمات الجهادية).
يعود الداعية السلفي السعودي، محمد السعيدي، إلى موضوع تغير القيم بصورة مفصلة، إلى حد ما، في كتيبٍ عنوانه “الممانعة المجتمعية”، يحاول أن يشخص مشكلات تغير القيم في المجتمعات المسلمة، وأن يضع الحلول لها مختصرة.
ومع أن مصطلح “الممانعة المجتمعية” يبدو جذّابا، إلا أن السعيدي لم يأت بجديد في النقاش القديم الذي يعصف الدوائر الإسلامية منذ عقود، عن التغيرات الاجتماعية والتأثر بالقيم الغربية ومواجهة الغزو الثقافي…إلخ. وعدم وجود جديد ليس اعتراضا بحد ذاته، وإنما الإشكال أن هذه المعالجة القديمة لم تنجح في أوقاتٍ سابقة، فلماذا يتوقع السعيدي أن تنجح اليوم؟
لا يطرح السعيدي مفهوم “الممانعة المجتمعية” بديلا عن ترسيخ الدولة للقيم، لكن ما يمكن استبطانه من طرح السعيدي، والذي يركّز على المجتمع حافظاً للقيم، أنه يرى أن الدول التي قامت في المجتمعات الإسلامية لم تقم بواجبها في حماية القيم، فأصبح التعويل على المجتمع بديلا عن تقاعس هذه الدول.
يحسب للسعيدي شجاعته (وإن كان مخطئا) في تقرير أن المجتمعات الإسلامية فقدت قيمها منذ ألف ومائتي عام، واعتبار الانحراف بدأ منذ الدولة الأموية، وهذه رؤيةٌ “شجاعةٌ” لأنها منسجمة مع الرؤية السلفية. لكن لا يصرح السلفيون بها عادة، باعتبار القرون الأولى كلها مثالية. ومكمن الخطأ هنا في رؤية المجتمع كتلة واحدة، ينفي التعدّد داخله.
مواجهة تغيرات قيم المجتمع، في نظر السعيدي، تكون بالرؤية السلفية التقليدية القائمة على مفاهيم الإصلاح العقدي، والولاء والبراء، ورفض “التشبه بالكفار”، والتأكيد على “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، وترسيخ فكرة “خيرية الأمة الإسلامية”…إلخ. هذه الأفكار التي يعيد الإسلاميون طرحها منذ عقود، من دون أن تغير المجتمع فعلا.
بل أصبحت الأوضاع اليوم، خصوصا في السعودية، أكثر تعقيدا، مع رؤية الأفراد المنتمين للحركات الإسلامية، والتي يًفترض أنها غرست في داخلهم كل هذه القيم والمفاهيم، أكثر المتأثرين بالتغيرات الاجتماعية التي يرفضها السعيدي الذي يؤكد، في كتابه، أن ما طرحه حول “الممانعة المجتمعية” نواة لنقاش أوسع، يساهم فيه العلماء والدعاة وغيرهم. وهذه دعوةٌ ممتازة، لكن النقاش يجب أن يبدأ بفحص مسلّمات السعيدي، والتشابك معها، لاختبار ما إذا كان “إعلاء شأن العلماء وحصر الإفتاء فيهم”، على سبيل المثال، أمرا ممكنا اليوم، أو العمل بـ “سد باب الذرائع” فقهيا، خيارا موفقا لمواجهة الجديد.
(العربي الجديد)

بدايات “التغريب” في السعودية

 

للحديث عن “التغريب” في السعودية تاريخ مثير، لم يدوّن جيداً، فمع أن السعودية لم تتعرّض للاستعمار المباشر، إلا أن الخوف على الثقافة المحلية يضرب بجذوره في أدبيات الإسلاميين السعوديين.

لم تتعرّض السعودية للاستعمار الأجنبي المباشر، على عكس العراق والشام ومصر، بسبب مساحتها الشاسعة، وتعدّد القوى المهيمنة على أطرافها تاريخيا، وعدم وجود مطامع اقتصادية تجعل السيطرة عليها أمرا مفيدا، حتى أن الحملات العثمانية على نجد، في القرن التاسع عشر، دمرت الدرعية، لكنها لم تسع إلى البقاء في المنطقة والهيمنة عليها.

ومع غياب قوى الهيمنة الاستعمارية التي “تسعى إلى تغيير قيم المجتمع”، فإن من يقرأ أدبيات الإسلاميين السعوديين، يجد حضورا هائلا للمخاوف من “التغريب”، والذي يمكن تعريفه بمحاولة ترسيخ نمط الحياة “الغربية/ الأميركية/ المسيحية” وإحلالها مكان “القيم الإسلامية”.

