الحوار مرة أخرى … سليمان الناصر

الحوار مرة أخرى

بقلم: سيلمان الناصر

يمكن فهم “الحوار” من خلال أصله اللغوي، فالحوار أصله (الحور) أي الرجوع، فبأي معنى يكون الحوار رجوعا!؟ يمكن أن نلاحظ الرجوع في الحوار بمعنيين

أحدهما أنه بمعنى الرجوع والمراجعة بين السائل والمجيب، حيث كلا المتحاورين له مقام يكون فيه سائلا ومقام أخر يكون فيه مجيبا، فهذا التناوب والمراجعة بينهما في مقاميهما هو رجوع مستمر، وفي الأصل “لا كلام إلا بين إثنين، ولا إثنين إلا عارض ومعترض، ولا عارض إلا بدليل، ولا معترض إلا لطلب الصواب، ولا “صواب إلا بجملة من القواعد

وهذا هو المعنى الأخر وهو الرجوع للصواب إذا ظهر بين المتحاورين، وكأن الدخول في الحوار هو تعاقد على الاستعداد المستمر حال الحوار للرجوع للصواب لأنه هو مسوغ الدخول في الحوار أساسا، فالعلاقة التي تم إنشاؤها بين المتحاورين هي علاقة تقابلية -عارض ومعترض- تتضمن مسؤولية سؤالية ومسؤولية جوابية، يجب عليهما القيام بمسؤولية السؤال والإجابة، وهي علاقة نقاشية قائمة علي التناظر وبالتالي تتجنب القهر والإرغام – وإلا لأنتفي معني الحوار والتناظر-وهذا البعد النقاشي يؤكد الانفتاح المستمر علي التراجع والرجوع إذا تأكدت مسوغاته، وها هنا نحتاج التوقف برهة لتناول نقطة تتأكد أهميتها باستمرار في الحوارات المشاهدة في الواقع، حيث يعتقد بعض المتحاورين إن الإقناع يقوم علي مجرد ذكر الحجج بدون مراعاة شروط عملية تحتف بالمناظرة وتؤثر علي الإقناع والاقتناع، فالإنسان ليس برنامجا آليا مجردا يمكنه معالجة البينات المدخلة بطريقة حسابية ومن ثم يخرج بنتائج تلك المعالجات، بل الإنسان كائن تختلط أبعاده الوجدانية والعقلانية والمادية وتتداخل وتعمل مع بعضها في وقت واحد ويؤثر بعضها علي بعض، والظن أن الإنسان يجب عليه استقبال المعلومات باعتبارها “وقائع مجردة” بات محل مراجعات كبيرة منذ عقود، فالتحيزات تعيق فكرة الفصل بين الذات والموضوع، وهناك مراجعات هائلة في دعاوي “الفصل بين القيمة والواقعة”، بحيث أن قيمنا التي تكوِّن “رؤيتنا للعالم” توثر في تعريفنا للوقائع وتحديدنا لها، وحتي في حقل الدراسات العصبية التي أعادت التفكير ببعض المسلمات القديمة مثل المسلمة الديكارتية القائلة بالفصل بين العواطف والعقل، وأصبح التسليم بالتأثر والتأثير المتبادلين بين الوجدان والعقل (الوعي)محل قبول وتسليم.

كل هذه المراجعات تشير إلي ضرورة تجاوز التعامل مع أساليب الحوار ومناهج المناظرة وكأنها مجرد أداب ليس أكثر، بينما أضحت دراسات “الحجاجيات الجديدة” و” البلاغيات الجديدة” تكشف الدور البالغ للانضباط بمناهج الحوار والمناظرة وأثرهما علي فهم الحجة وتبليغها، حيث الحوار علاقة تخاطبية، والتخاطب -إجمالا- إلقاء جانبين لأقوال بغرض إفهام كل منهما للأخر مقصودا معينا، هذه الأقوال لا تنفك عن أفعال يأتي بها المتجاوران لحث الأخر علي العمل وفق هذه المقاصد، حيث العمل هو سِمة من سِمات الحوار، فيكون التبليغ والتهذيب هما الغرض من الدخول في علاقة تخاطبية، وقد توسعت المباحث اللغوية الحديثة (التداوليات ،منطق الحجاج) في تحديد هذه القواعد الضابطة للحوار توسعا كبيرا، ولا يمكن الإلمام بتلك القواعد في هذه المقام إلا علي سبيل الإشارة، فأشهر تلك المبادئ هو مبدأ ”التعاون” المعروف عن الفيلسوف التداولي “بول غرايس” ومن أشهر قواعد هذا المبدأ هي ( لتكن إفادتك للمخاطب علي قدر حاجته، ولا تتعدي المطلوب) ومنها (لا تقل ما تعلم كذبه، لا تقل ما ليس لك عليه بينة) ومنها (لتحترز من الالتباس، ومن الإجمال) ومنها (ليناسب المقال المقام) ومنها ( تكلم بإيجاز، رتب كلامك) وجاء بعد هذا الفيلسوف الأمريكي عدد من المنظِّرين فنقدوا نظريته ولاحظوا ما وقع فيه من قصور فطوَّروها وكان مما أضاف عليه عدد من المناطقة والباحثين ما يلي (لا تفرض نفسك علي مخاطبك، لتجعل المخاطب يختار بنفسه)بحيث تتجنب عبارات من جنس (يجب عليك كذا..)، ومن تلك القواعد (لتُظهِر الودَّ للمخاطب)ومنها (قلل من الكلام غير المؤدب، أكثر من الكلام المؤدب) ( قلل من خسارة الغير، أكثر من ربح الغير) وتسمي قاعدة اللباقة، وقاعدة الاستحسان تقول ( قلل من ذم الغير، أكثر من مدح الغير) وقاعدة التواضع تقول (قلل من مدح الذات) وقاعدة الاتفاق ( قلل من اختلاف الذات والغير، أكثر من اتفاق الذات والغير) وقاعدة التعاطف ( قلل من تنافر الذات والغير، أكثر من تعاطف الذات والغير) كل تلك القواعد انتجها باحثون في المجال الغربي التداولي ولا تخلو من نقاط تناسب مجالنا العربي وأخري أقل مناسبة، لهذا يلزمنا تطوير قواعد تخاطبية وتناظرية تتناسب مع مجالنا وسياقنا ومسلماتنا الأخلاقية والتداولية، وقد عمل النُّظار القدامى في التراث الإسلامي علي انجازات هائلة ومحل تقدير في هذا الخصوص، وأشهر مبدأ في التراث العربي هو مبدأ “التصديق”، وصيغته (لا تقل لغيرك قولا لا يُصدُّقه فعلك)، فلزوم العمل للعلم هو القاعدة الأساسية في لتراث الإسلامي، وكذلك ورد في كتاب الماوردي (أدب الدنيا والدين) جملة من القواعد التبليغية مثل(يجب أن يكون للكلام داع يدعو إليه مثل جلب النفع أو دفع الضرر، ليقتصر الكلام علي قدر الحاجة، تخير اللفظ المناسب) ويمكن ملاحظة بعض الشبه مع قواعد التداوليين المعاصرين السابق ذكرها.

