الإنسانية كقرار

 عدم قدرة المجموعة العربية في مجلس الأمن على استصدار بيان إدانة للمجزرة الإسرائيلية في قطاع غزة، والاكتفاء بقرار لوقف إطلاق النار، لا يمكن أخذه كفشل للسياسة العربية، أو عدم قدرتها على الحشد أو إيجاد من يدعم القضية الفلسطينية، أو التفكير في عدالة القضية التي يتظاهر البشر من أجلها من أقصى العالم إلى أقصاه بتفاوت، وإنما هذا الفشل مع رؤية هذه المظاهرات الحاشدة الرافضة لما يحدث، والمجازر اليومية والمستمرة على البشر هناك، تعيدنا للتفكير في أسس الحضارة المعاصرة وقيمها ومعنى التمدن فيها.

مع كل الأحداث الكبرى التي تهز وجود الإنسان ومن ثم وعيه تحدث تغيرات هائلة في أفكاره وتصوراته، وتدعوه للتفكير في معنى وجوده والكون من حوله والأفكار التي يعتنقها، مع استخدام الاتحاد السوفييتي سابقاً أو روسيا اليوم والمملكة المتحدة وفرنسا والصين والولايات المتحدة الأمريكية لحق الاعتراض على أي قرار أممي “حق النقض” ومع كل “فيتو” أمريكي ضد قرار إدانة لمجزرة تقوم بها إسرائيل تجاه فلسطين أو لبنان نعود للتفكير في معنى الشرعية الدولية والقانون الدولي، الأمر لا يقتصر على وجود إسرائيل في المنطقة وما ترتكب، بل يمتد إلى أحداث كبرى أخرى، كما كان الاحتلال العراقي للكويت دعوة صارخة لإعادة التفكير في كل ما له علاقة بالقومية والعروبة وأفكار البعث والوحدة العربية..الخ من الشعارات التي اجترت لعقود وعقود دون أن تنتج تقدما واحدا يسوغها على الأرض.

القرار 242الصادر من الأمم المتحدة في نوفمبر 1967م يعتبر كل الأراضي التي تتم المساومة عليها الآن أراضي محتلة بقرار أممي لم ينفذ من الدول الخمس الراعية للعالم، معاهدات جنيف حاولت أن تجعل الحرب أكثر لطفاً وإنسانية، أن تقتل باستخدام أسلحة مصرح بها دولياً، أن تسمح للمسعفين بإنقاذ من جرحتهم بأسلحتك، وأن تسمح لهم بدفن موتاهم، وطبعاً البكاء عليهم، لذا جاء التأكيد الإسرائيلي على أنها لا تقتل الفلسطينيين في غزة بأسلحة محرمة دولياً، وأنها أعطت الفلسطينيين هدنة لثلاث ساعات من أجل البكاء ودفن الموتى، واعتبرت تلك المبادرة الإسرائيلية “إنسانية” لدولة تتحدث عن حقها في الدفاع عن نفسها رغم أنها دولة محتلة بقرار دولي!.

ما معنى إنسانية في هذا السياق؟ وما معنى أن تخضع للقانون الدولي فتقتل بأسلحة مصرح بها؟ وتسمح بعلاج الجرحى؟ “إسرائيل لم تسمح بهذا وجرحت وقتلت مسعفين!” وما معنى عدم القدرة على إدانة إسرائيل رغم أنها تعتبر دولياً دولة محتلة؟!.

المشكلة أن هناك من يعتقد أن وجود القوانين والأنظمة، والبنايات الشاهقة الطول، وممارسة الأقليات العرقية والأثنية حقوقهم كاملة، ووجود قطارات تسير بسرعة 600كيلومتر في الساعة، وكتب تطبع بالملايين النسخ، وأفلام سينمائية ودور أوبرا، وأشياء اخرى كثيرة تنطوي تحت ما نطلق عليه مسمى حضارة أو تمدن، كأنها تجعل الإنسان أكثر تسامحاً ومحبة للآخرين وتعاطفاً مع مآسيهم، وحرصاً على قيم العدالة والمساواة والحرية، لتجد البعض يكتب “رغم أن إسرائيل دولة ديمقراطية إلا أنها تقتل” في سياق استنكاري! وكأننا نتناسى أن ما قتلته الحضارة في حداثتها وتمدنها ورقيها أضعاف ما قتل على مدى الكون، مع أن الحرب ظاهرة حضارية لم تتشكل إلا مع تشكل المدن، لنكتشف فيما بعد أن تمدن الإنسان وحضارته زادت وعيه بذاته لا بالآخرين.

نعم السبب الأساسي لكثافة القتل سبب تقني، أصبح الإنسان اليوم أكثر قدرة على قتل أكبر عدد في لحظات، لكن هذا لا يعفي الإنسان المعاصر من هذه المجازر التي ارتكبها، لا تعني براءة قيمه وأخلاقه التي يدعيها وتناقض ما يفعل، لنكتشف أن كل ما يقال عن الحداثة والأنسنة واحترام حقوق الإنسان ومعاهدة جنيف وقرارات الأمم المتحدة التي ينضوي تحت لوائها ما يقارب 194دولة، نكتشف أن كل هذا يدار في أعمق مكوناته إلى منطق الإنسان البدائي، منطق إنسان الغابة والقوة والسطوة ولا شيء غير هذا، وإلا ما معنى أن تمتلك 5دول حق نقض أي قرار أممي لسبب واحد هو عدد ما تملك من ترسانة صواريخ نووية وأسلحة تقليدية وغير تقليدية؟!

ما الذي يجعل نظاماً شمولياً كالنظام الصيني، وآخر يشك في ديمقراطيته كروسيا دولا تمتلك هذا الحق بالنقض، مقابل دول أكثر حضارة وتمدناً وتطوراً وقوة اقتصادية وتقنية كألمانيا أو اليابان لكنها لا تمتلك ترسانة نووية وسلبت هذا الحق لأنها حاربت العالم في يوم ما، لكن ألم تحتل روسيا نصف أوروبا لخلق أسطورتها الشيوعية؟ وألم تحتل الصين ما جاورها؟ ألم تكن كل الدول الأخرى كبريطانيا وفرنسا دولاً استعمارية ؟ وألم تستغل الولايات المتحدة الأمريكية الأحداث الدولية الضخمة من أجل اجتياح دول وحصار دول أخرى ؟!.

لماذا لا تملك دولة كالبرازيل ذات اقتصاد هائل في أمريكا الجنوبية حق النقض الفيتو ممثلة “نوعاً ما” لتلك المنطقة ؟ ولماذا لا يوجد الحق ذاته لأي دولة أفريقية في تلك القارة التي هتكت عبر التاريخ بسبب تفوق غيرها؟ وماذا عن الهند أو الباكستان أو تركيا؟.

عندما تصحو على مجزرة، وترى أن هناك من يحاول أن يبررها أو يعقلنها أو يتعاطى معها كشأن معتاد، أو يحاول أن يحاكم من يموت، عندما ترى صور الأطفال القتلى في الصحف بشكل يومي، ويتحول الهاجس العام لتتبع ما يقال أو ما يكتب، لا تستطيع أن تتجنب الصدمة الكبرى التي تصيب وعيك وإنسانيتك ووجودك، التفكير في كل ما كنت غافلاً عنه حول القيم الكبرى المتمثلة في العدالة والحرية والمساواة، حقوق الإنسان، التي يبدو بأن القادر على وهبها أو نفيها أو متابعة تطبيقها مجموعة من الدول، مبررها الوحيد أنها تمتلك ترسانة هائلة من الصواريخ القادرة على تدمير الكرة الأرضية لعشرات المرات.