ولم يكن هذا التوجس لدى الإسلاميين في السعودية مصدره خبرة شخصية، وإنما استعارة من الأدبيات الإسلامية المصرية والشامية، والتي احتكّ بها السعوديون، خصوصا في بدايات القرن العشرين، وجدت هذه الأفكار لها أرضيةً صلبةً في أدبيات الدعوة النجدية “الوهابية”، خصوصا في أدبيات الدولة السعودية الثانية المتوجسة كثيرا من “الآخر”، بعد تدمير العثمانيين الدرعية.

وهنا، نجد أن رفض التغريب سيصبح، في الخمسينيات والستينيات الميلادية، رفضا للتحديث، في إطار توجسٍّ من السلطة التي هي “دائما” مصدر التغيير الاجتماعي في مخيال الإسلاميين. فكان رفض تغيير قيم المجتمع يتضمن رفض تعليم البنات في المدارس النظامية، ورفض تدريس مواد علمية معينة، مثل الجغرافيا واللغة الإنكليزية، كما سيشمل رفض البرقيات والإذاعة، ولاحقا التلفزيون …إلخ.

كانت الحساسية من “التغريب” كبيرةً، وتضاعفت في سبعينيات القرن الماضي مع بدايات نشأة تيارات الإسلام السياسي الحديثة في السعودية. وكانت دائما ترى في الدولة مصدرا للتغريب، وتقرأ بتوجس أي تحديث يأتي عن طريقها.

اليوم مع نشأة “الهيئة العامة للترفيه”، نصبح أمام مفارقةٍ مثيرة، فبعض أنشطة الهيئة مختلفة جذريا عن السياق المحلي السعودي والعربي، ويمكن اعتبارها تنتمي بصورة كاملة للثقافة الغربية، مثل “كوميك كون”. ومع هذا، كان الإقبال على هذه الفعاليات هائلا، على الرغم من أن أسعار تذاكرها كانت مرتفعة أيضا.

وهنا، عاد بعض الإسلاميين إلى النبرة القديمة، باتهام هيئة الترفيه بمحاولة تغريب المجتمع، لكن الغائب الأكبر عن القصة، أو “الفيل في الغرفة” كما يقال، أن السعوديين مختلفون، وأن المجتمع متنوع، وأن هناك جزءا كبيرا متأثرا بثقافاتٍ مختلفة، وأن هناك شرائح متأثرة بالثقافة الأميركية، وأخرى بثقافاتٍ أخرى، وإن بصورة أقل مثل استهلاك المسلسلات التركية، أو الإنتاج الفني الغنائي والتلفزيوني الكوري. ومن هنا، فأنشطة هيئة الترفيه تتواءم مع تفكير شريحة كبيرة من الشباب السعودي، ولم تغيّره.

ما يحدث يثبت فشل الإسلاميين في السعودية في مواجهة التغيير الاجتماعي، فالإسلاميون حققوا حضورا واسعا في المجتمع، بسبب إتاحة الدولة لهم مجالات للتحرّك، في المدارس والمساجد، إضافة إلى أنهم يتحرّكون، آنذاك، في مجتمع تقليدي. فور ما تصادم الإسلاميون مع الدولة سياسيا في التسعينيات، ثم دخول منافس “ثقافي” جديد على الخط، متمثلٍ في القنوات الفضائية وشبكة الإنترنت، رأى الإسلاميون مجتمعا سعوديا لم يتخيلوه في أسوأ كوابيسهم. ومشكلة الإسلاميين هنا أنهم لم يطوّروا خطابا ثقافيا مقنعاً وقادراً على الصمود وحده، من دون دعم الدولة. لذا، كان هاجس الدولة حاضراً في مخيالهم طوال الوقت.

لم يكن مصدر التغيرات الثقافية في السعودية مشروعاً حكومياً كالابتعاث، أو ترسيخ خطاب ثقافي غربي في البلاد، عبر التعليم العام أو الجامعي، بل جاء من بوابة القنوات الفضائية، وأفلام هوليوود السينمائية، وشبكة الإنترنت. العولمة وتطور وسائل التواصل والثقافة الاستهلاكية المحلية الناتجة عن سنوات الطفرة المالية هي التي أوجدت التنوّع الثقافي في المجتمع السعودي، وأنتجت شرائح “متغربة” بالكامل.

  

 

العدالة لضحايا الإرهاب

 

يحدث، في بلد الشريعة، ومملكة الإنسانية، أن تمر جريمة كبرى هزت المجتمع “العمليات الإرهابية خلال العقد الماضي” دون أن يتضح بصورة جلية من المسئول عنها. أي بلا مكاشفة حقيقية مع المجتمع حول ما جرى للمجرمين وما تم من محاكمات، ومن تمت تبرأتهم من المشتبه بهم.

