“داعش إلى أين؟”: محاولة للتأريخ تتجاوز المغالطات السائدة

يعيد فوّاز جرجس في كتابه “داعش إلى أين؟ .. جهاديو ما بعد القاعدة” الاعتبار إلى السياق المحلي العراقي، وسياقات الثورة السورية، والصراعات الإقليمية، لدراسة نشأة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، في الوقت الذي حاول فيه الكثير من المحللين قراءة صعود التنظيم باعتباره نتيجة لتحولات عالمية أوسع مرتبطة بمشكلات الرأسمالية والليبرالية، أو من خلال قراءات لا تاريخية، جوهرانية للمنطقة العربية.

عند الحديث عن ظهور تنظيم الدولة، نجد عددا كبيراً من النظريات التي تحاول تفسير ما تراه غرائبياً ولامفسراً. من اعتبار التنظيم نتيجة لقراءات كتب ابن تيمية، إلى اعتباره مؤامرة على العرب، يقوم بها الصهاينة، أو الأميركيون، أو الإيرانيون… إلخ، وحتى تفسير ظهور التنظيم باعتباره “واجهة” دينية لضباط ورجال دولة عراقيين بعثيين تم تهميشهم بقوانين “اجتثاث البعث” فحاولوا استعادة أمجادهم من بوابة دينية هذه المرة.

يرفض جرجس هذه المغالطات، والتفسيرات “الشعبية” التي أصبح صداها يتردد في الإعلام العربي والغربي على السواء، ويقوم بتبنيها من يطلقون على أنفسهم ألقاب “خبراء في التنظيمات الإرهابية” دون أن يملكوا رؤية دقيقة لما يحدث في المنطقة. لذا يعيد جرجس الاعتبار إلى سياقات عراق ما بعد الاحتلال الأميركي في 2003، وما يدور في سورية، لقراءة صعود داعش كامتداد لظهور أبو مصعب الزرقاوي، وعلاقته المعقدة مع القاعدة.

الزرقاوي والقاعدة

يرى جرجس اختلافاً أساسياً بين استراتيجيات تنظيم القاعدة، وزعيمه الراحل أسامة بن لادن، وبين استراتيجيات القاعدة في بلاد الرافدين الذي أسسها أبو مصعب الزرقاوي، وفق فكرة أولوية “العدو البعيد أو العدو القريب”. فيرى أنه في الوقت الذي رسخ فيه بن لادن فكرة استهداف “العدو البعيد” أي الولايات المتحدة الأميركية، والتي يراها الداعم الأساسي للأنظمة العربية والإسلامية التي يقف ضدها، ويريد إسقاطها. تبنى الزرقاوي رؤية مغايرة، تستهدف “العدو القريب” والذي تحول من كونه المحتل الأميركي، أو الحكومة العراقية الموالية له، ليصبح كل “الشيعة” في حرب طائفية كان الزرقاوي أحد أركانها.

بهذا التفريق، نجد أن تنظيم داعش امتداد لسياسات الزرقاوي، وتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، لا “القاعدة المركزية”.  يكتب جرجس: “أحد الوجوه المميزة لاستراتيجية داعش على نقيض القاعدة المركزية هو أنه، وكامتداد لسلفه القاعدة في العراق، ذهب بعيدا في التركيز على الشيعة و العدو القريب، أي النظامين العراقي والسوري وحليفهما الإيراني”.

يضيف جرجس فكرة أخرى لداعش، تميزت بها عن القاعدة، وتتوافق بها مع رؤية الزرقاوي وهي “فكرة القتل الجماعي أو الإبادة”. لكن رغم تشديد جرجس على الاختلافات بين القاعدة وداعش، إلا أنه يراها تشترك في حلم “إقامة الخلافة”.

السياق المحلي العراقي

يرى جرجس أنه “ومع أن داعش هو امتداد للحركة الجهادية الدولية من حيث أيديولوجيته وأفكاره، إلا أن أصوله الاجتماعية متجذرة في سياق عراقي معيّن، وإلى درجة أقل في الحرب السورية التي اندلعت سنة 2011”.

يرى جرجس أن جذور نشأة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” موجودة في سياق تنظيم الزرقاوي “قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين” والذي أعلن الولاء لتنظيم القاعدة، وبايع زعيمه أسامة بن لادن، لأسباب تكتيكية. يكتب جرجس “تظهر قصة زواج المصلحة بين بن لادن والزرقاوي بوضوح أن الجهاديين، وكلاعبين سياسيين، تقودهم المصالح أكثر مما تفعل الأيديولوجيا والدين”.