 

صحيفة الرياض – 16 يناير 2009م

سياسات الدولة ..بين«سطوة» الفقيه و«إرادة» الشعب

  المشهد السياسي الإيراني ملتبس، هذه هي القاعدة التي لا يمكن أن ننطلق في رؤيتنا لإيران إلا من خلالها، فالقوى المؤثرة في إيران متعددة، وإيران تدار من خلال مؤسسات قانونية وعسكرية منوعة، يغلب التنافس على الانسجام بين أعضائها.لكن بنية النظام السياسي في إيران وجدت لتعيد إنتاج نفسها باستمرار، بعد أن هيمن رجال الدين على السلطة في البلاد عام 1981م بتنحية المرشد الأعلى للثورة الإيرانية “آية الله العظمى روح الله الخميني” لأول رئيس لجمهورية إيران الإسلامية بعد الثورة، أبو الحسن بني صدر، ذي الوجه العلماني الليبرالي، والذي فر إلى فرنسا بعد مضايقة أتباعه، وبهذا حسم الصراع بين قوى ثورة 1979م، والتي تكونت من رجال دين محافظين، وتكنوقراط متدينين، وتجار البازار، وأفراد منتمين لليسار الإسلامي من جهة، وأحزاب شيوعية، وتكتلات يسارية، بعضها مسلح كمجاهدي خلق، الحركة الماركسية الإسلامية، من جهة أخرى.

يمكن القول ان الصراع الذي تلا مرحلة التأسيس، يمكن اختصاره بصورة ما، بين قوى المحافظة التي تدعو بشكل مباشرة إلى أولوية الحفاظ على شكل الدولة الديني، وهيمنة رجال الدين، والسلطة المطلقة للمرشد الأعلى للثورة، على حساب القوى الإصلاحية التي تدعو إلى أولوية أصوات الشعب والمؤسسات الدستورية.

علاقة المرشد بمؤسسات الدولة

بعد وفاة روح الله الخميني، قائدة ثورة 1979م والمرشد الأعلى السابق لإيران، في سنة 1989م، انتخب مجلس الخبراء، ويبلغ عدد أعضائه 86 عضواً من رجال الدين المنتخبين من الشعب، آية الله علي خامنئي، مرشداً أعلى للثورة، رغم أنه لا يعد مرجعاً دينياً أو يتمتع بدرجة” آية الله العظمى” ووجود من هم أعلى منه كمرجعيات عليا، إما يغلب عليهم الدعوة إلى تجنب دخول رجال الدين الحقل السياسي، أو من المغضوب عليهم لانتقاداتهم المكررة للنظام الثوري كالنائب المرشد آية الله حسين علي منتظري، الذي كان قاب قوسيين أو أدنى من خلافة الخميني إلى أن عزله أواخر الثمانينيات. صلاحيات المرشد، وآليات اختياره، ضمنت للمحافظين الاستمرار في هيمنتهم على مؤسسات الدولة الرسمية، رغم أن الشعب ينتخب مجلس الشورى الإسلامي “البرلمان” وأعضاء مجلس الخبراء، ورئيس الجمهورية، إلا أن مقاليد الحكم تتركز بيد المرشد الأعلى، الذي يعين رؤساء مؤسسات الدولة القانونية والعسكرية من ناحية، ويحدد سياسات الدولة العامة الداخلية والخارجية من ناحية ثانية، ولا يترك لرئيس الجمهورية أو السلطة التنفيذية إلا إدارة شؤون البلاد اليومية، ونافذة على الاقتصاد والثقافة والشؤون الاجتماعية.

هيمنة المرشد الأعلى في إيران على سلطات الدولة تتم من خلال تعيينه لرئيس السلطة القضائية ((الذي يعين بدوره رئيس المحكمة العليا، والمدعي العام الأعلى، و6 فقهاء قانونيين في مجلس صيانة الدستور)) وأعضاء مجمع تشخيص مصلحة النظام، ورئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الحكوميين، وقائد قوات الحرس الثوري، وقائد القوات النظامية، ورئيس هيئة الأركان، وقائد قوات فرض القانون، والأهم من هذا كله، تعيين 6 فقهاء شرعيين في مجلس صيانة الدستور، ولمجلس صيانة الدستور حكايته الأهم.

يضاف إلى هذا، أن المرشد يعين آلاف الممثلين له في الوزارات وأجهزة الدولة المختلفة، وفي جميع المحافظات الإيرانية، وهؤلاء المعينون هم رجال دين، أغلبهم بمرتبة “حجة الإسلام”، ويعتبرون عينا للمرشد الأعلى على مؤسسات الدولة، ويراقبون تصرفات الوزراء وكبار الموظفين.

وعزل المرشد الأعلى ممكن نظرياً، لأنه وحسب الدستور الإيراني المادة 111 يمكن لمجلس الخبراء عزل المرشد الأعلى في حالة عجزه أو مرضه، أو عدم قدرته على تصريف أمور البلاد، أو إصداره لقرارات تناقض الشريعة، أو عدم تمتعه بالرؤية السياسية الصحيحة، ولكن يبدو بأن عزل المرشد الأعلى مستحيل عملياً، لأنه لا يمكن قبول ترشح أي عضو لانتخابات مجلس الخبراء ما لم يكن يتمتع بمعايير دينية معينة، وما لم يوافق عليه مجلس صيانة الدستور الذي يهيمن عليه المرشد الأعلى كما أسلفنا، وبالتالي نفوذ المرشد مطلق على مجلس الخبراء.ويعتبر المرشد هو الفصل بين سلطات الدولة التنفيذية والقضائية والتشريعية.

مجلس صيانة الدستور .. سطوة المرشد العليا

يتكون مجلس صيانة الدستور من 12 عضواً، يعين المرشد الأعلى نصفهم بصورة مباشرة، ونصفهم بصورة غير مباشرة كما أسلفنا، ومجلس صيانة الدستور هو الحلقة الأهم في دوائر السلطة في إيران، فمهامه تتركز في مراجعة القوانين التي يصدرها البرلمان، ويحكم على مدى موافقتها للشريعة ((رفض المجلس 40% من القوانين والمشروعات التي أعدها البرلمان في الدورة البرلمانية 1988م – 1992م)) ، ويراقب جميع الانتخابات التي تحدث في الدولة، ويجيز المرشحين، ويعد السلطة العليا في تفسير الدستور.

وبالتالي فإن أي إيراني يرغب في ترشيح نفسه للانتخابات “البرلمانية أو الرئاسية أو انتخابات مجلس الخبراء” يجب أن يجيز ترشحه مجلس صيانة الدستور أولاً، المعين من قبل المرشد الأعلى، وبالتالي يستبعد المجلس أي مرشح لا ينسجم مع بنية النظام، وذلك بعد دراسة المرشحين عقدياً وقراءة ولائهم للنظام (( قبل مجلس صيانة الدستور برئاسة آية الله أحمد جنّتي كمثال أربعة مرشحين من أصل 238 مرشحاً للرئاسة سنة 1997م)) ، أو يقلص من حضور بعض التيارات على حساب تيارات أخرى بحسب رؤية المرشد، كما جرى مع اليسار الإسلامي بقيادة حجة الإسلام مهدي كروبي، التيار الذي رفض مجلس صيانة الدستور أغلب مرشحيه في الانتخابات البرلمانية سنة 1992م، مما تسبب في خسارة اليسار الإسلامي الإيراني لأغلبيته البرلمانية، وتلاشى حضوره فيما بعد في مؤسسات الدولة الرسمية، فاعتزل السياسة وانتقل للعمل في هامش المجتمع المدني إلى قرابة 1997م، ليعود ويدعم محمد خاتمي مرشحاً للرئاسة.