العمليات الإرهابية خلال العقد الماضي ما بين 2003م و2005م روعت مواطنين وأجانب، ونتج عنها خسائر في الأرواح والممتلكات، والنتيجة حتى الآن بعد ما يقرب العقد من الزمن؛ لا شيء واضح، وكأننا نتخبط في العماء العظيم.

كل ما نعرفه أن هناك اعتقالات بالآلاف، ولجان مناصحة، ومحاكمات سرية وأخرى علنية. لم نرى إعدام أحد من المحرضين والمخططين، ولا أحكام بالسجن على أخرين ساهموا بالعمليات بصورة أقل، كل ما نراه اعتقالات تعسفية خالفت نظام الإجراءات الجزائية، وشاهدنا  كذلك افراجات عن متهمين دخلوا السجون وخرجوا منها بعد أن مروا عبر لجان المناصحة، دون محاكمات علنية تكشف للمجتمع ما حدث.

تبدوا الصورة غائمة ومشوشة كلية، آلاف المعتقلين، بينهم إرهابيين ومجرمين، وبينهم أبرياء ومعتقلوا رأي، تم الخلط بينهم، وتعطيل محاكماتهم في مخالفة صريحة لأنظمة الإجراءات القضائية محليا ودوليا، هذا الخلط ليس بريئا على الإطلاق، وساهم كتّاب مأزومون في تعزيز هذا الخلط والذهاب بعيدا في التضليل، يحدث هذا على سبيل المثال حينما يتحدث البعض – شاتما الناشطين الحقوقيين – بقوله: إنهم يتجاهلون ضحايا الإرهاب!!

من يطالب بتطبيق نظام الإجراءات الجزائية وإنهاء الاعتقالات التعسفية، لا يتجاهل ضحايا الإرهاب، بل على العكس تماما، هو يطالب أن لا يكون المجتمع ضحية للإرهاب مرتين، ضحية لعمليات العنف التي قام بها إرهابيين، وضحية لتعسف السلطة وإحكام القبضة الأمنية بسبب تلك العمليات. أي أنه يطالب بألا يُستغل الإرهاب كشماعة لسجن أبرياء وإدخال ذويهم في عذابات لا تنتهي. فيكون جزء من المجتمع يعاني بسبب فقدان أحبابهم كضحايا للعمليات الإرهابية، وآخرين يعانون بسبب تعسف السلطة بالاعتقال التعسفي لأبنائهم المتهمين بقضايا إرهابية ويقبعون في السجون لسنوات دون محاكمات تحقق متطلبات العدالة. فنرى أما راح ابنها ضحية لعملية إرهابية، وأخرى فقدت إبنا بريئا بسبب اختلال ميزان العدالة أثناء القصاص من مرتكبي جريمة الإرهاب.

العدالة لضحايا العمليات الإرهابية لا تتم  إلا عن طريق تقديم المتهمين بالإرهاب إلى محاكمات تحقق العدالة عبر خضوعها للمعايير المحلية والدولية وآليات حقوق الإنسان بصورة سريعة وواضحة، وهذا ما لم يحدث حتى اللحظة بعد مرور ما يقارب عقد من الزمان على تلك العمليات، إلا بشكل جزئي جدا وغائم. مع عدم حصول مكاشفة مع المجتمع حول ما تم من محاكمات، وعبر استمرار الاعتقالات التعسفية لسنوات دون محاكمة في مخالفة للقوانين المحلية والدولية، تم تعطيل القصاص الذي يطالب به ضحايا الإرهاب، الذين لا يريدون – كما أظن –  أن يكونوا أيضا شماعة لتبرير الاعتقال التعسفي وسجن آلاف البشر دون تهم وبلا محاكمات تحقق المعايير المحلية والدولة للعدالة.

أنصفوا أهالي المعتقلين، وأهالي ضحايا الإرهاب، بالقصاص من المجرمين، وإنهاء ملف الاعتقالات التعسفية.

 

 

الداعية والحكواتي

سوء فهم كبير نتج عن تداخل وظائف ومجالات الناشطين في المجال العام الديني. يمكن أن يرد لسوء الفهم هذا الكثير من الإشكالات الفقهية الراهنة اليوم. خصوصا عندما نتحدث عن التدين الشعبي. أو الفهم الشعبي للدين وهو ما يختلف عن الدين كما يفهمه ويتعاطى معه الفقهاء أو علماء الكلام.