هذا التنظيم ولد من عدة تداعيات، تمثلت في الاحتلال الأميركي للعراق، وفشل بناء نظام سياسي عراقي متجاوز للطوائف وقادر على حكم جميع العراقيين، إضافة إلى ما يصفه جرجس بـ “الحرب الأهلية السورية” وتداعيات “الربيع العربي”. والتي يراها نتاج فشل الدولة العربية الحديثة، سياسياً وتنموياً، ما أدى إلى انهيارها سريعا في سياق هذه التداعيات.

يتطرق الكاتب بصورة تفصيلية إلى ما يصفه بـ “إخفاق المؤسسات السياسية” العراقي في إدماج السنة بالدولة العراقية، تارة تحت لافتة “اجتثاث البعث” وأخرى بسبب اتهامات بالإرهاب، أو بسبب السياسات الطائفية التي انتهجها رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، وخشيته من إتاحة مجال لمشاركة السنة في حكم العراق.

هذا السياق العراقي، لم يؤثر فقط في ظهور التنظيم، وصعوده لاحقاً، لكن في أهم خصائصه، وهو ما يصفه الكاتب بـ “العنف الزائد” والذي يفسره باعتباره نتيجة لثلاثة عوامل، هي “انتسابه الأصلي إلى القاعدة في العراق، وموجدها أبو مصعب الزرقاوي… الذي ركز على مسألتي الهوية والسياسة المحلية” إضافة إلى “عراقيته (التنظيم) الغالبة واستعارته الأدوات البعثية في القمع إضافة إلى إرث البلاد المرّ من العنف” وأخيراً “ريفيه ضباط التنظيم وأفراده”.

وهنا يقرأ جرجس العنف باعتباره امتدادا لسياق العنف في العراق بعد 2003، وامتدادا للاستبداد وقمعية دولة حزب البعث التي حكمت العراق من 1968 حتى الاحتلال الأميركي. وهنا يمكن إضافة أن هذا العنف مرتبط بالدولة الحديثة، لا التراث. على غرار أوصاف عالم الاجتماع الأميركي تشارلز تيلي، والتي تعتبر إنشاء الدول الحديثة “جريمة منظمة” قام بها سياسيون يحاكون أعمال العصابات.

مستقبل التنظيم

يختم جرجس كتابه بقراءة لـ “مستقبل داعش” تدمج ما بين رؤيته لمستقبل التنظيم، والمنطقة، على حد سواء. يرى الكاتب أنه إذا كان صعود التنظيم ناتج عن “تحطّم مؤسسات الدولة في قلب الوطن العربي، وصراع الهويات بين المسلمين السنة والشيعة” فإن مواجهة داعش محكومة بـ “قدرة المجتمعات العربية، مع القوى الإقليمية والدولية، على توفيق حل سلمي للنزاعات الأهلية ولدعم إعادة بناء الدول العربية ومؤسساتها وفق قواعد شفافه وشرعية”.

لكن هناك مشكلة أكبر تلوح في الأفق، صحيح أن داعش تنظيم يمكن هزيمته، على خلاف ما يحاول قادة التنظيم الترويج له، إلا أن هزيمة التنظيم، دون معالجة الأسباب البنيوية التي خلقته وساهمت في صعوده أول الأمر، ستعني أن التنظيم سيختفي من الساحة، لكن أفراده سيكونون قادرين على إعادة تجربة تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، عندما هزم التنظيم، وذاب أفراده في المنطقة، ثم عادوا بعد سنوات، ليساهموا في صعود جماعة إرهابية أكبر وأخطر، وأكثر قسوة: داعش.

لا يتجاهل جرجس عوامل أخرى، يراها هامة في حسم مستقبل التنظيم، مثل ترسيخ فصل الدين عن الدولة في المنطقة، ومواجهة الرؤية السلفية المتشددة، إضافة إلى إيجاد حل للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، كمشاكل مؤثرة في ظهور تنظيمات “السلفية الجهادية” في المنطقة، وإن كانت أقل حسما في ظهور هذه التنظيمات، من تلك المتعلقة بانهيار الدولة، والتدخلات الأجنبية، وصراع الهويات.

لكن جرجس يتجاهل في مقاربة موضوع “فصل الدين عن الدولة” أن الأنظمة التي فشلت في بناء الدولة العربية الحديثة، في العراق وسورية، وساهم انهيارها في ظهور التنظيمات السلفية الجهادية، لم تكن أنظمة “دينية” بل “عَلمانية” ولكنها وإن واجهت الأدبيات السلفية ثقافياً، إلا أنها وضعت بذور الخلافات الطائفية التي اشتعلت في المنطقة مؤخراً.