مهام رئاسة الجمهورية

في دستور 1979م كانت صلاحيات رئيس الجمهورية أقل مما هي عليه الآن، حيث كان رئيس الجمهورية المنتخب يرشح رئيساً للوزراء، ويحق للبرلمان رفض الترشيح، مما يؤدي إلى فرض رئيس للوزراء على رئيس الجمهورية، كما فُرض علي رجائي المقرب من الخميني على رئيس الجمهورية الأول أبو الحسن بني صدر، وكما حدث إبان ترؤس علي خامنئي ” المحافظ” للجمهورية، حيث كانت رئاسة الوزراء لمير حسين الموسوي “الإصلاحي” أثناء الحرب العراقية الإيرانية، مما جعل علاقة الأخير متأزمة باستمرار بالأول، وكان المرشد الأعلى هو الذي يفصل في الخلاف بينهم.

في التعديلات الدستورية عام 1989م تم إلغاء مسمى رئيس الوزراء وأصبحت الصلاحيات لدى رئيس الجمهورية، والذي يعتبره الدستور الإيراني ثاني أعلى سلطة بعد المرشد الأعلى، ويعين رئيس الجمهورية نواباً له، ولا يحتاج إلى مصادقة البرلمان لهذا التعيين.

ويشكل رئيس الجمهورية الحكومة، ويسمي وزراءها، ويعرض الأسماء على البرلمان للمصادقة عليها، ثم يعتمدها المرشد، ويحتاج البرلمان إلى أغلبية الثلثين لرفض الحكومة.

ويسيطر الرئيس على هيئة التخطيط والميزانية، وهي أعلى سلطة اقتصادية في إيران، وكذلك يمتلك نفوذا في تشكيل المجلس الأعلى للثورة الثقافية الإسلامية، المسئول عن القضايا الثقافية والتعليمية، لذا كان أثر الرئيس الإيراني الأكبر في مجال الاقتصاد، وفي المجالات الثقافية والاجتماعية، كما حدث في عهد الرئيس محمد خاتمي من انفراج في الحريات الاجتماعية، وانتعاش اقتصادي، وانفتاح ثقافي.

كما يرأس رئيس الجمهورية المجلس الأعلى للأمن القومي، والذي يضم رؤساء السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية، ورئيس هيئة الأركان، ورئيس هيئة التخطيط والميزانية، وممثلين عن المرشد، ووزراء الخارجية والداخلية والاستخبارات، وقادة الحرس الثوري، وقادة الجيش النظامي، ويتركز عمل المجلس الأعلى للأمن القومي على قضايا الدفاع والسياسة الخارجية للدولة، ولا تعتبر قراراته نافذة إلا بعد مصادقة المرشد الأعلى عليها.هذا ولا يمكن عزل الرئيس إلا بأغلبية الثلثين في البرلمان، ويجب أن يصادق المرشد الأعلى على القرار ليصبح نافذاً.

مؤسسات الدولة الدستورية الأخرى

يتبقى لنا الحديث بشكل مختصر عن المؤسسات الدستورية الأخرى، والتي شرحنا سالفاً كيفية هيمنة المرشد الأعلى عليها.

يتولى مجلس الشورى الإسلامي المنتخب بشكل مباشر من الشعب “البرلمان” مهمة إعداد التشريعات والمصادقة على المعاهدات الدولية ودراسة الموازنة العامة للدولة، والمصادقة على حكومة رئيس الجمهورية، ولا تصبح قراراته نافذة إلا بعد مصادقة مجلس صيانة الدستور عليها، وبنص الدستور الإيراني ” لا مشروعية لمجلس الشورى الإسلامي دون وجود مجلس صيانة الدستور” المادة الثالثة والتسعون.ولا يوجد نظام واضح يحدد كيفية حل مجلس الشورى، إلا أن الدستور الإيراني يمنع حل مجالس الشورى “إلا في حالة انحرافها عن وظائفها القانونية” المادة 106، دون تحديد من يقوم بالحل، إلا أن التظلم على الحل يرفع للمحكمة “الصالحة”.

واستحدث روح الله الخميني سنة 1988م مؤسسة مجمع تشخيص مصلحة النظام، وهي المؤسسة التي تقوم بالبت في الخلافات بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور، وتقوم بتقديم النصح للمرشد الأعلى، ويتكون المجلس من 31 عضواً يعينهم المرشد الأعلى بشكل مباشر، سواء الدائمين منهم أو المؤقتين.

حضور المجمع أصبح باهتاً بعد تولي خامنئي لمهام المرشد الأعلى، ولم ينجح هاشمي رفسنجاني في إعادة الهيبة للمجلس التي تمتع بها بعد نهاية الحرب العراقية الإيرانية، حيث كان يطمح لأن يشارك المجمع المرشد الأعلى هيمنته على الدولة، ولكنه على ما يبدو فشل في ذلك.

صحيفة الرياض – 24 يونيو 2009م

الجابري.. مفكر المشرق والمغرب العربي

   ما معنى أربعة عقود أو تزيد من البحث والكتابة؟

عندما نتحدث عن محمد عابد الجابري، فإننا نتحدث عن عقود طويلة من التنقيب والبحث في كتب التراث، والكثير من الجهد لاكتساب أدوات منهجية حديثة لقراءة تلك المدونات التي تعد أثمن ما لدى العرب على صعيد الفكر والثقافة، تلك التي سطرها علماء أفذاذ كالكندي وابن سينا والفارابي والغزالي وابن حنبل وابن باجه وابن حزم وابن رشد وابن خلدون، وغيرهم الكثير.

فلم يقف الجابري على الحياد أبداً، بل جرد مبضع النقد وخاض في أكوام الأفكار تلك، فرفض بعضها، وقبل بعضها، وانحاز لهذا المفكر (ابن رشد ، ابن خلدون ..الخ) وتحيز ضد آخرين (ابن سينا ، الغزالي..الخ).

كما لم تكن نظرته تلك بريئة من النوايا وخالية من الأهداف، لم يدع الجابري يوماً أن المعرفة ترف، وأنها للعلم من أجل العلم، أو فلسفة محبةُ للحكمة. وإن كانت الأفكار هاجساً، فالعين لم تزل شاخصة على واقع العالم العربي، تلاحق إشكالاته، وتغتم بهمومه. ولهذا علاقة ببداية الجابري مناضلاً وطنياً في سبيل وطنه وأمته، فانخرط في العمل السياسي الحزبي، وعاش يومياته وتفاصيله، نجاحاً وإخفاقاً.

ربما كانت عبارة الجابري من كتابه “نحن والتراث” مدار مشروعه كله، إذ كتب: اندماج الذات في التراث شيء، واندماج التراث في الذات شيء آخر. أن يحتوينا التراث شيء، وأن نحتوي التراث شيء آخر… إن القطيعة التي ندعو إليها ليست القطيعة مع التراث بل القطيعة مع نوع من العلاقة مع التراث، القطيعة التي تحولنا من ((كائنات تراثية)) إلى كائنات لها تراث، أي إلى شخصيات يشكل التراث أحد مقوماتها. (ص21).