ومن القواعد التهذيبية يمكننا الظفر بجملة منها لدي الغزالي في الإحياء مثل ( تفقد قصدك في كل قول تلقي به علي الغير، كن صادقا فيما تنقله لغيرك، تودد إلي غيرك وجرّد هذا التودد عن الأغراض) ( للاستزادة والتفصيل راجع كتاب اللسان والميزان لطه عبدالرحمن).

وثمة أمر أخر يتضمنه مبدأ الحوار، (بين عارض ،معرض) حيث أن تبادل هذين المقامين بينهما بكل إنصاف وعدل يتضمن اعترافا بينهما، يتضمن الإقرار بالوجود، والإقرار بحق الرأي وحق القول وواجب الإنصات، وهي حقوق قائمة لهما ولازمة عليهما في آن واحد، هذا الاعتراف بالوجود والإقرار بما يترتب عليه من حقوق و هو ضرورة يحتاجها الأفراد والجماعات في المجتمع الواحد، وفشل الحوار هو فشل لإشباع هذه الحاجات، حيث يحل التجاهل والنسيان والنفي محلها، ومعروف أن أفات التجاهل والنسيان قد تكون أشد ضررا علي الإنسان من اللوم، بل ومن العقوبة أحيانا، وهو ما يفسر لجوء البعض حتي لما قد يوقع عليه العقوبة لمجرد أن يجد من يعترف به ويسمع صوته ويجعله منظورا إليه، “الإحساس بالتفاهة يشبه تسديد ضربة قاتلة، وقد قيل ” أن لا يملك المرء صديقا ولا عدوا إن هذا لهو الجحيم يكابد لأواء العدم”.

وأخيرا ولكي يتم استثمار الحوار والتواصل معرفيا واجتماعيا استثمارا ناجعا فلا بد من تربية اجتماعية تبدأ من المراحل المبكرة للإنسان، ومن هنا اقترح علي وزير التعليم التفكير الجدِّي بجعل منهج الحوار والمناظرة مادة أساسية في كل فصول المرحلة الابتدائية تعمِّق فيهم منهج الحوار والمناظرة وآدابها، فإن هذا سيكون له أبلغ الأثار في بناء الإنسان وما يترتب عليه علميا وفكريا واجتماعيا.

نقلا عن موقع “إيوان 24”.

هل الجدال حرب؟… سليمان الناصر

هل الجدال حرب؟ محاولة في تصويب مقاصد التجادل وتحسين وسائله

بقلم: سليمان الناصر

في كتابه “الاستعارات التي نحيا بها” عمل جورج لايكوف -وزميله جونسون- على تحليل علاقة الاستعارة بالتفكير الإنساني، أوضح في ثنايا التحليل كيف أن الاستعارة ليست مجرد أسلوب ضروري في اللغة، بل هي تركيب بنيوي في جهاز التصور والتفكير لدينا نحن البشر، فالإنسان مفطور على أن يفكر بشكل استعاري وأن تتحكم في أفكاره وسلوكه تلك الاستعارات التي تملأ فكره ولغته عن العالم من حوله، هذا سلوك لا يستطيع الإنسان الانفكاك منه في تفكيره ولغته وتواصله.

ومن أطرف الأمثلة التي علّق عليها المؤلفان هي استعارة (الجدال حرب) وشرحا كيف أنها تُبنْيِن تصوراتنا ونشاطنا اليومي، كشفا ذلك عبر عدد من التعابير التي نستعملها يوميا في وصف الحوارت والسجالات:

١- لا يمكن الدفاع عن فكرتك

٢- هاجم نقاط قوته

٢- أصاب كلامه الهدف

٤- هدمتُ حجته

٥- انتصرت عليه في النقاش

٦- أسقطتُ كل براهينه

إلخ (ولدينا تعابير شعبية متفشية بيننا تأتي في نفس السياق مثل “في وسط الجبهة” حيث نستعمل هذا الجملة الشعبية للتعبير عن الردود المحرجة في النقاشات).

لنلاحظ أن هناك فرق بين وجود نظام الاستعارة في نسق نظامنا التصوري وبين مضمون هذه الاستعارة، فنظام الاستعارة هو الجانب الصوري من العمل الاستعاري، بينما مضمونها هو المحتوى والقيمة التي تعبر عنه الاستعارة، لذلك يتساءل لايكوف: ماذا لو وجدنا مجموعة بشرية لديها استعارة جدالية أخرى “هب أن هناك ثقافة لا يُنظر فيها إلى الجدال بعبارات الحرب، حيث لا يوجد مهزوم ولا منتصر، وحيث لا معنى للهجوم والدفاع أو ربح المواقع وخسارتها”.

ويقترح نموذجا متخيلا، “لنتخيل ثقافة يُنظر فيها للجدال باعتباره رقصة، والمتجادلان ممثلان هدفهما إنجاز الرقصة ببراعة وأناقة” سيُبني على هذا الاختلاف الاستعاري ممارسات وتعابير مختلفة جذريا، لغة المعركة تختلف عن لغة الرقص. يبدو لايكوف يائسا من إمكان قبول هذا الاختلاف في استعارة الجدال، رغم إقراره أن مضمون الاستعارة ليس بنيويا فهو قابل للتغيير.