كتاب “داعش إلى أين؟ … جهاديو ما بعد القاعدة” من إصدارات “مركز دراسات الوحدة العربية” وصدرت طبعته الأولى في 2016، وهو من ترجمة محمد شيّا، في الوقت الذي صدرت فيه النسخة الأصلية، الإنكليزية، من الكتاب، في العام ذاته، بعنوان (ISIS: A History).

بدر الراشد / موقع ضفة ثالثة

https://www.alaraby.co.uk/diffah/books/2017/3/1/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A3%D9%8A%D9%86-%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%88%D9%84%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%AA%D8%A3%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D8%AA%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D9%88%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%A6%D8%AF%D8%A9

الساعة الخامسة والعشرون … بقلم: سليمان الناصر

بقلم: سليمان الناصر

كثيرون نصحوا بقراءة رواية ( الساعة الخامسة والعشرون) للروماني قسطنطين جورجيو، وبعدما قرأتُها قبل أيام انضممتُ لهم وبتُّ أقترحها لمن يود تصور التحول الذي صنعته الحداثة في وجهها الإداري والتنظيمي على الإنسان وشعوره بقيمته وعلى حياته كلها، أولوية النظام وهيمنة الإدارة(= البقرطة) وتغير شكل الدولة ومركزة السياسة كل هذا كان له أثار بالغة على حياة البشر ورؤيتهم لأنفسهم، الحديث عن مضمون الرواية الفكري يطول ( ولستُ مؤهلا لتقييمها فنياً)،

لكن مايثير المتابع هو صدمة القراء المعاصرين لمضامين الرواية، مع إن هذه المشكلات ترسخت وتضاعفت أكثر وأكثر منذ ذلك الحين ( قبل خمسينات القرن الماضي)، والسبب في ظني هو تأثير التكرار والاعتياد علينا نحن البشر، فالواقع بصرامته يحاول تغييرنا وفقا لشروطه، لذلك قد نفقد احساسنا من بعض المشكلات مع تكرارها ويخفت صوتنا دونها،

يذكر بعض النقاد رواية ( الوحش الانفجاري) التي كتبها التشيكي جارومير جوهن ١٩٣٢ والتي جعلت أزمة الانسان وقتها الصخب الذي تورط به البشر جرّاء صناعة المكينة والسيارة الخ، كانت مشكلة حقيقية استحقت وصف ” الوحش”، ومع مضي السنوات اعتاد البشر هذا الضجيج، بل أصبح ادمانا في بعض الحالات،

وعندما كتب كافكا رواياته الوصفية “للإدارة” وتعاملها البارد مع البشر كانت البقرطة آنذاك – كما يعبر كونديرا- طفلا صغيرا، واليوم بعد مضي كل هذه السنوات لم نعد نشعر بما فعلته بنا البقرطة رغم تصخمها وتضاعف نفوذها وتوحشها،

ومثال آخر لا يقل طرافة ومأساوية؛ كانت كتابات هديجر حول ما سماه( الكوينونة لليد) ويقصد بها – حسب مافهمت كوننا ننظر للأشياء والعالم من حولنا استعماليا فقط، فهو يدعو لتجاوز هذا المنظور والتعرّف على ذات الأشياء والانفتاح على ماهيتها، الخ أفكاره تلك، مضت السنوات، وتطور النقد لسلوك البشر تجاه العالم وظهر مفهوم “الاستهلاك”، كثيرون كتبوا عنه حتى الحديث مبتذلا، وكانت كتابات جان بودريارد عن ” المصطنع” وهيمنة الموضة الخ والحل المقترح لدى بورديارد التخلي عن المنظور الإستهلاكي والعودة لـ”للإستعمال” لمواجهة الموضة والإصطناع، فما كان محل نقد لدى هيدجر أصبح حلا للإنسان الراهن، التكرار يهشّم المقاومة، الأشياء في بدايتها يمكن ملاحظتها بشفافية والاحساس بخطرها ومقاومتها، ولكن مع التكرار وازدياد الانحراف تقل شفافية البشر وتضعف قدرتهم على الرفض، تحدث نيتشة عن أن الكنيسة في القرن السادس عشر كانت أقل فسادا في المانيا، وأن هذا هو سبب بداية الإصلاح الديني فيها، ويشبه هذا ما يقول توكوفيل عن كون الثورة الفرنسية حدثت في وضع صعود اصلاحي للدولة وليس في مسار انحدارها مما يظن عادة، لأن قلة الفساد تساعدنا على الابصار والبصيرة، بينما التكرار وعدم مقاومته تفضي بنا إلى حالة ” سبات وجودي” نفقد فيه قدرتنا على الإحساس والرفض،

رواية الساعة والعشرون ربما تساعد في تجلية هذه الظاهرة التي تحيط بالبشر فتحولهم- وكأنهم آلات- من حالة إلى أخرى وهم في استسلام مريب، وكل مقاومة يقوم بها المفكرون والمصلحون تكون مهددة بالعجز أو الابتذال أو فقد القدرة على تكرار المقاومة في مواجهة هذا التكرار الذي يهددهم.