لذا اشتبك لدى الجابري بحث الأفكار ببحث التاريخ، ومناقشة الفقه بمقاربة علم الكلام، وقراءة المنطق و”قياس الغائب على الشاهد” بالتداخل مع الفلسفة، ثم الجنوح إلى علم العمران.

أربعة عقود من الاشتباك بالأفكار ومطارحة القضايا جعلت الجابري محط أنظار مشرق العرب ومغربهم. فإن كانت القطيعة المعرفية بين فلسفة المشارقة ( ابن سينا) وفلسفة المغاربة (ابن رشد) شكلت هاجساً للجابري، فلم تكن كذلك لمتلقيه، حيث يمكن الجزم بأن الجابري كما أثر في المغرب، أثر في المشرق أضعافاً مضاعفة.

في لحظة رحيله، ألح علي هاجس وحيد، لا يتعلق بنتاج الجابري الفكري، وهو مبتدأ الحديث ومنتهاه، ولا بكم الدراسات الأكاديمية حوله، ولا حجم حضوره وتأثيره لدى القارئ العربي. بل إدعاء صغير يحق لي سرده وأنا مطمئن البال، في جزئية هي فرع عن إنتاجه الفكري وتأثيره.

فمنذ اللحظة الأولى ل “نقد العقل العربي” أصبح الجابري مدار نقد ومناقشة كبار المفكرين العربي المعاصرين. فتم “حوار المشرق والمغرب” وسطرت الكلمات وسكبت الأفكار في سجالات حسن حنفي والجابري، والتي ضمها كتاب حمل ذاك العنوان.

ثم صرف جورج طرابيشي ما يقارب العقد من حياته ليشتبك مع أفكار الجابري في أربعة كتب تنقد صاحب النقد، وتسطر أهم قراءاتها الفذة.

وهذا المفكر العربي فهمي جدعان يخصص كتابات متعددة لنقد صاحب النقد –ضمنياً- وإن لم يذكر اسمه، فيكتب في فصل “نقد العقل” من كتابه “الطريق إلى المستقبل” مسجلاً اعتراضه على من اعتبرهم منذ البداية يمثلون “الانحراف الكبير الذي شهده النصف الثاني من القرن العشرين العربي يتمثل في دعوى الملأ من المفكرين والكتاب العرب المعاصرين إن ما أصاب العرب من نكسات وهزائم أو إخفاقات يرتد أولاً وقبل كل شيء إلى واقعة طرد العقل من المدينة العربية” (ص55) وبطبيعة الحال فالجابري من هؤلاء بحسب رؤية جدعان، وإن تناول أفكاره تلميحاً.

ويشير جدعان “الحقيقة أنه يلحق بهذا المذهب في النظر قصوران: الأول يتمثل في عجزه عن تفسير المفارقة الصارخة في حياتنا العملية بين النظر والعمل أو القول والفعل، والثاني يتمثل في جهل أو تجاهل واقع الأنتروبولوجية الفاعلة في حياة الإنسان، وفي إهمال دواعي (الفعل) وآلياته في توجيه حياتنا ووجودنا على الأرض وبين البشر” .(ص57).

 

ثم يأتي علي حرب، علم آخر من أعلام النقد العربي في مرحلته المعاصرة، ليتناول بعض أفكار الجابري بالنقد والتحليل. فيكتب تحت عنوان “محمد عابد الجابري: مركزية العقل العربي” في كتابه “نقد النص”: يتركب العقل العربي بحسب التحليل الذي يقوم به الجابري، من معقول عربي ومعقول يوناني، ولا معقول غير عربي قديم، ومن الواضح أن ما يقوله هذا التصنيف أن اللامعقول هو عنصر دخيل على العقل العربي… وفي رأيي أن مثل هذا الإقصاء يصدر عن نزعة اصطفائية، وإن شئنا تعبيراً أكثر تداولاً نقول إنه يصدر عن نزعة عربية مركزية. (ص 118/119).

هذه قطرة من حوارات المفكرين الكبار، وسجالاتهم ومناقشتهم، وربما تفرغ بعضهم لقراءة وتحليل ونقد أفكار محمد عابد الجابري ونتاجه، بالإضافة إلى كتابات أخرى لأسماء كثيرة، أذكر منها سريعاً عبدالإله بلقزيز و عبدالسلام بن عبدالعالي وسالم يفوت وكمال عبداللطيف، إيمانا من هؤلاء بسطوة أفكار الجابري على جيل كامل تتلمذ على يديه، واعترافاً منهم بأهمية الرجل، وقوة حضوره وتأثيره، فبادروا إلى نقده والحديث عنه.

الجابري الذي عاش الفكر والسياسة، ودرس التراث والحداثة، قرأ الماضي لينهض بالحاضر، وحاول تجديد وعي العرب بتراثهم وهويتهم، وحاضر أمرهم ومستقبل حياتهم، فكان بحق مفكراً عربياً قادراً على كل هذا، فنجح وأخفق، وأثار جدلاً طويلاً لم ينته بعد، فما زالت أفكار الجابري – رحمه الله – وليدة لحظتنا الراهنة، وما زلنا نبحث عن إجابات عن تلك الأسئلة.

 

صحيفة الرياض – 6 مايو 2010م

بؤس التفسير الثقافي لظواهر العنف

  مع كل عملية عنف تحدث، يحاول نخبة المجتمع مقاربة الحدث وتحليله، وهذا هو دورهم كنخب وقادة رأي، ولكن ما هو مستغرب أن أغلبية هذه التحليلات اتخذت مساراً واحداً في تحليل العنف “الإرهاب” وتغاضت عن تفسيرات أخرى ممكنة وضرورية، جلها أشار إلى دور الفكر المتطرف، والثقافة المتطرفة في إنتاج أفراد عنيفين و”إرهابيين” وتغاضت تلك التحليلات عن عدم إمكانية تفسير السلوك الإنساني بطريقة مبتسرة، أو عزو السلوك البشري إلى مسبب وحيد، وإن كان هذا المسبب هو الثقافة، التي لا يمكن فهم مجتمع أو سلوك أو ظاهرة دون تحليلها وفهم بنيتها.

إذا استثنينا ردود الفعل الآنية واللحظية المستنكرة لأحداث العنف، وهي متفهمة ومطلوبة على الصعيد العاطفي، واستثنينا كذلك معالجة بعض الكتاب لمفاهيم ثقافية بشكل عميق ومؤصل كشيء ضروري لتفكيكها وتحليلها “تناول مفاهيم الجهاد والتكفير والخوارج والبغي والإرهاب والولاء والبراء ..الخ” نجد أن أغلبية المعالجات الأخرى اتسمت بالسطحية من جهة، ودخولها في إطار الاحتراب الثقافي بين النخب من جهة أخرى، لا محاولة لتحليل الظواهر وفهمها لمعالجتها، وإلا فأي تحليل يرتجى ممن ما يزال يربط بين حادثة احتلال جهيمان للحرم المكي الشريف وبين العنف والعمليات “الإرهابية” ؟ أو من يربط بينها وبين فشل مشروع الحداثة في الثمانينيات الميلادية؟ خلال السنوات القليلة الماضية تجلت عمليات العنف بصيغ مختلفة ومتغيرة تؤكد وجود متغيرات عدة يجب أن تدرس وتبحث على أصعدة علمية متعددة.