حسنا، ماذا لو قلنا: الجدال شِعر، أو الجدال فن، أو كتابة، أو رسم، أو أي شئ آخر يتعلق بالجماليات، لنلاحظ كيف أن القران قال عن الجدال: (ولا تجادلوا أهل الكتاب الا بالتي هي أحسن)، فالتعبير بـ (أحسن) يُحيل إلى المجال الجمالي، حيث (الحُسن) وصفٌ جمالي، فالقرآن يجعل الأفق الجمالي أفقا أعلى ينفتح عليه الأفق الأخلاقي، بحيث أن الأخلاقيات تتحول إلى جماليات عليا، ويمكن اعتبار (الحُسن) في التجادل كما حث عليه القران يتناول ثلاث مستويات، هي على التراتب: الأفق المنطقي ويقصد بالحُسن هنا هو الصواب، ثم الأفق الأخلاقي ويقصد به الأفضل، حيث يتم الالتزام بأخلاقيات الحوار المعروفة في أصول الحوار، ثم المستوى الثالث وهو الحسن الجمالي. فالقران الكريم يدعو إلى استعارات تجادلية تبدأ من مستوى الإصابة وتنتهي بالجمالية مرورا بالأخلاقية.

وهنا يتضح لنا -نحن منتهجوا الحوار والنقاش والتجادل- أن إعادة النظر والتفكير بآليات السجال والنقاش في مواقع التواصل أمرٌ لا بد منه بشكل مستمر، فغالب نوايا المتحاورين خيِّرة ونبيلة، لكن المقاصد وحدها ليست كفاية لإنجاز المقاصد؛ بل إن نجوع الوسائل وصحتها شرط أساس لإعطاء نتائج صحيحة ومفيدة.

الجدال ليس حربا، بل هو حوار، استعداد دائم للرجوع، النقاش شعر يحتاج إلى إصغاء، ورسم يحتاج إلى إنعام البصر، والحوار كتابة تحتاج إلى قراءة وتأمل، والجدال تعارف أي تعاون على المعروف.

الجدال فَتْلٌ، المتحاوران يفتلان الفكرة كما تُفتل الحبال، هو تأليف وجمع لا تفريق وطرح، فهما شريكان في نتيجة الحوار، يجب أن نحفظ إنسانيتنا من الحروب التي تحتل عالمنا ولغتنا وتفكيرنا نحن البشر، وتسللت إلى أساليب تواصلنا الإنسانية، فيكاد هذا العالم الحديث أن يجعل الحربَ تعريفا مرادفا للحياة، بحيث لا نتعامل مع الحياة ومع السعي فيها إلا عبر مفاهيم وصياغات تجعل العلاقةَ مع العالم وفي العالم علاقة حرب ومواجهة.

نقلا عن موقع “إيوان 24”.

خواطر حول الكتابة في زمن الحرب

تصعب الكتابة في زمن الحرب. خاصة في بداياتها وذروتها، قبل أن ينقسم الناس حولها إن طالت وملتها الجماهير، أو غيرت حياتهم اليومية، أو بدأت تنزفهم خسائر.

لن يغير الناس رأيهم بالحرب وهم يشاهدونها في التلفاز، لن تتغير نظرتهم لها إن لم تمسهم شخصيا.

الحرب – أي حرب – فعل اضطرار لا يحتمل التصفيق “لا تتمنوا لقاء العدو”. لذا من المرعب أن تجد من الناس من يفرح بالحرب ويهتف لها، وهذا مختلف تماما عن تقبلها أو الدفاع عنها أو الدعوة لخوضها أو القتال على جبهاتها. قد تبرر حرب سياسيا وأنت كاره، بل لا أظن الإنسان يقبل على القتل إلا كارها لهذا ومضطرا إليه. لهذا يبدو فعل الابتهاج والفخر بالحرب أمر غامض، وغير مفهوم.

أصعب ما يواجه الإنسان في زمن الحرب عدم قدرته على النقد. وهذا يجعل الفضاء مفتوح للهتاف فقط، فمن ينتقد الحرب سوف يخوّن وتدهسه جماهير غفيرة، أو يلاحق ممن يخوض الحرب ويقمع باسمها، حتى وإن كان من ناحية المبدأ مؤيدا لها. فلا مجال في زمان القتال إلا للدعم الكامل للمقاتلين دون شروط، أو تحمل لعناتهم. وهنا لن يقدم على انتقاد الحرب إلا من يرفضها كلية، أما من يريد أن ينتقد تفاصيلها، فسوف يحجم؛ وحده من يملك موقفا متطرفا سوف يتحمل لعنات الأخرين بسبب مواقفه. فلا مجال هنا لأي رؤية نقدية وأنصاف الحلول.

أما انتقاد الحرب كلية فأمر معقد. منذ إيمانويل كانت وحتى هوارد زن كانت هناك حالمين بأن تنتهي الحرب يوما ما، ويعم السلام هذا العالم. من الصعب أن تناقش فكرة رفض الحرب كلية، أو تدافع عنها، بسبب واقع الحياة اليومية، وتاريخ البشر. هناك حروب تُفرض على أشد دعاة السلام حماسة، وتثبت الأيام دائما أن السلام يحدث نتيجة للخوف من الحرب، لا نتيجة لانعدام فرص حدوثها.

 إذا كان رفض الحرب كلية مجرد وهم، وربما فعل هروب، فالنقاش عن الحرب سيتحول إلى نقاش سياسي-أخلاقي لوقائع بعينها. وهنا أذكر “أخلاقي” لا من باب فصل الأخلاق عن السياسية، لكن لأن كلمة “سياسة” عندما تفرد غالبا ما يتخيل الإنسان أمر بلا أخلاق. أنا أكتبها هنا “سياسي-أخلاقي” تأكيد على تلازم الأمرين واتصالهم ببعضهم بصورة ما.

هل يمكن تبرير الحرب أخلاقيا؟ كالحديث عن حرب عادلة وأخرى غير عادلة؟

لا أدري. كلما قرأت مصطلح “حرب عادلة / غير عادلة” تبادر إلى ذهني سؤال واحد: عادلة بالنسبة إلى من؟ الحرب بالتعريف معركة بين أطراف متعددة، وبالتالي فالتضارب في رؤية الحرب والحكم عليها أمر معطى مقدما.