اليوم هناك خلط كبير بين الإفتاء والوعظ،. بين وصف الجنة لترقيق القلوب، ووصف النار لترهيبهم. وبين دراسة مستجدات العصر وتنزيل الأحكام عليها من حلال وحرام ومكروه أو مستحب ومباح. بين الفقيه والواعظ والحكواتي والداعية والشيخ.

سوء الفهم هذا جعل العقل الفقهي السائد في الأوساط الشعبية، أو ” التدين الشعبي” أكثر انغلاقا. صنعه الداعية والواعظ  لا الفقيه. حتى أصبح البعض يشك بوجود فقهاء أصلا. لنا أن نتسائل: هل صنع الفقيه العقل المسلم في القرون الماضية؟ وهل صياغة الفقيه للتدين الشعبي ستكون أفضل من سواها ؟ وهل فعلا كان هناك فصل صارم بين الفقيه والواعظ والحكواتي؟..    لكن لنغفل هذه التساؤلات الآن لنتحدث عن ما هو راهن، بافتراض أن الفصل كان  قائما  كما يمكن التصور من كتب التراث.  خاصة أن الكتابات التاريخية تؤكد على أن مجال العامة هو مجال الغوغاء والرعاع، كما تعامل معه أغلب العلماء، وأن مجال أخر تدور به الكثير من الأحداث، كالمناظرات الشفهية والردود الكتابية وغيرها، وهو مجال الخاصة. أو الفقهاء وعلماء الكلام وغيرهم.

غالبا ما أختلف الداعية الحديث عن الواعظ القديم في مجالنا التداولي. فالداعية أصبح أكثر براجماتيه وأدلجه، هدفه حشد الناس خلفه وخلق جماهيرية لشخصه، أكثر من الرغبة بإصلاح حال الناس الدينية. وإن كان فيهم من خلصت نيته لله وابتعد عن تحويل عمله كداعية إلى أيقونة رأسمالية ينافس نجوم الغناء أو لاعبي كرة القدم. فظهر الداعية في القنوات الفضائية وامتلك عقود رعاية بالملايين وإعلانات واحتكار. ثم يهدي الجماهير مقطوعة حزينة بكائية عن الزهد في الدنيا،  تتحول الموعظة فجأة إلى كوميديا سوداء ممجوجه.

لم يتعامل الجمهور مع الداعية كواعظ أو حكواتي. وهو لم يتعامل مع نفسه كواعظ، يستهدف ترقيق القلوب والتذكير بآلاء الله. بل بات يرى نفسه فقيه فيسطرالفتاوى ويأتي بالعجائب، كقول أحد الدعاة: ((ماذا تبقى من الدين عند من يرى جواز المعازف أو قص اللحية ؟ )). هذه العبارة لن تصدر عن فقيه – على الأرجح! –  حتى لو كان يرى حرمة المعازف أو قص اللحية. لكنه يدرك أن الفقه أوسع من اختصاره بقول أو قولين في مسائل فرعية يستساغ بها الخلاف.  فلن يقدم فقيه على صياغة عبارة بهذا القدر من الجزم والدوغمائية.

الداعية لا يكتفي بنقل فتوى الفقيه مع الدليل، بل يجعلها أكثر تحديدا وجزما، ويبدأ بالتشنيع على من خالف هذا الرأي الذي تبناه ولم يصل إليه، فيصف الأخرين بالفساق وأهل الأهواء. أو الجهلة في أحسن الأحوال. لمجرد مخالفتهم رأيه المتبنى.

الداعية بات يصدر الفتاوى، ويكتب في أشراط الساعة، ثم يحاور حول العقد الإجتماعي والمجتمع المدني. وبذات اللحظة بات يظهر في برامج تلفزيونية وإعلانات تجارية.. الخ . أي باختصار أصبح كل شيء. أسوأ من المثقف الشمولي- إن وجد- لأنه غالبا يتعامل مع كل وظائفه بذات العقلية، فتحول المثقف  الشمولي في وقت سابق إلى داعية، كتب علي حرب “أوهام النخبة أو نقد المثقف” وعبدالإله بلقزيز “نهاية الداعية” ليناقش أفول المثقف الرسالي.

الداعية اليوم لا يمنح الاختلاف أي قيمة فيروج للسلوك الدوغمائي بين الناس، لأنه مجرد ناقل للفتاوى والأفكار، لم يبحث بها ويفتش في طرق استنباطها.لذا تجد الانكار عنيف من عامة الناس في فروع الفقه، بل فروع الفروع ربما. لكن يتم التعامل مع هذه الفروع بـ ” عقلية الداعية” وكأنها في باب العقائد، بل تم ضم مسائل فقهية يسع الناس الاختلاف بها إلى باب العقائد، كما قال أحدهم عن الإختلاط وأخر عن قيادة المرأة للسيارة.