أغلب التحليلات الصحفية كان في اتجاهين متصارعين، أحدهما الحديث عن ثقافة متطرفة منتشرة، وأنها مسببة للعنف، وبالتالي تحميل الطرف المحافظ مسؤولية صياغة ونشر هذه الثقافة، أو الحديث من ناحية أخرى عن ثقافة منفتحة ومستفزة يصوغها وينشرها دعاة الانفتاح أو الليبراليون، بما تحمله تلك النبرة من تغاض مخيف ومرعب عن أسباب أخرى رئيسية دفعت بالثقافة المتطرفة إلى أقصاها، بترجمتها على شكل أعمال عنف، دون تلك الأسباب لن تتحول الثقافة وحدها على الأغلب لفعل عنيف، أي دون تلك البيئة المساعدة أو مجموعة الدوافع.

هذه ليست محاولة تبريرية، أو محاولة إنكار أو الدفاع عن نمط ثقافي متطرف له من يعتنقه ويحاول نشره، بل هي محاولة للخروج من تلك النظرة التي ترى المجتمع ساحة لصراع فكري وثقافي عميق، يراوح بين الإعلان والكتمان، حتى إن جاء هذا الصراع على حساب الطرح العلمي والموضوعي، وأخذت دوافع هذه التحليلات الآنية تتراوح بين محاولة تبرئة الذات، أو التخلص من عقدة الذنب.

عندما لا نجد مسبباً لارتكاب العنف سوى الثقافة المتطرفة، فإننا نقفز على الكثير من العلوم والوقائع، ونرفع قيمة الإنسان بشكل مبالغ فيه، ككائن يتصرف على أسس عقلانية واعية، وهذا ما تنفيه الكثير من الدراسات النفسية والاجتماعية الحديثة.

سلوك الإنسان لا ينبع بشكل محض من قناعة فكرية ؛ فالسلوك له دوافعه المتعددة والتي تؤدي في إحدى حالاتها إلى اعتناق فكر متطرف أو عنفي، كما أنها قد تؤدي إلى تعاطي المخدرات، أو الزهد بالدنيا واعتزال الحضارة، أو الدخول في عزلة شعورية عن المجتمع، أي الهروب من الواقع بأي وسيلة كانت، ويظهر هذا السلوك على شكل قناعات فكرية متأصلة، يدافع وينافح عنها أصحابها، أو تبريرات ضخمة، لتقبل فكرة انحراف أو اعتزال، لكن علاقة هذه القناعات أو التبريرات بالسلوك ليست علاقة العلة بالمعلول على أي حال، بل هي إحدى العلل، ويجب التفتيش عن العلل المتعددة الأخرى من أجل معالجة هذا السلوك الإنساني، ولنأخذ على سبيل المثال ظاهرة الرافضين للحضارة، في الكثير من المجتمعات هناك فئات تدفعها ظروف منوعة إلى رفض الحضارة بكل مكوناتها، من التعامل بالأوراق النقدية أو استخدام الكهرباء للإنارة، إلى رفض مجلات الموضة أو ركوب السيارات والطائرات.

رفض الحضارة يظهر على شكل طائفة “الأمش” في الولايات المتحدة الأمريكية – الطائفة المسيحية التي تمتلك كنائسها وتفسيراتها الخاصة للأناجيل – كما أن رافضي الحضارة كانوا يقطنون على شكل تجمعات سكانية صغيرة في إحدى المناطق المحلية، برؤية دينية حاولوا بناءها وتوارُثَها لرفض أي تحديث. هل هؤلاء فهموا الحضارة الحديثة ودرسوها ثم رفضوها لأنهم اكتشفوا أنها شيطانية؟ أم رفضوها ابتداء ثم ألبسوها لبوساً شيطانية من أجل تبرير فعلتهم؟!! أي هل أثرت أفكارهم في سلوكهم؟ أم أن سلوكهم هو الذي دفعهم لصناعة هذه الأفكار؟!

هل يدفعنا هذا لرفض ربط الأفكار والثقافة فيما يحدث من تبني الأفراد للعنف؟ بالتأكيد إن دعوة مثل هذه تعبر عن سذاجة مفرطة، لأن الثقافة تكون المجتمع عن طريق التنشئة الاجتماعية، التي لا يتحرر منها إلا قلة.

لا يدرس العنف خارج سياقه الاجتماعي المحلي، دراسة التنشئة الاجتماعية لدينا، “ماذا عن ظواهر العنف ضد الأطفال كمسبب لوجود النوازع العدوانية؟!!” هل يمكن فصل ما يحدث عن السياق العالمي؟ الحروب الأهلية والنزاعات المسلحة، والعمليات العنيفة “الإرهابية” في أرجاء العالم ضد المدنيين في العراق وأفغانستان وغيرهما؟! كيف ساهمت الفوضى الإقليمية في تعزيز العنف؟ كيف تتعامل أوروبا مع الرواج الذي تجده الأفكار النازية والفاشية بتمثلاتهما العنيفة العنصرية والرافضة للمهاجرين؟ هل يمكن فصل العنف المحلي عن التغيرات الاجتماعية والثقافية العميقة عالمياً؟ هل يمكن فصل العنف عما يحدث في أروقة السياسة والاقتصاد والتعليم؟ ألن تساهم مشاريع تطوير التعليم ومكافحة الفقر ومكافحة الفساد التي دشنتها الدولة في عرقلة التجنيد للعمليات “الإرهابية”؟ .

لا يمكن تناول ظواهر العنف بالتبسيط المخلّ الذي يعزو كل ما يحدث لمجموعة أفكار.. قد يمثل تفكيك هذه الأفكار ثلث الحل، أو نصفه، لكن هناك مسارات أخرى يجب الالتفات إليها ومقاربتها من أجل معالجة قضية بحجم قتل إنسان لنفسه في سبيل قتله لآخرين أبرياء ينتمون لذات الدين الذي ينتمي إليه.

 

صحيفة الرياض – 13 سبتمبر 2009م

دعم المثقف.. استقلال المثقف

  بعد انقضاء عواصف مؤتمر الأدباء الثالث، والجدل حول توصياته، والمطالبات التي رفعها بعض المثقفين على هامشه، هل لدى المثقف السعودي رؤية ضبابية لجدلية الاستقلال والتبعية؟

الكثير من المثقفين يراهنون على استقلالهم في مشاريعهم، فلا أحد يريد أن يكون محسوباً على شخص أو سلطة، أو أن يكون تابعاً لمؤسسة رسمية، والبعض لا يريد أن يحسب على توجه أو فكرة كذلك.. وهذا طبيعي، وينسجم مع الرؤية القديمة للطبقة المثقفة “النخبويين الأكثر معرفة، والمنعزلين المستقلين الذي يعبرون عن ضمير الأمة، ويتحكمون في مصيرها” وتنسجم مع رؤية غرامشي للمثقف العضوي المعبر عن تطلعات الجماهير.

الأهم هنا، أن هذا المثقف “المحلي” الذي يحفل باستقلاليته من ناحية، ورفضه للوصاية من الآخرين، ويردد هذه الأفكار بشكل هستيري، هو ذاته – وبشكل تراجيدي – من يطالب المؤسسات الرسمية الثقافية ليل نهار بالفاعلية الثقافية، ودعم المثقف، والتجديد في الأنشطة، ويحملها مسؤولية الإشكاليات الثقافية، ومشاكل المثقف، وفقره وتعاسته وعدم تفرغه للإبداع والإنتاج ليقول ما لديه من درر تغير مسار التاريخ، وربما الجغرافيا.