إذا كانت الحرب حديثا سياسيا-أخلاقيا فهنا ندخل إلى عالم ممتد من النظريات وتبريرها، والوقائع وتفسيرها. هذا يجعل الحديث التفصيلي عن الحرب، النظر للحرب بعين نقدية، واجب مضاعف. هنا قد يتحول الهتاف للحرب لعامل من عوامل خسارتها، إذا كان سيحجب أراء الأخرين فيها.

فمهما حدث، يجب أن يستمر النقاش والحوار. وهنا لا يكون النقاش إلا بين مختلفين إما نسبيا أو بشكل جذري، فلا فائدة للنقاش بين متفقين.

أنا أدين …

أنا أدين الاعتداء الدموي على صحيفة تشارلي إيبدو الفرنسية
أنا أشجب الإساءة لمقدسات البشر
أنا أدين خطف الأقباط في ليبيا
أنا أدين اعتداء “داعش” على الحدود السعودية
أنا أدين مقتل شرطيين مصريين في المنيا
أنا أدين الاعتداء على كلية الشرطة في صنعاء
أنا أشجب التدخل الفرنسي في مالي وساحل العاج
أنا أرفض انتهاك حقوق الإنسان في بورما أو ميانمار
أنا أشجب انتهاك حقوق البدون في الخليج
أنا أدين قتل المتظاهرين في مصر وهذا يشمل شارع محمد محمود وميدان رابعة العدوية ومجزرة المنصة والحرس الجمهوري وبور سعيد والاتحادية ..الخ الخ
أنا أشجب تمدد داعش في العراق وسوريا وقتلهم للأبرياء
أنا أدين المجازر المرتكبة من قبل الميلشيات الطائفية في العراق وسوريا
أنا أشجب تحالف إيران وحزب الله مع النظام السوري لقتل الشعب السوري وتصفية مطالبه المشروعة
أنا أرفض العدوان الصهيوني على الأراضي العربية
أنا أشجب الحصار المقام على قطاع غزة من قبل الكيان الصهيوني ومصر
أنا أرفض استمرار القمع ووالاستبداد والدولة الأمنية في كل الدول العربية
أنا أدين إرهاب المنظمات المتطرفة وإرهاب الدول ضد شعوبها
أنا ضد استخدام الولايات المتحدة للطائرات بلا طيار “الدرونز” لقتل الأبرياء في أفغانستان والباكستان واليمن وغيرها من البلدان بما يرقى إلى مستوى جرائم حرب
أنا أدين ألة التعذيب الأميركية اللاأخلاقية واعتقالها لأبرياء باسم محاربة الإرهاب
أنا أشجب استخدام العنف من قبل الشرطة الأميركية ضد السود وقمع مطالبهم المشروعة بتحقيق العدل
أنا أدين استهداف الأبرياء خطفا أو قتلا واعتداء لأغراض سياسية
أنا أرفض قمع حكومة جمهورية الصين الشعبية للأقليات
أنا أدين وبشدة اعتداء روسيا الآثم على دولة جورجيا، ثم أوكرانيا
أنا أندد بختان البنات في قارة أفريقيا
أنا أدين التدخلات الإيرانية والأميركية والفرنسية والبريطانية والروسية والتركية والأسترالية والكندية والألمانية والإيطالية والدنماركية والنرويجية والسويدية والآيسلندية في المنطقة العربية
————————————–
الآن وبعد ما وزعت كل هذا القدر من الإدانات والشجب والرفض .. هل من الممكن أن نفكر فيما حدث ونتناقش حوله؟

العروبة والديمقراطية: علاقة الانتماء القومي بالدولة الوطنية

لو تحدثنا عن الحالة السعودية، سنجد ألا تعارض بين الانتماء القومي العروبي من جهة، وبين الدفع باتجها الإصلاح السياسي الداخلي من جهة أخرى. فالإصلاح السياسي داخل الدولة من خلال بناء عقد اجتماعي بين الدولة والمواطنين قائم على مفاهيم المواطنة والديمقراطية والعدل الاجتماعي أمر مطلوب وله الأولوية، ويجب السعي باتجاهه ودعمه، شرط أن يتم هذا ضمن حل لمعضلة الانقسامات الطائفية والقبلية والمناطقية، فلا يتم تفضيل أسرة أو قبيلة أو طائفة لتتمتع بامتيازات أكثر من سواها. وهذا ما يبدو بأنه غير وارد لا من خلال التجربة التاريخية للدولة، ولا من خلال رؤية الطبقة السياسية المهيمنة على خيراتها حاليا، ولا حتى مقارنة بدول عربية أخرى حاولت تعزيز هوية قطرية وطنية فانتهت إلى تفتت النسيج الاجتماعي طائفيا وقبليا. أغلب من يطرح مسألة الهوية السعودية اليوم هو من اليمين الليبرالي المدافع عن الأوضاع القائمة، الذي لا يدعو إلى عقد اجتماعي بين الشعب والحاكم لبناء دولة ديمقراطية، بل يريد أن يخلق هوية سعودية من خلال مناهج التربية الوطنية في المدارس أو التأكيد على أهمية رقم السجل المدني، باستثناءات محدودة بالتأكيد، حيث هناك قلة من المنافحين عن الهوية الوطنية السعودية بالتوازي مع الحديث عن تحول ديمقراطي أو في إطار إصلاحي شامل.