 

الحوار مرة أخرى … سليمان الناصر

الحوار مرة أخرى

بقلم: سيلمان الناصر

يمكن فهم “الحوار” من خلال أصله اللغوي، فالحوار أصله (الحور) أي الرجوع، فبأي معنى يكون الحوار رجوعا!؟ يمكن أن نلاحظ الرجوع في الحوار بمعنيين

أحدهما أنه بمعنى الرجوع والمراجعة بين السائل والمجيب، حيث كلا المتحاورين له مقام يكون فيه سائلا ومقام أخر يكون فيه مجيبا، فهذا التناوب والمراجعة بينهما في مقاميهما هو رجوع مستمر، وفي الأصل “لا كلام إلا بين إثنين، ولا إثنين إلا عارض ومعترض، ولا عارض إلا بدليل، ولا معترض إلا لطلب الصواب، ولا “صواب إلا بجملة من القواعد

وهذا هو المعنى الأخر وهو الرجوع للصواب إذا ظهر بين المتحاورين، وكأن الدخول في الحوار هو تعاقد على الاستعداد المستمر حال الحوار للرجوع للصواب لأنه هو مسوغ الدخول في الحوار أساسا، فالعلاقة التي تم إنشاؤها بين المتحاورين هي علاقة تقابلية -عارض ومعترض- تتضمن مسؤولية سؤالية ومسؤولية جوابية، يجب عليهما القيام بمسؤولية السؤال والإجابة، وهي علاقة نقاشية قائمة علي التناظر وبالتالي تتجنب القهر والإرغام – وإلا لأنتفي معني الحوار والتناظر-وهذا البعد النقاشي يؤكد الانفتاح المستمر علي التراجع والرجوع إذا تأكدت مسوغاته، وها هنا نحتاج التوقف برهة لتناول نقطة تتأكد أهميتها باستمرار في الحوارات المشاهدة في الواقع، حيث يعتقد بعض المتحاورين إن الإقناع يقوم علي مجرد ذكر الحجج بدون مراعاة شروط عملية تحتف بالمناظرة وتؤثر علي الإقناع والاقتناع، فالإنسان ليس برنامجا آليا مجردا يمكنه معالجة البينات المدخلة بطريقة حسابية ومن ثم يخرج بنتائج تلك المعالجات، بل الإنسان كائن تختلط أبعاده الوجدانية والعقلانية والمادية وتتداخل وتعمل مع بعضها في وقت واحد ويؤثر بعضها علي بعض، والظن أن الإنسان يجب عليه استقبال المعلومات باعتبارها “وقائع مجردة” بات محل مراجعات كبيرة منذ عقود، فالتحيزات تعيق فكرة الفصل بين الذات والموضوع، وهناك مراجعات هائلة في دعاوي “الفصل بين القيمة والواقعة”، بحيث أن قيمنا التي تكوِّن “رؤيتنا للعالم” توثر في تعريفنا للوقائع وتحديدنا لها، وحتي في حقل الدراسات العصبية التي أعادت التفكير ببعض المسلمات القديمة مثل المسلمة الديكارتية القائلة بالفصل بين العواطف والعقل، وأصبح التسليم بالتأثر والتأثير المتبادلين بين الوجدان والعقل (الوعي)محل قبول وتسليم.