وربما كانت المطالبات التي واكبت مؤتمر الأدباء الثالث، بتفريغ المبدعين للإبداع، أو بصياغة اخرى، خلق ارتباط مالي مباشر أو غير مباشر بين المؤسسات الرسمية والمثقف، أكبر مثال على التناقض المنطقي الغريب الذي يقع فيه بعض المثقفين.. فمن يدعي استقلاله، يطلب من المؤسسات الرسمية تمويله مالياً ليتفرغ لإبداعه، جزئياً أو كلياً.

إذا تجاوزنا هذا التناقض، يمكننا القول بأن موجة تفريغ بعض المثقفين والأدباء – المصريين تحديداً – للإبداع، كانت خدمة لأجندة سياسية واضحة في الحقبة الناصرية، وما تلاها، تلك التجربة التي يراها البعض اليوم مثالاً يحتذى، كدعم للأدب، جاءت ملتبسة بالسياسة بشكل لا يخفى.

أما تفرغ الكاتب للإبداع في أوروبا وأمريكا، فلا يأتي لكون المبدع ضمير الأمة، والناطق باسمها، ومصحح مسارها، وما إلى ذلك من ترهات، بل يأتي لأن الإبداع سلعة، تسوق، وتجلب مئات الألوف، وربما الملايين، وهو قطاع مالي ضخم ومعتبر.

وأخيراً، وفي هذا السياق، يمكن أن نقبل تفريغ المثقف للإبداع، لو كان هذا التفريغ، والدعم، يأتي من مؤسسات مجتمع مدني، تمثل المجتمع، لا تمثل المؤسسات الرسمية.. نعم، الحصول على دعم مالي، وبالتالي وقت للكتابة والإبداع، حلم مشروع لكل مثقف، لكن يجب ألاّ ينسى هذا المثقف بأن بعض الأحلام، يجب ألا تتحقق، فلا يوجد شيء مجاني.

صحيفة الرياض – 28 ديسمبر 2009م

تساؤلات حول المجزرة.. لماذا يقتلون بدم بارد ؟

 بأجساد مجردة، تلقوا القتل والدمار، ثم قبروا في مدافن جماعية، ليخفي الطغيان ما يستطيعه من أثر. أو ليداري ذوي القتلى أحزانهم، بعد أن تحول أبناؤهم وأقاربهم أو جيرانهم إلى مجرد أرقام في إحصائيات بلا معنى، تكلل تاريخ البشرية بالعار. حتى أصبحت المجزرة فصلاً أساسياً في مسيرة الكون، لا يستطيع الإنسان أن يتجاهله، ولكنه يجاهد في تأويله، لعلنا نعيش أملاً ما، بألا يقتل المزيد من البشر بدم بارد بعد الآن.

للمجزرة حضور طاغ وملتبس في التاريخ، خاصة الحديث منه. أحيانا نستطيع التنبؤ بها، فتجري التدابير لمنع وقوعها، ومع هذا تقع، فتسبب صدمة لا حد لها. أن تتوقع قتل بشر عزل، ويقتلون! كما حدث في»سربرنيتشا».

الحديث عن المجزرة متشعب، بحسب الأنظمة السياسية التي تأمر بها، والأجهزة الأمنية التي تنفذها، أو المليشيات التي ترتكبها بغفلة من الزمن، فيذهب الآلاف لها ضحايا.

 

لذا يمكن أن نحدد ما نريد الحديث عنه هنا بخصوص المجزرة، أننا نعني تحديداً المجزرة بصورتها الأشد وضوحاً ودرامية. بعيداً عن تداعيات الحروب أو الثورات المسلحة، أي أننا نعني قيام نظام سياسي ما، بتصفية جزء أعزل من الشعب، قام باحتجاج أو ثورة سلمية على النظام، وتقوم بتلك التصفيات القوات العسكرية ممثلة بالجيش النظامي.

دائما ما كان العنف الثوري مبرراً كافياً لارتكاب النظم التسلطية جرائم قتل في حق المدنيين، بدعوى إنهاء الثورة وإعادة النظام، وأن قتل المدنيين جاء بصورة عابرة، غير مقصود لذاته. لذا تشير حنة أرندت في دراستها للعنف “إن ممارسة العنف، مثل أي فعل آخر، من شأنها أن تغير العالم، لكن التبدل الأكثر رجحانا سيكون تبدلاً في اتجاه عالم أكثر عنفا”. لكن ظهور نمط سلمي من الاحتجاجات، أحرج الأنظمة القمعية، التي باتت غير قادرة على إيجاد مبرر لاستخدام العنف، لكنها رغم هذا، تستخدم العنف على الأرجح من أجل ترسيخ السلطة وعودة النظام، عندما تستطيع فعل ذلك.

هل ما زالت المجزرة ممكنة ؟ ومتى ينفذها جيش نظامي بصورة مبرمجة كليا وبدم بارد؟

الكثير من الحديث يدور حول هذه الجزئية، وللتساؤل مشروعيته، خاصة مع معرفتنا الآن بأن الثورة السلمية الشعبية ممكنة.

الحجة الأكثر تقليدية في هذا الإطار، الإشارة إلى سطوة وسائل الإعلام الحديثة، التي جعلت الأحداث تنقل مباشرة إلى العالم أجمع في لحظتها، وعلى الهواء مباشرة، عبر الصوت والصورة، بتقنيات حديثة لم تعد ملكاً للدولة فقط، بل متوفرة لأي فرد، باستخدام وسائط الإعلام الجديدة، في الهواتف وشبكة الإنترنت.

الكثير يجادلون بأن هذه التقنيات جعلت استفراد الأنظمة السياسية القمعية بشعوبها مستحيلاً، وبالتالي أصبحت المجزرة غير ممكنة عملياً، لأنها ستثير سخط بقية البشر على تلك النظم، في عالم متضامن بفعل العولمة. ولأن للنظم الاستبدادية مصالحها المشتركة مع العديد من الدول، والتي تخشى على تأثرها في حالة ارتكابها لمجازر وإبادات جماعية تجاه شعوبها، في عالم ينشد السلام، أو يدعي هذا على الأقل!.

من ناحية أخرى، يشار إلى المحاكمات التي جرت تجاه الجنرالات الذي أمروا بارتكاب مجازر حول العالم، من محاكمة القادة الألمان بسبب “الهولوكوست” ، وقادة اليابانيين كمجرمي حرب، إلى المحاكمات ضد قادة الخمير الحمر في كمبوديا، بقيادة بول بوت، والذي أباد قرابة المليون وسبعمائة ألف نسمة، أي 20% من السكن خلال الأربع سنوات الممتدة بين 1975م إلى 1979م.

لكن تجاربنا الأحدث أثبتت أن هذه العوامل غير قادرة على إيقاف المجزرة، بل تكتفي بفضحها بعد وقوعها، وفي أحسن الأحوال الضغط من أجل إنهائها سريعاً! ومحاسبة الفاعلين بعد عشرات السنين. أولئك الذين تتضاءل الآمال في ندمهم، بسبب ارتباط تلك الإبادات بغرور إيديولوجي طاغٍ، وروح انتقامية هائلة، وحياة طوباوية موعودة. “هل يتصور أحد ما أن رادوفان كاراديتش نادم على ما فعل؟!!”.

التغطية الإعلامية للمجازر نسبية بصورة مرعبة، فما زالت الكثير من دول العالم بمثابة مناطق معزولة إعلامياً، فلا شبكات هواتف متطورة، ولا شبكة إنترنت، أو حرية للصحفيين الأفراد.