أهمية الحديث عن الهوية العربية في هذا السياق هو كونها هوية جامعة تتعالى على الانقسامات الطائفية والقبلية والمناطقية، فالعروبة تجيب على سؤال الهوية السياسية للشعب، ليكون الاختلاف بينهم في ظل إطار مشترك هو الانتماء للأمة، يرى الفيلسوف الكندي ويل كميلكا في هذا الإطار أن بناء دولة مواطنة هو المنطقة الوسط بين الرؤية الليبرالية لحقوق الأفراد، والرؤية الجمعانية لمسأل الانتماء، يقول كميلكا ” البحث عن سبيل لتجاوز التعارض بين الفردانية الليبرالية والجماعتية وقبول المطالب المتعلقة بالعدالة الليبرالية وتلك المقترنة بالانتماء إلى جماعة. وقد كانت، بلا ريب، فكرة المواطنة الفكرة المرشحة لإنجاز هذا العمل. فهي حميمة الصلة بالأفكار الليبرالية حول الحقوق الفردية وحقوق الملكية من جهة، وبأفكار الجماعتية حول الانتماء إلى جماعة والتشبث به من جهة أخرى. فهي تمدنا إذن بمفهوم يجسّر الهوة بين الليبراليين والجماعتيين ويجعل الحوار بينهما ممكنا.”  ويتبنى هذه الرؤية كذلك عزمي بشارة بتنظيراته حول “دولة المواطنة” التي تجمع جميع المواطنين بحقوق متساوية بغض النظر عن أديانهم وعرقياتهم.

كما أن محاولة فرض أيديولوجيا قومية شمولية على الشعوب أمر محال كما حصل في العراق / سوريا إبان تجربة حزب البعث، والتي انتهت نهايات دموية الأولى باحتلال ثم حرب طائفية والأخرى بثورة سلمية ثم عسكرية ثم حروب بالوكالة وصراع أهلي.  فإن محاولة صنع هوية وطنية قائمة على التعاقد الاجتماعي بين شعب وحاكم، أمر محال إن كان يراد منه عزل الشعوب العربية عن محيطها، ففي الحالة العربية لا يمكن أن تصنع هوية وطنية كبديلة عن هوية الشعب العربية / الإسلامية. وفي التجربة الكويتية مثال واضح على هذا. حيث فشلت هذا التجربة في أمرين: عزل المواطن الكويتي عن محيطه العربي / الإسلامي من جهة، وخلق هوية وطنية قطرية تتعالى على الانقسامات الطائفية والقبلية محليا من جهة اخرى. يمكن أن ينجح هذا التعاقد ويقود إلى دولة تحقق قدر أكبر من العدل، لكن دون توهم أن بإمكانها أن تخلق بديلا عن هوية الشعب، العربية الإسلامية. وفي هذا السياق الحديث عن الإسلام كثقافة لا يمكن فكر ارتباطها بالهوية العربية.

التجربة الكويتية  

لعبت الكويت في فترة ما قبل الاحتلال العراقي دورا مهما في العالم العربي، حيث انطلقت من الكويت مشاريع تنموية وثقافية شملت دول عربية مختلفة، في فترة انتعاش ثقافي وسياسي محلية، لكن هذا تغير بعد الغزو العراقي. حيث حاولت الكويت الالتفات إلى شأنها الداخلي أكثر فأكثر، كأحد أهم تداعيات العدوان العراقي على الكويت، أهم ما حدث بعد تحرير الكويت أمرين: صياغة خطاب مغرق في المحلية، و إحياء التعاقد بين الدولة / الشعب من خلال إعادة فاعلية مجلس الأمة والذي كان قد تم تعليق عمله قبل الغزو العراقي بسنوات، حيث كانت الكويت تعاني من أزمة سياسية وأفق مسدود حاول صدام حسين استغلاله لصالحه ولكنه لم ينجح.

بماذا نجح الخطاب الوطني المحلي في الكويت وبماذا فشل ؟

نجح الخطاب الوطني بإغراق الكويتيين بمشاكلهم الخاصة، ستجد الحديث عن الصحة في الكويت، والإعلام في الكويت، وإشكاليات مجلس الأمة الكويتي أكثر حضورا في الصحف الكويتية، واهتمامات النخب فيها.  لكن فشل هذا الخطاب بأمرين بشكل واضح: فشل في حل الإشكال الطائفي، والتمايز القبلي، أو إشكالية “الكويتي الأصلي..ابن بطنها ..داخل السور / خارج السور..الخ ” فما زالت الهوية الطائفية والهوية القبلية أقوى من هوية وطنية مفترضة يراد صنعها، فالتصويت في مجلس الأمة على سبيل المثال يتم على أسس قبلية وطائفية بشكل أكبر منه على أسس برامج سياسية وطنية تتعالى على هذه الهويات الطائفية /القبلية. وما يعرف بالانتخابات الفرعية داخل القبائل والممنوعة قانونا مثال على أولوية الانتماء القبلي على الانتماء الوطني. هنا نحن نتحدث عن انتخابات بناء على هويات طائفية وقبلية صغرى مفتتة للنسيج الاجتماعي، لا بناء على مشاريع سياسية.

الأمر الأخر الذي فشل فيه الخطاب الكويتي الوطني، هو عزل المواطن الكويتي عن محيطه العربي والإسلامي، هذا المواطن وإن تم إغراقه بخطاب وطني محلي يريد أن يصنع هوية تميز الكويتي عن ماعداه، لم تستطع خلق هوية لا تجعل الكويتي امتدادا لهوية أكبر دينية أو قومية. ظهر هذا من خلال الاهتمام الكويتي بالربيع العربي، واستجابته لهذه الثورات من خلال المسيرات التي تهدف للإصلاح الداخلي كامتداد لحالة الربيع العربي، كما يظهر من خلال دعم الكويتيين للثورة السورية، وكون التجاذبات السياسية في البلدان العربية كالعراق ومصر وسوريا ولبنان تحولت إلى أزمات سياسية في الداخل الكويتي ترجمت لتراشقات طائفية، أو خلافات داخل مجلس الأمة الكويتي حول شئون تلك الدول.

الكويت فشلت في تكوين هوية قائمة بذاتها، منعزلة عن محيطها، لا تكون امتداد لهوية أوسع منها إسلامية / عربية، وهذا الفشل لأن خلق هوية ثقافية /سياسية من هذا النوع يبدو مستحيلا في السياق العربي، فالروابط الثقافية / السياسية بين الدول العربية أكبر مما تبدو عليه. وهذه هي الحقيقة التي أكدها الربيع العربي وترجم إلى ما يمكن اعتباره تحالف الشعوب العربية ضد الاستبداد، وتحالف الحكومات العربية ضد حق هذه الشعوب، من أجل استقرار أنظمتها السياسية، حيث أثرت تحركات الشعوب العربية في بعضها، كما أثرت التغيرات السياسية في الأنظمة العربية على بعضها البعض.