في المجال الإسلامي التراثي كان الخلط أقل – كما نفترض – فالفقيه فقيه في المسجد يعقد حلق العلم، وربما عقد مجلس للعامة كل فترة ليعظهم. والواعظ يرقق قلوب الناس ولا ينظر له بأكثر من هذا. والحكواتي يأتي بالأحاديث والخرافات لتسليتهم. لم يتجادل فقيه وواعظ، فالواعظ أقل من أن يفتي ويؤلف. كما لم يتم الحديث عن الحكواتيه إلا في كتب الطرائف، أو الكتب التي جمعت الأحاديث الموضوعة التي يروجون لها في مواعظهم.

اليوم اختلط هذا بذاك، وعقدت المعارك بسبب رواج” الداعية” كمنتج رأسمالي، يحقق الأرباح ويجلب الإعلانات ويقولب عقول الناس. ولا يتم الفصل بين الفقيه والداعية أو الواعظ. ، فكلمة شيخ باتت تشمل كل من تحدث في الدين وظهر بالمظهر التقليدي لـ”الشيخ” . من مدمن المخدرات أو المفحط الذي تاب وبدأ الوعظ، أو تحول إلى حكواتي، إلى العالم الجليل الذي قضى عقودا بين الكتب والمراجع يتعلم ويعلم .

من الأفضل إعادة الإعتبار للأوصاف التراثية ما دامت صالحة اليوم، وأظنها كذلك. فالفقيه ليس هو الداعية، والواعظ ليس عالما بالدين. واللبس حول  مفردة شيخ بات واسعا، حتى أصبحت تعني كل أحد، وبالتالي لا شيء!

لماذا سلمان العودة ؟

ما قبل الهجوم على سلمان

هناك هجمات شرسة ضد سلمان العودة من التيار السروري والذي كان العودة ينتمي إليه قبل عام 1993م، يمكن قراءة الوضع كالتالي:

بدأت حملة  منظمة ضد  الكاتب حمزة كشغري تحت لافتة إساءته للرسول عليه الصلاة والسلام ، ثم  وبشكل تلقائي – باعتبارها حملة دفاع عن أعلى رمز ديني وهو الرسول عليه الصلاة والسلام – تحولت الحملة إلى حملة شعبية. بعد ذلك، حاول التيار السروري استغلال هذه الموجة بتصفية الحسابات مع أعداءه التاريخيين والجدد، فبدأ الهجوم على مقهى جسور وعبدالله حميد الدين تحت لافتة أكبر “خلايا الإلحاد”. ثم قامت نفس المجموعة بحشر الليبراليين والتنويريين في ذات الحملة من أجل حصد أقصى نجاح ممكن مستفيدة من الشعور الشعبي الغاضب الرافض للمساس بالرسول عليه الصلاة والسلام، وهكذا استمرت حملة التيار السروري بمهرجان الجنادرية (اختلاط ورقص)ومعرض الكتاب (كتب إلحادية ومحاضرات تغريبية واختلاط ) ، لكنها منيت بهزيمة ساحقة في المعرض، من خلال الزيارات والمبيعات المليونية، وتم تجاهلهم في المناشط الحكومية الأخرى.

تحولت المسألة إذا  بصورة ممنهجة من استهداف شخص أخطأ “حمزة كشغري” إلى تصفية حسابات مع تيار عريض إسلامي إصلاحي وليبرالي حتى جاءت ذروة هذه الحملة بالتهجم على ملتقى النهضة وسلمان العودة.

لماذا سلمان؟

سلمان العودة يمثل تحديدا كل ما يخافه التيار السروري، وهو بروز فقيه أو داعية مختلف في أفكاره عن الأيدولوجيا  والمنهج الصارم الذي يحاولون ترسيخه بين كوادرهم، والأمر الأخر أن يكون هذا الفقيه المختلف مؤثرا على المنتمين لحركتهم.

وهذا ما يمثله العودة تماما، فهو مختلف، ومؤثر. وبنفس اللحظة يبدو وكأن  حركة الأخوان والتيار الإسلامي الإصلاحي على حد سواء بدأوا بالتقارب مع العودة، بعد ما بدت أطروحاته مطابقة إلى حد كبير مع الخطاب العام لهذين التياريين. فرعى العودة ملتقى النهضة الذي يقوم عليه الإسلاميون الإصلاحيون. كما بدأ قادة الأخوان (أبرزهم عوض القرني) بالدفاع عن العودة علنا أمام الهجمات السرورية، وأصبحت آمال التيار الشبابي الأخواني بالانفتاح والتغيير معلقة به،

نجد أن ذات الأسماء التي شنعت على كشغري بدعوى أنه ملحد صعدت هجماتها على أشخاص ومناشط أخرى حتى وصلت إلى سلمان العودة بدعوى أنه أصبح مظلة للإلحاد، بل وصل الحد ببعض السفهاء من المشايخ أن يصفوا العودة بالماسوني!