كما أن المجازر الأقدم لم تكن بمنأى عن معرفة العالم بها، فالقنصل الأمريكي في الدولة العثمانية تحدث عن مذابح الأرمن مبكراً في بدايات القرن العشرين، دون أن يتم أي تحرك تجاهها، تلك المجازر التي تمت على مدى سنتين على الأرجح!. ويبدو بأن عشرات السنين لم تجعل التعامل الدولي مختلفاً، فمجزرة الصرب ضد مسلمي البوسنة من البوشناق منتصف التسعينات، في “سربرنيتشا” والتي راح ضحيتها الآلاف من المدنيين العزل، تمت تحت أنظار الجنود الهولنديين المكلفين تأمين المنطقة من قبل الأمم المتحدة، والتي أعلنتها منطقة آمنة قبل أيام من وقوع المجزرة!.

الصورة لم تصبح بعد أكثر إشراقاً، فالدول الأقل حداثة، والتي تتمتع ببنية تحتية متهالكة، و قدرات اتصالية محدودة، تمت بها العديد من المجازر، والتي عجز الرأي العام عن إيجاد صور لها أو وثائق إثبات، عدا البحث عن مقابر جماعية هنا أو هناك ! فرغم كل الزخم الإعلامي – بالحديث فقط ! – الذي رافق عمليات الإبادة الجماعية في الكونغو أو في دارفور، إلا أن الصورة غائبة تماماً، فلا نكاد نجد توثيقاً لما حدث.

هل كان للصورة أن تكون مانعاً لحدوث المجزرة ؟!

تجاربنا في “سربرنيتشا” البوسنية و “حلبجة” العراقية و “ميدان السلام السماوي” في الصين لا توحي بهذا أبدا. فالمجازر تمت تحت أنظار العالم، وإن كانت التقنيات الإعلامية لم تصل ذورتها كما في العشر سنوات الأخيرة. فمجزرة “ميدان السلام السماوي” والتي تمت سنة 1989م، كانت متزامنة مع زيارة رئيس الاتحاد السوفييتي جورباتشوف إلى الصين !! إلى الحد الذي جعل القادة الصينيين يوصلونه إلى “قاعة الشعب العظيمة” من خلال الشوارع الخلفية!.

كما يمكن قمع الصحفيين بصورة مرعبة، وإغلاق البلد بشكل كامل إعلامياً، كما يحدث في كوريا الشمالية، والتي نجد أن صورة مهربة للزعيم كيم جونج أيل تعتبر كنزاً ثميناً للإعلاميين لا يقدر بثمن!

لا المحاكمات ولا التغطيات الإعلامية المكثفة استطاعت منع وقوع المجازر فيما بعد. لأنها تحدث لأسباب يتضاءل أمامها كل شيء، ما دامت أرواح البشر غدت بلا قيمة، فمن يستهين بأرواح الآلاف من البشر، هل سيخشى من صورة فوتوغرافية تفضحه دولياً أو محاكمة قد تتم أو لا تتم؟!!

المجزرة تحدث في منطقة التقاطع بين الإيديولوجية واليوتوبيا، فجل الأنظمة التي قامت بارتكاب المجازر كانت تمتلك نظاماً سياسياً تسلطياً، يملك قوات عسكرية نظامية شديدة الأدلجة. وبالتالي تملك يوتوبيا طاغية، أو جنة موعودة، تخشى عليها من “الأوغاد” ..لذا تقوم بإبادتهم!. تنتج لنا هذه الأيديولوجيات ذلك النوع من البشر الذي يقتل بمنطق “لا يوجد شيء شخصي .. إنها الأعمال” في صورة هوليودية تجسد قمة البرود في التعامل مع العذابات الإنسانية.

لا يمكن أن يرتكب جيش وطني غير مؤدلج مجزرة بحق مواطنيه. جل المجازر ولدت من رحم أنظمة ذات عقيدة شمولية قومية أو شيوعية أو ذات انتماءات دينية راديكالية. قد لا تقوم هذه الأنظمة بارتكاب مجازر لسبب أو لآخر، لكن احتمالية “المجزرة” لديها أكبر بكثير.

الجيش الوطني غير المؤدلج لا يرتبط بأي يوتوبيا، عقيدته ترتبط بالدولة والشعب، أكثر من ارتباطه بالنظام السياسي القائم، لا تعنيه مصالح النظام الحزبي بأيديولوجيته الضيقة، يرى أن العدو في الخارج، لا يمكن أن يكون هذا العدو جزءاً أعزل من الشعب يحتج على تضاؤل الحريات أو لأسباب اقتصادية. قد يقف على الحياد بين النظام السياسي وبين الشعب، لكنه على الأرجح لن يرتكب “المجزرة” ما دام جيشاً وطنياً لا عقائديا.

القوميون الراديكاليون هم من ارتكب المجازر العثمانية ضد الأرمن، والعراقية في “حلبجة” ضد الأكراد، ومجزرة الصرب في”سربرنيتشا” والتي كانت بسبب اختلافات عرقية ودينية، بالإضافة إلى مجازر السافاك، والذي كان جهازاً قمعياً قومياً في إيران الشاه، وتأتي الجرائم الإسرائيلية في كفر قاسم ودير ياسين وأخرى في غزة في هذا الإطار، باعتبارها جرائم صهيونية، يتقاطع فيها العرقي بالديني.

كما أن الشيوعيين هم قتلوا عشرات الآلاف من البولنديين سنة 1940م، وهم من نصب المشانق للشعب الكمبودي إبان حكم بول بوت في سبعينات القرن الماضي، والذي كان يحكم بعقيدة ماوية راديكالية. وهم من حرك الدبابات على أجساد العمال المحتجين في ميدان السلام السماوي في بكين سنة 1989م.

إن كانت الأيديولوجيات الدينية ارتكبت مجازر هائلة عبر التاريخ، وما زالت، بسبب الاختلافات المذهبية، فلن تذهب بنا الإيديولوجيات الحداثية “القومية والشيوعية” بعيداً في هذا الاتجاه، فلكل منها وجهها الطوباوي، الذي يجعل قادتها يرون أنفسهم مخلّصين، بالمعنى الديني للكلمة!.

من هنا لا يمكن التنبؤ بحدوث المجزرة، ولا تبدو الأجهزة الإعلامية أو المحاكمات الدولية قادرة على التصدي لها، لأنها تنهل من منطقة بشرية غامضة، تعج بالراديكالية، والكراهية للمختلف، لأي عدو مفترض، يسعى في لحظة ما لإهدار الجنة الموعودة، أو اليوتوبيا، التي تخلقها الأيديولوجيات المتطرفة لأتباعها.

 

 

صحيفة الرياض – 10 فبراير 2011م

 

الكتاب كحدث ثقافي..منذ «الخطيئة والتكفير» وحتى «السعودية سيرة دولة ومجتمع»

   تشكل الكتب، والنقاشات حولها، أهم دلائل حيوية الحياة الثقافية في مكان ما، ويمكن من خلال هذا الحراك قياس اتجاهات الرأي، ومعرفة أمزجة المثقفين، وحتى التنبؤ بما هو قادم ثقافياً.

ومن نافل القول الإشارة إلى أن إثارة الكتاب للجدال والنقاش، هي مؤشر حيوية ثقافية، وليست معيارا لقياس جودته، إذ تعبر أحياناً كتابات هامة، دون أن تثير الكثير من النقاشات والحوارات، وأذكر منها على سبيل المثال كتاب عبدالله الوشمي “فتنة القول بتعليم البنات” وكتاب علي الشدوي “الحداثة والمجتمع السعودي”. وقد تتلقى كتبا على نطاق واسع كحدث، مع أنها ضعيفة منهجياً، أو تتلقى رواية كحدث رغم أنها ضعيفة فنياً، ولكن العبرة بتداول الكتاب، والجدال الذي أثاره، وبمرحلة تالية تأثيره، إن كان بالإمكان قياس هذا التأثير بعد فترة زمنية كافية.