في الأفق السعودي  

مثال الكويت جاء لتوضيح هذه المسألة، يجب الانخراط في الإصلاح في السعودية، والدعوة إلى بناء دولة الحقوق والمؤسسات، والإصرار على بناء دولة تعاقدية تساوي بين جميع المواطنين، هذا المشروع لا يتعارض مع الحديث عن هوية قومية عربية لأسباب مختلفة، أبرزها أن الدولة تتبنى الهوية العربية أساسا، كما أن غالبية من ينتمي إلى الفكر العروبي في السعودية داعم للمشاريع الإصلاحية الوطنية كمشروع حسم. الانتماء القومي في هذا السياق يأتي في إطار حل لاشكال الهويات الانقسامية طائفية وقلبية ومناطقية، وقضايا أخرى ليس لهذا مجال بسطها، فما أريد الحديث عنه هنا فقط مسألة الهوية الوطنية والعروبة.

الانخراط في المشروع الوطني الإصلاحي يجب أن يتم دون توهم أن خلق هوية تعاقدية سعودية مرتبطة بالدولة قادر على فك ارتباط الشعب السعودية بمحيطه الإسلامي / العربي، فالهوية السعودية إن تم خلقها، فستكون هوية تعاقدية، هوية مواطنة قائمة على عقد اجتماعي، لا هوية ثقافية تستطيع عزل المواطن السعودي عن محيطه. لا يبدو بأنها قادرة على حل إشكالات الانقسامات الطائفية أو القبلية أو المناطقية، حتى أن الدولة في خطابها الوطني لا تحاول أن تبني شرعيتها لا على أساس إصلاح سياسي قائم على التعاقد مع الشعب كما في الحالة الكويتية، ولا على ممارسة حقيقية للمساواة بين المواطنين طائفيا وقبليا ومناطقيا، فالحديث عن مشاريع من هذا النوع جميل ورائع، لكن الدولة لم تتبنى هذه المشاريع حتى الآن، وبعض من يتحدث عن الهوية السعودية لا يطالب بها، بقدر ما يدعو إلى ترديد النشيد الوطني أو الاحتفال باليوم الوطني، وتدريس مادة التربية الوطنية في المدارس، ليتحول الحديث عن الهوية الوطنية مجرد كليشيهيات لا تعبر عن مضامين حقوقية وقانونية أو حل لمسألة تسيس الهويات الفرعية.

هذا الحديث يقود إلى حديث أخر، هل المشاريع القومية أساسا مشاريع ضد الهوية القطرية ؟ هل تريد تقويض الدولة العربية القائمة ؟ حقيقة الأمر أن هذه الدعوة قائمة على مغالطة، أن هناك مشروع عربي واحد.

مشروع قومي أم مشاريع قومية ؟  

لا يمكن اجتزاء مشروع قومي عربي واحد، وتعميم خطابه على كافة القوميين العرب، لا في الماضي ولا في الحاضر. وهذا ينتج عن جهل بتاريخ الحركات القومية وتنوعها ناصرية وبعثية وحركة القوميون العرب وغيرها واختلاف أفكار منظريها من جهة. وعدم إلمام بالأطروحات القومية الجديدة التي كتبها منظرون خلال العقديين الماضيين، من جهة أخرى، والتي تبنى روادها كالمحمد جابر الأنصاري ومحمد عابد الجابري وبرهان غليون وعزمي بشارة رؤى تعددية ديمقراطية. فقد تنوعت أفكار القوميين العرب وإن توافقوا على الهوية العربية كمنطلق والوحدة العربية كحلم. هنا سأشير إلى ميشيل عفلق وعزمي بشارة وسأفصل قليلا حول أطروحة ساطع الحصري، لأنني تحدثت عن أفكار ميشيل عفلق وحزب البعث في مقالات سابقة.

كان أبو خلدون ساطع الحصري يرى الأولوية في بث الاعتزاز بالهوية العربية وإحياء حلم الوحدة بين دولها، لذا لم يتحدث عن شكل الدولة “العربية الكبرى” المرتقبة أو تصوره لشكل الوحدة بين الدول العربية بقدر حديثه عن إصلاح التعليم العربي وبث الشعور القومي. كانت الأولوية في خطاب الحصري الحرص على وحدة العرب مهما كانت الظروف، حتى أنه كان يرى القبول بالوحدة حتى تحت الانتداب الفرنسي والبريطاني، كمرحلة تسبق التحرر الوطني، وهذا ما حدث فعليا فبعد انهيار دولة حلب تمت الوحدة بين حلب ووجبل الدروز وجبل العلويين ودمشق وتمت المناداة بالتحرر الكامل لكل تراب سوريا وطرد الانتداب الفرنسي من شخصيات سورية وطنية، وهذا ما سطره الحصري في كتابه “العروبة أولاً” حيث دعم هذا التوجه بشكل كامل.

يقول ساطع الحصري عن النظريات التي كانت تطرح حول لا وحدة بلا تحرر وطني، أو نظرية إبقاء التوازن بين الدول العربية  ” كان من حسن حظ الشعب السوري والأمة العربية أن أمثال هذه الأراء والنظريات – من نظرية (لا اتحاد قبل التحرر)، إلى دستور (إبقاء ما كان على ما كان) لم تستول على الأذهان، في تلك الأزمان”.

الموقف من الدولة القطرية  

في ذات السياق، ورغم هوى الحصري الهاشمي، إلا أنه وقف مدافعا عن توحيد الملك عبدالعزيز للمملكة، وهو دعم لدولة قطرية ملكية، فكان يرى أن القضاء على إمارات الجزيرة العربية المتناثرة تحت راية واحدة يسهل في النهاية توحد العرب. لذا فند مخاوف القوميين العرب تجاه الدولة الناشئة آنذاك، واعتبر أن حكمة الملك عبدالعزيز والملك فيصل الأول ساهمت في إذابة الجليد بين العراق والسعودية وتعزيز التعاون العربي. كتب الحصري ” لا شك أن الحركات التوحيدية التي قام بها الملك عبدالعزيز بن السعود، انتهت إلى أوضاع موافقة لمصلحة الأمة العربية”.