أطروحات سلمان العودة تغيرت بصورة لافتة، وهذه ليست زئبقية وتلون كما يدعي بعض الليبراليين  – إلا إذا كانوا يعرفون النوايا ! – الذين يتباكون من ناحية على جمود الدعاة والمشايخ ثم حين يتغير أحدهم يصفونه بالزئبقي والمتلون ! وهذا تناقض لأنهم لا يقبلون الداعية الإسلامي إلا إذا كان منغلقا ويطرح أطروحات متهالكة .

اختلاف سلمان العودة عن الأخرين، والتأثير الذي بات يمارسه على الشباب، خاصة كوادر السرورية، وتقاربه مع التنويريين وشباب الأخوان، والاحترام الذي يكنه كبار قادة الأخوان للعودة ، كل هذه الأمور مجتمعة جعلت قادة التيار السروري (بالتحالف مع الليبرالية الحكومية والجامية ) يثورون بقضهم وقضيضهم لمحاولة تشويهه والنيل من سمعته ووصفه بما ليس به، فهم أثبتوا بأنهم أقل من المناقشة العلمية الفقهية، بل أفعالهم لا تتعدى الفجور في الخصومة، والكذب والافتراء.

وإلا فما تفسير أن يهاجم قادة هذا التيار (من أمثال ناصر العمر وعبدالعزيز العبداللطيف) ملتقى النهضة والقائمين عليه من الإسلاميين الإصلاحيين مع أن كبار الدعاة والمثقفين الإسلاميين زكوا الملتقى والقائمين عليه من أمثال طارق السويدان ومحمد العوضي  ومن نواب مجلس الأمة الكويتي المنتمين للتيار السلفي أو الأخواني أمثال : محمد الدلال وجمعان الحربش ووليد الطبطبائي وحتى من هاجم الملتقى ابتداء أمثال عمار العجمي وأسامة مناور والذين هاجموا الملتقى علنا ثم تراجعوا أو اعتذروا بصورة خاصة أو علنية للمنظمين.

كل هذا يبين أن الهجمة منظمة من تيار محدد انتشى  بقوته ووجاهة مطالبه مع قضية كشغري، ثم تمادى وحاول أن يصفي حساباته مع كل من يخالفه، ولا يزيد التيار السروري نفسه إلا تشويها بفجوره بالخصومة واستعداء الحكومة (بل حتى الحكومات الخليجية ! ) وعامة الناس على المثقفين والدعاة المخالفين لهم من كافة التيارات، ترسيخا للرأي الواحد والقمع والاستبداد.

مناقشة سلطان العامر “حول التدخلات العسكرية”

إولى إشكاليات مقال الصديق سلطان العامر “حول التدخل العسكري” أنه يضع قواعد عامة مطلقة للحكم على التاريخ والواقع، ويتناسى لوهلة أن هذه القواعد تعرضت لهزات عنيفة وشكوك هائلة حول وجودها في مجالات كالفيزياء أوالرياضيات فضلا عن السياسة أو التاريخ. من هنا فإن قوله أن حفظ التدخل العسكري للأرواح محض أسطورة بلا معنى، لأنه يتناسى أن هذه المسألة لا تحكم إلا بالغايات والنتائج على حوادث بعينها وبشكل نسبي، وإن كنا نتعاطى مع مسألة يراد لها دائما أن تكون مطلقة”حق البشر في الحياة” وكلنا نتمنى أن تكون مطلقة، لكن أمنياتنا لن تجدي نفعا أبدا، والمسألة ليست محض حفظ لأرواح الناس كما في الروئ الوردية، بل تتجاوز هذا كما سيتبين أدناه.