من خلال رصد الكتب التي تم التعامل معها كحدث ثقافي بحد ذاتها في مشهدنا الثقافي المحلي، يمكن تحديد أولويات تلك المرحلة وهاجسها لدى المثقف من ناحية، وتحديد أولويات وسائل الإعلام كذلك، وقد نحاول معرفة أسباب هذا التلقي، وماذا تمثله تلك الكتب في مراحل تناولها.

ويمكن رصد كتاب “الخطيئة والتكفير” لعبدالله الغذامي في الثمانينات، وبعده كتاب “الحداثة في ميزان الإسلام” لعوض القرني، ككتب مثلت حدثاً ثقافياً في وقتها.

الكتاب الأول جاء في بداية اشتداد صراع الحداثة في المملكة، ومثل نقلة في التعاطي معها، رغم كونه كتاباً أكاديمياً، إلا أن لحظة إصداره وعنوانه، والجدل الذي خاضه الغذامي في تلك المرحلة، أعطى للكتاب أهميته.

أما كتاب القرني، فجاء خاتمة لصراع الثمانينات، وذروة الخطاب المناهض للحداثة، وبتقديم من الشيخ ابن باز رحمة الله، مما عزز دوره وتداوله في تلك الفترة.

ما يثير الانتباه، أن الكتب التي تم التعامل معها كأحداث ثقافية بعد تلك المرحلة، كانت في مجملها أعمالا أدبية روائية أثارت الكثير من الجدل، وما زالت تحتفظ تلك الروايات بأهميتها بصورة ما، كرواية “شقة الحرية” لغازي القصيبي الصادرة سنة 1994م، والتي يعتبرها بعض النقاد فاتحة موجة روائية في منتصف التسعينيات، بسبب حساسية المجال الذي خاضته، تلتها في مرحلة لاحقة ثلاثية تركي الحمد “العدامة / الشميسي / الكراديب”، هذه الروايات اكتسبت الكثير من أهميتها بسبب أسماء من كتبها، فالقيمة الرمزية لهذه الأسماء كانت كبيرة، والمرحلة تلك كانت مرحلة ركود بصورة عامة في المجال الثقافي، فأتت هذه الروايات ككسر لحالة الركود تلك، التي رافقت انطفاء جذوة الأنشطة الثقافية بعد مرحلة الثمانينات ووهجها.

بعد هدوء نسبي طويل، جاءت رواية رجاء الصانع “بنات الرياض” سنة 2005م كحدث ثقافي، فالرواية أثارت موجة حوارات ونقاشات، وفتحت الباب لطفرة روائية جديدة تحدث عنها، ولا يزال، الكثير من النقاد والمهتمين.

بعد “بنات الرياض” زاد الطلب على الأعمال السعودية من قبل الناشر العربي، كأعمال تجارية ناجحة، وزادت من مقروئية هذه الأعمال محلياً، حيث أصبحت الروايات مطلوبة من جيل ممتد من الشباب غير المهتم بالأدب والثقافة، حتى أن رواية “بنات الرياض” أصبحت تباع مصورة، قبل السماح ببيعها بالمكتبات.

وقد يعود هذا إلى أنها أحالت السجالات الثقافية إلى منطقة اجتماعية مغايرة لتلك التي حفلت بها روايات التسعينيات، بالإضافة إلى أنها جاءت مفاجئة نوعاً ما، بعد حالات النقاش حول الفكر الديني وأعمال العنف بالفترة التي تلت أحداث سبتمبر، ثم كانت ذروتها مع تفجيرات مايو 2003م، فجاءت الرواية لتسلط الضوء على الحياة الخاصة ل “بنات الرياض” وربما كان من غير المتوقع الحديث عن هذه المنطقة، في تلك الفترة بالذات.

يمكن اليوم رصد موجة أخرى مختلفة من الكتب تعد شاهدة على أمزجة المثقفين خلال الفترة الحالية، ويمكن الزعم أنها ناتجة عن موجة تغيرات اجتماعية وثقافية عصفت بالمملكة منذ أواخر التسعينيات وبدايات الألفية الجديدة كذلك.

تمثلت هذه التغيرات بانفتاح المجتمع على الفضائيات، والنقاشات الحادة التي خاضها حول ما هو فكري وثقافي واجتماعي بعيداً عن الرقيب مع بدايات الإنترنت، تلتها في مرحلة لاحقة، الكتابات الناقدة والمحللة لأسباب التطرف الديني وأعمال العنف، تلك الكتابات والحوارات التي تبنتها الصحافة والجهات الرسمية، لكنها لم تكن بالجدية الكافية لتأسيس وعي مختلف في قراءة الحالة الثقافية والدينية في المجتمع.

فتحت هذه النقاشات الباب أمام قراءات أخرى مغايرة، تأخرت نوعاً ما، لا تقصر النقد على ما هو ديني، ولا تتخفى خلف القالب الأدبي لتمرير انتقاداتها، كما فعل القصيبي أو تركي الحمد، أو تعمد إلى كشف المستور والتعرية الروائية، كرجاء الصانع.

يمكن الزعم أن بعض الكتّاب أصبحوا أكثر جرأة على تسمية الأشياء بأسمائها دون خوف من سوء التفسير أو الطعن والتشكيك في النوايا.

ونشير هنا إلى كتاب “إصلاح التعليم في المملكة” للدكتور أحمد العيسى، والذي صدر العام الماضي، ومثل حدثاً ثقافياً، تناوله الكثير من الكتاب بالنقد والتحليل، ويعتبر كتاباً ذا دلالة في تغير لهجة كتاباتنا عنا، يحاول أن يكون أكثر تحديداً ووضوحاً في نقده وقراءته للواقع، من ناحية الموضوع والمعالجة.

والآن نعيش حدثاً ثقافياً آخر، تمثل في كتاب “السعودية سيرة دولة ومجتمع” لعبدالعزيز الخضر، والذي آثار الكثير من النقاشات والحوارات، ونشرت الصحف عنه قراءات متعددة ومنوعة، تناولت الكتاب بالعرض والنقد، رغم صدوره قبل أسابيع قليلة فقط، أغلب هذه الكتابات أشارت إلى أنه تأسيس للحظة ثقافية مختلفة، نقرأ فيها ذاكرتنا، ونحاول أن نعرف أنفسنا أكثر من خلاله. ربما يكون هذا الكتاب تتويجاً لكتابات متفرقة وهامشية رصدت التاريخ الاجتماعي المحلي، وقد يفتح لكتابات جادة ورصينة مستقبلاً.

العيسى والخضر لا يتكئان على قيمة رمزية شخصية، فلم يكونا أطرافاً في أي صراعات، كما أنهما يكتبان من واقع خبرتهما العملية، فالعيسى يكتب عن التعليم كتكنوقراط يعمل في هذا المجال، ويدير إحدى الجامعات الأهلية، أما الخضر فكاتب رأياً، ورئيس لتحرير صحيفة المحايد ثم مجلة المجلة، حاول استثمار أدواته الصحفية في قراءة عقود من التحولات في المملكة.

 

صحيفة الرياض – 22 فبراير 2010