كل هذه المراجعات تشير إلي ضرورة تجاوز التعامل مع أساليب الحوار ومناهج المناظرة وكأنها مجرد أداب ليس أكثر، بينما أضحت دراسات “الحجاجيات الجديدة” و” البلاغيات الجديدة” تكشف الدور البالغ للانضباط بمناهج الحوار والمناظرة وأثرهما علي فهم الحجة وتبليغها، حيث الحوار علاقة تخاطبية، والتخاطب -إجمالا- إلقاء جانبين لأقوال بغرض إفهام كل منهما للأخر مقصودا معينا، هذه الأقوال لا تنفك عن أفعال يأتي بها المتجاوران لحث الأخر علي العمل وفق هذه المقاصد، حيث العمل هو سِمة من سِمات الحوار، فيكون التبليغ والتهذيب هما الغرض من الدخول في علاقة تخاطبية، وقد توسعت المباحث اللغوية الحديثة (التداوليات ،منطق الحجاج) في تحديد هذه القواعد الضابطة للحوار توسعا كبيرا، ولا يمكن الإلمام بتلك القواعد في هذه المقام إلا علي سبيل الإشارة، فأشهر تلك المبادئ هو مبدأ ”التعاون” المعروف عن الفيلسوف التداولي “بول غرايس” ومن أشهر قواعد هذا المبدأ هي ( لتكن إفادتك للمخاطب علي قدر حاجته، ولا تتعدي المطلوب) ومنها (لا تقل ما تعلم كذبه، لا تقل ما ليس لك عليه بينة) ومنها (لتحترز من الالتباس، ومن الإجمال) ومنها (ليناسب المقال المقام) ومنها ( تكلم بإيجاز، رتب كلامك) وجاء بعد هذا الفيلسوف الأمريكي عدد من المنظِّرين فنقدوا نظريته ولاحظوا ما وقع فيه من قصور فطوَّروها وكان مما أضاف عليه عدد من المناطقة والباحثين ما يلي (لا تفرض نفسك علي مخاطبك، لتجعل المخاطب يختار بنفسه)بحيث تتجنب عبارات من جنس (يجب عليك كذا..)، ومن تلك القواعد (لتُظهِر الودَّ للمخاطب)ومنها (قلل من الكلام غير المؤدب، أكثر من الكلام المؤدب) ( قلل من خسارة الغير، أكثر من ربح الغير) وتسمي قاعدة اللباقة، وقاعدة الاستحسان تقول ( قلل من ذم الغير، أكثر من مدح الغير) وقاعدة التواضع تقول (قلل من مدح الذات) وقاعدة الاتفاق ( قلل من اختلاف الذات والغير، أكثر من اتفاق الذات والغير) وقاعدة التعاطف ( قلل من تنافر الذات والغير، أكثر من تعاطف الذات والغير) كل تلك القواعد انتجها باحثون في المجال الغربي التداولي ولا تخلو من نقاط تناسب مجالنا العربي وأخري أقل مناسبة، لهذا يلزمنا تطوير قواعد تخاطبية وتناظرية تتناسب مع مجالنا وسياقنا ومسلماتنا الأخلاقية والتداولية، وقد عمل النُّظار القدامى في التراث الإسلامي علي انجازات هائلة ومحل تقدير في هذا الخصوص، وأشهر مبدأ في التراث العربي هو مبدأ “التصديق”، وصيغته (لا تقل لغيرك قولا لا يُصدُّقه فعلك)، فلزوم العمل للعلم هو القاعدة الأساسية في لتراث الإسلامي، وكذلك ورد في كتاب الماوردي (أدب الدنيا والدين) جملة من القواعد التبليغية مثل(يجب أن يكون للكلام داع يدعو إليه مثل جلب النفع أو دفع الضرر، ليقتصر الكلام علي قدر الحاجة، تخير اللفظ المناسب) ويمكن ملاحظة بعض الشبه مع قواعد التداوليين المعاصرين السابق ذكرها.

ومن القواعد التهذيبية يمكننا الظفر بجملة منها لدي الغزالي في الإحياء مثل ( تفقد قصدك في كل قول تلقي به علي الغير، كن صادقا فيما تنقله لغيرك، تودد إلي غيرك وجرّد هذا التودد عن الأغراض) ( للاستزادة والتفصيل راجع كتاب اللسان والميزان لطه عبدالرحمن).

وثمة أمر أخر يتضمنه مبدأ الحوار، (بين عارض ،معرض) حيث أن تبادل هذين المقامين بينهما بكل إنصاف وعدل يتضمن اعترافا بينهما، يتضمن الإقرار بالوجود، والإقرار بحق الرأي وحق القول وواجب الإنصات، وهي حقوق قائمة لهما ولازمة عليهما في آن واحد، هذا الاعتراف بالوجود والإقرار بما يترتب عليه من حقوق و هو ضرورة يحتاجها الأفراد والجماعات في المجتمع الواحد، وفشل الحوار هو فشل لإشباع هذه الحاجات، حيث يحل التجاهل والنسيان والنفي محلها، ومعروف أن أفات التجاهل والنسيان قد تكون أشد ضررا علي الإنسان من اللوم، بل ومن العقوبة أحيانا، وهو ما يفسر لجوء البعض حتي لما قد يوقع عليه العقوبة لمجرد أن يجد من يعترف به ويسمع صوته ويجعله منظورا إليه، “الإحساس بالتفاهة يشبه تسديد ضربة قاتلة، وقد قيل ” أن لا يملك المرء صديقا ولا عدوا إن هذا لهو الجحيم يكابد لأواء العدم”.