النقطة المركزية في طرح سلطان العامر تقوم على الفصل بين الغاية الإنساني والغاية السياسي، وهنا يدخل في اعتبار أن الغاية السياسية محضه ومجردة، وإدانة هذه الغاية السياسي – في مسألة التدخل – بالمطلق. وهذا الطرح يحمل إشكالية كبرى، وهي الفصل بين السياسي والإنساني، إن كان هناك أفراد حقوقيون يطرحون إمكانية الفصل بين الإنساني والسياسي في عمليات عسكرية فالمسألة محض “أمنيات طيبة” لا معنى لها على أرض الواقع بتاتا. لن أناقش في هذه النقطة، لكن النقطة الأهم لدي تتعلق بالشق الثاني من طرح العامر، وهو المستبعد من النقاش، أي افتراض أن الغاية السياسية هنا دنس بالكلية، حتى أنه كتب عمن يطالب بالتدخل العسكري لأجل إسقاط الأنظمة المستبدة ” لا يختلفون عن الحكومات المستبدة في استسهال إزهاق أرواح الناس من أجل تحقيق مصلحة سياسية بعينها” وهنا لا يرى العامر الفرق في المصالح السياسية بين مصلحة المستبد في البقاء في الحكم، ومصلحة الآخرين في إزالة المستبد عن الحكم.

الإشكالية هنا أن الكاتب يساوي بين القاتل ومن يطالب بقتله، بين الجلاد وومن يدافع عن الضحية، بين المستبد وطغمته ومن يطلب الحماية للشعب الأعزل وأطفاله. وتأتي هذه المساواة بحثا عن التجريد لاستسهال إصدار حكم عام يريح الضمير في المسألة. فمن السهل القول أن قتل المستبد للناس العزل مدان وخطيئة ونقف ضدها جميعا، لكن من الصعب أن ترتاح ضمائرنا في إشكاليات أكثر تعقيدا.

 أن يتدخل طرف ثالث ليقتل القاتل، وبذات اللحظة يسقط أبرياء، هنا تتعقد مسألة إصدار الحكم، فلا مانوية هنا، لا خير مطلق ولا شر مطلق يريح ضمائرنا كما في الحالة الأولى، لذا كان الحل لدى العامر هو طمس الفارق بين المسألتين،  تجاهل أن من سيقتل في حالة التدخل أشخاص يستحقون الموت كما سيقتل أبرياء، بينما الحالة الأولى يقتل الأبرياء فقط . من هنا كان رقم ضحايا الثورة في ليبيا مضللا، قيل أن عدد القتلى يتجاوزالـ 25 ألف إنسان، لكن هذا الرقم لا يخبرنا أشياء كثيرة، لا يخبرنا كم إنسان من هؤلاء الـ 25 ألف كانوا من الكتائب التي تقتل وتغتصب الأبرياء دفاعا عن القذافي، كما لم يخبرنا كم إنسان من هذا الرقم مات برصاص الكتائب نفسها، وكم مات برصاص الناتو، الرقم أصم، لا يخبرنا شيء عن الجلاد والضحية.

القول بأن القاتل ومن يدافع عن المقتول يستخدمان دماء الأبرياء لغايات سياسية، يتجاهل أن هناك فرق بين غاية القاتل بالقتل وهي البقاء في السلطة، وغاية من يدافع عن الضحية بالمطالبة بإبعاد القاتل عن السلطة حتى لا يستمر في قتله للأبرياء. فهناك فرق بين قتل المستبد للأبرياء، وقتال جنود المستبد وأعوانه لإيقاف استبدادهم وإن مات أبرياء. أما المساواة بين الفريقين وأنهم كلهم يستخدمون الأبرياء لغايات سياسية، ينفي أن يكون القتل في حالة التدخل يستهدف جيش أو ميلشيات تقتل أبرياء بالأصل، بل يصور قتلى التدخلات الخارجية على أنهم أبرياء بالمطلق، ولا وجود لإطلاقات هنا، فيبقى الحكم ملتبس.

نأتي لنقطة أخرى سأتحدث عنها باقتضاب، وهي مسألة استخدام الإحصائيات في الحكم على مثل هذه المسائل، هناك أكثر من إشكالية في استخدام الإحصائيات، أنها تعطي نتائج ستكون على الأرجح بلا معنى، لأنها تنفي الفوارق الفردية بين الحوادث المراد إحصائها، وبالتالي ستعطي نتائج مضللة، لذا فلا معنى لقراءة أرقام بين كوسوفا وليبيا، أو سوريا وراوندا أو الحرب الأهلية اللبنانية، لأن أي من هذه الإحصائيات مجرد حالة خاصة لا يمكن تعميمها.