أما عن الهوية الوطنية، فيرى الحصري في نقاشه لأفكار وتساؤلات فتحي رضوان وأخرين حول “هوية المصريين” أنه لا تناقض بين الهوية القومية والهوية الوطنية. فيرى أن المجتمع يصبح متقدما كلما “كانت الجماعات التي يرتبط بها وينتسب إليها كل فرد من أفراده، كثيرة ومتنوعة”. لذلك لم ينفي الرابطة الوطنية أو يقف ضدها ابتداء. إذ يرى الحصري وجود رابطة مصرية وطنية “لا مجال للشك في أن هناك قضايا أقليمية ومحلية بحتة، تستلزم المعالجة كمسائل مصر وحدها” لكنه يرى أن السياسة العليا المصرية الخارجية يجب أن تبنى على أساس “العروبة أولاُ” بما يخدم مصر على المدى البعيد كجزء من الأمة العربية.

من هنا نجد عدة سمات لمشروع ساطع الحصري القومي، فهو متصالح مع الحكومات العربية وإن كان ينتقدها، إلا أنه ليس ضدها، ولا يسعى إلى تقويضها، بل كان يعول عليها أحيانا بالقيام بواجب توحيد، ومن ناحية أخرى، لا يرى الحصري تناقضا بين الهويات الوطنية وبين الهوية القومية، ولا يرى نفي الرابطة الوطنية، فيرى وجود خصوصيات وطنية بسياق ما، مع أهمية المصالح القومية للعرب كأمة. هذا التوازن خاضعة لتقدير المصالح والمفاسد والموازنة بين الأولويات الوطنية والقومية كأمر سياسي متغير بحسب الظروف والأوضاع.

مشاريع أخرى

على النقيض من الحصري، معالجة أوضاع العرب مختلفة لدى مشيل عفلق كما كتباها في أعماله الكاملة “في سبيل البعث”، وقد كنت قد ألمحت إليها في مقال سابق، يرى عفلق حلم الأمة يتجسد في بناء طليعة مؤمنة بالأفكار البعثية، تقوم بالاستيلاء على السلطة، وفرضها على المواطنين. من خلال تنظيره لفكرة “الانقلاب” ولا يقصد في هذا السياق انقلابا على السلطة فقط، بل يرى انقلابا في المفاهيم، فيرى أن على الدولة بناء المواطنين بشكل مبرمج وقسري وكشف التزييف الذي لحق وعيهم جراء خضوعهم لهيمنة استعمارية، ولحكومات فاسدة. يمكن اعتبار هذه الأفكار جذر للدولة الشمولية المتسلطة في العراق وسوريا إبان حكم البعث، أي دعوة الدولة لقولبة المواطنين. هذه المشروع مختلف تماما عن مشروع الحصري الوحدوي التربوي القائم على التبشير بالهوية العربية دون تنظير لدولة شمولية، كما يختلف عن التطورات اللاحقة للمشاريع القومية التي طرحت أولوية بناء عقد اجتماعي عربي ودول ديمقراطية في طريق الوصول إلى تكامل سياسي واقتصادي بين الكيانات العربية القائمة.

نجد اليوم التنظيرات القومية قد اختلفت تماما، فلم تعد الأولوية الوحدة بأي ثمن كما يرى الحصري، بل التحول الديمقراطي، كما يطرحه عزمي بشارة في “المسألة العربية” أو “أن تكون عربيا في أيامنا” أو برهان غليون في “بيان من أجل الديمقراطية”. لم تعد فكرة عفلق عن حلول جاهزة لكل مسائل العرب والتنظير لدولة شمولية مستساغة لدى بشارة الذي يرى أن العروبة هوية وليست أيدولوجيا تتوسم حلول لكل المشكلات، لذلك يقول بشارة “يمكن أن يكون القومي العربي ديمقراطيا أو فاشيا، يساريا أو يمينيا ” من هنا يطرح بشارة القومية العربية كهوية سياسية لا مشروعا شموليا استبداديا كما في تنظيرات عفلق وتجسيد البعث لها. من هنا كان الحديث عن مشروع قومي واحد مجرد مغالطة لا تصمد لا أمام الحاضر ولا التاريخ، فالقوميين ليسوا مختلفين ومتنوعين كتجربة تاريخية فقط، بل باتوا ينظرون لهذه التعددية داخل تيارهم كما في الدولة الديمقراطية التي يسعون إليها.

خاتمة

في هذا السياق أود الختام بحادثة تاريخية أراها شديدة الدلالة، على عدم التعارض بين الانتماء للدولة القطرية، والانتماء القومي، وهي قصة أهم شخصية بعثية كويتية، فيصل الصانع، كما سردها الدكتور فلاح المديرس في كتابه “البعثيون في الخليج والجزيرة العربية” حيث كان الصانع من القيادات البعثية الرفيعة في الكويت وصديق شخصي للرئيس العراقي صدام حسين، ورغم هذا وقف الصانع ضد الاحتلال العراقي، ورفض التعاون لتشكيل حكومة موالية للعراق. يسرد المديرس القصة كالتالي: “وفي غضون فترة احتلال الكويت من قبل النظام العراقي في الثاني من أغسطس عام 1990م تم أسر فيصل الصانع من قبل جيش الاحتلال العراقي، لرفضه التعاون مع سلطات الاحتلال العراقي وترجيح انتمائه الوطني على ولائه الحزبي. حيث حاولت سلطات الاحتلال تشكيل حكومة من المعارضة السياسية عن طريق الصانع”.  ويضيف المديرس ” على الرغم من أن فيصل الصانع من البعثيين المقربيين لصدام حسين حيث كانت تربطه بالأخير علاقات قديمة أثناء دراستهما في القاهرة من خلال نشاطهما في منظمة الحزب في القاهرة، وكان صدام كثير التردد على المنزل الذي كان يسكن فيه الصانع في ذلك الوقت. على الرغم من التدخلات التي قامت بها منظمة حزب البعث في تونس عن طريق أحد قيادات التنظيم لدى صدام حسين حيث رفض الأخير إطلاق سراحه على الرغم من مرور أكثر من عشر سنوات على اعتقاله”.