وأخيرا ولكي يتم استثمار الحوار والتواصل معرفيا واجتماعيا استثمارا ناجعا فلا بد من تربية اجتماعية تبدأ من المراحل المبكرة للإنسان، ومن هنا اقترح علي وزير التعليم التفكير الجدِّي بجعل منهج الحوار والمناظرة مادة أساسية في كل فصول المرحلة الابتدائية تعمِّق فيهم منهج الحوار والمناظرة وآدابها، فإن هذا سيكون له أبلغ الأثار في بناء الإنسان وما يترتب عليه علميا وفكريا واجتماعيا.

نقلا عن موقع “إيوان 24”.

هل الجدال حرب؟… سليمان الناصر

هل الجدال حرب؟ محاولة في تصويب مقاصد التجادل وتحسين وسائله

بقلم: سليمان الناصر

في كتابه “الاستعارات التي نحيا بها” عمل جورج لايكوف -وزميله جونسون- على تحليل علاقة الاستعارة بالتفكير الإنساني، أوضح في ثنايا التحليل كيف أن الاستعارة ليست مجرد أسلوب ضروري في اللغة، بل هي تركيب بنيوي في جهاز التصور والتفكير لدينا نحن البشر، فالإنسان مفطور على أن يفكر بشكل استعاري وأن تتحكم في أفكاره وسلوكه تلك الاستعارات التي تملأ فكره ولغته عن العالم من حوله، هذا سلوك لا يستطيع الإنسان الانفكاك منه في تفكيره ولغته وتواصله.

ومن أطرف الأمثلة التي علّق عليها المؤلفان هي استعارة (الجدال حرب) وشرحا كيف أنها تُبنْيِن تصوراتنا ونشاطنا اليومي، كشفا ذلك عبر عدد من التعابير التي نستعملها يوميا في وصف الحوارت والسجالات:

١- لا يمكن الدفاع عن فكرتك

٢- هاجم نقاط قوته

٢- أصاب كلامه الهدف

٤- هدمتُ حجته

٥- انتصرت عليه في النقاش

٦- أسقطتُ كل براهينه

إلخ (ولدينا تعابير شعبية متفشية بيننا تأتي في نفس السياق مثل “في وسط الجبهة” حيث نستعمل هذا الجملة الشعبية للتعبير عن الردود المحرجة في النقاشات).

لنلاحظ أن هناك فرق بين وجود نظام الاستعارة في نسق نظامنا التصوري وبين مضمون هذه الاستعارة، فنظام الاستعارة هو الجانب الصوري من العمل الاستعاري، بينما مضمونها هو المحتوى والقيمة التي تعبر عنه الاستعارة، لذلك يتساءل لايكوف: ماذا لو وجدنا مجموعة بشرية لديها استعارة جدالية أخرى “هب أن هناك ثقافة لا يُنظر فيها إلى الجدال بعبارات الحرب، حيث لا يوجد مهزوم ولا منتصر، وحيث لا معنى للهجوم والدفاع أو ربح المواقع وخسارتها”.

ويقترح نموذجا متخيلا، “لنتخيل ثقافة يُنظر فيها للجدال باعتباره رقصة، والمتجادلان ممثلان هدفهما إنجاز الرقصة ببراعة وأناقة” سيُبني على هذا الاختلاف الاستعاري ممارسات وتعابير مختلفة جذريا، لغة المعركة تختلف عن لغة الرقص. يبدو لايكوف يائسا من إمكان قبول هذا الاختلاف في استعارة الجدال، رغم إقراره أن مضمون الاستعارة ليس بنيويا فهو قابل للتغيير.

حسنا، ماذا لو قلنا: الجدال شِعر، أو الجدال فن، أو كتابة، أو رسم، أو أي شئ آخر يتعلق بالجماليات، لنلاحظ كيف أن القران قال عن الجدال: (ولا تجادلوا أهل الكتاب الا بالتي هي أحسن)، فالتعبير بـ (أحسن) يُحيل إلى المجال الجمالي، حيث (الحُسن) وصفٌ جمالي، فالقرآن يجعل الأفق الجمالي أفقا أعلى ينفتح عليه الأفق الأخلاقي، بحيث أن الأخلاقيات تتحول إلى جماليات عليا، ويمكن اعتبار (الحُسن) في التجادل كما حث عليه القران يتناول ثلاث مستويات، هي على التراتب: الأفق المنطقي ويقصد بالحُسن هنا هو الصواب، ثم الأفق الأخلاقي ويقصد به الأفضل، حيث يتم الالتزام بأخلاقيات الحوار المعروفة في أصول الحوار، ثم المستوى الثالث وهو الحسن الجمالي. فالقران الكريم يدعو إلى استعارات تجادلية تبدأ من مستوى الإصابة وتنتهي بالجمالية مرورا بالأخلاقية.