كما أن هذه الإحصائيات نتجت عن واقعة واحدة حدثت، فنحن اليوم لدينا أرقام تثبت مقتل ما يزيد عن 25 ألف في ليبيا خلال الثورة بعد تدخل قوات الناتو، السؤال: هل لدينا إحصائية بعدد القتلى لو لم يتدخل الناتو؟ هل يمكن أن نخمن؟ الجواب لا قطعا. حتى مقارنة أرقام القتلى قبل التدخل وبعده بلا معنى، لأننا لا نعرف إلى متى سيستمر الأمر، وكيف سيتطور، وإلى ماذا سينتهي. فمن الممكن أن تستمر الثورة الليبية بمعدل قتلى ضئيل، ثم يسقط النظام، وربما لم يسقط وقمعت الثورة مع معدلات قتل أقل، وربما استخدم العقيد القذافي أسلحة غير تقليدية تقتل مئات الألوف من البشر خلال ساعات، وعندها سيرتفع العدد لأرقام مهولة،  كل هذه السناريوهات ممكنه، وكلها مجرد رجم بالغيبة لا معنى له في الحكم على فاعلية التدخل أو عدم فاعليته.

لذا فالتعامل مع مسألة التدخل العسكري عن طريق الأرقام بلا معنى، وهنا أستعين برقم أخر ذكره الكاتب في مقالة، قرابة 60 ألف قتيل في حالة قمع صدام حسين لانتفاضة 1991م دون تدخل خارجي. قد ينتج تدخل عسكري في تلك اللحظة بعد نهاية حرب الخليج الثانية أضعاف هذه الرقم من القتلى، وقد يسقط النظام برقم أقل من الـ 60 ألف، لكن هذه الأرقام بلا معنى في مسألة إصدار حكم بالموافقة أو الرفض، لأننا لن نعرف أبدا السيناريو الأخر الذي سيحدث، كل ما نعرفه أن صدام حسين قتل 60 ألف إنسان واستمر بحكم العراقيين.

المسألة الأخرى، والتي سأعالجها باقتضاب كذلك، مسألة أن التدخل العسكري أدانة هيمنة سياسية، هذا الكلام صحيح، كما أن الاقتصاد أداة هيمنة سياسية، وكما أن الحديث عن حقوق الإنسان أداة هيمنة سياسية، وكما أن العلوم والمخترعات الحديثة والصناعات أداة هيمنة سياسية، ولم يطرح أحد مقاطعة كل هذا رفضا للهيمنة السياسية !

المسألة ليست في كون التدخل العسكري أداة هيمنة سياسية أو لا، السؤال في معنى الاستقلال السياسي، كيف تمارس السياسة في عالم متداخل بهذا القدر وتحافظ على استقلاليتك، كيف تكون رغم كل أدوات الهيمنة تلك مستقلاً، هناك دول لم ترمى عليها قذيفة واحد طوال تاريخها، وقابعة تحت الهيمنة السياسية الأجنبية بالكامل، بينما ألمانيا تملك قرارها وعلى أراضيها عشرات الآلاف من القوات الأمريكية، ليست دعوة للاحتلال ولو كنت ألمانيا لرفضت وجود جندي واحد على أرض وطني، لكنها مفارقة أطرحها بين يدي مقالة العامر. أن تكون مستقلا لا أن تتجاهل العالم وتعيش وحيدا مغلقا على نفسك، بل أن تتعاطى مع جميع أدوات الهيمنة تلك، والتي أصبحت خبز العالم اليومي، وتحافظ على إستقلاليتك النسبية، فلا توجد إستقلالية تامة، وهذه هي أمريكا مدينه بالمليارات للصين، والصين تستوعب مئات الشركات الأمريكية التي بخروجها تفقد الصين الكثير. ولاحظ أننا نتحدث عن التدخل العسكري المحدود لا الاحتلال كما حدث فالعراق، فهذه مسألة أخرى تماما.

في هذه المقال حاولت إثبات أن العلل التي طرحها الصديق سلطان العامر لرفض التدخلات العسكرية مضللة أحيانا، أو تحوي مغالطات لا يمكن تجاوزها. فهنا أنا لا أدافع عن التدخلات العسكرية بالمطلق، بل أنفي إمكانية وجود حكم مطلق في المسألة. كما أنني لا أنفي أن التدخلات العسكرية  تضعنا في مواجهة إشكاليات حقيقية على مستوى مفهوم السيادة، بالإضافة إلى تبعات اقتصادية وسياسية هائلة، فالتدخلات العسكرية ليست نزهة، وليست حلولا سهلة أو مرغوب بها، لكني أؤكد هنا على مسألة أساسية، أنه لا يمكن لنا أن نطلق حكما عاما مع أو ضد التدخلات العسكرية، بل الحكم يأتي على حوادث بعينها، كما لا يمكن لنا لوم الضحايا ونخونهم حين يطالبون بالتدخلات الخارجية لحمايتهم، بل نلوم المستبد الذي جعل خيار التدخل العسكري مطروحا في مقابل استمراره في قتل الناس وحكمهم.

 نشر المقال بالتزامن مع مدونة سم ون :

http://www.som1.net/?p=3743