يبدو هذا السؤال، سؤال التعارض بين الانتماء القومي والانتماء للدول الوطنية، مشابه لتلك الأسئلة التي تطرح على الشيعة وعلاقتهم بالمرجعية الدينية خارج الدولة للتشكيك في وطنيتهم، أو تلك التي تطرح على الإسلاميين وانتمائاتهم الأممية، أو تلك التي كانت تطرح على الشيوعيين وعلاقتهم بالاتحاد السوفييتي في فترة سابقة، فهو طرح تشكيكي تحريضي أكثر من كونه سؤال حقيقي يريد الوصول إلى الحقيقة أو طرح استشكال واقعي، وإلا لما تجاهل من يطرحه أن الدول القطرية التي يتحدث عنها تتبنى العروبة كمكون من مكونات هويتها الوطنية، وإن لم تترجم هذا الانتماء إلى أفعال.

بابا نويل: أبيض ..أسود ..أم بطريق!

نقاش طريف ومهم يدور هذه الأيام في الولايات المتحدة الأمريكية حول العرق الذي ينتمي له “بابا نويل” أو لون بشرته. بعد أن كتبت إحدى المدونات تدوينة تعبر فيها عن رفضها أن يكون بابا نويل “رجل أبيض” وتطالب بأن يتم اسخدام “بطريق” بدلا عن العجوز الأبيض جالب الهدايا في أعياد الميلاد المسيحية.

المدونة ساقت عدة دعائم لرأيها. كتبت على سبيل المثال أنها في طفولتها كانت ترى بابا نويل أبيض في الطرقات والأسواق وكل الأماكن التي تحبها، حتى أنها كانت تراه على هذه الهيئة في بعض بيوت الأمريكيين السود، بينما تجد بابا نويل أسود في بيتها، شخص يشبهها، ويبدوا أقرب إليها. تقول المدونة أنها عندما سألت ولدها عن شكل بابا نويل الحقيقي، هل هو الأسود الذي تراه في بيتها، أم الأبيض الذي يظهر في الإعلام والأسواق والاحتفالات العامة ..الخ. أجابها بأنه بابا نويل يكون بأي لون. لكنها عبرت عن إلتباس هذا الأمر عليها.

حقيقة قد يبدوا الحوار لأول وهلة تافها، لكنه ليس كذلك على الإطلاق، بل هو ينطلق من رؤية الأمة الأمريكية نفسها كأمة بيضاء مسيحية إنجلوسكسونية أو متعددة الأعراق والثقافات والأديان. تأتي هذه الأطروحة انطلاقا من هذا التساؤل حول الهوية الأمريكية التي تتجدد باستمرار خاصة بعد انتخاب الرئيس أوباما كأول رئيس أمريكي أسود.

قرأت أحد الردود على هذه التدوينة، وكان مليئ بالتعيقات العنصرية ضد السود، والصور النمطية عنهم، ووصفهم بأنهم يفضلون العيش على برامج الرفاه الاجتماعي بدلا عن العمل بجد لاكتساب رزقهم لذا يفضلون للحزب الذي يدعم هذه البرامج المجانية “الحزب الديقراطي حسب الكاتب”.

أظن الاطلاع على مثل هذه النقاشات مهم، لنقارنها مع الكيفية التي يتم من خلالها تصوير الأعراق الأخرى في الإعلام السعودي، وكيف يتم التعامل مع العمالة على سبيل المثال، أو كيف يتعامل الإعلام مع الثقافات المحلية التي لا تظهر بشكل طبيعي في الإعلام، كثقافة فيفاء أو المهرة، والتي يتم التعامل معها بكثير من الأحايين في خانة “التقارير عن الغرائبيات”.

 blacksantaروابط باللغة الإنجليزية للتدوينة والمقال والمشار إليها أعلاه:

Santa Claus Should Not Be a White Man Anymore by Aisha Harris

Santa Claus Black or White? Why it Matters by Graham J Noble

قمع المتظاهرين السلميين في “الأحد الدامي”

يظهر فيلم “الأحد الدامي” أو” Bloody Sunday” طرق العسكر في قمع المظاهرات والمطالب السلمية، وكيف يستغل المتطرفون الراديكاليون هذا القمع لصالح حراك عنيف ودموي. الفيلم مقتبس من أحداث المذبحة التي ارتكبها البريطانيون ضد الإيرلنديين في يناير 1972م. حيث تم قمع إحدى المظاهرات وقتل قرابة 13 محتج عند معارضتهم قانون الاعتقال التعسفي الذي أقرته السلطات آنذاك.

بعد قمع هذه المظاهرة خاب أمل الكثيرين بالتغيير بشكل سلمي في إيرلندا، فبادروا إلى الانضمام إلى الجيش الجمهوري الإيرلندي والذي ينتهج نهجا دمويا من أجل تحقيق مطالبه بتحرير إيرلندا وطرد الإنجليز. حيث بدأ أفراد الجيش الجمهوري الإيرلندي بالمزايدة على الأخرين بأن طرقهم السلمية لتحقيق التغيير لم تنتج إلا عنف السلطة ضد الشعب الإيرلندي، وقتل المتظاهرين الذين لم يستخدموا العنف، مما يعني أن العنف هو الطريق الوحيد لتحقيق التغيير.

يظهر الفيلم أن تفكير الجنود كان منصبا على شيء واحد فقط، وهو القمع. كيف يتم القضاء وتفرقة المحتجين، دون التفكير في سبب خروج هؤلاء وما هي مطالباتهم. كما يظهر الفيلم رعونة العسكر ومبادرتهم إلى القتل. إذ مارس الجيش البريطاني في الفيلم القمع والقتل، وقام بفبركة الأدلة ضد المتظاهرين الجرحى من خلال دس قنابل وأسلحة في ملابسهم.

يبين الفيلم كيف يمكن للعنف أن يكون مبررا لعنف أكبر وأوسع، وكيف يتشابه التفكير القمعي من خلال فبركة الأدلة وملاحقة الناشطين والتشهير بهم وقمعهم ..الخ. هذا التشابه بين الفيلم وبين ما يحدث يوميا في كثير من الدول حول العالم أمر مثير للدهشة والانتباه.

bloody_sundayصورة لمظاهرات الأحد الدامي