وهنا يتضح لنا -نحن منتهجوا الحوار والنقاش والتجادل- أن إعادة النظر والتفكير بآليات السجال والنقاش في مواقع التواصل أمرٌ لا بد منه بشكل مستمر، فغالب نوايا المتحاورين خيِّرة ونبيلة، لكن المقاصد وحدها ليست كفاية لإنجاز المقاصد؛ بل إن نجوع الوسائل وصحتها شرط أساس لإعطاء نتائج صحيحة ومفيدة.

الجدال ليس حربا، بل هو حوار، استعداد دائم للرجوع، النقاش شعر يحتاج إلى إصغاء، ورسم يحتاج إلى إنعام البصر، والحوار كتابة تحتاج إلى قراءة وتأمل، والجدال تعارف أي تعاون على المعروف.

الجدال فَتْلٌ، المتحاوران يفتلان الفكرة كما تُفتل الحبال، هو تأليف وجمع لا تفريق وطرح، فهما شريكان في نتيجة الحوار، يجب أن نحفظ إنسانيتنا من الحروب التي تحتل عالمنا ولغتنا وتفكيرنا نحن البشر، وتسللت إلى أساليب تواصلنا الإنسانية، فيكاد هذا العالم الحديث أن يجعل الحربَ تعريفا مرادفا للحياة، بحيث لا نتعامل مع الحياة ومع السعي فيها إلا عبر مفاهيم وصياغات تجعل العلاقةَ مع العالم وفي العالم علاقة حرب ومواجهة.

نقلا عن موقع “إيوان 24”.

بابا نويل: أبيض ..أسود ..أم بطريق!

نقاش طريف ومهم يدور هذه الأيام في الولايات المتحدة الأمريكية حول العرق الذي ينتمي له “بابا نويل” أو لون بشرته. بعد أن كتبت إحدى المدونات تدوينة تعبر فيها عن رفضها أن يكون بابا نويل “رجل أبيض” وتطالب بأن يتم اسخدام “بطريق” بدلا عن العجوز الأبيض جالب الهدايا في أعياد الميلاد المسيحية.

المدونة ساقت عدة دعائم لرأيها. كتبت على سبيل المثال أنها في طفولتها كانت ترى بابا نويل أبيض في الطرقات والأسواق وكل الأماكن التي تحبها، حتى أنها كانت تراه على هذه الهيئة في بعض بيوت الأمريكيين السود، بينما تجد بابا نويل أسود في بيتها، شخص يشبهها، ويبدوا أقرب إليها. تقول المدونة أنها عندما سألت ولدها عن شكل بابا نويل الحقيقي، هل هو الأسود الذي تراه في بيتها، أم الأبيض الذي يظهر في الإعلام والأسواق والاحتفالات العامة ..الخ. أجابها بأنه بابا نويل يكون بأي لون. لكنها عبرت عن إلتباس هذا الأمر عليها.

حقيقة قد يبدوا الحوار لأول وهلة تافها، لكنه ليس كذلك على الإطلاق، بل هو ينطلق من رؤية الأمة الأمريكية نفسها كأمة بيضاء مسيحية إنجلوسكسونية أو متعددة الأعراق والثقافات والأديان. تأتي هذه الأطروحة انطلاقا من هذا التساؤل حول الهوية الأمريكية التي تتجدد باستمرار خاصة بعد انتخاب الرئيس أوباما كأول رئيس أمريكي أسود.

قرأت أحد الردود على هذه التدوينة، وكان مليئ بالتعيقات العنصرية ضد السود، والصور النمطية عنهم، ووصفهم بأنهم يفضلون العيش على برامج الرفاه الاجتماعي بدلا عن العمل بجد لاكتساب رزقهم لذا يفضلون للحزب الذي يدعم هذه البرامج المجانية “الحزب الديقراطي حسب الكاتب”.

أظن الاطلاع على مثل هذه النقاشات مهم، لنقارنها مع الكيفية التي يتم من خلالها تصوير الأعراق الأخرى في الإعلام السعودي، وكيف يتم التعامل مع العمالة على سبيل المثال، أو كيف يتعامل الإعلام مع الثقافات المحلية التي لا تظهر بشكل طبيعي في الإعلام، كثقافة فيفاء أو المهرة، والتي يتم التعامل معها بكثير من الأحايين في خانة “التقارير عن الغرائبيات”.

 blacksantaروابط باللغة الإنجليزية للتدوينة والمقال والمشار إليها أعلاه:

Santa Claus Should Not Be a White Man Anymore by Aisha Harris

Santa Claus Black or White? Why it Matters by Graham J Noble

قمع المتظاهرين السلميين في “الأحد الدامي”

يظهر فيلم “الأحد الدامي” أو” Bloody Sunday” طرق العسكر في قمع المظاهرات والمطالب السلمية، وكيف يستغل المتطرفون الراديكاليون هذا القمع لصالح حراك عنيف ودموي. الفيلم مقتبس من أحداث المذبحة التي ارتكبها البريطانيون ضد الإيرلنديين في يناير 1972م. حيث تم قمع إحدى المظاهرات وقتل قرابة 13 محتج عند معارضتهم قانون الاعتقال التعسفي الذي أقرته السلطات آنذاك.

بعد قمع هذه المظاهرة خاب أمل الكثيرين بالتغيير بشكل سلمي في إيرلندا، فبادروا إلى الانضمام إلى الجيش الجمهوري الإيرلندي والذي ينتهج نهجا دمويا من أجل تحقيق مطالبه بتحرير إيرلندا وطرد الإنجليز. حيث بدأ أفراد الجيش الجمهوري الإيرلندي بالمزايدة على الأخرين بأن طرقهم السلمية لتحقيق التغيير لم تنتج إلا عنف السلطة ضد الشعب الإيرلندي، وقتل المتظاهرين الذين لم يستخدموا العنف، مما يعني أن العنف هو الطريق الوحيد لتحقيق التغيير.

يظهر الفيلم أن تفكير الجنود كان منصبا على شيء واحد فقط، وهو القمع. كيف يتم القضاء وتفرقة المحتجين، دون التفكير في سبب خروج هؤلاء وما هي مطالباتهم. كما يظهر الفيلم رعونة العسكر ومبادرتهم إلى القتل. إذ مارس الجيش البريطاني في الفيلم القمع والقتل، وقام بفبركة الأدلة ضد المتظاهرين الجرحى من خلال دس قنابل وأسلحة في ملابسهم.

يبين الفيلم كيف يمكن للعنف أن يكون مبررا لعنف أكبر وأوسع، وكيف يتشابه التفكير القمعي من خلال فبركة الأدلة وملاحقة الناشطين والتشهير بهم وقمعهم ..الخ. هذا التشابه بين الفيلم وبين ما يحدث يوميا في كثير من الدول حول العالم أمر مثير للدهشة والانتباه.

bloody_sundayصورة لمظاهرات الأحد الدامي

الاستشراق بعيون إدوارد سعيد

ما زال كتاب إدوارد سعيد “الاستشراق” والذي صدر سنة 1978م  يمثل سلطة في مجاله لا يمكن الفكاك منها. لا تكاد أن تجد دراسة أو كتاب يتناول صورة الشرق في الغرب إلا ويشير إلى كتاب إدوارد سعيد. موافقا لما فيه، أو معترضا عليه. إدوارد سعيد الذي كتب لاحقا في التسعينيات أنه سبب اهتمامه بالموضوع جاء من تجربته كعربي فلسطيني يعيش في الولايات المتحدة ما زال مثار جدا، بعد أكثر من ثلاثة عقود على صدور الكتاب، والعقد عن وفاته.

هناك ثلاث نقاط أساسية في الكتاب لا يمكن تجاهلها، سألخصها هنا بشكل سريع.

النقطة الأولى: الغرب اخترع الشرق. فالاستشراق عبارة عن صورة متخيلة للشرق كتبت بأقلام أدباء ورحالة ورجال دولة. وهذه الكتابة جاءت بترسبات سابقة على الشرق، لا تعتمد على الملاحظة فقط، وإنما على فكرة مسبقة. وهذا الاختراع لم يكن بشكل عفوي ولكن بسبب تأثيرات.

النقطة الثانية توضح هذه التأثيرات، فأدبيات الاستشراق كتبت تحت تأثيرات سياسية مباشرة أو غير مباشرة. مباشرة عندما يكون كتابها يعملون كموظفين في الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية أو البريطانية أو الامريكية كما في الاستشراق الحديث. وغير مباشر عندما يكتب الأدب، شعرا ورواية وغيرها، تحت تأثير حالة الهيمنة والاستعمار الأوروبي للشرق، حيث يظهر هذا الأدب متشبعا بحالة الهيمنة والقوى والسيطرة.

النقطة الثالثة: أن هناك قطيعة بين هذا الغرب والشرق. فكل ما هو شرقي نقيض لما هو غربي. الغرب يمثل العقلانية والتفوق والتسامح، بينما يمثل الشرق البربرية والوضاعة والتخلف.

أخيرا، ليس الشرق متخيلا فقط بحسب رؤية إدوارد سعيد للاستشراق، بل الغرب كذلك متخيلا بصورة ما. فالاستشراق كما حدد صورة الشرق، حدد صورة الغرب، كالنقيض لهذا الشرق، وفي ذات الوقت، مثل الشرق “الأخر” الذي يحدد للغرب هويته.

 0d269_idward-saeed

إدوارد سعيد